ضوابط “الرفق واللِّين” في الرد على المخالفين

يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “الذي يعمل بغير علم يفسد أكثر مما يُصلح”.

يعتقد البعض أن أسلوب الرفق واللين في الدعوة إلى الله واجب بشكل مطلق في الرد على المخالفين في سبيل التأثير فيهم وهدايتهم للحق، اقتداء بقول الله تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت: 46) لكنهم يغفلون عن قاعدة “لكل مقام مقال” ويتجنبون توظيف أساليب أخرى بحسبما تقتضيه الحكمة ومقامات الأحوال بل وينكرونها. في حين أن إكمال نص الآية يقدم تفصيلاً مهماً جداً لا يغيب عن داعية، قال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) (العنكبوت: 46).

قال سفيان لأصحابه: تدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور في مواضعها: الشدة في مواضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه؛ وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق”. (إحياء علوم الدين  3: 198).

وتقدير ذلك يعتمد على قاعدة المصالح والمفاسد، فلا يمكن أن نتحدث بلين ورفق مع الظالم المعتدي وهو ما يشير إليه قول الله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فهو استثناء من الذين يجادلون بالتي هي أحسن، بأن أساءوا وأجحفوا، فيرد عليهم بما يليق بحالهم من الإغلاظ والتأديب لردعهم وزجرهم.

وعن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: “والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله”. وقالت رضي الله عنها:”ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منتَصِرًا مِن مظلِمةٍ ظُلِمَها قَطُّ ما لم تُنتَهك محارمُ اللَّهِ فإذا انتُهكَ من محارمِ اللَّهِ شيءٌ كانَ أشدَّهم في ذلِك غضبًا”.

وذلك أن الغضب لدين الله سنة، وصفة الذين يحبهم الله ويحبونه، لا يخافون في الله لومة لائم، فلا يمكن الرد بابتسامة ومجاملة وعبارات الرفق واللين عند ظهور العناد والاستهزاء بدين الله جل جلاله، وعند مخالفة شرع الله خاصة ممن يحسبون على المسلمين ويقفون على منابر يصل صداها للجماهير.

إن المصر على مخالفة دين الله ويحشد لذلك كل فرية وتدليس ويتعمد الكذب بل وينبري للدفاع عن الكافر والمشرك الذي يلمز دين الله ونبي الله لا يليق بنا أن نعذره ونبحث له عن مبررات تهوّن من جريمة تعديه وظلمه، بل نعامله بما يردعه ويجعله يدرك عظم مسئولية الكلمة والقول في دين الله والافتاء بغير علم، خاصة حين يتكرر هذا المنكر منه، فالمقام هنا مقام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104).

ولابد من التنبيه إلى أن هناك فرق بين الدعوة إلى الله وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فبينهما عموم وخصوص مطلق، فالأمر والنهي جزء من الدعوة، وكل آمر داع، ولكن ليس كل داع آمراً.

وأي نعم، إن الشريعة تطالبنا بالدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، إلا أنهالم تهمل جانب الغلظة والشدة في محلها قال سبحانه (يأيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة:73).

ولابد من هذه الغلظة مع من يعاند الحق ولا يستجيب للوعظ والنصح، من يرد الدليل والحجة من الكتاب والسنة والسلف لصالح بقوانين الأمم المتحدة وأهواء المبتدعة!

ولا يجوز للمسلم أن يتجاهل حقيقة أن الشريعة جاءت باللين والشدة معا وأنه لا يجوز له أن يضع اللين محل الشدة ولا الشدة محل اللين، كما لا يجوز إيهام الناس أن الشريعة جاءت باللين فقط، أو بالشدة فقط، بل جاءت بالأمرين معًا.

ومما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ لما تلا قوله تعالى ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (المائدة:78) قال:  والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه” وفي لفظ آخر:  على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو لتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم”.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: “ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”.

وتلك قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر معلومة لدى أهل العلم، وقد هجرهم النبي ﷺ وأصحابه-رضي الله عنهم- خمسين ليلة، حتى تابوا فتاب الله عليهم، وأنزل في ذلك قوله تعالى ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إلى قوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا الآية) (التوبة:118).

ثم هناك فرق بين دعوة الجاهل الذي يخطئ وبين إنكار منكر صارخ ينافح عنه في العلن، كتحريم حلال وتحليل حرام أو نبذ شريعة الله لصالح شرائع البشر، قال النبي ﷺ:”من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” أخرجه مسلم في صحيحه.

