كيف أستطيع التعايش والتوازن بين الحفاظ على هويتي الإسلامية والشعور بالطمأنينة والانتماء في بيئة تختلف عني دينًا وثقافة؟

جزاكِ الله خيرًا على ما تكتبينه من مقالات نافعة وملهمة. قرأت مقالتك “كيف أبدأ تعلم العلم الشرعي وأتفقه في أمري؟”، واستوقفتني عبارتك عن أن العلم باب للطُمأنينة، وكيف أن البداية تكون بصدق النية وكثرة الدعاء، وهذه كلمات أثارت في داخلي رغبة حقيقية في التصالح مع نفسي والعودة إلى طريق الاستقامة دون توتر أو ضغط. كما تأثرت كثيرًا بمقالك “يؤلمني ما يحدث للمسلمين، كيف أعد نفسي حتى أنصرهم؟”، وخاصة حديثك عن أهمية الإعداد القلبي والإيماني للفرد قبل أن يسعى للتأثير، وهو ما شعرت أنني أفتقده في هذه المرحلة.

لقد نشأت وتربيت طوال حياتي في دول مسلمة، وانتقلت بين ثلاث دول عربية قبل أن أستقر منذ ثماني سنوات في …. ومنذ أن جئت إلى هنا، وأنا أواجه صعوبة حقيقية في التأقلم. أفتقد تفاصيل كنت أراها بديهية: سماع الأذان، رؤية المحجبات في الشارع، وحتى مجرد الإحساس الجماعي بهوية إسلامية تحيط بي.

لكن الصعوبة الأكبر التي أعيشها هي الشعور الدائم بعدم الانتماء. في بعض الأوقات أشعر أنني لا أندمج مع المجتمع المسلم هنا، ربما لأنني لا أُعتبر “متدينة بما يكفي”، وأحيانًا أجد نفسي أبدو “متدينة أكثر من اللازم” في أعين آخرين. ومع غير المسلمين، أشعر أن هناك دائمًا فجوة في القيم والعادات لا أستطيع جسرها. فأبقى دائمًا في المنتصف، لا أشعر بالانتماء التام لأي جهة.

سؤالي لكِ: كيف أستطيع التعايش والتوازن بين الحفاظ على هويتي الإسلامية والشعور بالطمأنينة والانتماء في بيئة تختلف عني دينًا وثقافة؟ كيف أتعامل مع شعور “الغربة الداخلية” حتى عندما أكون محاطة بأشخاص؟ وكيف أجد لنفسي طريقًا واضحًا في علاقتي مع الله، دون أن أضيع بين تقييمات الآخرين؟

أرغب في استشارة منك، إن تكرّم الله عليكِ بالوقت، حول كيفية تهذيب هذا الشعور، وتقوية قلبي، وبناء حالة من السكينة رغم اختلاف البيئة من حولي.

وفقكِ الله وسدد خطاكِ، وفتح عليكِ من فضله.

حياك الله وبارك بك،
تسلط رسالتك اليوم الضوء على جزء منسي من يوميات مسلمة في بلاد بعيدة مختلفة. حيث تعيش شريحة كبيرة مغتربة شعورا دائما بعدم الانتماء، وهو شعور مكلف وليس بهين، وإني أحسب أن منطلقاته ستحدد حدته أو يسره، فإما أن تخفف هذه المنطلقات من تكاليفه أو تزيدها تكلفة.

