إنَّ أخطر ما يُبتلى به الإنسان في طريق خروجه من الاستضعاف، أن يتحوَّل من عبوديةِ العجز إلى عبوديةِ الوسائل، ومن التعلّق بزخارف الدنيا إلى التعلّق بالأسباب التي ظنَّ أنها طريق الخلاص.
فبعد أن كان القلب أسير المال والجاه والشهوة، صار أسير الشعارات، والتنظيمات، والرموز، والأدوات، حتى تعاظمت الوسائل في النفوس تعظيمًا يكاد يلامس مقام القداسة، فأصبح المساس بها كأنه مساس بالدين نفسه، ونصحها خيانة، والتنبيه على أخطائها حربًا على الإسلام!
وهنا يتسلل المرض الأخطر؛ إذ ترفع راية “نصرة الإسلام” بينما القلوب تتعلّق بأسباب النصرة أكثر من تعلّقها بربّ الإسلام، ويُقدَّم الولاء للوسيلة على هيبة التوحيد، حتى يغدو الانتصار غايةً مجردة، ولو تآكل في سبيلها الإخلاص، أو تراجعت معاني العبودية، أو ضعفت حقيقة: لا إله إلا الله ومقتضياتها!
وهذا من أدق مداخل الشيطان؛ فإنه لا يكتفي بإغراق الناس في الدنيا، بل قد يدفعهم إلى تعظيم الوسائل التي يطلبون بها النجاة، حتى تستولي على القلوب، وتنافس مقام التوحيد، فيُصبح الولاء للرايات أعلى من الولاء للحق، والانتصار للأشخاص والجماعات أشد من الانتصار لله عز وجل، وتُختزل معاني الدين في معركةٍ أو مشروعٍ أو جماعة، ويؤطر الدين العظيم بكل سعته في ضيقها بكل قصورها، بدل أن يبقى الدين خضوعًا كاملًا لله وحده لا شريك له.
ثم تتفاقم الفتنة حين يتحوّل العمل للإسلام من عبوديةٍ لله تعالى إلى شعورٍ بالاستحقاق والتزكية وادعاء السبق والفضل، وكأنّ طائفةً بعينها قد مُنحت حقّ الوصاية على الدين، أو احتكرت فهمه، أو صارت هي الميزان الذي يُعرف به الحق والباطل. من خالفها خالف الإسلام ومن وافقها فاز ونال صكّ النجاة! وكأن مجرد الانتماء لجماعة يقدم وعد تزكية تنجي من النار وتدخل إلى الجنة!
فيُصبح “السَّبق” في الانتماء، أو “التميّز” في التنظيم، بابًا من أبواب الغرور الخفي، حتى يُخيَّل لبعض الناس أنّ الإسلام لم يكتمل إلا بمناهجهم، ولم ينهض إلا بمشاريعهم، مع أنّ الله جلّ وعلا قد أعلن اكتمال هذا الدين فقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾.
فأيُّ فتنةٍ أعظم من أن تزاحم رسائلُ الجماعات هيبةَ رسالة النبي ﷺ؟! أي فتنةٍ أعظم من أن تنازع وسائل نصرة الرسالة هيبة الرسالة نفسها؟!
وأيُّ انحرافٍ أخطر من أن تصبح مناهج البشر هي الغاية والمنى، وتُبذل الأعمار والأوقات والمواقف، لترقيع وتزيين قصورها والذبّ والدفاع عن أخطائها وصناعة نصرة عمياء هوجاء لها ولو اقتضت الفجور، وكل ذلك بأوراد تُستهلك في التعظيم والتبجيل، كانت أنفع لأصحابها لو بُذلت في محاريب العبادة وميادين المسابقة بالخيرات وابتغاء فضل الله ورضوانه! وفي الأثناء يُدفع الوحي إلى الخلف ليكون شاهدًا لا قائدًا، وتابعًا لا متبوعًا؟! ويزعمون أنه ولاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم! ولو صدقوا لبذلوا دقائق أعمارهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يكتمون حقا ولا يخذلون إنصافا، ولكن الإنسان يطغى!
