تُمثل فتنة الدجّال أعظم امتحانٍ يمرّ على البشرية، لأنها لا تقوم على القهر المجرد، بل على قلب الموازين وتزيين الباطل حتى يُرى حقًا.
ومع أنه أعورُ العين، ظاهرُ النقص والخلل، إلا أنه يملك من أسباب الفتنة والتلبيس ما يخدع به الأبصار ويزلزل به القلوب، حتى يضلّ به من لم يُحصّنه الله بالبصيرة والإيمان.
يبدأ أمره بدعوى وإغراء، ومعه من الخوارق والقدرات ما يفتن القلوب الضعيفة؛ فيُري الناس ما يشبه الحياة والرزق، ويُلوّح لهم بالأمن والقوة، حتى يلتبس عليهم الحق بالباطل، فيظنون أنه مصدر النفع والضر.
وقد حذّر النبي ﷺ من فتنته تحذيرًا بالغًا، لأنها تخاطب الشهوات قبل العقول، وتستدرج النفوس قبل أن تُصادمها؛ فتدخل من باب الإعجاب ثم التبرير، حتى تنتهي إلى الانقياد.
وهذه الآلية نفسها تتكرر في سائر الفتن عبر التاريخ؛ إذ تُغلّف الباطل بزخرف القوة ولمعان الإنجاز، فينجذب إليه الناس، ويُنسَون أصل التوحيد وميزان الحق، ثم يبدأ التشكيك التدريجي في المسلّمات، ويُعاد تعريف المعروف والمنكر، حتى تنقلب القيم في القلوب.
ومع تراكم التبرير، يضعف سلطان الحق في النفس، ويستحكم الهوى، فلا يبقى إلا من ثبّته الله ببصيرةٍ راسخة.
وحين تنقشع الفتنة، يظهر قانون الله الذي لا يتخلّف: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ة[ الرعد: 17]؛
فيبقى الحق وإن خذله الناس، ويضمحل الباطل وإن زخرف نفسه بألف زينة.
فهنيئًا لمن تذكّر فلم تغلبه الغفلة، واستحضر الحقيقة فلم يخدعه البريق، وثبت قلبه على اليقين وهو يردّد: لا عيش إلا عيش الآخرة؛ فجعلها ميزانه في الفتن، ونوره في الظلمات، حتى لقي الله سليم القلب ثابت الخطى.
اللهم إنا نسألك فضلك العظيم.