ما أحوج القلوب في زحمة الأيام، وتتابع الفتن، وطول الطريق، إلى أن تُذكَّر بـ “أيام الله”؛ بتلك الأيام العظيمة التي ظهرت فيها قدرة الله عز وجل، وانكشف فيها لطفه بأوليائه، وبأسه بأعدائه، ونصره لعباده المؤمنين.
وما عاشوراء إلا واحدٌ من تلك الأيام الجليلة، التي ينبغي ألا تمر على المؤمن مرور عادة، بل مرور اعتبارٍ وادّكار، وشكرٍ واستبصار.
لقد قال الله تعالى في شأن موسى عليه السلام:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [ إبراهيم: 5]
تأمل هذا الأمر الرباني: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾.
إنه ليس تذكيرًا عابرًا بقصة مضت، ولا استحضارًا لأحداثٍ يطويها الزمن، بل هو تذكيرٌ بالأيام التي تجلّت فيها سنن الله في خلقه: أيام النعم والنصر والنجاة، وأيام البطش والعقوبة والهلاك. أيامٌ يربّي الله بها القلوب، ويوقظ بها الغافلين، ويثبّت بها المؤمنين، ويعلّمهم أن التاريخ ليس سردًا للأحداث، بل مواضع للتربية والعبرة، ومشاهد لسنن الله الجارية في الأرض.
ومن أعظم تلك الأيام يوم عاشوراء؛ اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنده. يومٌ تجلّى فيه الفرق بين ضعف العبد وقوة الرب، وبين جبروت الباطل وعاقبة التوكل، وبين استضعاف الأرض ونصر السماء.
كان موسى عليه السلام ومن معه في موقفٍ لو نظر إليه الناس بموازين الأرض لقالوا: انتهى الأمر، وأدركهم الطغيان، وانقطع طريق النجاة. البحر أمامهم، وفرعون بجنده وراءهم، والقلوب ترتجف، والأبصار تلتفت، والخطر محدق من كل جانب. وفي تلك اللحظة التي تضيق فيها الأسباب، وتنكشف فيها حقيقة القلوب، قال موسى عليه السلام كلمة الواثق بربه:
﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
ما أعظمها من كلمة!
كلمة خرجت من قلبٍ عرف ربَّه، فاستقرت فيه السكينة في قلب العاصفة، وانبعث منه اليقين في أشد ساعات الخوف. لم تكن كلمةَ تفاؤلٍ مجرد، ولا تعزيةً نفسية عابرة، بل كانت ثمرة معرفةٍ بالله عز وجل، وثقةٍ بوعده، ويقينٍ بأن من كان الله معه فلن يضيعه الله تعالى.
ثم جاء الفرج من حيث لا تحتسب العقول!
انفلق البحر، وصار طريقًا يابسًا للنجاة، وتحول الموضع الذي ظنه الناس نهايةً إلى بداية، والموضع الذي رأوه هلاكًا إلى باب نصرٍ وتمكين. وعبر موسى ومن معه آمنين، ثم انطبق البحر على فرعون وجنده، ليبقى هذا اليوم شاهدًا خالدًا على أن الباطل مهما تجبّر فإلى زوال، وأن الحق مهما حوصر فله ساعة فرجٍ لا تتخلّف إذا جاء وعد الله تعالى.
قال الله عز وجل: ﴿ ۞ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) ﴾ [ يونس: 90 – 92]
ومن هنا – حتى لا نكون في غفلة – كان عاشوراء يوم تذكيرٍ ويوم تعظيم لله جل جلاله.
يذكّرنا بأن الله سبحانه لا ينسى أولياءه وإن طال البلاء، ولا يترك عباده المؤمنين وإن اشتدّ الكرب، وأن وراء الأقدار المؤلمة حكمًا ورحمة، ووراء الاستضعاف نصرًا إذا صدقت العبودية، وصحّ التوكل، وثبت القلب على أمر الله عز وجل.
