رمضان في زمن الفتن لمن صدق، الأعظم أجرًا

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الصيامَ جُنَّةً للصائمينَ من النار، وسببًا لمغفرة الذنوب وتكفير الأوزار، وزيادةً في الأجر والإفضال. الحمدُ للهِ الذي بلّغنا مواسمَ رحمته، وأدركنا نفحاتِ فضله، وجعل في تعاقب الأيام محطاتِ مسابقةٍ إليه، وعودةٍ صادقةٍ إليه، وارتقاءٍ في مدارج السالكين إليه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، الكبيرُ المتعال، الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ من صام وقام، وتلا القرآن وأحسن القيام، كان إذا دخل رمضان تغيّر حالُه، وأحيا ليلَه، وأيقظ أهلَه، وشدَّ مئزرَه، إقبالًا على ربِّه، وطلبًا لرضاه.

فصلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد،

فإنَّ رمضان هذا العام لا يُقبل علينا في زمن أمان وتمكين، ولا في حال استقرارٍ وطمأنينة، بل يهلُّ في خضمِّ فتنٍ تتتابع، واستضعافٍ يتمادى، وجراحٍ في جسد الأمة لا تزال تنزف، لم تبرأ بعد. يأتينا وأصداء المآسي عالقةً في الأسماع، وصور النوازل شاخصةً في الأبصار، والقلوب بين خوفٍ على حاضرها، وقلقٍ على غدها، وحزنٍ على ما آلت إليه أحوال المسلمين.

وفي موازاة هذا الواقع المثقل، يتكاثر الانكباب على الملهيات وسفاسف الأمور، وعروض التفاهة والسفاهة وما حط من اهتمامات وفساد أذواق، وإن كان الحديث عن رمضان يزاحم ذلك كله ويدافعه؛ بدروسٌ تتكدس، ومواعظُ تتدفق، وخطبٌ ومحاضرات، ومقاطع قصيرة تملأ الفضاء الرقمي. غير أنَّ الاستجابة – في كثير من الأحيان – تبقى دون مستوى الخطاب، وكأنَّ الكلمات قد اعتيدت، ففقدت وهجها، وصار الوعظ مألوفًا لا يُحرك إلا من رقَّ قلبه وتأهبت للمعالي نفسه.

وهكذا تتداول الأيام، وآيات الله بيننا حاضرة، بينما ينكبُّ كثيرٌ من الناس على الشاشات انكبابًا، فيمرُّ عليهم الشهر كما تمرُّ مواسم العروض؛ مقاطع متتابعة، وبرامج تسلية متزاحمة، وسفرٌ مكتظة، ووصفات متكلفة، وطربٌ واحتفال، ومسلسلٌ يوميّ يُنتظر كما يُنتظر الأذان.

حتى غدا رمضان عند بعضنا طقسًا اجتماعيًا، أو عادةً موسمية، أو مناسبةً للزينة والولائم، أكثر منه محطةَ مراجعةٍ وميدانَ تزكية.

ومع أنَّه يحلُّ علينا في زمن اضطرابٍ وحروبٍ وفتن، تتجلى في تفاصيله سنن الابتلاء وأشراط الساعة، إلا أنَّ الواجب لا يزال مهمّشا ومهملا، والاستجابة ضعيفة هزيلة لا ترقى لحجم المصاب الجلل، فيتعامل الناس مع رمضان كمجرد شهر للتغيير في الروتين اليومي، وتسابق على زخرف وزينة ومظاهر تفاخر وإسراف، لا محطةَ نجاة، وموسمَ صدقٍ مع الله عز وجل، وفرصةَ ثباتٍ واستدراكٍ هي الأرجى، وعودةً واعيةً تعيد ترتيب الأولويات، وتردُّ القلوب إلى ربها ردًّا جميلًا.

فكيف نستقبل رمضان في زمنٍ تتوالى فيه الفتن كقطع الليل المظلم، ولا يزال المسلمون يرزحون تحت وهنٍ واستضعاف، وكثرةِ قتلٍ وفتكٍ وأحزانٍ لا تنقشع؟ كيف نجعل منه شهرَ إصلاحٍ عميقٍ ممتدّ، لا موسمَ استهلاكٍ عابرٍ يزيد القلوب ضعفًا ووهنًا؟

كيف نعيشه شهرَ صدقٍ وعودةٍ حقيقيةٍ إلى الله عز وجل، ونحن أحوج ما نكون إلى لطفه، وأشدّ ما نحتاج إلى أن تتنزّل علينا رحماته؟

وَتَغْتَسِلُ النُّفُوسُ بِرُوحِ شَهْرٍ
هِيَ التَّقْوَى الَّتِي مِنْهَا الوِقَاءُ

إن الواقع الذي نعيشه يجعل الاستعداد لرمضان أمرًا مصيريًا، لا ترفًا وعظيًا. فلسنا بحاجة إلى تكديس معلوماتٍ جديدة بقدر ما نحن بحاجة إلى تجديد عهدٍ صادقٍ مع الله عز وجل؛ عهدٍ تقوم أركانه على الوجل، وتحفه روح المسؤولية، ويحدوه عزمٍ لا يعرف الغش ولا التلجلج.

