عرس عند السلف

في يوم مشرق بأنوار الأمان والهداية، تحط أشعة شمسه الذهبية على البيوت المنتظمة في سكينة بالمدينة المنورة، وبين البيوت بيت ينبض فرحة، إذ يستعد لعرس قريب!

بين جدرانه تجلس العروس الحيية، تزيّنها نساء ينشدن الخدمة بمودة ومحبة، لتقبل على حفل زفافها القريب، تحفها الوصايا الأمينة والدعوات المؤثرة.

وليس ببعيد يقف العريس بوقار يُعد للوليمة، وحوله أصحابه يتعاونون معه على البر والتقوى، قد استقر رأيهم على طبق الضيافة، وانطلقوا لإعداد المجلس والتفاصيل المرافقة بحماسة، وتوزيع الدعوات الموجبة لحسن تلبية واستجابة.

بعد لحظات تجتمع النساء في عرس لا اختلاط فيه ولا يدخله رجل. وتطل بينهن العروس، مبهجة هي بأناقة المسلمة، وجمال المؤمنة، قد تميزت عن الحضور، فهي العروس بزينتها تسر الناظرة!

جموع المدعوات هنا حولها، ليفرحن بها ويباركن لها، لم ينافسنها في زينة، ليكون اليوم يومها حصرا. أحاديثهن خير وسلوى، يرددن الأناشيد بدفّ ليحدثن فرقا، وأهازيج أعراس لا خدش فيها لمروءة أو خلق، حتى أعراسهم عبودية لله تعالى وإظهار للفرح بتقوى.

وما أن انتهى حفل الزفاف العفيف، انتشرن متسترات بجلابيبهن، قد راعين أدب الطريق والخروج، لم يحدثن فتنة، واستقرت العروس في بيت زوجها، قد حفظت أحلى ذكرى واستعدت لمهمتها الجديدة بما حملته من وصايا وحكمة، وجهاز يكفي لحسن عشرة، قد أغناها الله تعالى فتواضعت حمدا، وهكذا تبدأ حياتها مدركة لقيمة النعمة، ومحسنة الشكر والصحبة.

مثل هذه الأسرة أخرجت عبادا وإماء لله تعالى، حملوا أمانة الدين استقامة وعلما وجهادا، فكانوا أهلا للفضل والسبق وإعلاء كلمة الله تعالى لتبلغ رسالة الإسلام أرجاء الأرض.

لقد كانت حياتهم مباركة ببركة التيسير والتعاون على الخير، وفي زماننا، مجرد ذكر كلمة “عرس” يحدث الفوضى!

فالحديث عن “عرس” في زماننا، يوجب التفكير في تكاليف الزواج المضنية، ومثلها لتفاصيل حفل الزفاف الملفتة، ويصنع تصورا نمطيا عن عرس صاخب وموسيقى وغناء، وقاعة فاخرة، ثم زينة وخيلاء وآراء الناس المتنطعة!

لقد أصبح التفكير في الزواج لدى بعض الشباب المسلم كابوسا، لما يعنيه من عبء جمع متكلف، وكماليات مرهقة احتلت مرتبة الأولوية، وإرضاء منهزم لمتطلبات الأسر  المُنكَرَة للاحتفال.

فامتدت سنّ الزواج للثلاثينات وما بعدها، وارتفعت منحنيات العنوسة بآلام، واستمرت حفلات الزفاف المخالفة لهدي الإسلام مضرب الأمثال وميدان التنافس الجاهلي!

ثم هل أحدث ذلك سعادة واستقرارا؟ هل نجحت الأسر في تقديم مثال ناجح للأسرة المسلمة السويّة؟

لقد انشغل الناس بالتفاصيل الثانوية أكثر من الجوهر وافتقدت معاني الزواج الحقيقية، فكان ارتفاع نسب الطلاق دليلا آخر على فساد هذه الطريقة، وتداعيات فسادها.

