في الساقة كما في القيادة

الأنانية، أن تجعل نفسك أحبَّ إليك من كل شيء، فتدور همومك حول ما لك، وما تريد، وما ينفعك، حتى تضيق النفس عن الإيثار، ويثقل عليها أن تعطي دون مقابل.

والجشع، أن تمتد عيناك وقلبك إلى ما في أيدي الآخرين، فتطمع فيما ليس لك، ولا ترى ما عندك نعمةً تستحق الشكر، بل ترى ما عند غيرك حقًّا تتطلع إليه.

وهاتان من الخصال التي عالجها الإسلام معالجةً عميقة؛ فلم يكتفِ بأن ينهى عن مظاهرهما، بل ربّى النفس على الإيثار، والقناعة، والجود، وبذل المحبوب، وتقديم ما عند الله على حظوظ النفس.

ولذلك كانت ميادين البذل في الدعوة إلى الله، ونصرة دينه، والجهاد في سبيله، وسائر أبواب العمل للإسلام، من أشدّ الميادين كشفًا لهذه الآفات الخفية؛ إذ لا يكفي فيها أن يتكلم المرء عن الإخلاص، بل سرعان ما تضعه مواقف البذل أمام حقيقة نفسه: ماذا يفعل حين يُطلب منه أن يعطي ولا يأخذ؟ وأن يتقدم غيره عليه؟ وأن يبذل وقته وجهده وماله دون أن يُذكر اسمه أو يُنسب إليه الفضل؟

فلا يمكن لأنانيٍّ أن يجود طويلًا؛ لأن الجود اقتطاعٌ من حظ النفس. ولا لجشعٍ أن يُقدّم؛ لأن التقديم اعترافٌ بأن ما عند الله خيرٌ مما تتشبث به اليد أو تتطلع إليه في يدٍ أخرى. ولا لمن جعل نفسه غايةً أن يحمل رسالةً يكون فيها الحق أعظم من حظه، والمصلحة العامة مقدمةً على مصلحته.

وفي مواطن البذل، تسقط كثير من الأقنعة؛ ويميز الله المخلص من المرتاب.

ولهذا فإن من أعظم ما تفعله ميادين الدعوة والعمل للإسلام أنها لا تكشف قوة الإنسان في العطاء فحسب، بل تكشف مقدار تحرره من نفسه.

فدخول هذه الميادين ليس تزكيةً للنفس، بل امتحانٌ وتصفية!

وليس الاعتبار بمجرّد دخولها، وإن كان الدخول إليها مبشّرًا، وإنما العبرة بما تصنعه بك الأيام، وما تكشفه المواقف، وما يبقى منك حين يطول الطريق وتثقل التكاليف ويشتد البلاء ويظهر ما كان مستترًا من حظوظ النفس. العبرة أن تثبت إلى آخر رمق، لا أن تُحسن الدخول فحسب.

أن تبقى حين يتساقط المتحمسون، وأن تؤثر حين تتنازع النفوس على المكاسب، وأن تبذل حين لا تجد جزاءً من الناس، وأن تعمل ولو لم يُكتب اسمك، وتفرح بنجاح غيرك ولو لم يكن لك فيه نصيب.

فالميادين لا تمنحك شهادة صلاح؛ بل تنتزع منك ما علق بالنفس من شحٍّ وأنانيةٍ وحبٍّ للظهور، وتُبقي لك ما كان لله خالصًا.

وقد يبدأ المرء الطريق حاملاً رايةً عظيمة، ثم لا يُعرف صدقه إلا عند آخر الطريق: ماذا بقي من إخلاصه حين لم يبقَ له من حظوظ نفسه شيء؟

وحدهم من أخلصوا في الساقة والقيادة معًا يدركون عمق هذا المعنى!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
عبد الحافظ بن مبروك

جزاكِ اللّه خيراً

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x