فتنةُ الأنصاف

عاشت الأمة ردحًا طويلًا من الزمن بعيدةً عن سلطان الشريعة، فوهنت مؤسساتها، وضعفت مناعتها، وفرّطت أجيالٌ بعد أجيال في دينها، وهو مصدر عزتها وقوتها.

ثم ما إن اشتد الإحساس بالأزمة وأثمرت الجهود بإبقاء خطاب الإسلام حاضرًا وجامعًا، حتى اتجهت النفوس تبحث عن الحل، لكن كثيرًا منها أقبل ببضاعةٍ مزجاة، وبناءٍ إيمانيٍّ هش، وفي زمنٍ تيسّرت فيه وسائل النشر والتواصل، تصدّر المشهد من ليس أهلًا له، فتكلم كلُّ من هبّ ودبّ، وبرز من خفي ضعفه وقل تأهيله.

وانتفخت النفوس بكثرة المعجبين والأنصار، مع بضاعتهم المزجاة، وغذَّت الخصومات والشللية والتعصب دائرةَ التعالم والجهل، حتى أصبح التصفيق معيارًا، والانتشار برهانًا، لا العلم ولا الدليل.

فكانت فتنة عظيمة، بل من أعظم الفتن؛ إذ التبس فيها الحق بالباطل، واغترَّ الناس بضجيج الأفكار!

وغلب على عقول الناس أنصافُ المتعلمين، وأنصافُ الفقهاء، وأنصافُ الأطباء، وأنصافُ المفكرين، وأنصافُ المربين… وأنصاف الرجال في كل ميدان.

وهؤلاء قلَّ أن يتناولوا قضيةً إلا أفسدوها؛ لأن فساد النصف قد يكون أشد من فساد الجهل الصريح، إذ يلبس على الناس باسم العلم.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان.”

فليحذر كلُّ من يتصدَّر بغير علم، أو تدفعه الشهرة، أو يغريه تصفيق الناس، فإنه واقفٌ بين يدي الله وحده، لا تنفعه جماهيره، ولا يغني عنه أتباعه. وسيُسأل عن كل كلمةٍ قالها، وكل شبهةٍ نشرها، وكل تدليس وكذب وسوء توظيف للنصوص لحظ نفسه، وكل عقلٍ أضلَّه، وكل قلبٍ صرفه عن الحق.

والمؤلم أن كثيرًا ممن أفسدوا لا يستشعرون أنهم يحملون أوزارًا تتجاوز أعمارهم؛ فالكلمة قد تبقى سنين، والضلالة قد تتناقلها الأجيال، وصاحبها قد نُسي اسمه، وهو لا يزال يكتب على نفسه من السيئات ما دامت آثارها باقية.

فلا تغترَّ بكثرة المتابعين، ولا بتصفيق الأنصار، ولا بعلوِّ المنصات؛ فإن الله جل جلاله لا يسألك: كم تبعك وكم أُعجب بك وكم وافقك؟ وإنما يسألك: ماذا علمت؟ وماذا قلت؟ وهل بلغت الحق كما أنزل، أم لبَّسته على الناس؟ أم كذبت على الله؟ فالتصدر أمانة، والكلمة مسؤولية، ومن تصدَّر قبل أن يتأهل، وخاض بجهالة مع الخائضين، فقد عرَّض نفسه لسؤالٍ عظيم، وحسابٍ شديد.

أما أنت يا من يحمل حلما عزيزًا ويتوق لمقامات العز والظفر، فاحذر أن تجعل عقلك تابعًا لهؤلاء الأنصاف، ولا تجعل ميزانك ما يروّجونه أو يكثر تداوله، بل الزم الشريعة كلَّها، وخذ الدين من أهله الراسخين، فإن الحق لا يُنال بأنصاف العلوم، ولا تُبنى الأمة بأنصاف الرجال، وإنما تقوم بالعلم الراسخ، والإيمان العميق، والاتباع الكامل لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

اللهم سخر لهذه الأمة الأقوياء الأمناء، الأتقياء من أولي الألباب. واكفها شر المتسلقين المغرورين وأنصاف المتعلمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x