نحن مقبلون على موسمٍ لا يتكرر إلا مرةً في العام، ولا ندري هل نُدركه مرةً أخرى، في زمنٍ تتقلّب فيه الأحوال سريعًا، وتندلع فيه الحروب فجأة، وتتوالى فيه الاضطرابات على امتداد خريطة العالم.

وقد قال رسول الله ﷺ: “العبادة في الهرج كهجرةٍ إليّ” (رواه مسلم).

والهرج هو كثرة القتل، واضطراب الأحوال، واشتداد الفتن حتى يلتبس الحق بالباطل، ويعيش الناس في دوامةٍ من الخوف والانشغال والقلق.

وفي مثل هذه الأزمنة، حين تتكاثر الصوارف، وتتنازع القلوبَ الشبهاتُ والشهوات، ويعلو ضجيج الدنيا بالدماء والاضطراب، تصبح العبادة أثقل على النفس، وأشقّ على القلب؛ لأنها تحتاج إلى مجاهدةٍ مضاعفة، وثباتٍ لا تُهمل موجباته، ووعيٍ يحمي صاحبه من التفلت والانجراف لتيارات الفتن والشبهات والانحرافات.

ولهذا عظُم أجرها، حتى شبَّهها النبي ﷺ بالهجرة إليه. والهجرة في أصلها تركٌ وانتقال: تركٌ لبيئة الفتنة إلى بيئة الطاعة، وانتقالٌ من حالٍ يضعف فيه الدين إلى حالٍ يُنصر فيه. فلما انقطعت الهجرة الحسية بعد فتح مكة، بقيت الهجرة المعنوية: هجرة القلب من مواطن الغفلة إلى مواطن الذكر، ومن الانشغال بالخلق إلى الإقبال على الخالق، ومن التشتت إلى التوجه، ومن الخوف إلى التوكل.

فإذا كان هذا الفضل في عموم الأزمنة، فكيف إذا اجتمع الهرج مع رمضان؟

شهرٌ هو موسم القرب، وزمن مضاعفة الأجور، وتقييد الشياطين، وفتح أبواب الجنان. فإذا أقبل رمضان في زمن اضطرابٍ وفتن، كان الاجتهاد فيه أوجب، والصدق فيه ألزم، والاعتكاف القلبي فيه أحوج؛ والجهاد فيه أعظم، وفضل الغربة فيه أجلّ، ليكون محطةَ تثبيتٍ وموسمَ إصلاحٍ وبدايةَ تحوّلٍ هو الأرجى.

وفي زمن الهرج، قد ينشغل الناس بالتحليلات، والأخبار، والخصومات، وردود الأفعال، حتى تذبل أرواحهم. أما المؤمن فيجعل من الحقبة المظلمة، خندق نجاة، وسفينة عبور، يثبت فيها قدمه على الصلاة والقيام والقرآن وذخائر الصبر والثبات والمسابقة بيقين، كأنه يهاجر بقلبه إلى رسول الله ﷺ، إلى سنته، إلى طريقه، إلى صفاء العبادة الأول.

فالعبادة في زمن الفتن حبل نجاة. وتثبيتٌ للجذور حتى لا تقتلعها العواصف.

ومن وفقه الله تعالى أن يعبدَه في زمن الهرج، فقد اصطفاه لمرتبةٍ عالية؛ ينشغل عنها الناس ويعزفون. نسأل الله أن يجعل لنا من هذا الحديث حظًا، وأن يرزقنا في رمضان عبادةً صادقةً تكون لنا هجرةً إليه ﷺ، وثباتًا حتى نلقاه.