كيف ذلك؟

كل اغتراب، كل خروج بعيد عن الديار الأولى التي ننتمي لها، وكلما كانت المسافة بعيدة والاختلاف واضحا والثقافة مغايرة، فإن المشاعر تضطرب والوحشة تزيد. إلا أن هناك نوعين من الاغتراب:

الأول: اغتراب في سبيل الدنيا، لأجل تحسين المستوى المعيشي والاجتماعي، وهذا النوع من الاغتراب يتطلب مجاهدة النفس لحفظ الهوية، لأن المغترب لا يحمل رسالة معه سوى أنه يسعى لرزقه وتحسين ظروفه الحياتية، فيتأثر بسرعة، وينجرف بدون أن يشعر، ولا يجد حرجا في تقديم التنازلات لأجل مصالحه الدنيوية، ومثل هذا المغترب إن لم يتزود لثبات قلبه وإن لم يعتز بهويته، فإن انجرافه سيتسبب في تفريط مثخن في دينه وأصوله، ومشكلة هذا الانجراف أنه مكلف وخسارة للإسلام وخذلان لمقام نصرته، قبل كل شيء آخر، وما أكثر نماذجه في الغرب.

الثاني: اغتراب في سبيل الله تعالى، لأجل الثبات على الدين وحمل رسالة الإسلام بغض النظر عما يرافقه من احتياجات معيشية أو ظروف حياتية، ولو اقترن بالبحث عن الرزق، أو الفرار من القمع والاضطهاد، يبقى الأصل فيه هو حمل رسالة الإسلام، ليعبد المرء ربه، ويظهر شعائر دينه بدون تضييق، وهذه هجرة لله تعالى لها موجباتها كما لها تكاليفها لكنها من حيث حال النفس فهي غالبا ما تكون في استقرار ومسابقة، رغم ما يعتريها من تبعات هذه الغربة.

وهذا يعني أن علينا ضبط نيتنا في كل سفر واغتراب نجد أنفسنا فيه أو نُقدم عليه، علينا بداية أن نجعل غايتنا وهدفنا من كل حركاتنا واضحا لا لبس فيه، فإن كان سفرك هذا لعمل أو ظروف معيشية وحظ دنيوي خالص، فيجب من الآن أن تقرنيه بنية تمثيل الإسلام أفضل تمثيل وحمل أمانة دين الله تعالى باجتهاد، والمسابقة في أي مكان أوجدك الله تعالى فيه كأمة لله تعالى ترجو رحمة ربها، فتنصره وتخدم دينه وتدعو إليه، وهنا تتغير تفاصيل حياتنا تماما، فقد أصبحنا نحمل مهمة وغاية مؤيدة من الرحمن مولانا..!

وحامل الرسالة مجاهد مرابط مؤيد، معية ربه تغنيه.

ضبط هذه النية مهم جدا، فقد رأينا من يعيش في بلاد بعيدة مختلفة، كيف يكون أكثر اضطربا كلما كان بعيدا عن أصوله وأمانة دينه وارتباطه بالعمل للإسلام، وكلما كان منغمسا في الحياة الدنيا، تشتد مسافاته اضطرابا ووحشة.

مع التنبيه إلى أن الانتماء مهمة شبه مستحيلة في المجتمعات المختلفة طبيعة وأصولا وثقافة، وقد رأينا من حاول الانتماء لمجتمعات غربية واندفع نحو التنازل عن هويته وأصوله وحتى أخلاقه ومروءته، أو شيء منها، ومع ذلك لم يتخلص من شعور عدم الانتماء، فهذا أمر صعب لكون كل نفس قد جُبلت على السكن لما تنتمي له بداية، من عقيدة وخلق، من عادات وتقاليد، من طباع وأساليب حياة. حتى لو تغيرت عقيدتها وتبدلت طباعها، ستنادي نفسها عن ذاتها في داخلها وتسكن لما فيه هويتها وانتماؤها الأصلي حتى على مستوى طبق أكل، أو لغة حديث، أو مظهر لباس!

وقفة مع الانتماء

الانتماء حاجة أساسية للإنسان وعدم القدرة على الانتماء في مجتمع جديد يؤدي لشعور العزلة والاغتراب، وكلما تعمق هذا الشعور قد يؤدي إلى صراع داخلي بين الهوية الأصلية والهوية المطلوبة للتكيف.