لنطوي هذه الصفحة المحزنة وننتقل من جديد إلى صفحات السلف رضي الله عنهم، ولنرجع إلى أعراس الرعيل الأول والجيل المتفرد، كيف كانت؟

عرس في بيت النبي صلى الله عليه وسلم

تصف السير أعراس السلف، فتأسرك تفاصيل الانسجام بيسر والتعاون بحب في الله تعالى. وترى الفقه والبصيرة في تأسيس أسرة مؤمنة، ولبنة راسخة في بنيان الإسلام العظيم. تبدأ مسيرتها مستنيرة بأنوار الإيمان والتوكل واليقين.

نفوس أدركت جوهر السعادة، فسطرت تاريخا ماجدا .. راقيا ونبيلا.. في نفس الفرد والأسرة والمجتمع!

في السنة الثانية من الهجرة النبوية تزوج الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وكان عرسهما محطة تاريخية مبهجة، اجتمعت فيها شخصيتان من أعلام الإسلام وقاماته السامقة.

فكيف كان هذا العرس؟ وكيف كان زواج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ذات الشرف والمكانة العظيمة.

الحلال ميسر والمهر مقدور عليه

ذكر البخاري أن زواج علي بفاطمة كان بعد غزوة بدرٍ بقليل، وكان قصة زواج مترفعة عن التكلف، والإسراف والخيلاء!

يروي لنا ابن كثير رحمه الله في السيرة النبوية والبيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه أنه قال: “خطبت فاطمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة خُطِبَت من رسول الله؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله فيزوجك بها؟ فقلت: أو عندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّجك. فو الله ما زالت ترجّيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن قعدت بين يديه أُفْحِمْتُ، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما جاء بك، ألك حاجة؟) فسكتّ، فقال: (لعلك جئت تخطب فاطمة؟) فقلت: نعم، فقال: (وهل عندك من شيء تستحلها به؟) فقلت: لا والله يا رسول الله! فقال: (ما فعلت درع سلحتكها؟) قلت: فوالذي نفس علي بيده إنها لحُطَمِيَّة ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت عندي، فقال: (قد زوجتكها) فبعث إليها بها، فاستحلّها بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وفي رواية للنسائي أن علياً رضي الله عنه قال: “تزوجت فاطمة رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله! ابْنِ بِي (اسمح لي بالدخول بها)، قال: (أعطها شيئاً) قلت: ما عندي من شيء، قال: (فأين دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّة؟) قلتُ: هي عندي، قال: (فأعطها إياه) درعك الحطمية: منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال لهم حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع.

هذا كان مهر سيدة من سيدات بيت النبوة، لا تبلغ شرف مرتبتها كابنة لسيد الخلق أجمعين بعدها امرأة، فقارن اليوم كيف يضرب المهر أرقاما قياسية، ويقاس عليه مكانة المرأة، وهيبة مقامها؟ لقد حطّت مقاييس الزمان من مكانة المرأة المسلمة حين قرنت مقامها بقيمة المهر ومبلغه.

فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: “مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ”. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: “أَعْطِهَا ثَوْبًا”. قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: “أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ”. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ! فَقَالَ: “مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟”، قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: “فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ”.

ولو كانت المغالاة في المهور مَكْرُمَة ومقام سبق ووفاء، لكان أولى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنته فاطمة رضي الله عنها ولتبعه في ذلك صحابته والصحابيات رضي الله عنهم.

وقد كان هذا التيسير في المهور منقبة في بيت النبوة، فعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، فَقَالَ: “أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً” (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

يقول الرافعي رحمه الله في ذلك:” ولقد تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت  (….) وما كان به -صلى الله عليه وسلم- الفقر، ولكنه يشرع بسنته ليُعلِّم الناس من عمله أن المرأة للرجل نفس لنفس، لا متاع لشاريه والمتاع يقوَّم بما بُذل فيه إن غاليًا وإن رخيصًا، ولكن الرجل يقوّم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل أن تحمل إلى داره، ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره مهرها معاملتها تأخذ منه يومًا فيومًا، فلا تزال بذلك عروسًا على نفس رجُلها ما دامت في معاشرته.

