في حقبة تدقّ فيها طبول الحرب بلا هوادة، ويتوحّش فيها الاحتلال الصهيوني بطشًا وحرابًا وإفسادًا، وتجتمع قوى الكفر والنفاق في صفوف الإمداد بلا استكانة! وصيحات الوعيد تمتد بكل صفاقة!
وتضيق الخيام على أهلها، يُحاصر أنفاسهم الجوعُ والخذلان وهواجس الحصار الممتد، لا يملكون من الدنيا إلا ما يُقيم أودهم إلى حين، ولا يضمنون استمرار الزاد في ملاجئهم ولا فتح المحتل لمعابرهم في كل حين.
تنشغل في المقابل، طائفة من المسلمين بمعركة عقدت لها اللواء! معركة ليست ككل المعارك! إنها معركة حول ما يشغل موائدها، فتُرهق أذهان جندها بتفاصيل الطعام أكثر من انشغالهم بآلام جيرانهم في الأسر وحتى إخوانهم في نفس الجوار من أهل الفقر والعوز؛ كأن المعركة ليست معركة وجودٍ ومصير، بل معركة نكهاتٍ وتخطيطات للبطون، مع أن بين هؤلاء وهؤلاء مجرد حدود مصطنعة لم تمنع وصالها شبكات التواصل!
وتأمل هذه المفارقة، بين من ينشغل، يُفتَّش عن كل تفصيلة تُحسّن مائدة طعامه وتُقصي عنها أي احتمال نقص أو خطأ، وبين أهل الفقر واللجوء لا يجدون أصل القوت، ولا يملكون أن يختاروا من الطعام شيئًا بل يفرحون بكل حلال أحله الله يقع بين أيديهم ولا يكثرون التفكير!
يا للعجب… كيف يُستنزف الفكر في ترتيب ما يُؤكل، بينما تُستنزف الأرواح تحت الركام كيف تنجو وتعيش؟ كيف يُرهق الناس أنفسهم في تدبير البطون، بينما هناك من يُفكّر ليلًا ونهارًا كيف يملك الأرض والقرار والإنسان؟
وإنها لطامة أخرى أن تُصبح هموم الطعام شاغلًا لقلوب يتوعدها الأعداء في كل حين، بينما هناك من يتنفس الصعداء أن وجد كسرة خبز تبقيه على قيد الحياة أو شربة ماء نظيف تُطفئ عطشه وهو يشاهد جاره يتأفف من الخبز! ويبحث عن بدائل أكثر منفعة، وهناك خلف الحدود المصطنعة أقوام يتواصون بقلة شرب الماء لأنه يضر بصحتهم كما يعتقدون ويتواصون به بشعور تفوق عظيم.
هذه المفارقات ليست هينة، هي تاريخ يكتب بمداد القهر والبؤس والشقاء، وصيحة نذير تخرج من زفرات الاستنكار لكل ما أصبح صفيقا جدا وقليل حياء!
نعوذ بالله من خذلان النفوس، ومن غرور الدنيا، ومن طول الأمل الذي يُنسي الآخرة ويُميت الشعور.
ولو أن هذه النفوس لزمت هدي نبيها ﷺ في الطعام، فلم تجعل البطن غاية يومها ولا مدار تفكيرها، وانصرفت إلى العمل الجاد، والحركة النافعة، ونصرة المظلوم، لخفّ ثقلها، وقويت عزيمتها، ولما شكَت ما تشكو من ضعفٍ وفتور؛ ولكنها إذا امتلأت الأجساد بالخمول والتخمة، أُسرت النفوس بقيود العادة، وصارت مستعبدة لصناعات الطعام واستهلاكه، فما أن وجدت ارتياحا وخفة يعرفها جيدا من اتبع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم في مأكله، إلا أنها حصلت لنقص السعرات، بعد تغيير طرأ، فإذا بها تأسر من جديد بقيد جديد، إنه هوس التصنيف! بعد أن كان الأولى أن تكون سيدة الفعل والبناء.
إنها ليست قضية مائدةٍ فحسب، بل قضية وعيٍ ورسالةٍ واتجاه حياة… فإما أن نكون في صفّ الفعل والبناء، أو في صفّ الغفلة والانشغال بما لا يُقيم أمة ولا يرفع راية.
أيها الناس إن من يبني مستقبل هذه الأمة ليس لديهم وقت للتفكير في موائدهم! وبالكاد يجدون وقتا للطعام، أما المنشغلين بتصوير أطباقهم، والترويج لنظامهم “البارع” الذي حطم مؤامرات كونية كانت تستهدف صحتهم! فقد أقنعوهم أنهم يقهرون أعداءهم ويسطرون بطولة الانتصار بقوة تواصيهم بأصناف الأطباق وقائمة الأطعمة المسموح بها، على مدار اليوم والأسبوع والشهر!
ولو أنهم علموا أن الانتصار سبيله قوة القلوب والتقوى وحسن الاتباع والانفكاك عن التعلق المهووس بأسباب الدنيا، أكثر من رب الأسباب، وأن الله يجري الصحة والعافية والمرض والموت بمقاديره جل جلاله! لما أبهرهم نقص وزن أو تحسن في المزاج! لكن الناس تنسى وتغفل وتطغى!
وخاتمة القول: من عظُم همُّه صَغُر ما سواه، ومن انشغل بأمر أمته خفّ عليه شأن دنياه، ومن عرف مقصده في هذه الحياة، لم تستعبده بطونٌ ولا شهوات.
أما أنتم يا من يحلمون بمستقبل سيادة بلا حرب، وبيت بجدران وسقف، ومائدة تسعد القلوب وتنسي أيام الجوع والكرب، فلكم رب لا ينساكم، ووالله ما كانت بتخطيط الطعام بل ببركة يضعها الله عز وجل، وحياة طيبة ينعم بها على عباده المؤمنين، فاستمسكوا بحبل الله لا تكيدكم صور الأطباق، فإنما الأجر على قدر المشقة وشتان بين الصمود في معركة فيها شرف أمة يصان، ومعركة على البطون والأطباق!
اللهم إنا نعوذ بك من فتنة البطون في وقت يصول فيه اليهودي ويجول!
استقيموا يرحمكم الله .. ينصركم الله.
يرحمكم الله