يقول الله عز وجل في سورة التوبة، سورة براءة العظيمة:
﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [ التوبة: 108]
{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. إنما عليك بالمسجد الذي أسس على التقوى.
والمسجد الذي أُسِّس على التقوى منذ أول يوم هو مسجد قباء؛ قام على إخلاص العبادة لله، وإقامة ذكره وشعائره، فكان عريقًا في الطاعة، راسخًا في الإيمان. لذلك كان أحقَّ أن تُقام فيه الصلاة ويُتقرَّب فيه إلى الله عز وجل.
وقد مدح الله أهله بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾؛ يحرصون على طهارة الظاهر من الأنجاس، وطهارة الباطن من الذنوب. ومن أحبَّ الطهارة سعى إليها، فكانوا من السابقين إلى الإسلام، المحافظين على الصلاة، المجاهدين مع رسول الله ﷺ، الحريصين على امتثال أمره واجتناب نهيه.
ولذلك لما سألهم النبي ﷺ عن طهارتهم أخبروه أنهم يُتبعون الحجارة بالماء، فحمد فعلهم، لأن الله يحب المطَّهِّرين: بطهارةَ القلب من الشرك والرذائل، وطهارةَ الجسد من الأحداث والأنجاس.
وهدي هذه الآية ليس مجرد توجيه مكانيّ: “لا تقم هنا، وقم هناك”، بل هي ميزانٌ ربانيّ يفرّق بين بناءٍ يقوم على الهوى وبناءٍ يقوم على التقوى، بين صورةٍ دينيةٍ خادعة، وحقيقةٍ إيمانيةٍ صادقة.
﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ نهيٌ قاطع، لا تردد فيه، ولا مجاملة، ولا تساهل.
فالمسجد الذي بني ضرارًا كان في ظاهره مسجدًا، لكن باطنه كان مؤامرة.
وهنا تتجلى قاعدة عظيمة: ليس كل ما لبس ثوب الدين هو من الدين. وليس كل اجتماع على العبادة – مهما أعجب الناظرين – دليلَ إخلاص.
والوقوف – ولو لحظة – في مكان بُني على غير أساس صحيح، يمنح الباطل شرعيةً لا يستحقها. لذلك وجب على المسلم أن يتحرّى أي يضع نفسه. فهي حياة واحدة لا يضعها في غير أساس التقوى المتين.
﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾
والتقوى هنا أصل يُغرس منذ البداية. والعمل الذي يقوم على أساس الإخلاص يستمر ثابتا مؤيدًا على عكس الذي خالطه الهوى والدخن والظلم وفساد المنطلق.
“من أول يوم”… وكأن الآية تشير إلى أن الانحراف لا يبدأ فجأة، بل يبدأ حين تُهمل متانة الأساس. فإن فسد الأصل، كان كل ما يُبنى عليه وإن بدا عظيمًا، هشًّا في ميزان الله عز وجل.
وكم من مشروعٍ إسلامي، أو عملٍ دعوي، أو نشاطٍ خيري، ظاهرُه خدمة الدين، لكن دافعه رياء، أو صراع رياسة وشهرة وحب تفرد بالصيت، أو طلب جاه أو إخلاص الدين لغير الله عز وجل! والآية تعيدنا إلى السؤال الجذري: على ماذا أُسِّس؟ ما كانت دوافعه الأساسية!
﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ﴾
لم يمدح الله البناء، بل مدح الرجال الذين في هذا البناء. فالمكان يكتسب شرفه من أهله، لا العكس. وهنا لفتة دقيقة: “يحبون أن يتطهروا”. لم يقل “يتطهرون” فقط. فالطهر يبدأ من المحبة، من شوق القلب للنقاء، من حساسية الضمير تجاه الذنب.
إنه تطهّر شامل: تطهّر من الشرك بالتوحيد. ومن الرياء بالإخلاص. ومن الكِبر بالخضوع. ومن النجاسة الحسية بالطهارة الكاملة.