أما ذلك الصداق من الذهب والفضة، فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى، أفلا ترى هذه الغالية -إن لم تجد النفس في رَجُلها- قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟!”.

هكذا كان يفهم السلف المهر ومعانيه، وليس مسابقة للتباهي بالأرقام بين الناس .. من يبيع ابنته بأعلى رقم؟!

وهكذا تزوجوا

لم يقف الأمر عند حدود تيسير المهر للشاب الخاطب، بل رافقه تيسير تكاليف تأسيس بيته.

فكيف كان جهاز وأثاث ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق أجمعين؟

لقد كان مجرد: قطيفة، وقِرْبَة، ووسادة من جلد حشوها ليف أو نبات، كما يروي ذلك علي رضي الله عنه بنفسه فيقول: (جهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل (قطيفة)، وقِرْبة، ووسادة أدم (جلد) حشوها إذخر (نبات رائحته طيبة) رواه أحمد.

وفي رواية ابن حبان: (وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سريراً مشرطاً بالشرط، ووسادة من أدم حشوها ليف).

لقد كان هذا جهاز فاطمة، أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم والأحب إلى قلبه، قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم :(فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني) رواه البخاري.

كان هذا جهاز سيدة نساء هذه الأمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: (يا فاطمة! ألا ترضَينَ أن تكوني سيدة نساءِ المؤمنين، أو سيدة نساءِ هذه الأمة؟) رواه البخاري.

وفي رواية الطبراني: (الحسن والحُسَين سيِّدا شباب أهل الجنَّة، إلا ابنَي الخالة عيسى ابن مريم ويحيي بن زكريا، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنَّة، إلا ما كان من مريم بنت عمران).

أخذت فاطمة ما تحتاجه فقط في زواجها ولم تزد عليه فهي ذاهبة لبيت رجل مؤمن وصحابي جليل، ما تجده معه من مودة وأمان وحفظ، خير لها من زخرف الدنيا.

وصدقت هند بنت عتبة رضي الله عنها حين قالت: الرَّجُلُ الضَّعِيفُ مِضْيَاعٌ لِلْحُرَّةِ”.

والرجل، القوي – قوي الإيمان والعزيمة- يٌشترى.

تزويج الرجل لصلاحه

لقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته الحبيبة، لرجل صالح يعلم أنه سيصونها، ويفي له بحقوقها، ولم يكن النظر بناء على حظه من المال، بل على حظه من الدين والخلق والتقوى، فعلي رضي الله عنه كان فقيرا، وقد عاشت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت متواضع، تطحن وتعجن خبزها بيديها وتدير كافة شؤون بيتها بنفسها، وتؤدي حقوق زوجها عليها، وكانت أمّا، فربت الحسن والحسين، وعانت ما تعانييه الأم من أثقال الحمل والتربية، ومع ذلك حين شعرت بالتعب من مهامها اليومية، وأثَّرَ عمل الرَحَى في يديها، طلبت من أبيها صلى الله عليه وسلم خادماً يساعدها، فماذا كان رد النبي صلى الله عليه وسلم عليها؟

هل سارع لإرسال خادم لها وهي ابنته المحببة؟ هل طالب علي رضي الله عنه بإحضار خادم لها وهو زوجها المسؤول عنها؟ هل أخبرها أن خدمة الزوج ليست واجبة ويمكنها الممانعة!

بل أرشدها صلى الله عليه وسلم لما هو أفضل لها، كما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنَّ فاطمة أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، وشكتِ العملَ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أَلفَيتِيه عندنا) قال: (ألا أدُلُّكِ على ما هو خيرٌ لك من خادمٍ؟ تسبِّحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمَدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّرين أربعاً وثلاثين حين تأخذين مضجعَك).