أعظم شهر في السنة

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه قال: “أتاكم رمضانُ، شهرٌ مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب السماء – الرحمة أو الجنة – وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم”؛ صحيح الترغيب والترهيب.
نحن على موعد مع أعظم شهر في السنة، وأرجى فرصة لنا، للتطهير والارتقاء، وللاستدراك والمسابقة، للتخلص من أدران التفريط والقصور والغفلة، لتنقية الصحائف من الذنوب والخطايا وما يكبّل الهمة ويحرم التوفيق.
رمضان هو المحطة التي تُرتجى حقا، وتُبذل لها النوايا والأفكار، والجهود والخطط، وكل لحظة رجاء ومحبة وخشية!
لأنه ليس كأي شهر، فهو الشهر الوحيد الذي ذكره الله تعالى في القرآن باسمه فقال جل جلاله ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ (البقرة: 185).
وقد سمي رمضان من الرمضاء، لأنه كان يوافق شدّة الحرّ وقيل لأنه يرمض القلوب، أي يحرقها بالأعمال الصالحة.
ثم رمضان هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه جميع الكتب السماوية، فهو الشهر الجليل الذي اختصه الله تعالى ليكون ميقاتا لنزول الوحي من السماء، فيا لهيبة الزمان!

عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أُنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأُنزلت التوراة لستٍّ مضت من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأُنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان”؛ صحيح الجامع.

إن هذا الشهر الذي يطرق أبوابنا بعد قليل جدًا، شهر التأييد الرباني، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطين، ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة، فلم يُغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصِر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة”؛ صحيح الجامع.

إنه شهر العتق من النار، وما أدراك ما النار! عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة”؛ صحيح الجامع. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله عند كل فِطْرٍ عُتقاء، وذلك في كل ليلة”؛

نعم في كل ليلة! أي أن كل ليلة من رمضان نحن أمام فرصة العمر! فكيف تضيع فرصة أيام الشهر من أيدينا؟ نعوذ بالله من الحرمان وخذلان النفوس.

إيمانا واحتسابا

ولعل أهم ما يجب أن نستحضره عند استقبال شهر رمضان الفضيل، ما بشرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه”.
إيمانًا واحتسابًا.. هذا أول ما يجب ضبطه قبل أي شيء.

فهذا ما يوجب المغفرة، وهي مشروطة بأمور ثلاثة:

• الأول: أن يصوم رمضان إيماناً – أي إيماناً بالله ورسوله وتصديقاً بفرضية الصيام وما أعد الله تعالى للصائمين من جزيل الأجر.
• الثاني: أن يصومه احتساباً – أي طلباً للأجر والثواب، بأن يصومه إخلاصاً لوجه الله تعالى، لا رياءً ولا تقليداً ولا تجلداً لئلا يخالف الناس، أو غير ذلك من المقاصد.
بل يصومه طيبةً به نفسه غير كاره لصيامه ولا مستثقل لأيامه، بل يغتنم طول أيامه لعظم الثواب.
• الثالث: أن يجتنب الكبائر، وهي جمع كبيرة، وهي كل ذنب رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو رتب عليه غضب ونحوه، وذلك كالإشراك بالله وأكل الربا وأكل مال اليتيم والزنا والسحر والقتل وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وشهادة الزور واليمين الغموس، والغش في البيع وسائر المعاملات، وغير ذلك، قال تعالى ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [ النساء: 31]

فإذا صام العبد رمضان كما ينبغي، غفر الله له بصيامه الصغائر والخطيئات التي اقترفها إذا اجتنب كبائر الذنوب وتاب مما وقع فيه منها.

رمضان إذا ليس مجرد شهر يمرّ في التقويم لتوزيع التهنئات، بل موسم مغفرة تُفتح فيه أبواب السماء لمن صدق. وما أعظمها من بشارة! مغفرةٌ تُكتب لعبدٍ صام بقلبٍ حاضر، مؤمنًا بوعد الله، محتسبًا أجره عنده. فلم يكن الصوم عنده الجوع والعطش، وإنما هو يقينٌ وإخلاص؛ تصوم لأن الله أمر، وترجو لأن الله وعد.

وقد جعل الله هذا الشهر محطة تطهير متجددة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان؛ مكفِّرات ما بينهن إذا اجتُنب الكبائر”.

فهو نهرٌ يغسل الذنوب الصغيرة، ما دام العبد مجتنبًا للكبائر، تائبًا منها إن وقع فيها.
والكبائر لا تمحوها المواسم وحدها، بل تحتاج توبةً صادقة وانكسارًا حقيقيًا بين يدي الله عز وجل.

أما من لوّث سمعه وبصره ولسانه، وأبى أن يتخفف من أثقاله، فقد يعرض نفسه للحرمان؛ روى الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين، قيل: يا رسول الله: إنك صعدت المنبر فقلت آمين آمين آمين، فقال: “إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين “صحيح الترغيب والترهيب” .

