شهر رمضان وإقبال مودّع

يسأل سائل كريم: بماذا تنصحين قبل رمضان؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185).

يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهر رمضان حين يقبل:”مرحبا بمطهرنا من الذنوب”.

مع إقبال الشهر الجليل، شهر رمضان المبارك، لتكن البداية بتحديد نيتك وهدفك الأول في هذا الشهر: تجديد التوحيد الخالص لله جل جلاله والاستجابة لأمره سبحانه وحسن ذكره وعبادته وشكره كما يحب ويرضى، ونيل رضوانه وقبوله وتزكية النفس والرقي بها لمراتب الصديقين.

وفي سبيل ذلك على المسلم الحرص على ما يلي:

الإستعانة بالله عز وجل

قال الله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، لتكن الخطوة الأولى لأفضل عبادة في شهر رمضان بالفرار إلى الله تعالى، ببث الشكوى إليه والتوبة والاستغفار وسؤاله تعالى المعونة والتوفيق والقبول، فهذا أول ما يحرص عليه المؤمن: الدعاء الخالص الصادق الذي يجمع كل أمانيك وحاجاتك بقلب حاضر وأدب مع الله جلّ جلاله، فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم، ولا يمكن أن نحقق إنجازًا في ميدان العبادات وكل ميدان، بلا استعانة بالله سبحانه. وكلما قوي الدعاء تُرجى الاستجابة، وحتى يقوى الدعاء يجب أن يدعو المسلم بقلب حيّ يعيش معاني الدعاء كاملة، وأدب جمّ، فيه الحمد والثناء والشكر لله سبحانه والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، مع الحرص على تقصي ساعات الاستجابة، ومنها الوقت ما بين الأذان والإقامة، وجوف الليل وآخر الليل، وفي السجود وحين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر للخطبة إلى أن تقضى الصلاة، وآخر كل صلاة قبل السلام، وآخر نهار الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم”.

 وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يقول عند فطره:”ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله” رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وحسنه.

وأن يدعو المرء الله موقنًا بالإجابة محسنًا الظن به سبحانه، مع الإخلاص والضراعة والانكسار بين يديه جل في علاه، والافتقار بين يديه سبحانه وتعالى، والإكثار من الثناء عليه، وأن يبدأ الدعاء بحمد الله والصلاة على النبي ﷺ فإن البداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ من أسباب الاستجابة، كما صح بذلك الحديث عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال :”سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجل هذا . ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو بعد بما شاء” (حديث حسن صحيح).

لعله رمضان الأخير

ثم ضع في ذهنك أن هذا الشهر، قد يكون حقًا آخر رمضان لك، فكيف ستستقبله؟ استقبال صائم عابد مودّع، يريد أن يجعل من رمضان هذا العام، أفضل رمضان له، يستقيم فيه كما يحب الله ويرضى لينال مغفرته وعفوه. أم يضيّع الفرصة العظيمة بين يديه في شهر فيه أعظم ليالي السنة وليلة خير من ألف شهر، هي ليلة القدر!

هذا يعني البداية برسم جدول للمسابقة، يسمح بتقييم الأداء والاستدراك مع التركيز على مضاعفة العبادة في العشر الأواخر فهي الأثقل في الميزان.

جدول العبادات

ابدأ برسم جدول العبادات التي ستحرص على الالتزام بأدائها خلال هذا الشهر الكريم، وهذا يعني السعي لطرق جميع أبواب العبادات، من صلاة في أول وقتها، وتلاوة قرآن وذكر وصدقة وزكاة، وكذلك العبادات القلبية من سلامة الصدر على المؤمنين والصبر وحبس الغضب والترفع عن ما يفسد الصوم.

ولا يعني ذلك مجرد أداء للعبادات بل السعي لأفضل أداء لها، ففي باب الصلاة، الحرص على النوافل والتراويح والتهجد وفي الصدقات الحرص على الصدقات الجارية والسرية، وفي القرآن الحرص على الختم قدر الاستطاعة، قيامًا وتلاوة. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

والجدول يسمح بالمحاسبة والاستدراك، فاليوم الذي يحصل فيه تقصير يتم تعويضه بعبادة من العبادات، وهكذا يمضي الشهر في مسابقة ومجاهدة وفي ذلك الفتح والتوفيق لمن صدق.

شهر القرآن

شهر رمضان شهر القرآن العظيم، لذلك أجّل كل مشاريعك التي تشغلك عن القرآن لما بعد رمضان، ثم تأمل كيف كان يقضي السلف الصالح هذا الشهر الجليل.

 فهذا الإمام مالك بن أنس؛ يوقف دروسه التي يلقيها في رمضان؛ لأنه ينشغل بالقرآن، ويُقبل على تلاوة آيات الله من المصحف. وكذلك كان يسابق الإمام سفيان الثوري بالإقبال على قراءة القرآن. ومثلهما الإمام البخاري، صاحب الصحيح، يختم كل يوم ختمة لعلمه بعظيم الأجر في هذا الشهر. 

وكان قتادة يختم القرآن في سبع، وفي رمضان يختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر الأواخر ختم كل ليلةٍ.