أرشدها صلى الله عليه وسلم لما يحبه لها من مرتبة الأجر والفضل كما يحبها لنفسه صلى الله عليه وسلم، ولأنها ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت قدوة ومدرسة للاقتداء بحسن استجابتها لأبيها صلى الله عليه وسلم.

وقد رزئت الابنة البارة المحبة التقية، بوالدها النبي صلى الله عليه وسلم وأصيبت بموته بشدة لأنها الوحيدة من أبنائه صلى الله عليه وسلم التي توفي النبي صلى الله عليه وسلم في حضورها، بينما البقية توفوا قبله صلى الله عليه وسلم. وبقيت تذوب، كما يصف ذلك الذهبي، حتى لحقت به صلى الله عليه وسلم كما بشرها، بعد أشهر معدودة. وكان هذا الابتلاء في صحيفتها رفعة لها رضي الله عنها وأرضاها.

السعادة في الصلاح والتقوى

لم يربط الإسلام السعادة الزوجية بالغنى والتفاخر بالأموال والمظاهر، ولا ما يتنافس فيه الناس اليوم في زماننا من تفاصيل بذخ وخيلاء، بل كان في صدق العلاقات وصدق الغايات، ولذلك موجبات وفضائل.

قال تعالى (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النُّورِ:32).

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ”(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ).

وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا”(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ)

وفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ”(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ (الْبَيْهَقِيِّ وَالْحَاكِمِ): “خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ”.

حفل الزفاف

كانت أعراس الصحابة رضي الله عنهم أقل الناس كلفة، وبعيدة كل البعد عن الإسراف، لم يكن الرجال يستمعون الموسيقى ولا الغناء ولا يرقصون، بل كان هذا للنساء ومن غير أن يحضره الرجال أو يختلطوا فيه، وكانت النساء تغنين بكلمات ذات معنى تصنع السعادة في القلوب، ولا يستخدمن أكثر من الدف الذي أجازه الإسلام في هذه المناسبات.

وأما الرجال فكان اجتماعهم  في أعراسهم على الوليمة. قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: “لم يكن رجال السلف الصالح يجتمعون في أعراسهم إلا على الوليمة، فلم يكونوا يعرفون ضرب الكف بالكف، ولا ضرب الكف بالدف، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال”.

فتأمل حال رجال زماننا ورجال ذلك الزمان!

فاليوم يدخل العريس بين النساء الأجنبيات في قاعة الحفل ويتراقص ويتمايل ويلتقط اللقطات، ويعتبر ذلك حقه لمعايشة الفرح والذكرى .. ولله المشتكى من هذه الغربة.

وليمة العرس سنة مباركة

بعد الهجرة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في المدينة، فما كان من سعد بن الربيع رضي الله عنه إلا أن عرض التنازل عن نصف ماله وإحدى زوجتيه لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، محبة وإيثارا منه لأخيه المهاجر، على أن يطلقها له فتعتد ثم يتزوجها، لكن عفة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كانت مقابل هذا الإيثار، درسا في التعاملات العظيمة بين الصحابة، فدعا عبد الرحمن لسعد بالبركة في ماله وأهله، وطلب أن يدلوه على السوق، فذهب، وباع واشترى، وكان صاحب دراية بالتجارة.

عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ جاء إلى رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبه أثَرُ صُفرةٍ، فسأله رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرَه أنَّه تزوَّجَ امرأةً مِن الأنصارِ، قال: كم سُقتَ إليها؟ قال: زِنةَ نواةٍ مِن ذهَبٍ. قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أولِمْ ولو بشاةٍ). رواه البخاري.

وقوله ﷺ: أولم ولو بشاة يدل على أهمية الوليمة في الزواج.