فالسعيد من دخل رمضان طاهر القصد، صادق العزم، مجتنبًا للذنوب، مقبلاً على الطاعات. يحيي ليله، ويحفظ صومه، ويكثر من القرآن والصدقة والذكر، اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان أجود ما يكون في رمضان، وأعبد ما يكون فيه.

قال ابن القيم رحمه الله: “وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات. وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن، والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة”.

ذلك أن رمضان فرصة تطهير لا تتكرر، فمن أحسن اغتنامها خرج منه مغفورًا له، خفيف القلب، جديد الصفحة، ومن ضيّعها فقد ضيّع أعظم أبواب الرحمة.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: 183)، وقال سبحانه: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ (البقرة: 185).

فالصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو ركنٌ عظيمٌ من أركان هذا الدين، وشعيرةٌ ظاهرةٌ من شعائر الإسلام، تُترجم صدق الاستجابة لله تعالى. وحين نقبل على رمضان، ينبغي أن نستحضر أنه من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ إذ معناها الاستسلام لأمر الله ظاهرًا وباطنًا، والانقياد لحكمه طوعًا ومحبةً وتعظيمًا. وليس المقصود من الصيام الجوع والعطش، وإنما الغاية التي صرّح بها القرآن: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. أي ليكون الصيام طريقًا إلى التقوى، يدرّب النفس على المراقبة، ويعوّد القلب على كفّ الشهوات، ويُنشئ في العبد سلطانًا داخليًا يردعه عن المعصية ولو خلا بنفسه. فالصائم يترك ما أحلّه الله له في غير رمضان امتثالًا لأمره، فكيف لا يترك ما حرّم الله عليه على الدوام؟

والتقوى ثمرة الصيام، وهي أن تجعل بينك وبين سخط الله وقاية؛ بطاعته، واجتناب معصيته، وتعظيم حدوده. فإذا لم يورث الصيامُ في القلب خشيةً، وفي السلوك استقامةً، وفي الخلق تهذيبًا، فثمّة خلل في الفهم أو في الإخلاص.

ومن هنا كان رمضان مدرسةً سنويةً للتقوى، يُعاد فيها بناء العلاقة مع الله جل جلاله، ويُجدد فيها العهد على السمع والطاعة، وتُزكّى فيها النفوس لتخرج أصلب عودًا، وأصدق توجهًا، وأرقّ قلبًا.

فإذا شهدنا الشهر، فليكن صيامنا صيامَ قلبٍ قبل الجوارح، وصيامَ إرادةٍ قبل عادة، صيامًا يحملنا إلى مرتبة المتقين، لا مجرد صيامٍ يُسقط الفرض ويُبقي الحال على ما كان.

نسأل الله أن يجعلنا ممن صام إيمانًا واحتسابًا، فارتقى بالتقوى، ونال القبول، وخرج من رمضان وقد تبدّل حاله إلى ما يحبّه الله ويرضاه.

الصيام عبادة اختصها الله لنفسه

من أعظم فضائل الصيام أنه عبادةٌ أضافها الله تعالى إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ وتعظيم، وأخفى مقدار ثوابها، فلم يحدّه بعددٍ ولا قدّره بمضاعفةٍ معينة كسائر الأعمال. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به”. وفي رواية: “يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها”. وفي رواية لمسلم: “كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”.

إنها إضافةٌ مهيبة: “فإنه لي”. قال ابن عبد البر رحمه الله: كفى بقوله: «الصوم لي» فضلًا للصيام على سائر العبادات”.

فكأن الصيام سرٌّ بين العبد وربه، لا يطّلع عليه أحد، ولا يتحقق صدقه إلا الله، ولذلك تولّى سبحانه جزاءه بنفسه، جزاءً يليق بجلاله وكرمه.

ومن فضائله أنه جُنّة، أي وقايةٌ وستْر. جُنّة من المعاصي في الدنيا، وجُنّة من النار في الآخرة. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم”.

فالصيام تربيةٌ للنفس على ضبط اللسان، وكفّ الجوارح، وكسر حدّة الغضب. إنه عبادة تُهذّب الأخلاق قبل أن تُنقص الوزن. فلا يهدر العاقل الصائم يومه في غيبة ونميمة ولا كذب وفجور ولا في ظلم وأذى للمسلمين، فيخسر صيامه.

ومن عظيم تكريم الله للصائم أن ما قد يستثقله الناس من تغيّر رائحة فمه، هو عند الله أطيب من ريح المسك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”.

فإن كان هذا في تغيّر رائحة فمه، فما ظنك بصلاته وقراءته وسائر عباداته؟ فالله ينظر إلى المعنى وإلى الصدق لا إلى الصور والمظاهر.

