كلُّ شيءٍ بأمره جل جلاله … كونٌ ينتظم وقلبٌ يتعظ

في يومٍ واحد، يحجب القمرُ الشمسَ فتظلم السماء والأجواء، في مشهدٍ مهيب لا يحدث كل يوم، ثم تمضي الساعات، فإذا بالسماء تستقبل مشهدًا آخر؛ كواكبُ تظهر متقاربة في صفحة السماء، يمكن رؤية أربعةٍ منها بالعين المجردة: المشتري وعطارد والمريخ وزحل، فيما تتبعها كواكب أخرى بمنظار أدق، في هذا المشهد السماوي البديع من صنع ربّ العالمين.

ثم إذا أقبل الليل على آخره، ازدانت السماء بشهبٍ متتابعة من زخة البرشاويات، تتساقط في حدثٍ مرهبٍ، لترسم مشهدًا متفرًدا قبيل ساعة الفجر القريب!

ظواهر متتابعة، ومشاهد متعاقبة، وكلها تجري في هذا الكون الهائل وفق نظامٍ دقيقٍ مقدَّر؛ لا يتقدم شيءٌ منها عن وقته، ولا يتأخر عن أجله.

مشاهد قد تبدو للعين متفرقة، لكنها في حقيقتها صفحاتٌ متتابعة من كتابٍ واحد: كتابُ عظمة الخلق، ودقة التدبير، وجلال الخالق سبحانه.

تأمل هذا الكون قليلًا!

تأمل شمسًا وقمرًا ونجومًا وأجرامًا هائلة تجري في مساراتها، لا يصطدم بعضها ببعض، ولا يتقدم جرمٌ عن موضعه، ولا يتخلف آخر عن أمره. حركةٌ هائلة تمضي في صمتٍ مهيب، ينعكس أثره في حركة السماء والأرض، ونظامٌ محكم يمتد من أعظم الأجرام إلى أدق دقائق الخلق.

وكأن هذا الكون كله يردد على مسامع القلب قول الله تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.

فكلٌّ في فلكه، وكلٌّ في موضعه، وكلٌّ يجري بأمر خالقه.

لا يملك جرمٌ أن يخرج عن مساره، ولا يستطيع مخلوق أن يبدل نظامًا أحكمه الله جل جلاله، ولا أن يقدم لحظةً واحدة مما أخره، أو يؤخر لحظةً واحدة مما قدمه.

يُشرق أو ينير أو يظهر حين يأمر الله .. ويظلم أو يقترب أو يختفي أيضا حين يأمر الله!

والمهيب في الأمر أن هذا الانتظام ليس خاصًّا بما تراه أعيننا من شمسٍ وقمرٍ ونجوم، بل يمتد إلى أدق دقائق الخلق وأصغر جسيماته؛ فلا شيء متروك للفوضى، ولا شيء قائمٌ بنفسه، ولا شيء يملك أن يخرج عن سلطان خالقه عز وجل.

ولأن الإنسان يألف ما يتكرر أمامه، فقد يرى هذا النظام الكوني المهيب كل يوم حتى يألفه قلبه، وتغيب عنه عظمته من شدة الاعتياد. ثم تأتي آية واحدة، يطرأ فيها تغير على مشهدٍ اعتاده الناس، فيستيقظ الشعور الذي غيّبه الألف؛ وتضطرب القلوب، وتذهل العقول، وتتعلق الأبصار بالسماء، وكأن الكون يقول للإنسان: ما كنتَ تراه مألوفًا كل يوم، إنما هو من أعجب آيات قدرة الله وتدبيره.

نعم إنها آيات الله تعالى تقيم الحجة على عباده الغافلين، وترشدهم لعظمة خلق الله عز وجل.
وهذا هو الكون الذي لا تستطيع قوةٌ على الأرض أن تعيد ترتيب نظامه، ولا أن توقف مساره، ولا أن تمنع ما أذن الله بوقوعه. ولو اجتمعت قوى البشر كلها على أن توقف جرمًا في السماء، أو تغير مساره، أو تبدل سنن الله فيه، لعجزت وذلّت!

وهنا ينبغي أن يرتجف القلب، لا أن يكتفي بالإعجاب.

فإذا كان هذا الكون العظيم كله خاضعًا لأمر الله عز وجل، فكيف يستكبر الإنسان عن أمره؟

إذا كانت الشمس والقمر والنجوم طائعة لخالقها، فكيف يأنف العبد أن ينيب إلى ربه؟

وإذا كان هذا النظام المهيب لا يختل، لأن وراءه ربًّا حكيمًا قيومًا، فكيف يطمئن قلبك إلى الدنيا وينسى الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا؟

قال الله جل جلاله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

فليست هذه الآيات الكونية مجرد مشاهد جميلة في السماء، ولا أحداثًا فلكية نتتبعها للفرجة؛ إنها تذكرة.