فالطهارة هوية ومنهج وغاية.
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
لم يقل: “ويثيبهم” فقط، بل قال: “يحبهم”. وأي منزلة أعلى من أن تكون محلّ محبة الله؟
والمطهرون لا يكتفون بترك القذر، بل يجاهدون أنفسهم ليبقوا في صفاء دائم. والمحبة هنا ثمرة مجاهدة خفية، لا يعلمها إلا الله جل وعلا.
فمن أراد أن يحظى بحب الله تعالى، فليُصلح أساسه، وليُزكِّ باطنه، وليجعل التقوى جذره الأول.
وهكذا تضع أمامنا هذه الآية معادلة واضحة: لا قيمة لصورة باهرة بلا أساس متين. ولا وزن لبناء – مهما علا- بلا تقوى. ولا شرف لمكان بلا رجال صادقين. ولا كرامة لعبدٍ لا يسعى للطهارة.
فانظر لنفسك دوما – أيها المسلم- أين تقف؟ وفي أي مسجدٍ تقيم؟
هل تقف حيث يُبنى المجد على الإخلاص؟ أم حيث تختلط الشعارات بالأغراض؟
هل أنت حقًا على منهج النبوة المهيب، أم على طريق شهوات الأنفس الدنيئة؟
إنها دعوة إلى مراجعة الأساسات قبل زخرفة الواجهات… لتفقد النوايا وقواعد البناء ومقاصده .. قبل لمعة الشعارات وجاذبية الدعايات، فالله لا ينظر إلى الأبنية، بل إلى القلوب التي أُسِّست على التقوى من أول يوم.
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [ التوبة: 109]
يفاضل الله بين الأعمال بحسب نيات أصحابها وصدق مقاصدهم؛ فالبناء الذي أُسِّس على تقوى من الله وابتغاء رضوانه، قائمٌ على الإخلاص والمتابعة، ثابتُ الأساس مباركُ العاقبة.
أما البناء الذي أُقيم على غير هدى، كمن بناه على حافة جرفٍ متداعٍ، فهو آيلٌ للسقوط، لا ثبات له ولا أمان؛ ينتهي بصاحبه إلى الهلاك.
والعبرة ليست بصورة العمل، بل بأساسه: أتقوى ورضوان، أم هوى وعدوان؟ والله لا يوفق الظالمين لما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
هذه الآية تُكمل المشهد السابق، لكنها تنتقل من النهي إلى المقارنة الحاسمة. إنها ليست مقارنة بين مسجدين فحسب، بل بين منهجين في الحياة، بين قلبين، بين نيتين، بين مصيرين.
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ﴾
السؤال هنا استنكاري، لا ينتظر جوابًا؛ فالجواب معلوم بالفطرة. لكن الله يطرحه ليوقظ في القلب بداهته التي قد تطمسها الشهوات.
والتأسيس على “تقوى” يعني مراقبة الله. والتأسيس على “رضوان” يعني طلب رضاه، لا رضا الناس.
وبين هذه وتلك معاني جليلة وأمارات لا تخفى، تدور في فلك التقوى وموجباتها!
وهنا خلاصة عظيمة:
التقوى تتعلق بالقلب والنية،
والرضوان يتعلق بموافقة الأمر والاتباع.
فمن جمع بين الإخلاص والمتابعة، فقد أتمّ البناء.
وكل عملٍ فقد أحد هذين الركنين، فهو معرض للسقوط.
﴿ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾
تخيّل بناءً قائمًا على حافة هاوية، الأرض تحته متشققة، متآكلة، قابلة للانهيار في أي لحظة.
هذا هو العمل الذي بُني على: الرياء، أو العصبية، أو الهوى، أو مخالفة أمر الله تعالى أو كلها جميعا معا.