ومن فضائل هذه العبادة العظيمة أنها تشفع لصاحبها يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفِّعني فيه، قال: فيشفعان» (رواه أحمد )

تخيّلي أن عبادتك التي جاهدت نفسك عليها، تقف بين يدي الله مدافعةً عنك، طالبةً نجاتك!

وللصائمين بابٌ خاص في الجنة لا يدخل منه غيرهم. قال صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة بابًا يُقال له الرَّيَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يُقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحد” (متفق عليه).

هو بابٌ يُنادى عليه بأهل الصيام، تكريمًا لهم، واعترافًا بصدق صبرهم وصيامهم.

وقد كرّم الله عز وجل الصائم، بأن جعل له فرحتين عظيمتين: “إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه”. أما فرحته عند فطره، فهي فرحة الفطرة بعد الكفّ، وفرحة الإذن بعد المنع، وفرحة إتمام الطاعة. وأما فرحته عند لقاء ربه، فهي أعظم وأبقى؛ حين يجد ثواب صيامه مدّخرًا أحوج ما يكون إليه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ (المزمل: 20) وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ (آل عمران: 30).

واستحضار معاني هذه الفضائل في شهر رمضان مهم جدًا لتحصيل الخشوع والإقبال الأرجى، ولعل من أكثر ما يدفع الناس للإحسان، رجاء القبول من الله عز وجل، ومن كان هذا همه فرمضان هو هدفه.

ثم من كرامة الله تعالى للصائم أن دعاءه مستجاب. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث دعوات لا تُرد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر”؛ (صحيح الجامع)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يُفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، وتُفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل: وعزتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حين”؛ (رواه الترمذي، وابن ماجه)، وفي رواية: “والصائم حتى يُفطر”.

إنه وقت حضور قلب وانكسار، وقت تتجرد فيه النفس من شهواتها، فيرتفع الدعاء صادقًا خالصًا للقريب المجيب.

وهكذا لنقبل على الصيام ونحن مستحضرون معانيه وفضائله، وأننا مقبلون على عبادة سرّية خالصة، اختصها الله لنفسه. فهو جُنّة، وشفيع، وبابٌ إلى الجنة، وسببُ فرحٍ في الدنيا، وسعادةٍ عند اللقاء، ومظنةُ دعاءٍ مستجاب. فأيُّ فضلٍ أعظم من أن تكون العبادة لله وحده، وجزاءها عليه وحده، وكرامتها ممتدةً من لحظة الإفطار إلى باب الريّان، إلى ساعة الوقوف بين يديه جل جلاله؟

إنه ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل ارتقاءٌ بالروح، وتحررٌ من سلطان الشهوة، وتجديدٌ للعهد مع الله جل جلاله. نسأل الله أن يجعل صيامنا صيام صدقٍ وقبول، وأن يرزقنا من فضله ما وعد به عباده الصائمين.

ما يجب العناية به في رمضان

رمضان شهر عبادة على علم وانقياد، فهو عبادةٌ تقوم على العلم وعلى حسن الاتباع. فمن أراد أن يصوم صيامًا مقبولًا، فعليه أن يعرف أحكامه، ويقف على آدابه، ويستضيء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ إذ لا تصح العبادة إلا بعلمٍ يضبطها، وإخلاصٍ يزكيها. فعلى المسلم والمسلمة تعلم فقه الصيام وأحكامه ولا يجوز الجهل بهذا العلم لأنه من العلم الواجب، لنعبد الله تعالى كما أمرنا، على بصيرة. مع الحذر من التنطع والتعمق الذي لم يأمر به الله تعالى والحذر من مشابهة بني إسرائيل في كثرة الجدل في أحكام الدين، فبوابة الفتوحات تبدأ من استجابة بلا تنطع وإخلاص لا يشوبه اعتراض.

ومما يكثر الجدل حوله في كل سنة: ثبوت دخول الشهر، خاصة مع لجوء الناس للحساب الفلكي، وفي الشريعة، يثبت رمضان بأحد أمرين لا ثالث لهما:

  1. رؤية الهلال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا”.
  2. إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا عند تعذر الرؤية.
    وبذلك لا يُعتمد على الحساب الفلكي وحده في إثبات الشهر.

    وهذه عبادة وردت بنص القرآن والسنة، فالاستجابة لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل المجادلة ولا حاجة لنا بآراء الناس في نص شرعي واضح ولن نبدل ديننا لأن العالم يعيش تطور التقنيات! فالحكمة هي الطاعة وعبادة الله تعالى كما أمر تماما، وليس تطوير العبادات بتقدم الأزمنة.