قال عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾

تذكيرٌ بأن لهذا الكون ربًّا عظيمًا وحده لا شريك له.
وتذكيرٌ بأن الذي أحكم خلق السماوات والأرض لا يعجزه إصلاح شأنك.
وتذكيرٌ بأن الذي لا تختل عنده حركة جرمٍ في أقصى السماء، لا يخفى عليه اضطراب قلبك، ولا دمعة عينك، ولا حاجتك التي تخفيها عن الناس.

فانظر إلى السماء، ثم انظر إلى قلبك.

هناك نظامٌ لا يختل في الكون، فهل يستقيم في قلبك تعظيم الله؟

هناك أفلاكٌ لا تتجاوز حدودها، فهل تجاوزتَ أنت حدود ربك؟

هناك شمسٌ وقمرٌ ونجومٌ تجري بأمره، فهل جرى قلبك إلى الله حين شهدت على آياته؟

يا عبد الله، لا تدع السماء تمر فوقك دون أن تغيّر شيئًا فيك!

إذا اضطربت الأبصار عند تغير مشهدٍ في السماء، فليسجد قلبك أنت من هيبة رب السماء.

وإذا توقفت العيون عند كسوف الشمس، فليتوقف قلبك خضوعا أمام عظمة من أجراه، ومن رفع السماء، ومن أمسك هذا الكون كله أن يضطرب.

قال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

فسبّح بحمد ربّك الذي ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ..

بالليل والنهار، في السر والعلن، في سكونك وحركتك، واستشعر عظمة التسبيح وهيبة الذكر وجلال من تذكر!

إن أعظم ما ينبغي أن يخرج به الإنسان من مشاهدة آيات الله عز وجل، ليس مجرد الدهشة بعظمة الكون، بل أن يقدر الله حق قدره، ويعرف قدر نفسه: عبدًا فقيرًا إلى ربه، منيبًا إليه.

فاسجد أيها القلب، واستغفر ربك، وأنب إليه، واعلم أن القوة كلها له، والملك كله له، والأمر كله بيده جل جلاله، فلا تخشى أحدًا إلا الله!

تظلم السماء بحجب الشمس حين يحجبها القمر، وتظلم القلوب حين تحجبها الغفلة عن التفكر في خلق الله!

وتشرق السماء بوميض الشهب، ويشرق القلب بتسبيح الله وحمده!

فيا من تنظر إلى السماء، لا تجعل قسوة القلب تشغلك عن تدبر آيات الله، ولا تجعل الجمود والبرود يحجبانك عن عظيم خلقه.

فالسماء عظيمة، والنجوم مهيبة، والأفلاك مذهلة، لكن وراء كل ذلك ربٌّ أعظم من كل ما ترى.

والله أكبر من هذا الكون كله؛ هو الذي خلقه، وأحكمه، وأمسكه، ودبّره، وإليه وحده يرجع الأمر كله.

فطوبى لقلبٍ إذا رأى آيات الله في الآفاق، اهتزَّ تعظيمًا لخالقها، وانكسر افتقارًا إليه، وأقبل عليه؛ قلب لا تمر عليه آيات السماء إلا فتوقظ فيه استجابة الإيمان والعمل.

فسبحان من أحاط علمه بهذا الكون كله؛ يعلم السر وأخفى، يعلم ما انطوى عليه ضمير العبد، وما خفي في زوايا قلبه، بل يعلم ما لم يخطر له بعد، وما سيكون من خطراته قبل أن تخطر. يعلم مواقع النجوم، ومسارات الكواكب، ومقادير الأجرام، ودقائق الأشياء وجليلها؛ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل والثناء الحسن. له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله. أحاط بكل شيء قدرةً، ووسع كل شيء رحمةً، وبلغت نعمته كل حي؛ فما من مخلوق إلا وهو مفتقر إليه، وما من حركة في هذا الكون إلا بأمره وتدبيره.

﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

فيا سبحان الله! ما أعظم شأنه، وما أجلَّ سلطانه، وما أوسع علمه، وما أعظم قدرته! خلق هذا الكون العظيم فأحكمه، ودبّر أمره فلم يضطرب، وأجرى شمسه وقمره ونجومه بأمره؛ لا يعجزه شيء، ولا يخرج شيء عن ملكه، ولا يشغله شأن عن شأن.

فله الحمد حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على ما خلق وقدّر، وعلى ما أعطى ومنع، وعلى ما أظهر وأخفى. سبحان من له الملك كله، والأمر كله، والحمد كله، وإليه يرجع الأمر كله؛ لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

فسبِّح بحمد ربك، ولا تغفل عن آياته عز وجل، واستمسك بهديه مسبّحًا وذاكرًا.
فالكون كله ينتظم بأمره… لا يعجزه طاغوت ولا طاغية ولا أحد!

على هذه المعاني يمضي المؤمن مجاهدًا مسابقًا … يرجو رحمة ربه.

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x