سلام الله على موسى وهارون!

آياتٌ معدودات، لخصت دروس الحياة الأرجى، بكل فصولها وتفاصيلها المعقدة!

يقول الله جلّ جلاله في سورة طه:

(۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ (83) قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ (84) قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي (86) قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ (87) فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا (89)
وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي (90) قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ (91) قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي (93) قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي (94) قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي (96) قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا (97) إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا (98) كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا (99) مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا (100)) سورة طه.

﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ﴾

لابد أن تشدك شخصية موسى عليه السلام، فقوة الحق فيها مهيبة، وقوة المحبة، لا تقل هيبة أبدًا. يسأله الله جل جلاله سؤالا في طيّاته عتابًا لطيفًا، فيرد النبي المحبّ، بمنتهى الصدق والحياء: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾.

يعجل موسى لقاء ربه .. لرضا ربه وحده لا شريك له..! تاركا وراءه سيادة قومه وكل شيء! فلا شيء يقارن بلحظة لقاء الله عز وجل.

هكذا كانت شخصية نبي من أولي العزم من الرسل، تتقدّمها الرغبة في مرضاة ربها قبل كل شيء. وهكذا يجب أن تكون بوصلة كل مسلم ومسلمة: الرضا الإلهي وإن سخطت البشرية!

هيبة موسى ليست في صوته المرتفع، بل في وجهته الواضحة. وقوة شخصيته ليست في شدّة بأسه فحسب، بل في سرعة إقباله على ربّه. إنه القائد الذي يرى أن أعظم إنجازٍ هو القرب من الله تعالى، وأعلى غايةٍ هي الرضا من ربه ومولاه.

لكن العجلة – ولو كانت للخير – قد تفتح ثغرةً في الصف، وهنا تتجلّى سنّة الابتلاء. والتي قد تكون فتنة عظيمة تضرب صلب الإيمان! أو تكشف عمق النفاق والهشاشة!

قال تعالى ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾

مجرد أن غاب القائد لفترة من الزمن، حتى تفلتت الأمور، وتحرّكت الفتنة، وهنا يظهر لنا الدور المحوري للقادة في التصدي للفتن، وأيضا تظهر لنا خطورة ارتهان الدعوات بالقادة، فإن رحلوا رحلت معهم العقيدة وسقطت الاستجابة لأمر الله تعالى.

وهذا هو طبع المجتمعات إن لم تُربَّ على الثبات الداخلي؛ تتعلّق بالأشخاص أكثر من تعلقها بالمبدأ. ولذلك هي سريعة الانهيار، سريعة الافتتان، سريعة الانهزام. ولذلك يستهدف الغرب الكافر بشدة وبتركيز مستمر: القادة!

والعجل لم يكن فكرةً عميقة، بل جسدًا له خُوار.

صوتٌ، وبريقُ ذهب، وحركةٌ تخدع الحسّ، فمالت له القلوب بلا تردد.

مع أن الحجة قائمة: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾

لكن الفتنة – وما أدراك ما الفتنة – لا تمرّ عبر العقول وحدها، بل عبر الشهوات والحنين إلى المحسوس، للمثير، للافت!

فالناس فُتِنوا بعجلٍ من ذهب يلمع، له خوار؛ لأن في داخلهم استعدادًا للانخداع ولأنهم يحملون في أعماقهم بذور الانحراف.

وهكذا كل سامريٍّ في كل زمان: لا يصنع الشهوة، بل يستغلها، وأكثر أتباعه السفهاء والعاطفيون والمتحمسون ببضاعة مزجاة.

ولقلة الرسوخ يسقط في الفتن الكثير من الناس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم مظالم أثقلت خطاهم في امتحانات الصدق، فما أسرع اشتعالهم وما أقبح انحرافهم.

﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾

غضب موسى وغضبه يصفه القرآن بوصف تتجلى معه هيبة الحق في نفس النبي عليه السلام! لم يغضب لأنهم خالفوا رأيه، بل لأنهم نقضوا عهد ربهم. وهذا هو الفارق بين القائد الرباني والقائد الدنيوي:

الأول يغضب إذا مُسّ الحق، والثاني يغضب إذا مُسّت مكانته.
الأول تأخذه الحمية لدينه، والثاني تأخذه الحمية لنفسه.

الأول يمس في نفسه ولا يمس في دينه، فهو وقاف عند حدود الله تعالى ولو على حساب نفسه.
والثاني، يمس في نفسه ولا يمس في رمزه المقدس! فهو مخلص دينه له، فيتعدى حدود الله تعالى لأجله، ويحرف الكلم عن مواضعه فداء له!

وها نحن أمام مرض عضال! من لم يتحصن منه مسبقا، نقض غزل الدعوات والغايات!

ومن أخطر ما تصنعه الفتنة، انكسار اليقين: يقول موسى لقومه في ثورة غضبه وهو يتفجر صدعا بالحق وشفقة على الخلق، في امتزاج عجيب لمشاعر المؤمن المسؤول: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾

والنفوس القصيرة تملّ الطريق سريعًا، فتنحرف بعيدًا.

(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)

أي: قالوا له: “ما فعلنا الذي فعلنا عن تعمد منا، وملك منا لأنفسنا، ولكن السبب الداعي لذلك، أننا تأثمنا من زينة القوم التي عندنا، وكانوا فيما يذكرون استعاروا حليا كثيرا من القبط، فخرجوا وهو معهم وألقوه، وجمعوه حين ذهب موسى ليراجعوه فيه إذا رجع”.