وعلى هذا الدأب يتغير برنامج العبادة للعلماء في شهر رمضان بإعطاء الأولوية للقرآن الكريم.

يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في لطائف المعارف، مفسرًا سبب إقبال هؤلاء الأئمة العلماء على القرآن بشدة مع العلم بكراهة ختمه في أقل من ثلاثة أيام: “وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث؛ على المداومة على ذلك، -أن يعيش عمره كله يقرأ القرآن في أقل من ثلاث-فأما في الأوقات المفضلة؛ كشهر رمضان، خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة؛ كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتناما للزمان والمكان، وهذا قول -الإمام-أحمد وإسحاق وغيرهما من الأمة، وعليه يدل عمل غيرهم”.

 وهذا يعني أن الحرص على قراءة القرآن من أولى أولياتك في شهر رمضان المبارك لا يشغلك عنه شاغل. ثم العمل بالآيات التي تتدبرها في كل يوم في واقعك ومحيطك.

الذكر

وإن كان من وصية في هذا الشهر الفضيل بعد العناية بالقرآن، والأذكار الثابتة  في حينها، كأذكار الصباح والمساء، فشغل اللسان بالذكر أثناء التنقل وإنجاز الأعمال، والاستراحات، وعقب الصلوات، من استغفار، وتوحيد وتهليل وتسبيح وتحميد وحوقلة، وحسبلة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من صيغ الذكر، ففي الصّحيح مرفوعاً «مثل الّذي يذكر ربّه والّذي لا يذكر ربّه مثل الحيّ والميّت»‏.‏

وفي حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه، قال‏:‏ «قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ استكثروا من الباقيات الصّالحات‏.‏ قيل‏:‏ وما هي يا رسول اللّه؟‏ قال‏:‏ التّكبير والتّهليل والتّسبيح والتّحميد ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه»‏.

ثم ليراوح بين أفضل الأذكار بعد القرآن باللّسان وبالقلب‏. وما أسهله من عبادة لمن رابط واجتهد، وما أعظم بركاته وفتوحاته لمن داوم عليه.

شهر الجود والكرم

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، إنّ جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ – يعني جبريل طول الشهر يلقَى النبي كل ليلة، فينسلخ الشهر- فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة” متفق عليه.

وقال يونس بن يزيد: كان ابن شهاب -الزهري- إذا دخل رمضان؛ قال:”فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام”.

وأبواب الجود والكرم كثيرة بحسب القدرة والاستطاعة، وإنما العبرة في الإخلاص، قال ابن تيمية رحمه الله:”إن الفضل بنفس العمل وجودته لا بقدره وكثرته، كما قال سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) (الكهف: 30)، ورُبَّ تسبيحة من إنسان أفضل من ملء الأرض من عمل غيره”.

البعد عن الإسراف

يكثر الإسراف في شهر رمضان للهف النفس على ألذ الأطباق والتسابق المحموم في ذلك إلى درجة أن بعض المنازل يُرمى فيها الطعام في القمامة في حين يتضور جيرانهم من الجوع على بعد مسافة في بيت فقير، وهذا مأخذ عظيم قد يفسد سعي المرء، مما يتطلب الاعتدال في الصرف في شهر رمضان والقناعة والرضا بما يتيسر بلا إسراف ولا تبذير. ويشمل ذلك كل نواحي الحياة ليس الطعام فقط، قال تعالى (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء:29) وقال سبحانه (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء: 27).  وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول:”لو كان لابن آدم واديانِ من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب”؛ متفق عليه.

ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ:
ﻫﻲ ﺍﻟﻘﻨﺎﻋﺔ لاﺗﺮﺿﻰ ﺑﻬﺎ ﺑﺪلاً 
ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﻌﻴﻢ ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﺒﺪﻥ 
ﺍﻧﻈﺮ ﻟﻤﻦ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﺄﺟﻤﻌﻬﺎ 
ﻫﻞ ﺭﺍﺡ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻐﻴﺮ ﺍﻟﻘﻄﻦ ﻭﺍﻟﻜﻔﻦ

شهر التقوى

قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183).

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب والباطل، واللغو والحلف”. أخرجه ابن أبي شيبة.

وعن مجاهد قال: “خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب” أخرجه ابن أبي شيبة.

وهذا يعني مجاهدة النفس على التقوى والكفّ عن ظلم النفس والغير والانشغال بما ينفع والترفع عن سفاسف الأمور والذنوب والمعاصي.

ومن ذلك الابتعاد التام عن برامج الإعلام الساقط من مسلسلات خبيثة وأغاني وموسيقى وما يشغل النفس عن عظيم السعي في هذا الشهر الفضيل الذي لا يأتي إلا مرة في السنة. وكفّ اللسان عن الغيبة والنميمة والوقوع في أعراض الناس، وفحش القول وكل ما يفسد الإقبال.

فكلما أقبل المرء تقيًا فُتحت له أبواب الرحمة وفاز بمعية الله وتوفيقه. ويتباين الناس في ذلك بقدر صدقهم.