وحتى إن كان يبدو صلبًا أمام الناس، إلا أنه في الحقيقة هشّ. والأنكى، أن صاحبه قد لا يشعر بالخطر، لأنه منشغل بزخرفة الجدران، وتلميع الواجهات، وتركيب الدعايات الجذابة، لا بتثبيت الأساس الهشّ!
﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾
لم يقل: “فانهار فقط”، بل حدّد المصير “في نار جهنّم” والعياذ بالله! لأن السقوط هنا ليس مجرد فشل دنيوي، بل هلاك أبدي.
وهنا يظهر معنى عميق: فالعمل الفاسد لا يسقط وحده… بل يسقط بصاحبه.
وكم من إنسان ظنّ أنه يبني مجدًا، فإذا به يحفر لنفسه حفرة تكون نهايته فيها! وكم تكرر هذا المعنى عبر التاريخ، ولكن قلّ من يعتبر!
فما الذي أدى إلى هذا الانهيار؟!
إنه الظلم! لذلك قال الله عز وجل بعد ذلك:
﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
والظلم هنا ليس فقط ظلم الآخرين، بل أعظم الظلم: ظلم النفس، بوضعها في غير موضع العبودية الخالصة. وتلك هي حالة الشرك والكفر وإخلاص الدين لغير الله عز وجل، نهايتها مظلمة!
والذي يبني على غير تقوى، قد ظلم: نفسه والآخرين!
ومن حُرم الهداية، بقي يتخبط على حافة الجرف، حتى يأتي الانهيار.
كلنا نبني. نبني بالصلاة، بالصدقة، بالدعوة، بجهاد الكلمة، بمشاريع العلم والخير، بالعلاقات في سبيل الله، بالأسرة، بالجيرة وغير ذلك من الأعمال الصالحة …
لكن الأهم ليس: كم بنيت؟ بل: على ماذا بنيت؟
هل بنيت كل هذا على: الإخلاص لله عز وجل، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم؟
هل بنيته على مراقبة الله وطلب رضاه؟ أم على تقليد أعمى وأجوف، أو حظ نفس أضّل وأفسد؟!
أم بنيت على إعجاب الناس، أو حمية، أو خصومة، أو مجاراة للواقع؟ كل هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق، وليس حجم البناء وجماله الظاهر!
هذه الآية تعلّمنا أن: الأساس أهم من ارتفاع البناء. والثبات أهم من اتساعه، والصدق أهم من شهرته!
فالبناء الذي يبدأ بالله… ينتهي برضوانه. والبناء الذي يبدأ بالهوى… ينتهي بالهوّة.
فلنُراجع أساساتنا قبل أن تعلو جدراننا، ولنثبت أقدامنا قبل أن نفاخر بأبنيتنا… لأن الامتحان المعتبر يوم نلقى الله تعالى لن يكون: ماذا شيدت؟ بل: على أي أرضٍ وضعت أول حجر؟
وإن كان هذا الحال في الآخرة .. فإن في الدنيا ثمن يدفعه المتهاون ولا بد! لذلك قال الله عز وجل بعد ذلك:
﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [ التوبة: 110]
رغم كل ما بذلوه! يبقى بنيانهم الذي شيدوه سببًا للريبة الراسخة في قلوبهم، لا يزول أثره إلا بتوبة صادقة تُمزِّق القلب ندماً وخشية؛ وإلا ازدادوا شكًّا على شكٍّ ونفاقًا على نفاق. والله عليمٌ بالسرائر كما هو عليمٌ بالظواهر، حكيمٌ في حكمه وتقديره.
هكذا تكشف الآيات حقائق مصيرية: فليس كل عمل صالحًا بصورته، بل بنيّته ومقصده؛ فقد يحوِّل فساد القصد عبادةً إلى معصية. وكل ما يفرّق صف المؤمنين أو يضرّهم أو يعين على باطل فهو محرّم، كما أن كل ما يجمعهم على مقتضيات “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ويقوّيهم ويحفظ لهم دينهم وآخرتهم، مأمورٌ به.