فكانت حجتهم: “غلبة الهوى”.

﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾

وفي قلب هذا المشهد المعقّد، يلتفت موسى لأخيه هارون: ليدور حوارٌ بين نبيين، بين قلبين على الحق. يتصدع له القلب!

محبة موسى لهارون تتجلى في مشهد حرقته عليه: (يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓ)

ومع شدّة الموقف، يقول هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾، بكلمة تقطر مودة وسط ثورة الغضب لله لا للنفس!
وقد أدرك ذلك هارون بإشفاق.

ولذلك ناداه بنداء الأم، ليستحضر رحمًا مشتركًا في لحظة سوء فهم عظيم.

ولا شك أن حجة هارون تتطلب وقفة، فلم يسكت نبي الله لضعف ولا لرضا، بل خشي فرقةً أعظم. لقد كان يوازن بين إنكار المنكر بشدة وبين بقاء الجماعة لحكمة. وكان فقها يوجب الاعتبار حين تتشابك المواقف وتتعقد المشاهد.

وفي الموقف ملحمة فقهٍ ورحمة، سرعان ما قدّرها موسى أحسن تقدير، (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ),

فلله در أم موسى، كيف زرعت هذه المحبة بين أخوين يحملان الرسالة، كيف استطاعت أن تربيهما على التواد والتراحم والتلاحم، فكان درسا عظيما، لشد العضد، وموقفا لصدق الأخوة، يتجسد أمامنا في تربية نبوية مهيبة.

إن للحق شرفا يصان، والأخوة شرف لا يهدر!

وهكذا يتعلّم القادة: أن شدّة الغيرة على الحق لا تعني إهدار حكمة التدرّج، واستيعاب المصلحة الأكبر.
وأن وحدة الصف مقصدٌ عظيم، لا يُضحّى به إلا بيقينٍ أوضح.

﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾

هكذا يبدأ كل مزيّف ومضلل وخادع. يدّعي رؤيةً خاصة، أو سرًّا خفيًا، أو فهمًا متقدّمًا. ينطلق من استحقاقية صمّاء، لينتهي إلى وقاحة فجّة وظلم وعدوان: ﴿وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾

وهكذا تشخيص الدعوات التي تغذيها حظوظ النفوس وتدفعها فتنة العلو في الأرض! ليس الوحي المنزل، بل ما سولت النفوس.

وكان الجزاء من جنس العمل: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾

عقوبةٌ تناسب الجريمة. فمن فرّق الصفوف، يُعزل. ومن دنّس عقيدة الجماعة، يعيش منبوذًا.
ثم العذاب المؤجّل الذي لا يُخلف.

﴿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

تختزل الآيات بأسلوب مهيب وآسر، كل هذا الكمّ من التفاصيل بعظمة لا نجدها إلا في القرآن العظيم، لتعيدنا إلى الأصل الأعظم: إلى التوحيد.

وكأن القصة كلّها كانت لتعيد ترتيب البوصلة: الله وحده هو الإله، وكل ما سواه عجلٌ… ولو لمع.

ثم التحذير الصريح الذي لا يشوبه تشويش: ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾

فالله تعالى قد أقام حجته، ومن أعرض عنها حمل وزره بنفسه.

وهكذا، تتجلى لنا في هذه الآيات المعدودات: معالم الطريق بوضوح:

  • قلبٌ يعجل إلى الله طلبًا لرضاه. دوافعه جميلة، لكنها كشفت عن ضعف خطير ما كان ليبصره لو لم يعجل إلى ربه! وكأن العجلة لله تعالى شفاء للقلوب، موجبة للاستدراك والتحصن.
  • أمةٌ تُبتلى إذا أهملت رسوخ الإيمان بحضور أو بغياب القائد. ولذلك على حملة الرسالة التأدب من قصة موسى عليه السلام وترسيخ الإيمان والتعصب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا للأسماء التي تذهب وتأتي، وتبقى الرسالة.
  • فتنةٌ تصنعها نفسٌ سوّلت، باستحقاقية ووقاحة. والفتنة أمر عظيم، لا يستهان به، يحار فيها اللبيب ويسقط فيها المتذاكي!
  • غضبٌ ربانيٌّ على انتهاك العهد. وغضب الله تعالى إذا حلّ فإنه عذاب الدنيا والآخرة!

ولعل أكثر ما نحتاج التعلم منه في هذا الهدي الرباني الجليل: أن الخلاف بين المؤمنين تحكمه الرحمة والحكمة. لا التخوين لسوء فهم! فغضب موسى وإن أوصله لإلقاء الألواح وفيها نور وهدى! وأخذه رأس أخيه ولحيته، إلا أنه بكلمة واحدة، هدأ، واستوعب دوافع أخيه، وخلف هذا الاستيعاب، ثقة وأخوة، وصحبة على الحق لا تنهزم!

ثم النهاية، تُعيد كل شيء إلى أصل التوحيد. لتبقى القصة مرآةً لكل زمان: وكل مجتمعٍ قد يُفتن بعجلٍ جديد، وكل عصرٍ قد يظهر فيه سامريٌّ آخر، لكن الحقّ – إذا وُجد في قلبٍ كقلب موسى – يبقى أهيب، وأثبت، وأقوى نصرة للتوحيد وللمؤمنين.

سلام الله على موسى وهارون!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x