فوبيا الزواج من ملتزم

اليوم لن أقدم خلاصة الاستشارات التي لم تختلف عن بقية الأسابيع في تنوع مواضيعها لكنني سأركز على موضوع واحد منها كانت له النسبة الأكبر من الاستشارات. وهو موضوع مهم جدا في زماننا، إنه موضوع “فوبيا الزواج من ملتزم”.

هناك العديد من النساء ترى الزواج من ملتزم “مقبرة” و”تقييدا لحرياتها” بل ترى فيه تهديدا لطموحاتها، وآمالها المستقبلية في الزواج.
وحين ننظر لأصل هذه المخاوف نجدها تتلخص في مطالب شرعية جدا وفي صالح المرأة،

فالخاطب الملتزم يريد زوجة قارة في البيت، ويريدها أن تلبس لباسا شرعيا، حجابا أو نقابا يصونها ويراعي غيرته، ويريدها أن تعتني بجانب العفة وعدم الاختلاط، ويريدها أن تتفرغ لمشروع الأسرة الذي يؤسس فيه.

لكن في المقابل، سنجد تفسيرات تخرج هذه المطالب النبيلة، عن مقاصدها وشرعيتها، فتصبح المطالبة بالقرار في البيت “سجنا” و”كتما” و”تحطيما لمستقبل الزوجة”، ويصبح الحرص على عدم الاختلاط ولبس الحجاب، تشددا، ويصبح التفرغ للأسرة، رجعية وتخلفا!

حقيقة هذه نتيجة سنوات من الضخ الإعلامي بل عقود من حقن الترويض للمرأة على مقاسات الرأسمالية.
لدرجة أن مجرد فكرة القرار في البيت تمثل كابوسا لبعضهن! وكأنها في زنزانة، وهي في الواقع زنزانة القلب، لأن المرأة الملهمة، تحول بيتها لمملكة، مستنيرة بأنوار الهداية والعلم، والعطاء والبذل! لكن حين تضيق القلوب، تضيق الرؤى وتضيق المنازل!

على المرأة أن تفكر جيدا، حين يتقدم لها رجل يريد لها القرار في البيت، إنه لا يطالبك بالإنفاق، ولا يسألك الخروج للشقاء، إنه يريد أن يعززك ويكرمك في بيتك!
فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وهل يعقل أن يبنى مستقبل المرأة على أنقاض أسرتها؟!

لا يمكن أن يكون مشروع الأسرة ثانويا أو هامشيا في الزواج، فإما أن تدخله المرأة بإخلاص تام أو لتتنحى!

إن “المخببات” اللاتي يعملن على تخويف النساء من الزواج بملتزم، سيصبحن شر الناس بعد فترة من الزمن حين تحرم المرأة الأسرة الدافئة والتكامل مع زوج صالح يأخذ بيدها إلى منازل الخالدين. لأنها ستتذكرهن بكامل الحسرة والألم.

نحن نعاني من مشكلة عويصة وهي مشكلة “فقدان الهوية“، فما دامت المرأة المسلمة لم تدرك بعد قيمتها وأدوارها النبيلة في الحياة، ما دامت لم تستوعب بعد ماذا يعني المستقبل في مشروع زواج، ما دامت لا تبصر بعد معنى رجل قوام وأسرة مسلمة، ستبقى تعيش في دائرة تيه وعبث.

ولذلك لدينا فتيات يعزفن عن الزواج وأخريات يرتعدن من فكرة الزواج من ملتزم وأخريات يؤخرن المشروع حتى يصبح في خبر “كان”.

نصيحة أوجهها لكل فتاة يتقدم لها خاطب يريد أن يبني أسرتها على أنوار الشريعة، مهما كانت خلفيته مقصرة، لا تردي من يدعوك لما فيه صلاحك وخيرك، ولا تقدمي سوء الظن في مقام حسن ظن، ولا تستبدلي الذي هو أدنى بالذي هو خير.

وبدل أن تدخلي في علاقة زوجية بألف ريبة وشك وحسابات ما بعد الطلاق، حاولي أن تدخليها بألف حيلة وفكرة، لكسب قلب زوجك وبناء أسرة مستقرة وتحييد كل سبب للطلاق، ستدخلين حياتك الزوجية بعزيمة وإخلاص، يوجب النصر والمعية !