إنّ قيمة المسلم ليست في انتسابه لرايةٍ أو شيخٍ أو جماعة مهما اشتهرت، وإنما في صدق اتّباعه للنبي ﷺ، وتعظيمه للوحي، وتجرده لله عز وجل. أمّا حين تتضخّم الأسماء والعناوين حتى تنازع مقام الرسالة بفتنة حمل الرسالة، فإن القلوب تدخل طورًا خطيرًا من التعلّق بغير الله عز وجل، ويصبح الولاء للمشروع مقدَّمًا على الولاء للحق، وإن رفع شعارات ولاء ونصرة الدين! والانتصار للجماعة أغلى من الانتصار للدين نفسه. وإن تستر بمحبة الدين وفدائه!
وهنا يضيع ميزان العبودية؛ فلا يعود السؤال: “ماذا يريد الله؟” بل: “ماذا تريد جماعتنا؟”
ولا يعود الحق ما وافق الوحي، بل ما وافق المسار التنظيمي، أو خدم صورة الرموز والقيادات. ويُستحضر في الأثناء نص الآية والحديث لتزيين الخطاب وتعظيم الوسائل وتزكيتها، وليس لإقامتها على الإخلاص وحسن الاتباع والخضوع لله عز وجل.
وحين تصل الأمة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تكون قد خرجت من الاستضعاف حقًا، بل تكون قد استبدلت ضعفًا بضعف، وعبوديةً بعبودية، وخسرت في الطريق صفاء التوحيد الذي به وحده تقوم النهضات وتثبت الانتصارات وتخرج الأمة من استعباد الأمم لها إلى سيادة الإسلام بإقامة حكمه في الأرض.
وما لم يُستدرَك هذا الداء؛ داءُ انصراف الإخلاص من الله جل جلاله إلى الرموز، ومن الوحي إلى الجماعات والانتماءات، حتى تُعظَّم تعظيمًا يلامس التقديس، ويُتواصى بها كما يُتواصى بالحق، وتُجعل شعارًا وميزانًا وشرطًا للقبول والولاء؛ وتُردد أسماؤها لامعة كذكر الله أو أكثر! فإن القلوب ستزداد بُعدًا عن حقيقة الدين وإن ظنّت أنها تنصره.
فتتحوّل الأسماء إلى أوثانٍ معنوية، ويغدو الانتماء مقدَّمًا على الإيمان، والولاء للجماعة أعلى حضورًا من الولاء لله عز وجل، حتى يُنسى ذكر الله عز وجل، وتغيب هيبة النبي ﷺ من النفوس، ويضعف الذكر والخشية والوجل، ويبرد ذلك الإيمان الحيّ الذي كان يحرّك القلوب نحو الله تعالى لا نحو البشر. وتُبذل الجهود إخلاصا للمشاريع لا إخلاصا لرب الناس ومشاريعهم! ويصبح الهتاف لما تهوى النفوس مقدمًا على حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فإن تعثرت أهواؤهم انهزموا وإن ارتفعت ارتفعوا من جديد، تقودهم رياح الأهواء أذلّة!
وهكذا تتفرّق الأمة شيعًا، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون؛ يفرحون براياتهم، وخطاباتهم، ورموزهم، أكثر مما يفرحون بالهداية نفسها، حتى يصبح الدين تابعًا للانتماء، بدل أن تكون الانتماءات كلها تابعةً للدين. وكيف وخطاب الاستحقاقية والتزكية قد هدم حصون التوحيد في قلوب العباد! وفتن القلوب وأطال المسافة بينها وبين تحقيق مقامات العبودية لرب العباد!