والإنكار مراتب، أدناها الإنكار بالقلب الذي يرافقه بغض المنكر والإعراض عن فاعله لا الاعتذار له، قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (الأنعام:68)

ويجب الإنكار على القول الزور، قال البغوي رحمه الله: “أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وهذا هو الواقع من أهل الباطل، فإنهم يحسنون المنكرات بوصفها بغير حقيقتها حتى يرغب فيها الناس، وحتى لا ينفروا منها، فيكون على فاعل ذلك إثم ما عمل وإثم الدعوة إليه، وأعظم من ذلك الدعوة إليها بالقول”.

وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا”.

ولو اتبعنا أسلوب الرفق في كل شيء فلا عجب أن يطلب منا الرفق مع شاتم الله وشاتم الرسول! فهو مغرر به جاهل يحتاج لمراعاة لعله يهتدي زعموا! بل هذا مما ينقص هيبة الدين وتعظيم المقامات الجليلة، ولا يفعلها بصير.

والخلاصة لأصحاب الرفق واللين منهجا واحدا في الرد على المخالفين، إن اللين مرتبط بضوابط على رأسها أن يكون الرِّفق لينا من غير ضعف، فالحق لا يليق به الضعف. ولا نتصور الرفق مع المسيء الأدب مع الله جل جلاله أو مع نبيه صلى الله عليه وسلم أو مع آية من آيات الله وغيره.

ومن ضوابطه أن يكون من غير تفريط في الدين، أي لا يجب التماهي مع الباطل أو التساهل في أمر الدين، والتسامح مع البدع والمحظورات وترك الواجب وتعطيل الحدود. وأعظم الإثم في ترك واجب، أو فعل محرّم، فهذا لا رفقَ فيه ولا تسامح.

قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرُّوجُ حريرٍ فلَبِسَه، ثم صلّى فيه، ثم انصرف فنـزعه نزعاً شديداً – كالكاره له – ثم قال: “لا ينبغي هذا للمتقين”.

ويذكر البخاري: باب ما يجوز من الغضب والشِّدَّة لأمر الله تعالى.

فالشدة والغضب لدين الله سنة كما الرفق واللين في محله سنة.

ومن ضوابطه أن يستعمل الرِّفق في موضعه استعمالا حكيماً أي في الحالات التي يناسبها. ومن غير الحكمة تكلُّف الرِّفق مع من يتصدر منابر العامة ويفتي في دين الله بغير علم بل ويدلس ويكذب ويفتري ويستعمل نفس أسلوب أعداء الله المحاربين لشريعته. ثم مع حجم الطامات التي ينشرها ويفتن الناس بها، نتحرج من وصفه بما هو عليه حقيقة من محاربة لدين الله، ونشعر بالانزعاج من تبيان خطر ما يذهب إليه من اصطفاف مع الظالمين المحاربين لدين الله! وهذا من الجهل بمقاصد الدين وقاعدة المصالح والمفاسد، وواجب المسلم أمام المخالفات من هذا القبيل أن ينكر لا تأخذه في الله لومة لائم ما دام له الدليل في دين الله.

ولا شك أن الرفق في غير موضعه يُفرز الضعف والذل والهوان، ويعكس عدم المبالاة، وضعف الشعور بالمسئولية. فهل يعقل أن نرقق القول ونليّن العبارات مع من يلمز النبي صلى الله عليه وسلم أو يرفض شريعة الله خاصة حين يكون يتحدث باسم الإسلام زورا وبهتانا، ويلبس الحق بالباطل! ويكرر ذات الموقف في كل مرة تثار فيها قضية، لسحب الصلاحيات من الشريعة الإسلامية بحجة عدم مواءمتها للواقع.

قال تعالى (وَلَا تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 42)

وليس من قليل أن أصبحنا نرى ذات عبارات الأمم المتحدة وذات عبارات المبتدعة تتناقلها الألسن التي تعتذر لهؤلاء المطالبين بسن شريعة مخالفة لشريعة الله. وضعفت الغيرة على دين الله ومحارمه وأُسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفكرة الديمقراطية والعلمانية! وتم تمييع أصول الدين بحجة الدعوة للجميع والوحدة مع الجميع!، ذلك أن فقدان البصيرة التي تسمح بتمييز الانحراف الفادح من الخطأ الهيّن، وتمنع من تفرس الجاهل المغرر به من العدو والمبتدع المفسد للدين، هي نقطة فارقة بين الدعاة.