والمعصية تترك أثرها في الأماكن كما تتركه في القلوب، والطاعة تُبارك البقاع كما باركت مسجد قباء. فالعمل المؤسَّس على الإخلاص والمتابعة ثابتٌ مبارك، يقود إلى جنات النعيم، أما ما بُني على هوى وضلال فمصيره السقوط والهلاك.
ونلاحظ بعد أن صوّر الله تعالى البناء القائم على شفا جرف هار، كشف لنا أثره الباطني المستمر… لأن الانهيار ليس لحظةً تأتي مرة واحدة، بل أثرٌ ممتد في القلب. وهنا يأسرك التشخيص الدقيق في القرآن لمسار الانحرافات ودقائق الانحراف!
﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾
لم يقل: “لا يزال بناؤهم قائما”، بل قال: “ريبة في قلوبهم”. أي أن المشكلة لم تعد في الجدران، بل في الصدور. لأن العمل الفاسد يترك أثرًا نفسيًا وروحيًا: ومن أعراضه: القلق الداخلي، والاضطراب الخفي، والشك في الطريق، والقسوة التي لا تُفهم أسبابها، ولعل هذا ما يزيد الحالة تأزمًا، فيتمادى الظالم في الظلم، لاستمرار القسوة، ويعود أثر ذلك على قلبه من جديد بمزيد قسوة! وكأنها حلقة هلاكه!
وهنا تفصيل مهم لتشخيص أمراض القلوب: فالإنسان قد ينسى معصيته وهو مقيم عليها لم يتب منها، لكن المعصية لا تنساه. تبقى أثرًا ساكنًا في أعماق قلبه، توهن يقينه، وتكدر صفاءه.
وكما تدين تدان!
فالبناء الذي أُسس على ضرار وتفريق لم ينتهِ أثره بهدم المسجد، بل بلغ الهدم قلوب أصحابه.
وهذه سنة خطيرة: العمل إذا بُني على هوى، أورث صاحبه شكًا.
وإذا بُني على إخلاص، أورث طمأنينة.
ولهذا تجد: أهل الإخلاص قلوبهم ثابتة مطمئنين لمعية ربهم، متوكلين صابرين، لا يضرهم من خذلهم. وأهل الرياء قلوبهم مضطربة، منشغلين بتزيين صورتهم، وإن علت أصواتهم، لا تنفك فلتات الاضطراب بادية على ملامحهم وتصرفاتهم.
﴿ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾
تعبير يهزّ القلب! فليس الحديث عن مجرد شعور بالندم، بل ندم يقطع القلب ألمًا وخوفًا وحياءً من الله عز وجل. وكأن الله يقول: لا يزول أثر العمل الفاسد إلا بتوبة صادقة تمزق القلب من الحسرة.
فالتوبة في حقيقتها انكسار لله تعالى يدفعه الحياء والندم والإخلاص.
ومن أعجب ما تشير إليه الآيات السابقة واللاحقة: أن المعصية تؤثر في القلب وتؤثر في المكان وتؤثر في الجماعة. فأثرها متعدٍ ومستمر!
ومسجد الضرار لم يكن مجرد بناء، بل كان مشروع تفريق… لذلك صار مكانًا منهيًا عن الصلاة فيه. وفي المقابل، كان مسجد قباء مكانًا أُسس على تقوى، فصار محل ثناء إلهي. وكذلك مسجد النبي ﷺ وكل مسجد اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة والعمل الصالح. لمرضاة الله تعالى، لأن المكان يتشرف بالطاعة، ويُظلم بالمعصية.
وهكذا نرى كيف تجمع هذه الآيات خلاصة مهيبة:
“لا تقم فيه أبدا”.” فليس كل مشروع يرفع لافتة جميلة يوجب الانكباب عليه، بل يجب تفقد أسسه ودوافعه وحقيقة حسن اتباعه. وكل ما بني على حظ نفس أو مرض قلب، أو ظلم وإسراف، افتقد للتقوى..!