ويرافق معرفة أحكام الصيام، معرفة آدابه ومستحباته، فالصيام عبادة لها آداب تُكمّل أجرها وهي:

• السحور وتأخيره، ولو بجرعة ماء؛ ففيه بركة.
• تعجيل الفطر عند تحقق الغروب.
• الفطر على تمرٍ أو ماء اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
• الدعاء عند الفطر؛ فهو وقت إجابة.
• حفظ اللسان والجوارح من الزور والجهل والخصومة.
• قول:”إني صائم” عند المشاتمة.
• الجود والصدقة وتفطير الصائمين.
• الإكثار من قراءة القرآن وسائر الطاعات.

ومعرفة أحكام الصيام وآدابه يجب أن يرافقها إدراك أن الصيام عبادةٌ عظيمة، تجمع بين الانقياد الظاهر والتهذيب الباطن. فهو مدرسةٌ للنية الصادقة، والانضباط، والصبر، والتوكل، والمراقبة، والرحمة، والشكر، والتوبة، والخشية، والعبادات القلبية كلها، ومن عرف أحكامه، وعظّم حدوده، وأحيا آدابه، خرج من رمضان بقلبٍ أصفى، ونفسٍ أزكى، وعهدٍ أجدد مع الله عز وجل.
نسأل الله العظيم أن يتقبل منا صيامنا، وأن يرزقنا فقهه وحسن القيام به، وأن يجعلنا من عتقائه من النار.

الحذر من قطاع الطرق

في زماننا، زمن الفتن والملهيات وكل ما يصرف عن الاستقامة ويحارب الإسلام، يصبح الثبات في رمضان معركة مجاهدة، ولذلك ينبغي لمن أدرك أن رمضان هو فرصة الزمان، كما كان يدرك ذلك سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، لفضيلته وعظم منزلته عند الله عز وجل. أن يدخله باستعلاء بالإيمان، والتعامل معه بمكانته الخاصة، والسعي العنيد الذي لا ينهزم، لنيل الأجر والقبول من الله تعالى.

قال يحيى بن أبي كثير عن الصحابة رضي الله عنهم:
“كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، اللهم سلّم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً.”
وقد كان الاستعداد لرمضان بالدعاء والعمل الصالح سنة عن النبي ﷺ، فقد وصفت أمنا عائشة رضي الله عنها حاله صلى الله عليه وسلم فقالت: “ولم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا.” رواه مسلم

هذا هو حال نبينا صلى الله عليه وسلم وسلفنا في الاستعداد، فكيف يكون حالنا نحن؟! ونحن في مواجهة قطاع الطرق الذين يتعاضدون لقطع طريقنا؟

قطاع طريقك!

ففي الماضي، كانت كلمة “قطاع طرق” تشير إلى اللصوص والمجرمين في الطرقات، الذين ينتهكون حق الناس في المال والأمن. أما اليوم، فتوسعت الظاهرة لتشمل أشكالًا جديدة، فقد أصبح لدينا قطاع الطرق الإلكترونيون الذين ينشرون كل ما يشتت التركيز والخشوع، ويضعف الهمة والإقبال، ويبدد العزيمة ويصنع الهشاشة، بكمّ ما ينشرون من الرذائل أو التفاهات، ويصورونها على أنها عادية، فيأثرون على القيم والمقاييس، وأخطر ما يكون ذلك في شهر رمضان الفضيل.

وهم يدخلون في رمضان من باب التسويق للإسراف: من خلال الإعلانات المبالغ فيها أو البرامج والدعايات التي تدور حول الانكباب على الإسراف والملهيات والمشتريات وحمى التسوق.
ويدخلون من باب المشاهدة عبر المسلسلات التي تحث على الرذيلة وتتصالح مع المنكرات وتعود النفس على الاستهانة بالكفر والشرك والظلم وكل ما حط من انحرافات وخبائث، ولو في قالب مسلسل ديني، سنجد في ذلك شيطنة للالتزام وتشويها للمفاهيم وتعظيما للفتنة وبثّ الشبهات.

ويدخلون من باب التضليل الإعلامي من خلال نشر كل ما يصنع اليأس والفتور والإحباط والقنوط، ويعمّق شعور الانهزامية والتبعية. مما يوجب علينا الارتقاء بالوعي الرقمي والإعلامي بضبط وتيرة تصفحنا وأوقاته في شهر رمضان، وتنقية حساباتنا ومرمى أبصارنا مما يفسد علينا البصيرة وموجبات الثبات والفلاح.

