فوق أرتال القوة… يمضي قدر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾

حين يقرأ القلب قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [ الرعد: 31]

يقف أمام حقيقة كبرى تستوجب وقفة خشوع وتدبر: فليست المشكلة في قلة الآيات، ولا في ضعف البرهان، ولا في قصور الحجة؛ فلو كان في الكون كتاب تُزحزح به الجبال من أماكنها، وتُشقّ به الأرض، ويُخاطَب به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن العظيم. لكنه ليس كتاب خوارق حسية بقدر ما هو كتاب هداية، يخاطب القلوب ويقيم الحجة على النفوس.

وتأتي في قلب هذا الوصف المهيب، الكلمة الفاصلة: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.

لتنحلّ عقدة الاستعجال، ويسقط وهم التحكم في مجريات الصراع.

فالهداية ليست قهرًا، والنصر ليس استعراض قدرة، والعقوبة ليست رد فعل آنٍ، بل الأمر كله بيد الله جل جلاله، يُدبّره بحكمة، ويُجريه بميزان لا يختل.

ولهذا قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

أي أفلم يعلموا أن الله لو أراد هداية الخلق جميعًا لهداهم؟ ولكنه لم يشأ أن تكون الهداية قسرًا، بل ابتلاءً واختيارًا، وتمييزًا بين من ينصر الحق ومن يعانده. فالصراع وطوله، ليس دليل عجز، بل ساحة امتحان، يُظهر فيها صدق الإيمان وثباته ويقيم به الحجة على المكذّبين ثم تكون العاقبة بما تستحقه!

ومن هنا نفهم سرّ امتداد المواجهة، وتكرار القوارع:

﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

إنها ضربات متتابعة، ليست استئصالًا فوريًا، بل إنذارًا بعد إنذار، وقرعًا بعد قرع، لعل القلوب تستفيق. ينكشف معها المرتابون، ويتساقط في أثنائها المنافقون، ويفجر المرتدون! ويحسب الكافرون أنهم على شيء! لكن الله جل جلاله قادر على أن يُنهي الباطل في لحظة، إلا أنه يُمهل ولا يُهمل، ويُمهل لتقوم الحجة، وليبلغ الحق مداه، وليتميز الصف. حتى يحل النصر المبين، بهيبته وقيمته الحقيقية!

وهذه المعاني تقودنا إلى قول الله تعالى وهو سبحانه يطمئن المؤمنين بقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.

فمهما بدا الباطل متقدّمًا في الظاهر، أو متغلبًا في جولة من الجولات، مهما حشد من أرتالٍ وقوى، وأشعل من وهج القتال! فهو لا يسبق قدر الله عز وجل، ولا يُفلت من تدبيره. إنما يسير في مسار مرسوم، وأجل مكتوب:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.

هكذا يتشكل الصراع في سنن الله تعالى، ليس كما يتوقع المستعجلون، ويطغى بجهالة المرتابون: حسمًا خاطفًا يُنهي القصة منذ بدايتها، بل مسارًا ممتدًا تُختبر فيه النفوس، وتُصقل فيه الجماعات، وتُغربل فيه الصفوف. ولو أُهلك الكافرون أول مرة، لضاع معنى الصبر، وذابت قيمة الثبات، ولم يظهر الفرق بين إيمان ساعة وإيمان محنة. ولم يدرك الناس قيمة النصر والحكمة من الصبر!

إن الله قادر على الإهلاك، لكن حكمته اقتضت الإمهال. قادر سبحانه على القهر، لكن سنته جرت بالابتلاء. قادر سبحانه على أن يجعل الناس أمة واحدة على الهدى، لكنه أراد أن تكون الهداية خيارًا يُختبر فيه صدق العبودية.

فإذا رأيت امتداد الصراع، وتكرار الجولات، فلا تظنن أن الأمر فلتة، ولا أن الباطل سبق، بل تذكّر:
﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.

فأيها المسلم، أيتها المسلمة، أولوية الوقت، إقامة النفس على معاني ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [ الرعد: 40]

على الاستجابة بصدق وإخلاص، بأدبٍ مع الله تعالى وتدبر في آياته، التي كثيرًا ما يغفل عنها الناس مع أنها حاضرة دوما في فصول الصراع، وبأوضح ما يكون لمن تعلق قلبه بالقرآن العظيم.

فمن استطال الطريق، ليعلم أن القوارع تضرب لا تتوقف .. وليعلم أن بين يديه أعظم حجة ومنهج ودليل ونور، فلا يفرط فيه أبدًا.

وليتذكّر أن النهاية ليست لمن استعجل، بل لمن ثبت ونجح في تجاوز امتحانات الصدق بلا ارتياب ولا مخالفة لأمره عز وجل، وأن الوعد حق! والله إنه لحق!

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عمر السقا

بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا
هى كبسوله الراحه وسط هذا الصراع المميت بين الحق والباطل

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x