فتنةُ الشاشات… حين يختبرُ اللهُ السَّرائر

لقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي بابًا لم يكن مفتوحًا بهذا الاتساع في تاريخ البشر. فبمجرد إنشاء حسابٍ شخصي، أصبح الإنسان قادرًا على أن يصنع لنفسه هوية يختارها، قد تكون بعيدة تماما عن حقيقته في الواقع. وهنا نشأت فتنةٌ جديدة، هي من أخطر فتن هذا العصر.

فأما فتنتها على النفس، فهي أنها تُغري الإنسان بأن يعيش بشخصيتين: شخصيةٍ يراها الناس، وأخرى لا يراها إلا الله عز وجل.

يستطيع أن يتزين بالفضل، وأن يُظهر الورع والحكمة والاتزان، بينما إذا اختفى خلف حسابٍ آخر، أو اسمٍ مستعار جديد، انطلق لسانه بالسباب، والطعن، والكذب، والفجور في الخصومة، وربما نشر الفواحش والشبهات. ومن يدري من يكون!

بل إن هذه المنصات فتحت أبوابًا واسعة للتقمص والتدليس؛ فتجد من ينتحل الشخصيات، ليزور الحقائق، ويصنع الإفك والبهتان ويخدم سردية يهواها ورواية يتعصب لها، حتى أصبح الكذب في العالم الرقمي أيسر من كتابة تعليق، وصار التدليس صناعةً يتقنها كثيرون.

وفي المقابل، هانت الكلمة على ألسنة الناس هوانًا عجيبًا.


فأصبح الخوض في أعظم مسائل الدين، وأخطر القضايا، أمرًا لا يكلف صاحبه أكثر من ضغطة زر.

يتكلم الجاهل بل الأحمق في الله جل جلاله، وفي كتابه العزيز، وفي سنة نبيه ﷺ، وفي أصحاب رسول الله ﷺ، وكأنهم أقرانه أو خصومه بقلة أدب و”شيطنة” من وحي إبليس.

ورب كلمةٍ يكتبها المرء في دقائق، تكون سببًا في سخط الله عليه، وهو بعد ذلك يذهب إلى فراشه مطمئنًا، لا يخطر بباله أنه ربما بات والملائكة تلعنه، أو أنه أطلق كلمةً تهوي به في النار وهو لا يشعر.

ولهذا، فإن من أعظم الوصايا في هذا الزمان: أن تحذر أشد الحذر من أن تكون سريرتك مخالفةً لعلانيتك.

بل اجتهد أن يكون باطنك خيرًا من ظاهرك، وأن يكون عملك أصدق من كلامك، وأن تطبق ما تدعو إليه، وأن تقتدي بما تنصح به، وأن تتقي الله في خلواتك كما تتقيه أمام الناس.

فإن الله عز وجل لا تخفى عليه الحسابات المستعارة، ولا الأسماء الوهمية، ولا ما يُكتب في الظلمات.

ثم احذر فتنةً أخرى لا تقل خطرًا، وهي فتنة الغرور والتعالم. فإن كثرة المتابعين، وسهولة النشر، وسرعة انتشار الكلمة، قد توهم المرء أنه أصبح إمامًا يُرجع إليه، أو عالمًا يُفصل في النوازل والمدلهمات، وهو لا يدري بعد: هل قُبلت منه صلاة الأمس؟ وهل صحت فريضته؟ وما أكثر ما تجد هذا الصنف منغمسًا في مستنقعات الجدال على حساب ميادين الأثر الأرجى.

يصولُ إذا تكلَّمَ في خِصامٍ
ويجبُنُ إذ تُنادِيـهِ المَعالِي

إنَّ العلمَ يُورِثُ صاحبَه خشيةً وتواضعًا، أمَّا الغرورُ فيُورِثُ الجرأةَ على الله تعالى، والتسرُّعَ في الفتوى، والاندفاعَ في الحكم على الناس، حتى يشهدَ على أمواتٍ مضى عليهم قرونٌ بما لا يجرؤ تقيٌّ أن يشهدَ به على رجلٍ من أهل زمانه. ولو سألته عن حادثةٍ وقعت في مدينته بالأمس لاعتذر بأنه لم يشهدها، فكيف استجاز أن يقضي في رجالٍ حالت بينهم وبينه قرون، وانقطعت عنه قرائنُ أحوالهم؟! ثم ينصب لواء تعصب لفكرته ويقاتل لنصرتها قتال حروب الجاهلية! ويحسب نفسه البطل!

وما أكثرَ من أفسدتهم الشهرةُ قبل أن ينضجوا، وما أكثرَ من ظنُّوا أنهم بلغوا، وهم لم يضعوا أقدامهم بعدُ على أول الطريق.

وحين يتأمل المرء هذا الواقع، يدرك دقةَ وصف النبي ﷺ لأدواء النفوس قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟

قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع ﴾ِ حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾

ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟

قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد،

ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟

قلت: بلى يا رسول الله،

فأخذ بلسانه، وقال: كفّ عليك هذا،

قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟

فقال ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟”. (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

ولم يكن الحديث مقصورًا على كلمةٍ تُقال في مجلس، بل هو أصلٌ يحكم كلَّ لفظٍ يخرج من الإنسان، مهما تغيَّرت الوسائل.

واليوم أصبحت الألسنةُ تكتب أكثر مما تنطق، وصارت الأصابع امتدادًا لها، تُلقي في لحظاتٍ كلماتٍ تبلغ الآفاق، قد يقرأها آلافٌ أو ملايين، فيكون وزرها جاريًا ما بقيت منشورة.

فكم من كلمةٍ كتبها صاحبها وهو مستلقٍ على فراشه، لا يرى فيها بأسًا، وهي عند الله عظيمة. وكم من تعليقٍ أو تغريدةٍ أو منشورٍ جرَّ على صاحبه أوزارًا لم يكن يتصورها، لأنه استهان بما يخرج منه.

فما أشدَّ حاجتنا إلى أن نستحضر هذا الحديث كلما هممنا أن نكتب، فإن ما نخطه اليوم ليس إلا من حصائد ألسنتنا، وسيُعرض علينا يوم القيامة كما خرج منا، لا كما أردناه أو اعتذرنا عنه بعد ذلك.

فاستعيذوا بالله من فتنة الشهرة، وفتنة الظهور، وفتنة التعالم، وفتنة النفاق الخفي، ومن الأمن من مكر الله. واسألوا الله دائمًا أن يجعل سرائركم خيرًا من علانيتكم، وأن يرزقكم الصدق في القول والعمل، وأن لا يكلَكم إلى أنفسكم طرفة عين.

ثم بعد هذا كلِّه، كيف يطمئنُّ الإنسانُ إلى نفسِه، أو يزهدُ في طلبِ النجاة، وحولَه من الفتن ما هو كقطعِ الليلِ المظلم؟!

فاللهم ارزقنا الصدقَ في السرِّ والعلانية، وأعذنا من فتنةِ الغرور، والتعالم، والأمنِ من مكرِك.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

2 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Asmaa Ebrahim

بارك الله فيكي ونفع بعلمك

عبد الحافظ بن مبروك

جزاكِ اللّه خيرا دكتورة
وهذا هو الواقع، ذكور يكتبون بأسماء مستعارة مؤنثة يخدعون بها
اللهمَّ اكفنا شر المنافقين المخادعين الكذبة

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x