وعن صَفيَّةَ بنتِ شَيبةَ رضي الله عنها قالت: (أولَمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على بَعضِ نسائِه بمُدَّينِ مِن شَعيرٍ) رواه البخاري.

ووليمة العرس قال بعض العلماء بوجوبها لقوله: أولم، وقال كثيرون باستحبابها.

ولا بأس بعملها قبل الدخول أو بعد الدخول بحسب مصلحة الناس وما يروه، ثم هي في الواقع لإسعاد الناس وتعبيرا عن حمدهم وشكرهم نعمة الزواج وتوطيدا للصلات في المجتمع الإسلامي ومن مظاهر التواد والتراحم وإظهار الفرحة للمسلمين.

ولم يلزم الإسلام الزوج بعسر في الوليمة بل هي على حسب قدرة الزوج، وقد أشبع النبي ﷺ في وليمة زينب الناس خبزاً ولحماً.

كما أولم النبي ﷺ بما وجد، و”ما أولم على أحد من نسائه ما أولم على زينب” ، كما جاء في صحيح البخاري.

وفي زواجه ﷺ بصفية بنت حيي رضي الله عنها، قال أنس رضي الله عنه: “فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز، ولا لحم، أمر بالأنطاع” بسطت من الجلد، “وألقيَ عليها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمته” ، هذه كانت وليمته ﷺ. رواه النسائي.

وهكذا صنع الطعام من هذه المواد: تمر وسمن.

واليوم يصل الأمر إلى الإسراف كما يحدث في كثير من الأعراس حتى يلقى بالأطعمة في مكبات القمامة بدل التصدق بها، فتأمل حال هذه الغفلة!

ولا بد لمن علم وأيقن أن يلتزم ويحسن الاتباع،  فزواج المسلم على هدي السلف – لا نقول بالتفاصيل نفسها التي يحكمها العرف والواقع – بل بمراعاة التقوى والخلو من المنكرات والإسراف، موجب للبركة والتوفيق، وأما التقليد للأعراس الجاهلية المنتشرة اليوم والتي كثيرا ما تتشبه بالكافرين وتستنسخ أفكار الغرب للاحتفال، فمظاهر جوفاء كاذبة، ومظاهر دون حقائق، تشبع الأهواء المغرورة، ويشغلها رضا الناس ولو بسخط الله تعالى، فكانت أعراسا بلا أخلاق بلا هدي ومع ذلك تستمر بلا رادع ولا خشية!

كيف نصحح كل ذلك؟

البداية حقيقة في تصحيح كل شيء!

منذ أول نية للزواج إلى يوم العرس والزفاف، لنعيدها سيرتها الأولى كما كان السابقون الأولون، بأدب ويقين. وإن اختلف زماننا عن زمانهم فالإسلام صالح لكل زمان ومكان، وهناك بعد إيماني وتوكل على الله تعالى ثم الحرص على الاستقامة والتقوى، يوجب الفضائل التي لا يوجبها الدهاء والتحايل على شريعة الله تعالى.

فلا يوجد “بطولة” في الزواج، إنما هي أقدرا وأرزاق وامتحانات لا يُرتجى التوفيق فيها إلا بمرضاة الله تعالى سبحانه ومعيته. وهو ما لم يدركه الكثيرون بعد، فلا يزالون في تعثر وتأخر وحرمان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال جابر: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. رواه أبو داود.

كان الرجل في زمن السلف، يخطب فيتزوج بلا طول تأخير، فإذا عقد الزواج يقام للنساء حفلٌ لقصد إشهاره، فيضربن عليه بالدف ويغنين غناء لا فحش فيه، كما أخرج البخاري عن عائشة: أنها زفت امرأة على رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو‍. وفي رواية: هل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟.

ويجتمع الرجال على الوليمة التي يأكل منها الجميع. بحفظ وقار وهيبة الرجال.