ومن أبى إلا ذلك، فليتحمل عواقب كبره وعناده في نفسه وفي آخرته! فلابد من ثمن لكل انحراف ومخالفة لأمر الله تعالى في الدنيا والآخرة.
ولا نجاة إلا بتوبة خالصة لله تعالى، وانكسار صادق بين يدي الله عز وجل.
وهنا وقفة مهمة لكل مسلم و كل جماعة مسلمة:
ما هي “الأبنية” التي لا تزال ريبة في قلبك؟ ما العمل الذي حقا لم تخلص فيه لله تعالى؟
ما هي المواقف التي بنيتها على عصبية؟ ما المشروع الذي بدأته لمنافسة ونكاية لا لموافقة وسلامة؟
هل من خصومة غذيتها بدل أن تطفئها؟ أم من حقد وحسد ومقصد المنافسة الجائرة؟
كم حصل أن عصيت الله وكذبت وتحايلت، لأجل نصرة نفسك وجماعتك! كم حدث أن أخلصت دينك للهوى والجماعة على حساب مرضاة ربك!
أحيانًا يكون القلق الذي يحمله القلب في عمقه، أثر بناءٍ لم يُؤسس على تقوى.
هذه الآيات لا تتحدث فقط عن مسجدٍ بُني في زمن النبوة، بل عن كل مشروعٍ يُقام باسم الخير، وهو يخفي غير ذلك. وتعلمنا أن: الإخلاص يحفظ العمل. والمتابعة تزكيه. والتقوى تثبته. وسوء النية يترك في القلب شقوقًا لا تُرمم إلا بتوبة موجعة صادقة.
فراجع أساساتك أيها المسلم … فإن كان فيها صدع، فبادر للاستدراك والإصلاح قبل أن يتحول إلى جرفٍ هار، وقبل أن يصبح البناء ريبةً تسكن قلبك إلى أن يتقطع.
ثم تأتي البشارة .. بعد توضيح البناء المتين، وتفصيل الخطر المحيط!
بشرى البيعة العظمى
﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [ التوبة: 111]
يخبر الله تعالى بخبرٍ حقٍّ ووعدٍ صادق عن صفقةٍ عظيمة لم تعرف البشرية مثلها: لقد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وجعل ثمنها الجنة.
هي معاملة ربانية، يبذل فيها المؤمن أغلى ما يملك – النفس والمال – في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، فيجاهد صادقًا، غير ملتفتٍ إلى ربحٍ دنيوي أو خسارةٍ عاجلة، لأن العوض أعظم وأبقى.
وأكّد الله هذا الوعد في أعظم كتبه المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن، على ألسنة صفوة رسله، عليهم السلام، فاجتمع شرف المشتري، وعظمة الثمن، وسموّ الغاية، وصدق الوعد. ومن أوفى بعهده من الله؟
فليستبشر المؤمنون بهذه البيعة المباركة، وليهنئ بعضهم بعضًا بصفقةٍ رأس مالها الفناء، وربحها الخلود، وثمرتها رضوان الله وجنات النعيم. وذلك هو الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز.
هذه الآية ليست مجرد وعد، بل إعلان صفقة سماوية، وعقد رباني، وبيعة بين العبد وربه. إنها تنقلنا من منطق التكاليف إلى منطق التجارة، ومن مفهوم التضحية إلى مفهوم الربح.
وأول ما يهز القلب في الآية أن المشتري هو الله جل جلاله. فأي شرفٍ أعظم من أن يكون الله طرفًا في عقدك؟ ليس وسيطًا، ولا شاهدًا، بل هو المشتري بنفسه الكريمة.
فإذا كان الناس يفتخرون ببيع بضاعة لتاجر كبير، فكيف إذا كان الذي اشترى منك هو رب العالمين؟
ثم ما الثمن: إنها الجنة!
