كلما كانت مسيرتك تستند إلى أصولٍ راسخة، وقواعدَ شرعيةٍ بصيرة، ومرجعيةٍ أولى لا تتقدم عليها مرجعية؛ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكانت تجربتك في الطريق متأدبةً بهدي السلف، وكنتَ أقدر على التجرد من الهوى، وأشد حذرًا من أن يتسلل إلى نظرك أو حكمك أو موقفك؛ كانت سيرتك أمضى وأثبت، وخطوتك في الطريق أبعد عن الاضطراب والتناقض.
فالاضطراب الذي يظهر في المسير ليس دائمًا وليد كثرة العوائق، ولا شدة الفتن، ولا تعاقب الظروف؛ بل كثيرًا ما يكون أثرًا لاختلالٍ أصاب القواعد من أصلها، أو لثغرةٍ تسلل منها الهوى إلى المنهج، فأفسد الميزان شيئًا فشيئًا. فإذا اضطرب الأصل، اضطربت الفروع، وإذا اختل الميزان، لم يعد صاحبه يدري أيميل مع الحق أم مع نفسه. فيضطر لأساليب التفلت والمخادعة، وهو مما لا يليق بالمؤمن الذي يرجو رحمة ربه.
فمن أراد أن يسير قويًّا في الحق، مستقيمًا على ما أمره الله عز وجل، فلا يتهاون في حراسة أصوله ومنهجه من الهوى، ولا يسمح للتجارب والأشخاص والضغوط أن تعيد تشكيل الحق في نفسه؛ بل يزن نفسه دائمًا بالكتاب والسنة، ويعرض مواقفه على ميزان الشرع، ويجاهد حظوظ نفسه كلما رأى منها ميلًا أو تطفيفًا أو تحيزًا.
فإذا استقام الأصل، وصدق التجرد، وحُفظت القواعد من عبث الأهواء، وتجذّر إخلاص الدين لله في القلب والجوارح والأعمال، نصر الله عبده وثبته وأراه من الحق ما يستمسك به؛ وهذا بعض معنى أن يسير الإنسان على نورٍ من الله، وفي سبيل الله، ولله، لا يستمد بصيرته من تقلبات الطريق، ولا قوته من إعجاب الناس به، ولا ثباته من موافقة الآخرين له، وإنما يستمدها من نورٍ أقامه الله في قلبه، ومن تأييد ومعية يمنّ الله بها على من استقام كما أمر الله عز وجل.
لكن هذا كله لا يقوم بالمنهج المجرد وحده؛ فإن القلب الذي يحمل قواعد صحيحة قد تضعفه نفسه إن لم يكن له من العبادة زاد. فلا بد أن تحفَّ هذه المسيرة عبادةٌ كثيرة، وذكرٌ لا ينقطع، وتفكرٌ يحيي القلب، وقيامٌ بين يدي الله، وعباداتٌ قلبية من خوفٍ ورجاءٍ ومحبةٍ وتوكلٍ وإنابة، ودعاءٌ يفتقر فيه العبد إلى ربه في كل خطوة.
فإن لم يكن له من الله مدد، ولم يكن قلبه موصولًا به، وكله الله إلى نفسه؛ وحينئذ قد يعرف الطريق ولا يقدر على سلوكه، ويعرف الحق ولا يثبت عليه، ويحسن الحديث عن الاستقامة ثم تزل به قدمه عند أول امتحان.
ولهذا، فإن قوة المسير ليست في وضوح الطريق وحده، بل في نورٍ يهديك إليه، وقلبٍ يراقب الله فيه، ونفسٍ تجاهد هواها، وعبادةٍ تمدك بالقوة كلما أوهنتك الطريق. فاحفظ أصلك، واحرس منهجك، وجاهد هواك، وأكثر من عبادة ربك وترفع عن كل ظلم يُفسد عليك إقبالك؛ ثم امضِ، فإن من سار إلى الله على بصيرة، مستعينًا به، متجردًا له، فهو في ولاية الله جل جلاله، فماذا يضيره أن يجهله الناس أو يكيد له الناس! ربح البيع إن صدق!