يبدأ عادة الإنسان بهذا الصراع بين الهوية والانغماس في المجتمع ثم كثيرا ما ينتهي إلى أزمة هوية إذا لم يجد الفرد طريقا للتوازن. وهذه الأزمة سبب شعور الوحشة وعدم الاستقرار. يعيش الإنسان بنصف حضوره! لأنه لا يسكن تماما. حتى لو أشبع احتياجاته الجسدية والمعيشية.

وفي كثير من الحالات يؤدي الانخراط في مجتمع مختلف كليًا إلى صدمة ثقافية، وهي حالة توتر نفسي تظهر عندما تواجه النفس أنماط حياة وقيم أو سلوكيات غريبة. وهي من أكثر ما يسبب شعور الوحشة وعدم الانتماء.

في البداية، قد يشعر المرء بالذهول والارتباك. بعد ذلك، قد يحاول التقليد أو التكيف بطريقة سطحية، لكنه غالبًا يواجه رفضًا داخليًا أو شعورًا بالضغط. إذا لم يتلق دعمًا أو أدوات للتكيف، قد يؤدي ذلك إلى انسحاب نفسي أو مقاومة التغيير.

ويرى علماء النفس أن تحقيق التكيف الفعّال يتطلب الوعي الذاتي، وتعلم الثقافة الجديدة، وإيجاد شبكة دعم. وهنا نتحدث عن أهمية فهم واستيعاب الواقع الجديد بمنطق أصحابه، مع وجود دعم يثبتك ويعينك على الاستقرار النفسي والحفاظ على توازنك.

فالفرق الكبير بين الذات الأصلية ومتطلبات المجتمع الجديد يولّد صراعًا مستمرًا. وفي حال المسلمة في الأغلب لا يكون في “الاندماج الكامل” أو “رفض المجتمع”، بل في إيجاد مساحة آمنة للهوية الأصلية مع تعلم قواعد المجتمع الجديد.

نحن بحاجة لإيجاد طريق للتعايش المثمر دون أن نخسر أنفسنا وهويتنا وما يميزنا.

كيف تشعرين؟

سأتحدث بلسان المغتربة، فهي حالة من عدم الانتماء في وسط غريب أو مختلف لما عهدته أو تنسجم معه.

ينتاب المسلمة شعور غربة ووحشة، فكل ما حولها ليس اعتياديا تماما، هناك عادات غريبة، وهناك تصرفات وسلوكات قد تكون حقيقة مستهجنة جدا ومنكرة في ثقافتك، لكنها مقبولة جدا ومتداولة في ثقافة أخرى.

هناك تفاصيل تعتبر أساسية في التعاملات تفتقدينها، هناك نوع فوضى في التعامل مع كان بالنسبة لك نظاما يجب عدم تجاوز حدوده أو على الأقل يتطلب احترام خطوطه.

العيش في مجتمع مختلف يعني الاصطدام بما هو غريب وغير معتاد، وهذا يولد ردتين للفعل: إما أن يكتم المرء ردة فعله ويتعامل على أنه متقبل لكل ما يراه، بينما في باطنه هو حقيقة غير منسجم معه، فيصنع ذلك تراكمات وإحباطات وشعور وحدة ووحشة.

وإما أن ينعزل، فيبتعد عن الوسط الذي ينازعه المفاهيم والعادات التي تربى عليها واعتاد عليها وانسجم معها. وفي ذلك أيضا شعور وحدة ووحشة.


المرهق في كلا الحالين أن مجرد تفاصيل صغيرة جدا قد تتدخل وتغير واقع المرء المغترب تماما، وتشكل ضغطا على نفسيته، تفاصيل قد تكون مهملة في وصف الحياة لكنها في الواقع مؤثرة بعمق في حالته النفسية واستقرار هذه النفس.

قد ينجح المرء في بناء صداقات لكن هذه العلاقات الجديدة تتطلب أن تحظى بمساحة استيعاب وتقبل وتعايش مع مسافة مرافقة هي مسافة الأمان، فقد تصيبنا خيبات، حين نصل لمرحلة نعتقد فيها أننا تمكنا من تحقيق إنجاز، ثم نجده مختلفا تماما عن توقعاتنا أو نجد في أنفسنا مع توالي المواقف أن علينا أن لا نُسلم له تماما. لذلك لا بد من مسافة أمان.