فرمضان فرصة للابتعاد عن كل أشكال الظلم للنفس والانحراف، لكن قطاع الطرق في زماننا لم يعودوا مجرد لصوص في الطرقات، بل أصبحوا قطاع طرق للفكر والقيم وفرص ارتقاء النفس.
ثم هناك قطاع طرق من حيث الصحبة الفاسدة، ومن حيث الكسل والفتور الذي يحل على المرء في شهر المسابقة بالخيرات، وسوء الإدارة لبرنامج العبادات، والانشغال بالولائم والسهرات على حساب التقرب من الله تعالى.

ثم الاجتماع على القيل والقال والغيبة والنميمة، فكم يحرق من الحسنات في لحظات. وهو مما يستوجب وقفة حازمة مع النفس. فلا ننهزم لهذه المشتتات والمضعفات، ولنحسن الاستعداد للثبات والمسابقة، بوعي وإباء.

لا تفوتنك فرصة رمضان

نحن أمام فرصة عظيمة، فرصة يجب أن نستفيد منها لتطهير كل ما فات من خسائر في نفوسنا وخيبات في مسيرتنا وتقصير وانتكاس، والسعي للارتقاء للدرجات الأرجى، وهذا يعني أن نعقد العزم على تعمير رمضان بالطاعات، وزيادة الحسنات، وهجر السيئات. فلتكن البداية من نية صافية لله تعالى، وعزيمة على استغلال كل لحظات رمضان في بذل أقصى الجهد ابتغاء رضا الله عز وجل.

فالعبد لا يدري متى تنقضي أيامه، ومتى يوافيه الأجل. فكيف إن كان هذا رمضان هو آخر عهد لنا بالدنيا؟ نسأل الله حسن الخاتمة.

وكم من أناس صاموا معنا رمضان الماضي ولم نعد نراهم هذا العام، فلنعمل على الاستدراك فكم نحن بحاجة إليه!

لنقبل على رمضان إقبال مودّع!

ولتحقيق دخول جاد ومسؤول، لابد من التوبة الخالصة لله تعالى، لابد من التوبة النصوح، فإن كان هناك حقوق معلقة، لترجع لأهلها، ولنتخلص من أوزار الظلم، ولنكثر من طلب المغفرة فالذنوب الثقيلة تمنع القلب من الشعور بخفة الطاعات ومتعتها، وتجعل العمل متعسرًا. وكثرة الاستغفار والإلحاح في الدعاء علامات على صدق التوبة. قال الله تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور : 31)

والوقت رأس المال الذي نتاجر به مع الله عز وجل، وكل لحظة تمر بلا عبادة تضيع منا فرصة لا تُعوَّض. ورمضان أيام معدودات، ويمر سريعًا، فمن أدرك قصره عاش أيامه بجد واجتهاد، واستمتع بمشقة الطاعة وأجرها العظيم. ومن غفل عن عظمته هدر ساعاته في ما يضره ولا ينفعه.
وعلى عكس ما تجري به العادة، من كثرة أصناف الطعام وكثرة الإسراف، أقول: لابد من الزهد في موائد الطعام في رمضان، فالقليل منه يلين القلب، ويقوي الفهم، ويقوي النفس على الطاعة، بينما الإسراف يثقل القلب ويبعد الإنسان عن الطاعة. كما قال النبي ﷺ: “أطولكم شبعًا في الدنيا أطولكم جوعًا يوم القيامة” رواه الترمذي.

فيجب الاعتدال في الطعام، فلا نسرف في صناعة الموائد وأصناف الطعام، كي نستشعر لذة الصيام والإفطار.

ثم رمضان مدرسة قيام الليل، مدرسة للنفس والروح، فيها تنكسر أقفال القلوب وتفتح أبواب الفهم، وتجري على العبد فيض الرحمة والسكينة. ولا يفرط صادق في صلاة الليل، التراويح أو التهجد، وأفضلها للنساء تكون في البيت. فاستعدي لليالي رمضان المهيبة وللعشر الأواخر بقلب محب للتهجد يستعذب المجاهدة في سبيل الله تعالى.

وعلى عكس ما يتنازعه المجادلون عند دخول رمضان، اجعلي رمضان شهر القرآن حقا، ليكن مختلفا تماما عن بقية شهور السنة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدارس القرآن مع جبريل -عليه السلام- في رمضان أكثر من أي شهر آخر. جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة” متفق عليه.

قال ابن رجب في “لطائف المعارف”: “دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له”.