ليست راحة مؤقتة كما في تجارة الدنيا، ولا نعيمًا منقطعًا كما يعتاد الناس في حياتهم، بل خلود، ورضا، وقرب من الله تعالى، والأعظم من نعيمها: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
فأي تجارة هذه التي يدفع فيها العبد شيئًا فانيًا، ويأخذ مقابله نعيمًا أبديًا؟
ثم ما السلعة: إنها النفس والمال. وهما أحب ما يملك الإنسان.
وكأن الله يقول: أعطني أحب ما عندك، أعطك أحب ما عندي!
وهنا سر الابتلاء؛ لأن المحبة لا يٌبرهن عليها مثل البذل.
والعبد في الحقيقة مملوك لله أصلًا، لكن التعبير بالشراء تكريمٌ وتشريف، وكأن الله أعاد ملكية ما هو له أصلًا ليمنحك ثمنًا عليه! فكان الفضل فوق الفضل، والرحمة فوق الاستحقاق.
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾
ولم يكن هذا وعدًا خاصًا بأمة دون أمة، بل هو مبدأ ثابت في جميع الرسالات: فطريق الجنة يمر عبر البذل والصبر والثبات. هذه سنة ثابتة.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾
كأن الآية تخاطب القلوب المجاهدة: لا تحزنوا على ما بذلتم، ولا تأسوا على ما فقدتم،
فالخسارة الحقيقية أن تخرجوا من الدنيا بلا عقد.
والتاجر الذي عقد صفقة، يعلم أن ربحه فيها مضمون عليه أن يستبشر ويفرح!
﴿وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
والفوز ليس في النجاة والسلامة فقط، بل في دخول الجنة وفي القرب من الله، وفي رضاه.
وهنا لفتة مهمة: كلما شعرت بثقل الطاعة أيها المؤمن، تذكر أنك لا تؤدي واجبًا فقط، بل تعقد صفقة. كلما هممت بترك معصية، تذكر أنك تحافظ على استثمارك. كلما بذلت مالًا في سبيل الله، فاستحضر أنك تستبدل عملة زائلة بعملة خالدة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل نحن نعيش كأصحاب صفقة رابحة؟ أم كأننا لم نوقّع العقد بعد؟
ورمضان موسم تجديد البيعة، ومواسم الطاعات فرص لمراجعة الشروط، فليتأمل كل منا:
هل بعتَ حقًا؟ أم ما زلتَ أفاوض؟
لكن مما يجب الانتباه إليه، أن وصف المؤمنين الذي يحظون بشرف هذه الصفقة! يأتي في وصف الآيات التالية.. وهو ما يستوجب وقفة خشوع!
وصفُ من هم أهل للصفقة!
يقول الله عز وجل بعد أن أعلن صفقة البيع العظمى، وبشّر المؤمنين بالفوز العظيم:
﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ التوبة: 112]
وكأن القلب يسأل:
من هم هؤلاء الذين صدقوا في بيعهم؟ من هم الذين استحقوا أن يُقال لهم: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾؟
فيأتي الجواب مباشرة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
كأن الآية توضح لنا: ملامح الذين وقّعوا العقد حقًا. وهم:
التَّائِبُونَ: الملازمون للتوبة الدائمة عن جميع السيئات، فلا ييأسون من رحمة الله مهما كثرت أخطاؤهم. والتوبة عبادة ملازمة. كلما زلّ العبد عاد. وكلما ضعف، استغفر. فهو يعلم أن الصفقة لا تحتمل الإصرار على الخيانة. بل على النقاء والطهر..!
الْعَابِدُونَ: البيعة عبودية دائمة. والذي باع نفسه، لم يعد يملكها لغير طاعة الله. صارت حياته كلها لله. فالعابدون هم المستمرون في عبادة الله وأداء الواجبات والمستحبات. طاعتهم متواصلة في كل زمان ومكان. لكنها طاعة لله وحده لا شريك له، وإخلاص دينهم لله وحده عز وجل.