كيف نتجاوز كل ذلك أو بالأحرى كيف نخفف من أثر ذلك على النفس؟


لا تعاندي نفسك، تقبلي حقيقة أنك مغتربة في هذا الوسط، ولا يعني ذلك أن الخلل فيك أو في الوسط إنما هذه طبيعة بشرية، نسكن لما ننتمي له. ونستوحش مما لا ننتمي له. واحتسبي كل ذلك فله موجبات فضل.

ثم ابحثي عن نقاط التقاء صغيرة، قد تكون مشاركة أفكار للطعام، أو حضور درس للقرآن والعلم، أو التعرف على الثقافة بشكل من الإحاطة التاريخية. ويبقى المسجد محطة تجمع كل المغتربين، وتوحد شعورهم، تحت سقف الإسلام العظيم. تتلاشى معها الكثير من الفوارق والاختلافات.

حافظي على هويتك الأصلية، لا تحاولي محو نفسك بالكامل، فذلك يتسبب في ضغط نفسي كبير، بل حافظي على تفاصيلك التي تستقر معها نفسك، وليتعلم الجميع تقبلك بهذه الحال.

استوعبي الثقافة الجديدة بمحاولة فهمها، وإيجاد أعذار وتفاسير لما يصدمك، والأهم قبل كل ذلك، الكفّ عن انتظار أي شيء منها، فأنت هنا بمقام المشاهدة فقط والمحسنة تحديدا، لا تنتظري شيئا أبدا، فإن أصابك خير، أكرمي الكريم مرتين، واحذري من اللئيم كل مرة مرتين! ولا تكوني مستغفلة.

اجعلي شغلك الشاغل ترك الأثر الحسن والطيب، فأنت راحلة يوما ما من هذه الأرض، فليكن خير ما تتركينه، حجة لك عند الله تعالى. حدثي نفسك بذلك وأنت تمشين على هذه الأرض التي ستحتضن مشاعرك، وأنت تنظرين للسماء التي تطفئ هواجسك، حدثي هذه النفس بكل ما يقوي يقينها وصبرها وتوكلها، فتسترجعين أنفاسك! ولا تفوتك مقامات الدعاء العظيمة، ففيها موعد ظفر وتزود لا تتخلفي عنه وفاء ووجلا.

عبارة: “لا أُعتبر “متدينة بما يكفي”، وأحيانًا أجد نفسي أبدو “متدينة أكثر من اللازم” في أعين آخرين”، تلخص واقعك بوضوح، لا يوجد مقياس واحد معتبر في هذا الوسط، ويجب أن لا يكون مقياس الناس هو المعتبر في كل وسط سواء المغترب أو الوطن. يجب أن نتحاكم دوما لما يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فما دمت في مرضاة الله لا تبالي أبدا ولا تحملي هم تقديم تفسير أو إرضاء أحد غير الله تعالى.

لكن يمكنك أن توضحي الأمور التي تعتقدين أنها تصنع فجوة بينك وبين من هم حولك. خاصة ممن تتعاملين معهم بشكل مستمر، بتبيان الاختلاف في بعض القيم والعادات، فهذه التفاصيل تهمني، وهكذا عادة أفكر، وهذا أمر يحتويه الإسلام، ولا تكلفي نفسك فوق طاقتك.