لقد كانت البوصلة في اختيار الزوجة والزوج، الصلاح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فاظفر بذات الدين تربت يداك”. رواه البخاري.

والوسيلة في الاحتفال بالعرس بما يرضي الله تعالى بلا منكرات، فكان جزاء ذلك بركة وأمانا، وجيلا ينصر الإسلام ويقيم بنيانه في الأرض شامخا وعزيزا.

ولله الحمد، لا يخلو زماننا من نماذج أبية لزواج متمرد على جاهلية العصر ومنكرات العرس، ليقيم الله حجة على العباد، فكان حريا بهذه النماذج أن تكون قدوة ومثلا في زمن كثر فيه التفلت والاستهانة والمخالفة!

ولقد رأيت أمثلة اليوم بحمد الله تعالى، تؤكد على أن فرية صعوبة تحقيق الزواج بهدي السلف والتقوى، أكذوبة يتملص بها المرتابون ويبررون بها أهواءهم والمنكرات، بل هناك نماذج مبهجة ومستعلية بإيمانها لا تقبل لنفسها الدنية، تزوجت وسعدت بتفاصيل تعكس هوية إسلامية عريقة وحضارة إسلامية راقية ويقينا! لا كما ينهزم الناس اليوم لثقافات وأفكار غربية لا تمثلنا، تعكس خواء وغرورا أجوفا.

قال الله تعالى ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)

نحن بحاجة لصدق مع أنفسنا، فلن نحدث التغيير حتى نبدأ به في أنفسنا.

وفي الواقع، تتوفر اليوم كل الخيارات للزوجين بما يسمح لهما بالفرح والاحتفال بدون حاجة للتكلف والمخالفة والإسراف، فيمكن الزواج بتحقيق الزينة المطلوبة باللباس وتفاصيل العرس المبهج، وباتباع هدي السلف الصالح، ويوجب كل ذلك سعادة لا تُبارى ومعية لا تُناجز يمتد أثرها في حياتهما الزوجية . وكفى به حسن اتباع، وكيف لمن اقتدى بالسلف أن يشقى!

وَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ ** إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

الواجب على الرجال حفظ الأمانة

قال ابن سيرين رحمه الله: “انكح امرأة تنظر في يدك ولا تنكح امرأة تكون أنت تنظر في يدها”، وهنا مفتاح من مفاتيح التوفيق، بمعاني ممتدة، فالأصل أن يقوم الرجال بدورهم في قيادة النساء والأسر لمراتب الرضوان والقبول بحس مسؤولية لا يُطمعهم فيما في الأيدي والجيوب، ولا بالانجرار لإرضاء أهواء النساء والأسر لما فيه المخالفة والدنو، والله يعلم ما في القلوب، والله خبير بصير بعباده سبحانه. فطوبى لمن صدق وثبت وكان من الذين اتبعوهم بإحسان.

يقول ابن القيم رحمه الله:”من عَمَرَ ظاهره باتباع السنة، وباطنَه بدوام المراقبة، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وغضَّ بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال، لم تُخطئ له فراسة”.

وقال ببصيرة العالم العارف:” لا تَستصعِب مخالفة الناس والتحيُّز إلى الله ورسوله ولو كنتَ وحدك؛ فإن الله معك، وأنت بعينه وكَلاءتِه وحفظِه لك، وإنما امتحن يقينَك وصبَرك”.

ويكفي كل عريس وعروس، تأييد الله تعالى ومعيته، يستغنيان بهما، قال ابن تيمية رحمه الله:”فكل من اتبع الرسول ﷺ فالله كافيه وهاديه وناصره ورازقه، وله نصيب من (لا تحزن إن الله معنا)”.

والحمد لله على نعمة حسن الاتباع والتفرد بعزة الإيمان والإسلام، وفضائلهما، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا.

نشر هذا المقال في افتتاحية مجلة أسنة الضياء العدد الثالث.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عبد الرحمن

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رحم الله والديك

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x