فاختاري لنفسك زوجا يصونك كملكة أو زوجا يأخذك كأجيرة!

وأرى من المهم أن أطرح مشاريع ملهمة للنساء القارات في البيت، كيف تحولين بيتك لمملكة، ومصنع وقلعة للخير، بدل هذا التذمر الذي نراه كلما ذكر موضوع القرار في البيت! فللأسف تنقصنا القدوات والأمثلة المباركة في زمن طغى عليه حب المال وزخرف الدنيا وأضحت أسمى أماني المرأة المسلمة وظيفة وراتب!

عطفا على ما سبق، هناك من تبرر الفوبيا من هذا الزواج بـ”الخشية من أن يكون التزام المتقدم أجوف وأن يتعارض تدينه وأقواله مع أفعاله”.
هذا الاعتراض يكون صحيحا في حال لم ترافقه مخاوف من القرار واللبس الساتر والتفرغ للأسرة، فالاعتراض على هذه القيم الراسخة في سلامة المجتمعات المسلمة يعني أن الفتاة لم تستوعب بعد أنها قيم لا تتغير ولا تتأثر بكون الزوج “أجوف الالتزام”.
فقضية القرار في البيت والحشمة والستر وكل ما يتعلق بمطالب أقرتها الشريعة الربانية، وباتت تشكل مخاوف اليوم لا تسقط لمجرد احتمال أن يكون الزوج يبطن غير الذي يظهره.
ولهذا سنجد فتيات لا يجدن حرجا في قبول الخاطب غير الملتزم أو غير المكترث لمعايير الالتزام بحجة أنها توجس خيفة وترتاب من الخاطب الذي قد يكون التزامه مغشوشا، وهذه من تلبيسات الهوى..!
فهي تفضل أن تتزوج الرجل غير الصالح ظاهرا، على أن تتزوج من يظهر الصلاح بحجة أنه مشكوك في صدقه الذي لا يمكن التثبت منه إلا بعد الزواج.
مرة أخرى لدينا مشكلة مع القناعات الراسخة في القلوب، فلا يكفي أن نقر بأهمية القرار في البيت وبضرورة التزام اللباس الشرعي وبواجب التفرغ الكامل لمشروع الأسرة، بل يجب أن نؤمن حقا بأن ذلك هو المطلوب والواجب. وبالتالي لا يصبح هذا المطلب يشكل مخاوفا في قلب المؤمنة، لأنها تعلم أن الزواج امتحان صدق، وأنه ميثاق غليظ وأنه بيعة مع الله جل جلاله، فهي تستقيم كما أمر الله ولا عليها بالنتائج، فلا يغني حذر من قدر وما أخطأك ما كان ليصيبك. ولله الأمر.


لقد تعلقت القلوب كثيرا بالأسباب المادية والاحتمالات السيئة، وتركت بالمقابل أسباب البذل لحفظ العلاقات الزوجية والأسرية قوية وناضجة!
فكيف يمكن الاستبشار بعلاقة زوجية تقدم سوء الظن على حسنه!
وتستعد للطلاق،لا لإنجاح الزواج!
ثم نتساءل عن أسباب الفشل!
كل مشروع افتقد الإخلاص يفشل حتما!


في زماننا حين يطرح مشروع الزواج يطرح معه مباشرة وبشكل محوري، احتمالية الطلاق، وضرورة التحصن لها بالأسباب المادية!
فتأمل كيف يهدم المشروع من بدايته،فتدخل المرأة في هذا المشروع مستعدة للطلاق فيه أكثر من استعدادها لإنجاحه وكذلك الرجل!
وهذا من أكثر ما أفسد صفاء البيوت وأفشل العلاقات.

والله الموفق.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
فاطمة

.

Last edited 5 شهور by فاطمة
سهيلة

سبحان الله ى دكتور عندما قرأت العنوان هئ لى أن الحديث سيكون عن مبالغة الفتيات فى صفات الزوج الملتزم لأفاجأ بأن هناك من لا تتمنى بناء بيت مسلم وتقر به!
الحمد لله الذى رزقنا حب الفطرة.

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x