نأتي الآن للإجابة عن سؤالك:

كيف أستطيع التعايش والتوازن بين الحفاظ على هويتي الإسلامية والشعور بالطمأنينة والانتماء في بيئة تختلف عني دينًا وثقافة؟

لتحقيق ذلك يجب أن تحافظي على قاعدتين مهمتين تتعاملين وفقهما:

الأولى: الحفاظ على مساحتك الخاصة، التي تجدين فيها نفسك وتنسجمين فيها مع خصائص حياتك وأسلوبك في الحياة، هذه المساحة هي كهفك، لا تقحمي فيها أحدا غريبا، حافظي على خصوصيتك فيها وهي مهمة جدا لك للاستقرار النفسي. تعيشين بكل التفاصيل التي تصنع راحتك النفسية ولأسرتك. لا تتكلفي التغيير في هذه المساحة. فهي وطنك، هي مملكتك، هي انعكاس ما تحبين في وسطك. لتسكن نفسك وتستقر. هذا عالمك الخاص على مستوى تفاصيل برنامجك اليومي، عباداتك، هواياتك، طعامك، زينة بيتك، اهتماماتك، ذكرياتك .. وكل خاص بك وما هو تحت مسؤوليتك وفي دائرة علاقاتك الأسرية.

الثانية: مساحة العمل للإسلام، التي تعملين فيها لله تعالى، وفق خطط وأهداف محددة ومدروسة وبالنظر إلى حجم طاقتك وقدراتك وما يتوفر لك من فرص تناسب المسلمة في خدرها. هذه المساحة هي مثل الساحة المفتوحة الخارجية، تستوعبين فيها تعاملات الناس وعقلياتهم المختلفة ولا تتكلفي القرب الكثير ولا تنتظري الوفاء لك، فهي ساحة خدمة للإسلام، أنت فيه مرابطة مجاهدة، لا تنتظري فيها شيئا سوى أن تقدمي أثرا في سبيل الله تعالى. ولو كان هذا الأثر لا يتجاوز حسن الخلق في التعاملات، أو كرم الضيافة وجود التسامح والتفهم.

إذا حافظت على مساحتك الخاصة، ومساحة العمل بحدود ما يخدم أداءك التقي والمحسن فيها، سيكون التوازن ثمرة هذا النظام، ويخف ثقل شعور عدم الانتماء بفضل الله تعالى.

في الغربة لا حياة إلا للإسلام، فكل حياة ليست للإسلام ستتعبك كثيرا وتجدين نفسك تحملين أثقالا مع كل يوم حتى لو حاولت تبديدها باللهو والترفيه، إذ تضطرب مسيرتك لأنها بلا روح الإسلام وبلا غاية المسلمة الأرجى. وفي الواقع كل ما حولك يناديك، ويذكرك، أنك هنا لأجل رسالة وحمل أمانة!

لذلك جدي لنفسك موطئ قدم يشغلك، وأعتقد أنك لست مضطرة لأن تندمجي تماما في هذا الوسط، قد يكفيك أن تقومي على ثغر يحتاجك، مثل تعليم اللغة العربية، أو توفير الترجمات، أو الأعمال التي لا تتلطب الكثير من الاختلاط مع الناس والتعامل المباشر وما تضطرب له النفس عادة، وليكن حضورك وآثارك على بعد مسافات، عبر الأنترنت مثلا، أو عبر محطات زمن متباعدة. ابحثي لنفسك عما ينسجم مع همتك وتوازنك وشخصيتك.

واعلمي أن لا شيء يبدد شعور “الغربة الداخلية” مثل قوة العلاقة مع القرآن العظيم وعبادة التفكر، وما يوجب محبة الله عز وجل، فحاولي أن تستفيدي من قربك من القرآن ومن تفكرك فيما يجري في حياتك وما حولك، فهذه من الغنائم التي توفرها لك الغربة أكثر من مكان آخر تألفينه، إذ تزداد صلتك بالله تعالى وأنسك به جل جلاله، ثم دللي نفسك بجلسة في الطبيعة والتأمل والارتباط بالسماء، أكثري من الأعمال الصالحة، واهتمي بالخبيئة، ومضاعفة رصيد حسناتك، ٍتجدين راحة كبيرة بإذن الله تعالى.