ولا يخفى ضرر استعمال الرفق مع العدو الكافر الذي بغى وظلم واعتدى،  فهذا يجب أن يعامل معاملة (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: 73).

ومن يتأمل هدي الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يداهنون في منكر يشاهدونه ولا يترددون في إنكاره أيا كان فاعله. لما في ذلك من أثر إصلاح عظيم وتربية في المجتمع. ولأن المنكر مراتب، فلن يستشعر المخطئ عظم جرمه إن لم يشاهد الإنكار على منكره! فيستيقظ من غفلته إن كان في قلبه خير. أما المعاند فلا ينفع معه إلا السلطان المسلم الذي يؤدبه.

وكل رفق يُهوّن من جريمة بحق الدين، يسبب الفساد في الأرض. وكذلك الرِّفق بمن يتعدى حدود الله علانية ويجادل لتبرير جريمته بالباطل.

يقول الزمخشري: “من الأمور أمور لا يصلح فيها الرِّفق، إلا الشِّدَّة: كالجرح يعالج، فإذا احتيج إلى الحديد لم يكن منه بُدّ “.

لقد أصبح الدين في مواقع التواصل يؤخذ بالرأي وبالإحساس والمشاعر والتجارب الشخصية والدراسات الغربية والإحصاءات في بلاد غير المسلمين ومقولات أصحاب الحسابات الموثقة بالإشارة الزرقاء وصارحني! بدل الاستدلال بكتاب الله ورسوله وأقوال السلف وأئمة العلم!

إنها فتنة تهمش الدليل الشرعي وتشغل الناس بالغبار وجدل البشر، يجب الوقوف أمامها بحزم واعتزاز لا يعرف الضعف في الحق.

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المادة: 50).

وخلاصة القول إن الرفق في غير  محله إفساد، وإن للرفق ضوابط تسمح له بتحقيق أهدافه وغاياته وفي أحيان يصبح هذا الرفق مذموماً مكروهاً، لعدم مناسبته مقام الحال. وإن أسوأ ما يمكن أن تراه في مثل هذه الحال الرفق مع أهل البدعة والباطل بشعارات الديمقراطية والعلمانية والرأي في الدين الذي يعطي مساحة لمن يحارب دين الله للاجتماع معه وتقريب المسافات! في حين لا يمكن أن نجتمع مع من أضاع الأصول حتى يرجع لها ولا مع من هدمها حتى يتوب إلى الله ويعود إليها، ولن يعود إليها بالتماهي مع باطله بل بتبيان فداحة أخطائه ولنا في السيرة العديد من الأمثلة عن ذلك. فلا يُقام حق حتى يتم تبيان معالمه وإنكار القول فيه بغير علم وتمييز الحق من الباطل ليتعلمه الناس.

ثم إن تبيان الحق بقوة والتحذير من خطر مخالفة أمر الله والاصطفاف في معسكر الكافرين والظالمين لا يذم ولا يصنف شدة! فماذا بقي للحق لإظهاره إن كان هذا شدة! إنما هذه قوة الحق التي تتصدع لها القلوب.

وهذا لا يعني قطعا استعمال الشدة في كل رد، بل أن الإنكار يكون بحجم المنكر، فالشدة على مبتدع لا يُنكر عليها، بل هي مطلوبة باتفاق أهل السلف. كما أن الرفق مطلوب مع المجتهد لأنه لم يخرج عن إطار الاجتهاد الذي يسع الخلاف فيه.

ويقدر ذلك العامل في سبيل الله، فهو يميّز بين المفسد والمصلح، وبين باغي الخير وباغي الشر، بين صاحب البدعة وصاحب السنة، بين من يعتقد المنهج المخالف وبين الباحث عن الحقيقة، بين التوقيت المناسب وغير المناسب، بين المصلحة الأكبر والمفسدة الأكبر، وهذه بصيرة يتمايز بها الناس، في زمان يعج بالتشويش والتضليل وما هو رد.

ولا يُعيب نصرة الحق شدة فيه مقابل باطل يتبجح.

(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ  وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42).

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x