عبودية الافتقار

لا يمكن لتعبيرٍ أن يحيط بحجم الامتنان لله عز وجل، حين ترى ذلك المبدأ الذي أشرق في قلبك يومًا، وقد صار فيه تمكينًا وقوة، وهدايةً إلى معنى، وإدراكًا لحكم، وميزانًا تُوزن به الأشياء؛ معنىً لم تصنعه أنت، ولم تستخرجه من حولك، ولم تبلغ إليه بقوة عقلك وحده، وإنما هو فضلٌ من الله ألقاه في قلبك، ثم تجذر فيك حتى صار أصلًا لا يتزعزع.

والأعجب من ذلك أنك تجد هذا المعنى حيًّا في أعماقك؛ تتألم إذا بُخس، وتضطرب إذا انتُقص، وتنفر نفسك من مخالفته، ثم تفتح كتاب الله، فإذا به أصلٌ أصيل من ملة إبراهيم، وإذا به ميزانٌ قام عليه التوحيد، واستقام عليه قلب الموحدين، فتدرك عندها عظيم نعمة الله عليك!

تدرك أن الله لم يتركك لتيه الأهواء، ولا لتقلبات العقول، ولا لفتن الزمان؛ بل أقام في قلبك نورًا تعرف به الحق، وتأنف به من الباطل، وتستبصر به الطريق.

وهنا يعرف العبد قدره حق المعرفة؛ فيعلم أنه ما اهتدى بنفسه، ولا استقام بقوته، ولا ثبت بذكائه، وإنما هي عناية الله وفضله، ورحمته التي تداركته، ومنته التي أحاطت به.

وما أعظم هذه النعمة حين تورثك ضعفًا بين يدي الله جل جلاله، لا غرورًا بما عندك؛ وانكسارًا، لا استعلاءً؛ وافتقارًا، لا شعورًا بالاستحقاق؛ ووجلًا من أن تُسلب بعد أن أُعطيت، لا أمنًا من مكر الله!

فإن كان الله قد أنعم عليك بأن عرّفك الحق، ثم أحببته، ثم آلمك بخسُه، ثم أقام في قلبك ميزانه؛ فكيف يكفيك أن تقول: الحمد لله؟

إن الحمد هنا ليس كلمةً تُقال ثم تنقضي، بل عبوديةٌ تمتد مع الأنفاس؛ حمدٌ بالقول والعمل إلى آخر نفس، وإلى آخر رمق، وإلى أن تلقى الله وأنت تستشعر أن أعظم ما تملكه في هذه الحياة هو فضلٌ لم تصنعه، ونورٌ لم تستحقه، وهدايةٌ ساقها الله إليك برحمته.

وإن تدبر آيات الله في وصف أنبيائه، وفي وصف إبراهيم وإسماعيل، ومحمد ﷺ، وما ملأ الله به سيرهم من خضوعٍ وإنابةٍ وافتقارٍ وخشيةٍ وتسليم؛ لمدرسةٌ عقديةٌ وخلقيةٌ عظيمة، تكشف لك أن علو المقام عند الله لا يورث العبد كِبرًا، وإنما يزيده عبودية، ولا يملؤه استعلاءً، وإنما يملؤه افتقارًا.

كلما عرفت ربك أكثر، عرفت فقرك إليه أكثر.
وكلما رأيت فضله عليك، ازددت انكسارًا بين يديه.
وكلما شعرت بنعمة الهداية، خفت أن تُسلب منك، فازددت سؤالًا وثباتًا ولجوءًا.

فأقم نفسك طويلًا في رياض القرآن والسنة؛ ففيهما حياة القلب، واستقامة الميزان، وحراسة الفطرة من أن تختطفها فتن الزمان.

واحذر هذا العصر جدًا؛ فإنه زمان فتن، تتخطف فيه الشبهات القلوب، وتتنازعها الأهواء، ويُزيَّن الباطل حتى يلبس ثوب الحق.

ولا تشغل قلبك بكثرة الضجيج، ولا تجعل عمرك مطاردةً لكل فتنة؛ بل أشغل نفسك بما ينفعك عند الله: بعمل صالح، وعلم نافع، وذكرٍ خاشع، ومجاهدةٍ للنفس، وافتقارٍ صادق إلى ربك.

فتلك سبيل السابقين الأولين.

كلما عظمت معرفتهم بالله، عظم افتقارهم إليه؛ وكلما علت منزلتهم، ازدادوا له خضوعًا؛ وكلما رأوا من فضله، رأوا من أنفسهم العجز والتقصير.

فاثبت على باب الله، لا معجبًا بما أُعطيت، بل خائفًا أن تفقده؛ ولا مستعليًا بما عرفت، بل حامدًا لمن علّمك؛ ولا مستحقًا للفضل، بل عبدًا فقيرًا يقول في كل لحظة: يا رب، ما بي من نعمةٍ فمنك، وما بي من هدايةٍ فمن فضلك، وما بي من ثباتٍ فمن تثبيتك؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تسلب قلبي نورك، واجعلني لك عبدًا ما بقي فيَّ نفس، حتى ألقاك وأنت راضٍ عني. جل جلالك..!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Ismail Fares

جزاكم الله خيرًا، نسأل الله أن ينفعنا بهذا العلم ويجعله حجةً لنا لا علينا

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x