وبحضور هذا المرض المعضلة في تفاصيل المشاهد والتدافع، فإن مسيرة الانبعاث تطول، لتكون التصفية أشد وأقسى؛ لأن الله عز وجل لا ينصر أمةً استبدلت عبوديةَ الوسائل بعبوديته، ولا يبارك مشروعًا تضخّمت فيه الأسباب حتى أضحت تتألى على الله تعالى وتنسب لنفسها السبق والاستحقاقية والتفرد بمنهج يدعي التبعية لمنهج التبي صلى الله عليه وسلم وهو في حقيقته ينازعه!
وما أقبح النهاية حين تمتلئ الألسنة بأسماء الوسائل والرموز، وتغيب عنها كلمة التوحيد ومقتضياتها!
حين تُستبدل معاني لا إله إلا الله بثقافة الاستحقاق، والنصرة العمياء، والولاء المتشنّج، حتى يصبح الناس يدافعون عن الوسائل كما لو كانت دينًا منزلًا، وينسون أن الدين كلَّه قائم على إفراد الله بالتعظيم، والخوف، والرجاء، والتوكل، والانقياد.
هذه الفتنة شديدة الخطورة لأننا تتستر بشعارات الحق لكنها تهدم أركان الحق في النفوس، ومن تصدى لها بإعادة الهيبة للتوحيد واتباع النبي صلى الله عليه وسلم قائدًا ومنهجًا، وإعادة الوسائل لحجمها الحقيقي وإخضاعها لشريعة الله عز وجل، فإن سنن الله لا تحابي أحدا .. حتى يكون الدين كله لله وحده لا شريك له!
وفي ختام هذا كلِّه… تذكَّروا أنَّ الجميعَ في دارِ امتحان، لا أحدَ فوقَ الميزان، ولا أحدَ يملكُ صكَّ النجاةِ لنفسه فضلًا عن غيره.
لقد اكتملَ المنهجُ يومَ أكملَ اللهُ هذا الدين، فلا منهجَ إلا منهجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا وصايةَ لأحدٍ على الحقِّ بعد بيانِ الوحي، وإنما الناسُ كلُّهم بين يدي الله عز وجل ينتظرون حكمَه في صدق الاتباع وحقيقة العمل.
فاستقيموا يرحمكم الله، والزَموا الصراطَ دونَ غلوٍّ في الأشخاصِ أو الجماعاتِ أو الشعارات، ولا تُنسيَنَّكم لحظاتُ التصدُّرِ أو شعورُ الاستحقاق أنَّ ما بكم من نعمةٍ فمن الله وحده لا شريك له.
فكم من عبدٍ ظنَّ نفسَه أهلاً للفضل فوكِل إلى نفسِه فهلك، وكم من عبدٍ عرف قدرَه، ولزم بابَ ربِّه ذليلًا وجلًا همه القبول والنجاة، فرفعَه الله وفتحَ عليه وإن لم ترفعه الانتماءات والأحلاف.
إيّاكم أن تنشغلوا بأنفسكم عن الله عز وجل، أو تُعجَبوا بأعمالكم ومشاريعكم عن رؤيةِ تقصيركم ونقاط ضعفكم وحقيقة وجودكم؛ فإنَّ العبدَ إذا نسي نفسَه بالكبرِ والعُجبِ والاغترار، أنساه الله حقيقتَه، فصار يرى السرابَ فتحًا، والهوى هدى، والبعدَ قربًا. وتلك سنة الاستدراج نعوذ بالله من أن نضل أو ننسى!
فاللهمَّ لا تكلنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين، واجعلنا من أهلِ الاتباعِ والخشيةِ والصدق والوجل، ممن عظَّموك حقَّ التعظيم، وخافوا مقامَك، ورجَوا رحمتَك، واتبعوا نبيّك صلى الله عليه وسلم .. حتى يلقوك وأنت عنهم راضٍ، لا إله إلا أنت سبحانك، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك جل جلالك.
والله أكبر .. ولا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.