إن عاشوراء يعلّمنا أن النصر لا يُقاس بلحظة المشهد، بل بوعد الله تعالى وسننه. فقد يرى الناس فرعون في أوج سطوته، ويرون موسى وقومه في غاية الضعف، لكن الحقيقة التي يكشفها يوم عاشوراء أن الميزان ليس بيد فرعون، ولا البحر بيد فرعون، ولا الأرض بيد فرعون، وإنما الأمر كله لله جل جلاله. فإذا أراد الله نصر عبده سخّر له ما لا يخطر له ببال، وجعل من قلب المحنة طريقًا إلى المنحة، ومن شدة البلاء ممرًا إلى الفرج.
ولهذا صام النبي ﷺ يوم عاشوراء، لما وجد اليهود يصومونه شكرًا لنجاة موسى عليه السلام، فقال: “نحن أحقّ بموسى منكم”، فصامه وأمر بصيامه. وكأن الأمة تُدعى في هذا اليوم إلى أن تعيش معنى النجاة الإيمانية، لا مجرد صورة الامتناع عن الطعام والشراب؛ أن تصوم وقلبها يستحضر نصر الله لأوليائه، وخذلانه للطغاة، ووجوب الشكر على نعمائه، والثبات عند بلائه.
إن عاشوراء ليس مناسبةً تاريخية تُروى لشغل الأوقات بالحكاية، بل مدرسة إيمانية ترسخ اليقين في أعماق القلب، وتقدم الدرس الجليل عن إعظام التوكل على الله تعالى، وحسن الظن به جل جلاله في قلب صراع يكون فيه الباطل منتفشًا والحق محاصرًا.
لقد جعل الله تعالى يوم عاشوراء يومًا من أيامه العظيمة، يُذكَر فيه فضله، ويُشكَر فيه على نعمه، ويُتعبَّد له بالصيام والذكر، كما دلت على ذلك النصوص النبوية الصحيحة. فكيف انقلب هذا اليوم عند الشيعة من يوم عبادةٍ وشكرٍ واعتبار، إلى يوم مناحةٍ ولطمٍ ونياحةٍ واعتراض؟ وكيف يُترَك هدي النبي ﷺ الثابت في صيامه وتعظيمه بالعبادة، ليُستبدل به هذا المشهد الكربلائي المفعم بالمراثي والجزع والسخط؟
لقد اتخذ الشيعة يوم عاشوراء مأتمًا سنويًّا، يُظهرون فيه الحزن واللطم والنواح، ويجعلون من مقتل الحسين رضي الله عنه مناسبةً لإحياء ثأرٍ تاريخيٍّ متجدد، وكأنهم بذلك لا يواجهون الحدث بالرضا والاحتساب، بل يستقبلونه بالسخط على ما قدّره الله، والتذمر من قضائه، والاعتراض على حكمه. فأين هذا من هدي المؤمنين؟ وأين هذا من مقام التسليم لله، والصبر على أقداره، واليقين بعدله وحكمته؟
لقد قُتل من هو خيرٌ من الحسين رضي الله عنه من الأنبياء، وقُتل خيار الصحابة رضي الله عنهم، فما عُرف عن المؤمنين أنهم أقاموا المآتم، ولا شقوا الجيوب، ولا لطموا الخدود، ولا جعلوا المصائب شعائر متكررة تتوارثها الأجيال، وإنما كان شأنهم الصبر والاحتساب، والاستقامة على أمر الله، واليقين بأنه سبحانه لا يضيع عنده حق، ولا يظلم عنده أحد.
