بقلوبٍ تتوجّس خيفةً، ونظراتٍ تُصارع الحَسرة، يتفقّد أهلُ غزّة منازِلهم بين أكوام الرّكام والغبار..!
تذرفُ أعينُهم الدُّموع الحارقة، وتخنُقهم العَبرات، ويَختلجُ في صُدورِهم الكثير من الألم والشَّجن والأسى..
لم يَعُد يعنيهم شيء، ولم يَبق لهم شيء!
في كُلّ مَشهدٍ.. أسوارٌ مُهدَّمة، وأثاثٌ اختلطت ملامِحُه بالصُّخورِ والأتربة، وصدى أنفاسٍ تئنُّ في الخراب، يُنادِي فيكَ أيُّها المُسلِم:
تفقَّد نِعَم اللهِ من حولِك، وتأمّل ما حَبَاكَ به من سَكنٍ آمِن، وجُدرانٍ ساترة، ومتاع تُكرِمُ به نفسَك، وتَصونُ به حاجاتِك.
يا عبد الله، أخرِج الحمد من أعماقِ قلبِك، أخرِجهُ نقيًّا خالصًا، تائبًا من كلِّ تفريطٍ وغفلةٍ وجحودٍ وكُفرانِ نعمةٍ فَتك بالقلوب الغافلة..!
كم مِن نِعَم الله يتقلّبُ فيها المرءُ في كلِّ يوم، قد اعتادها حتى لم يعُد يُدرِك قيمتها ولا يشعُر بفضلها!
بينما المُشرَّد والنَّازح، الذي هُدِمَت ذكرياتُه وأحلامُه مع لَبِناتِ بيتِه المُدمَّر، قد عرَفَ قيمةَ كلِّ شيءٍ منذ أن فقدَه..!
عرفَ قيمةَ الدِّفءِ حينَ بات على أطرافِ البرد،
وقيمةَ اللُّقمة حينَ جاع،
وقيمةَ الأمنِ حينَ خاف،
وقيمةَ البيتِ حينَ باتَ في العراء..!
فيا من أنعم اللهُ عليكَ بالأمن والسكن، والمتاع والطعام،
احمد اللهَ على ما بينَ يديك، متأدبًا من مشاهد غزة.
فإن الحمد مقام عبودية لله تعالى .. يوجب في نفسك يقظة الحسّ وسلامة الذوق، والأدب مع الله جل جلاله والحياء منه تعالى، ومن استحى من الله .. أفلح.
اللهم احفظ أهل غزّة، وانصرهم، واجبر كسرَهم، وكن لهم عونًا وسندًا، ودبر لهم أمورهم، ورد عادية الأعداء في نحورهم، ولا ترهم بعد هذه النازلة جوعا ولا خوفا، واجعلنا وإياهم من الشّاكرين لأنعُمك آناء الليل وأطراف النهار.