الصحبة الصالحة

الصحبة المعينة على الاستقامة، والرفقة الملهمة للإحسان والمسابقة، عامل مهم جدا للثبات، وليس بالضرورة في محيطك بل حتى على مواقع التواصل فالحرص على متابعة الحسابات التي تذكرنا بالله سبحانه، تلك التي تنشر المواعظ وتبلّغ آيات الله، وتحيي القلوب وتدعو للجد والعمل. وهذا من فضل الله سبحانه، حيث سخر تعالى الرفقة الصالحة في هذا الزمان فلم تحجبها المسافات.

البراءة من الشرك والظلم

وهذه من أهم العبادات التي يجب الحرص عليها في هذا الزمان، بإخلاص التوحيد لله سبحانه والابتعاد عن كل بدعة وضلالة، والاستناد لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ورد كل ما لم يأت به الإسلام، كذلك البراءة من الظالمين، وعدم إعانة ظالم، فإن في ذلك الهدم! قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) (النحل: 92).

 وهذا يعني الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، يحدوك (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة: 165).

صلة الرحم وتفريج الكربات

صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقربين وإيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم. ولا يليق بمسلم أن يكون قاطع رحم خاصة في شهر عظيم كشهر رمضان، قال الله تعالى  (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (محمد:23).

والأثر العظيم يمكن حفره في شهر رمضان، بتفريج كربات الناس قدر الاستطاعة،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وأن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل”. السلسلة الصحيحة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه ديناً تقضي له حاجة تنفس له كربة”. صحيح الجامع.

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته أو كسوت عورته أو قضيت له حاجة”. صحيح الترغيب.

وعن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: “وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يُفطر”. أخرجه البخاري ومسلم.

الاستدراك

النفس البشرية تكل وتعجز وتضعف، وتُفتن وتتعثر خلال مسيرتها ولا علاج مثل الاستدراك وقاعدة (ِإنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ثم (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

والله رحيم خبير بصير بعباده، كلما أقبل العبد بصدق، رحمه سبحانه ويسر أمره وأسعد قلبه، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).

الحرص على المداومة

إن الاجتهاد في الاستقامة في رمضان لا يعني الرجوع لظلم النفس بعده، بل يعني الحفاظ على الحد الأدنى من هذا الاجتهاد إلى رمضان المقبل، بل يعد العلماء النجاح في ذلك من دلالات القبول، قيل لبشر: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقط، قال:”بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها”.

وفي الختام، شهر رمضان فرصة عظيمة للمسلم ليزكي نفسه ويطهرها ويتقرب إلى ربه سبحانه، لا يجب أن يغفل عن عظيم الأجر فيها مهما شغلته المشاغل، والله سبحانه خبير بصير بعباده. 

والمسابقة في رمضان بمثابة معسكر تدريب للنفس وصقل لها، والأفضل للمرء ألا ينطلق بحماسة شديدة في بداية الشهر، ثم لا يطيق الثبات عليها ويخمد في العشر الأواخر ويعجز في ليلة القدر، بل عليه أن يستمر في مستوى من الالتزام يطيقه ويقدر على الزيادة عليه في الليالي العظيمة المقبلة. وفي الحديث ( أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قَلَّ) صحيح الجامع. 

ولعل أسوأ ما يقع فيه العابد أن يحدّث الناس بعباداته التي أداها، فهذا مما ابتلي به الناس في زمن مواقع التواصل، بالتسابق على الرياء! فكن ممن قال تعالى فيه (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:60).

 أما العشر الأواخر، فهي السبق وهي الظفر، ففي الحديث، كَانَ رسُول اللَّهِ ﷺ: “إِذا دَخَلَ العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رمَضَانَ، أَحْيا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَه، وجَدَّ وَشَدَّ المِئزرَ” متفقٌ عَلَيهِ. وفي رواية لمسلم عنها قالت: “كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره”.

وهذا يتطلب رسم جدول لقيام الليل والذكر والاستفادة الأفضل من ليالي العشر، ولا يجب أن تفتر الهمة على اعتبار أن ليلة القدر ليلة واحدة، فالفضل في هذه الليالي عظيم وثابت، يضاعف فيها الأجر، وكلما استشعر المؤمن عظم الأجر تيسرت له العبادة وزاد الشغف، فالعشر الأواخر من رمضان أفضل من جهة الليل؛ لأن فيها ليلة القدر، والعشر الأول من ذي الحجة أفضل من جهة النهار؛ لأن فيها يوم عرفة، وفيها يوم النحر وهما أفضل أيام الدنيا.

وعلى النجيب خلال الشهر الفضيل الاجتهاد في الدعاء وسؤال الله العفو، قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو. 

والمواعظ والتذاكر كثيرة لهذا الشهر العظيم لكن يبقى التوفيق لحسن العبادة فضل من الله تعالى، فنسأله سبحانه من فضله العظيم ونأخذ بأسباب تحصيل معية الله وتوفيقه جل جلاله. 

فالحمد لله على نعمة شهر رمضان والحمد لله على نعمة التذكرة بالخيرات، اللهم اجعله خير الفتوحات والنصر للمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x