فأي انحراف أعظم من أن يُجعل يومٌ أراده الله للذكر والعبادة، يومَ نياحةٍ واعتراضٍ ولطمٍ ومشاهد شنيعة؟ وأي حرمانٍ أشد من أن ينقضي عاشوراء في مظاهر جزعٍ وسخط، بدل أن يكون موسمًا لتذكر أيام الله الجليلة، واستحضار سننه في نصر أوليائه وإهلاك الطغاة، وتعميق اليقين في القلب بأن العاقبة للحق، وأن مصير الجبابرة إلى الهلاك والزوال؟
وكفى بذلك حرمانا وانحرافا عن سبيل المؤمنين، قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [ الكهف: 103- 104]
أيها المؤمن، فلتتذكر أن البحر قد ينفلق بأمر الله، وأن النجاة قد تأتي من حيث لا يخطر لك، وأن الله إذا أراد أمرًا هيّأ له أسبابه ولو من قلب المستحيل. وأن كلَّ مظلمةٍ لم تُنصفها محاكم الأرض، فستفصل فيها محكمة السماء بكمال العدل والإنصاف.
ثم إن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ إشارةً بديعة إلى حال المؤمن مع أيام الله، فهو صبّار عند البلاء، لا يجزع إذا تأخر الفرج، ولا يسيء الظن بربه إذا اشتدت المحنة، بل يحبس قلبه على الثقة بالله، ويحبس جوارحه على الطاعة، ويحبس لسانه عن السخط والاعتراض.
وهو شكور عند النعمة، لا يستقبل الفرج بالغفلة، ولا يتلقى النجاة بالنسيان، بل يعرف للمنعم نعمته، ويقابلها بالحمد والطاعة والافتقار.
وهكذا يربينا عاشوراء على أن نصبر كما صبر موسى عليه السلام، وأن نثق كما وثق، وأن نعلم أن لله أيامًا يُظهر فيها آياته، ويبدّل فيها الموازين، ويقلب فيها صفحة الظلم، ويكتب فيها النجاة لمن صدق معه.
فلا تنظر إلى عاشوراء على أنه يوم صيامٍ فحسب، بل انظر إليه على أنه يوم من أيام الله؛ يومٌ يربّي فيك الإيمان بسنن الله، ويجدد في قلبك معاني اليقين والثقة، ويذكّرك أن طريق المؤمن قد يضيق، لكنه لا ينسدّ ما دام مع الله مولاه وناصره.
فيا من أثقلتك الفتن، وأحاطت بك المخاوف، وطال عليك الطريق: تذكّر عاشوراء. تذكّر أن البحر انشقّ لعبدٍ قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
تذكّر أن فرعون الذي ملأ الأرض طغيانًا انتهى في لحظةٍ واحدة تحت موج البحر.
تذكّر أن الله إذا أراد أن يُري عباده آيةً من نصره، جعل من قلب العسر يُسرًا، ومن قلب الخوف أمنًا، ومن قلب الاستضعاف نجاةً وتمكينًا.
فاذكروا أيام الله، فإن في التذكير بها حياةً للقلوب، وثباتًا عند الفتن، وبصيرةً في قراءة الواقع، وحسن ظنٍّ بالله لا يخيب.
وما أحوج الأمة اليوم، في كثرة ما ترى من طغيان الطغاة، وتكالب الأعداء، وتتابع الأحزان، إلى أن تتربى على هذا المعنى، أن فرعون ليس أول طاغية، ولن يكون آخر طاغية، ولكن الله الذي نصر موسى، وشقّ له البحر، وأغرق عدوه، هو ربّ هذا الكون كله، لا يعجزه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، ولا يضيع عنده دم مظلوم، ولا تنهزم جنود الحق إذا صدقت مع الله وإن طال الطريق وتآلب المرجفون.
فليكن عاشوراء يوم عبادةٍ وشكر، ويوم تذكّرٍ واعتبار، ويوم تجديدٍ لليقين في القلب، وللثقة بوعد الله، وللإيمان بأن أيام الله لا تنقطع، وأن نصره آتٍ، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن العاقبة للمتقين، جعلنا الله وإياكم من أهل التقوى والنصر لا من أهل الجحود والشرك.
سلامُ الله على موسى وهارون، وسلام الله على محمد إمام المرسلين وخاتم النبيين.
اللهم آمين