ابحثي لك عن هواية تسليك وتفيدك وتنعش تفكيرك، ابحثي عن فكرة تشغلك وتبدد أي تركيز في التفكير النمطي الذي يركز على التفاصيل المرهقة والمحزنة. وقد رأيت أن الغربة لها فوائد جميلة جدا، منها اندماج الثقافات، حيث تخرجين بأفكار مميزة تتولد من تلاقح الأفكار واختلاط الوصفات! ولا بأس من أن تتحول لمشروع تجاري دعوي، ما دام يحقق لك منفعة وللمسلمين فائدة.

أتذكر في هذه الأثناء الصحابية الجليلة أسماء بنت عميس رضي الله عنها، لقد نفعت المجتمع المسلم بهجرتها للحبشة، فرجعت بمعارف في الطب وتعلمت خلال هجرتها وصفات القوم في التعامل مع الأمراض بل وحتى فكرة النعش كانت هي من أدخلها على المدينة، وهكذا، نصنع من التعارف على الثقافات الأخرى علما وعملا، ونسد احتياجاتنا، ونشكل بأنفسنا ثقافة أخرى نافعة، وفي ذلك متعة تجربينها بنفسك، مجرد وصفة تدخلين عليها قواعد طبخ مختلفة ستسعدك، وحتى تفاصيل الزينة والهدايا وكثير من ثقافات الشعوب فيها متعة وسعادة.

لذلك أرى أن تتعلمي دمج الثقافات لتخرجي بأفكار مستنبطة من الاختلاف في الأطباق في أفكار البيت في اللباس في الزينة في العلاجات، في الخبرات، وفي كل ما يخطر ببالك، استفيدي مما لدى الآخرين من صفات وأفكار، وتذكري أسماء بنت عميس رضي الله عنها.

أما تقييمات الآخرين فستتخلصين منها حين تحافظين على مسافة أمان بينك وبين الناس. لا تقتربي كثيرا فتفسدي صفو خصوصيتك وهويتك، ولا تبتعدي كثيرا فتُحرمي أنس الصحبة وبركات الاجتماع في سبيل الله تعالى. واجعلي ما يقوله الناس آخر اهتماماتك ما دمت تحاسبين نفسك وفق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولديك قدواتك من الجيل المتفرد! فإرضاء الناس حقيقة غاية لا تدرك أبدا، ولكن إرضاء الله تعالى يكفيك كل هم ويغنيك..!

نصل الآن للجزء الأهم في السؤال:

كيف أهذب هذا الشعور وأقوي قلبي وأبني حالة من السكينة رغم اختلاف البيئة من حولي؟

الجواب في هذه المعاني المتصلة: كوني داعية لله تعالى .. داعية على نور من الله تعالى .. كوني أمة لله في أي مكان تكونين فيه، حققي مقامات العبودية لله تعالى بإخلاص، أيا كان ظرفك وموقعك، وأبشري بالخير والمعية.

عليك أن تنظري للمشاهد بعين المهاجرة في سبيل الله تعالى، تستوعبين الضعف والاختلاف ولا تحملي نفسك أكثر من طاقتها. ليس هدفك كسب قلوبهم بل هدفك مرضاة ربك سبحانه تحدوك التقوى والإحسان إليهم، حتى لو قابلوا هذا الإحسان بسوء فهم أو إهمال، فأنت تجارتك مع الله جل جلاله. هذه قاعدة مهمة لك لتخفف من وطأة أي رد فعل يؤلمك أو يشعرك بعزة نفسك تعتصر، في لحظة إقبال يقطعها بخس أو صدود. بل قد تجدين معاملة مؤذية جدا وجارحة، لكن حين تتفكرين أنها في سبيل الله تعالى .. حين تقابليها بعفو وترفع عن حظوظ النفوس محتسبة، وإن كانت تهزك لعزة في نفسك، إلا أنك ما تلبثين تستشعرين إعزاز الله لك!

ثم دعيني أوضح هذه الحقيقة التي في الواقع لم تعد غريبة على الكثير من المسلمين اليوم، فالغربة في حقيقتها ليست مجرد بُعد مكاني، بل حالة نفسية داخلية يمكن أن يعيشها الإنسان حتى في بلده. حتى بين أسرته ومعارفه وأقرب الناس إليه.