الْحَامِدُونَ: الشاكرون في الرخاء والشدة، معترفون بجميل الله عليهم، مثنون عليه بالذكر في الليل والنهار. في الأقدار المفرحة كما في الأقدار المؤلمة، قد أحسنوا الظن بربهم ومولاهم، يرضون عن أقدارهم أيًّا كانت، بل يحبونها، لأن الله اختارها لهم، محبة فيه جل جلاله.
السَّائِحُونَ: قيل الصائمون وقيل المنهمكون في أعمال القربات، كسفرهم في الحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، أو سياحة قلوبهم في معرفة الله وحبه والإنابة إليه الدائمة. إنهم أهل الحركة في الطاعة، لا يقعدون عن الخير، ولا تجمد قلوبهم عند حدٍّ من القربات. يسافرون بأبدانهم وأرواحهم في طرق الطاعة، طلبًا لرضا المشتري العظيم.
الرَّاكِعُونَ وَالسَّاجِدُونَ: المكثرون من الصلاة، مواظبون على الركوع والسجود، تجسيدًا لخضوعهم الكامل لله تعالى، قد علموا أن مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة تكون بكثرة السجود. والصلاة تجديد عهد يومي.
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ: الداعون إلى الخير، القائمون بواجباتهم ومستحباتهم، مفعمون بحب الخير للناس. كما يحبونه لأنفسهم. قد علموا أن خيرية هذه الأمة قائمة على شعيرة الأمر بالمعروف وما يليها:
النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ: الذين يصدون عن كل ما نهاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عنه من المعاصي والظلم. لا تأخذهم في الله لومة لائم! ومن ذاق ربح الصفقة، لا يرضى أن يرى غيره يخسر. فهو يريد للناس أن يدخلوا السوق نفسه، وأن يربحوا الربح ذاته.
الْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ: الذين يتعلمون حدود الله وأحكامه ويعملون بها، ملتزمون بالفعل والترُك، محافظون على شريعته في كل أمورهم. وفي ذلك دلالة إخلاص الدين لله تعالى. لا يساومون على دينهم أحدًا. لا يتلاعبون بالشروط، ولا يقتربون من مناطق الشبهة. يعلمون أن حدود الله سياج الأمان، ومن خرج عنه عرّض عقده للخطر.
ثم يختم الله تعالى بالوعد العام: “وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ”، ليعم الخير كل مؤمن بحسب إيمانه، وقوة عمله، ومقدار التزامه، فلا يقتصر الثواب على فئة دون أخرى، بل يشمل كل من آمن، وكم من الجلال والعظمة تلخصها كلمة واحدة: بشّر.
وفي الختام،
أمام هذا الهدي الجليل نخرج بخلاصة عظيمة يجب أن تحفر بمداد العمل:
من أسس بنيانه على التقوى، ومن باع نفسه لله، ومن عاش تائبًا عابدًا حامدًا وأقام نفسه على ما ذكر الله من صفات في آية التوبة … فهو الرابح، وإن بدا للناس خاسرًا.
ومن بنى على شفا جرف هار، وأبقى قلبه في الريبة، وظن أنه قد سبق في هذه الدنيا وكأنها هي الغاية… فهو الخاسر، وإن صفق له الناس.
هذه الآيات ليست سردًا تاريخيًا، ولا وصفًا لفئة مضت، بل خريطة طريق لكل قلب يريد النجاة.
فأخلص بيعتك أيها المؤمن! وإن وجدت في نفسك نقصًا وتخلفًا، فباب التوبة مفتوح، والسوق قائم، والرب كريم، والعهد ما زال معروضًا.
اللهم اجعلنا من الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله، والله اشترى، ومن الذين استبشروا ببيعهم هذا، وفازوا الفوز العظيم.
اللهم شهادة في سبيلك ورضوان منك أكبر! اللهم رضاك ومحبتك .. نرجو ونسأل .. في الدنيا والآخرة.
اللهم آمين