قد ينتابك هذا الشعور حتى بدون السفر والاغتراب، يحصل ذلك حين تكون قيمك ومبادئك وما تؤمنين به وتعتقدينه بقوة، لا يتناغم مع المحيط من حولك.

ويحصل ذلك حين نفتقد الصديق الصدوق، ونستوحش من فقد صحبة الأوفياء والصالحين، وحين نشعر بالحاجة للرفيق المتفهم والمساعد، الذي يخفف من وحشة غربة الزمان لا يتبدل. وفي الواقع هذا النوع من الناس وهذه الخامة من القلوب تحديدا لها مواطنها، وعادة ما تكون في ميادين الجد والسبق والعمل في الثغور في سبيل الله تعالى .. أو منعزلة في زاوية بعيدة عن الناس.

فإن لم تجدي صديقة ومناصرة تعينك على غربة الطريق ابحثي عنها في وسطها أو صاحبي الكتب والعمل في سبيل الله تعالى وستحيطك ألطاف ربك وتأنسين بأنس يغنيك.

اجعلي من قيمك ومبادئك التي تؤمنين بها وتعتقدينها – لنبلها وصدقها – قدوة فيك، تقدم المثال التقي والمحسن.

ولن تجدي وقتا للتفكير في مشاعرك، حين تنغمسين في العلم والعمل.

اصنعي لك وسطك المناسب ولو كان صغيرا، مع من يشبهونك ويتفقون معك ومع اهتماماتك ولو كانوا قلة. فالروابط الاجتماعية تخفف شعور الاغتراب، وهي إن رافقها تربية النفس على الاستغناء بالله تعالى تصنع لك وسطا هو وطن لك.

تحدثي بلغتك مع من يفهمها، وحاولي أن تفرضي تقدير العربية في خطابك، ليتعلم الناس منك اعتزازك باللغة العربية، وشجعي من حولك على تعلمها.


الغربة الحقيقية هي الغربة عن الإسلام وما يتصل به، وليس عن الناس والمكان.


تحيطك اليوم ثقافات مختلفة وأذواق وأساليب تعامل متعددة، فتفهميها وتعلمي كيف تتعاملين معها، واستحضري حقيقة أن التكيف والاستيعاب لا يعني الذوبان.

لست مجبرة على التخلي عن ثقافتك لأجل ثقافة أخرى. يمكنك مثلا تعلم ما يثير الاستياء في التعاملات بينهم وما يوجب التقدير، تعلمي كيف تكرميهم بما يحبون ولكن لا تتنازلي عن قيمك،

فلو كانت ثقافتك تتطلب إكرام الضيف وهم قوم لا يتعهدون هذا الأدب، لا تتخلي عنه، اجعليه أسلوبك في تعليمهم الخير. فبعض الشعوب لا يهتمون بتفصيل الضيافة بينما العرب كرماء بالأصل. لذلك لا تتغيري لأجل أن الثقافة التي تتواجدين فيها لا تهتم بالضيافة على سبيل المثال.
وعلى هذا المثال نقيس، ما فيه خير وإحسان وتمثيل للإسلام لا نتركه، ولو كان مهملا أو مبخوسا في وسط آخر، لأننا دعاة لله تعالى .. والبيعة لله تعالى. وهذا يساعد في ترسيخ جذورك وحفر الأثر والتفرد بما هو جميل فيك ويميزك!

علاقتك بالله تعالى

اعلمي أخية أن كل التفاصيل التي نذكرها هنا لا قيمة لها إن لم يسبقها تقوية صلتك بالله تعالى، بالقرآن بالصلاة بالتفكر بالذكر وبكل العبادات، بالاستقامة على منهج النبي ﷺ الذي أوصانا فيه بصريح العبارة: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” (صحيح).

وأنصحك بشدة بالكتابة، فإن الكتابة وسيلتك للتفريغ وتحويل المشاعر إلى علم وفائدة .. وقد لمست فيك ملكة، بارك الله لك بها، فاكتبي خواطرك وتأملاتك، دوني ما يحصل معك، دعي قلمك يكتب.. ودعي قلبك يفرغ. اكتبي فقرة أو مقالة عما تحبين إيضاحه للناس وتبيان حقائقه ومعانيه، عن المفارقات والتناقضات عن الغربة والوحشة عن أحلامك وأمانيك، ستشعرين براحة بإذن الله تعالى.

فالكتابة وسيلة لصناعة التكيف والتعايش، للتصبر والتخفيف من أثقال الاغتراب.

استغلي المناسبات الكبرى كرمضان والأعياد لترك أثرك وبصمتك في هذه المجتمعات وتذكري أنك يوما ما سترحلين ويبقى الأثر، ويبقى الإحسان. لا تتخلفي عن مقامات السبق.

الغربة أخية اليوم هي حال كل مؤمن حقا، فليست فقط في فقد المكان، بل في فقد عزة المسلم في المكان. وإذا عمّت خفّت!

وإذا علمت فضائل الغربة .. هانت المسيرة واستبشرتِ بالوعد الحق.

هذه التجربة من الغربة ستخرجين منها أكثر نضجًا وحلما وصبرا كلما ربيت نفسك على إعظام التوكل على الله تعالى. فهي مدرسة تصقل مهاراتك وتقوي نفسك.. وتعلمك الاستغناء والصبر وتصغر معها الدنيا في عينيك ويزداد تعلقك بالله سبحانه، فاستفيدي منها بكل مراحلها، وأيامها وذكرياتها. واصنعي منها أجمل الذكريات في مسيرتك لله تعالى!

المؤمن في الدنيا غريب، لا يأنس بها، إنما أنسه بالله تعالى، ولذلك يبقى معلّقا بوطنه الذي ينتظره، كما قال ابن القيم رحمه الله:

وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها
ولم يك فيها منزل لك يعلم

فحي على جنات عدن فإنها
منازلنا الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلم

وقد زعموا أن العدو إذا نأى
وشطت به أوطانه فهو مغرم

وأي اغتراب فوق غربتنا التي
لها أضحت الأعداء فينا تحكم

الغربة أخية، ليست دائمًا شعورًا مؤلمًا ومزعجا، بل الغربة في مثير من الأحيان للمؤمن عامل ثبات واعتزاز بدينه واستعلاء بإيمانه، فهي تطمئنه بأن قلبه لا يزال حيا، يتطلع لوطنه الحقيقي، الجنة.

وطوبى للغرباء!

الغربة اليوم للمؤمن شرف لا شجن، ما دام على طريق الحقّ، ولو كان وحيدا، لأنها توجب له فضائل ومعية ربانية لا تبارى. وفي مقدمة فضائلها الأنس بالله تعالى .. والاستغناء به جل جلاله.

وفي الختام، وإن كان الموضوع ذو شجون ويستحق التفصيل والتبيان، إلا أنني أوصيك بوصية واحدة، تتجاوزين بها كل شعور وحشة وفقد في مسيرتك، أوصيك أخية بالعناية بكل ما يقوي محبتك لله تعالى .. ابحثي عن أسباب هذه المحبة في القرآن والحديث، في عمل اليوم والليلة، في قلبك وفي جوارحك، وما يصدر عنك من أعمال، فإن جمع أسباب هذه المحبة نعيم الجنة المعجّل فكيف بتحقيق مرتبة المحبة!


آنسك الله بقربه جل جلاله، وأسكن قلبك المحبة واليقين وأيدك بنصره وبالمؤمنين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
أم هارون وفارس

بارك الله فيك دكتورة وجزاك الله خير الجزاء في الدنيا والآخرة

ممكن رابط المقالين اللذين ذكرتهم الأخت في استشارتها

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x