لقد كان النبي ﷺ يخص رمضان بمزيد من مدارسة القرآن وتلاوته، حيث كان جبريل -عليه السلام- يدارسه القرآن كل ليلة في رمضان، ودارسه إياه مرتين في العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم. ما يعني أن أقل ما عليك الاجتهاد فيه أن لا يمر الشهر بدون ختمة واحدة على الأقل ولو كانت ختمتين لكان أفضل وما زاد فهو فضل، بشرط أن تكون قراءة القرآن بحضور قلب وليس بطريقة تخل بنطق حروفه أو تمنع معايشة معانيه، وليس بالضرورة التدبر الكامل، ولكن -على الأقل- استشعار أن للقرآن أثره في النفس.

والإكثار من قراءة القرآن لا يعني القراءة بلا عقل ولا وعي ولا فهم، أو عدم إعطاء القراءة حقها، فالغاية من قراءة القرآن هي إصلاح القلوب وكسب الحسنات، وهذا يتطلب أن يكون القلب حاضرًا ومجاهدة النفس مستمرة، للوقوف عند الآيات التي يتصدع لها القلب، دون التقصير في أحكام القراءة، ومن المهم الجمع بين القراءة بمعدل أكبر مما اعتاد عليه المسلم في غير رمضان وبين الفهم لما يقرأه، قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (الأعراف: 204).

وهذا يعني أن المعترضين على العناية بإتمام الختمات في رمضان مخطئون، بل من الفقه أن يختم المسلم القرآن في رمضان، وإن لم يختمه في مثل هذا الشهر الفضيل؟ فمتى سيختمه؟ وكيف يفرط في الأجر العظيم لرمضان؟ وماذا عن العشر الأواخر، وفيها ليلة هي خير من ألف شهر، ليلة القدر، كيف سيقضي ليله؟ في تسلية ومشاهدة للشاشات أم في تلاوة وسجود وشكر وابتهال؟

بل شهر رمضان هو شهر المسابقين بالطاعات، المجتهدين بلا كلل ولا ملل، قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

مسابقة في الطاعات ليس للتفاخر، بل لتكون سببًا في تحصيل أجر عظيم ومغفرة ورحمة من الله تعالى، وما أجمل المسابقة بدون ضجيج بدون لفت الأنظار في زوايا المحاريب الخاشعة!

وإنه لأمر ثابت، أجر تلاوة القرآن العظيم وفضله في الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول “ألم” حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف”، والله تعالى يضاعف لمن يشاء!

فإذا كان العدد التقريبي لحروف القرآن هو (323015 حرفاً) فإن المسلم بقراءته لمصحف واحد في الشهر في الأيام العادية يكسب عن كل حرف عشر حسنات، أي ثلاثة ملايين ومائتين وثلاثين ألف ومائة وخمسين حسنة.. والله يضاعف الأجر في رمضان وفي العشر من ذي الحجة لمن يشاء.. والله ذو الفضل العظيم.

ولذلك لا تخلو سير السابقين من تعظيم القرآن والتذكير بفضله والحث على التمسك به، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: ” إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار”. وقال سفيان الثوري رحمه الله: “ليتني كنت اقتصرت على القرآن”.

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: ” والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله، فمَن أحب القرآن؛ فقد أحب الله، افقهوا ما يقال لكم”.

وقال ابن تيمية رحمه الله: “وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن”.

قال الله عز وجل ﴿وَأُمِرتُ أن أَكُونَ مِنَ المُسلمِينَ (92) وَأَن أَتلُوَ القُرآنَ فَمنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُل إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (93) وَقُلِ الْحَمدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعملُونَ﴾ (النمل: 92-94)

وفي اغتنام مواسم الخيرات نجابة، قال ابن رجب رحمه الله: “فما من موسم من المواسم الفاضلة إلا وللَّهِ تعالى فيه وظيفةٌ من وظائفِ طاعاتِهِ، يتقرَّبُ بها إليه، وللَّهِ فيه لطيفةٌ من لطائفِ نفحاتِهِ، يُصيبُ بها من يعودُ بفضلِهِ ورحمتِهِ عليه، فالسعيدُ من اغتنمَ مواسمَ الشهورِ والأيامِ والسَّاعاتِ، وتقرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها من وظائفِ الطَّاعاتِ، فعسى أن تصيبَهُ نفْحةٌ من تلكَ النَّفحاتِ، فيسعدُ بها سعادةً يأمَنُ بعدَها من النَّارِ وما فيه من اللَّفَحَاتِ”.

من هنا ندرك لماذا كان السلف الصالح يركزون على قراءة القرآن في شهر رمضان والصلاة به. فصحابة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقومون الليل في رمضان بالسور الطويلة التي فيها مائة آية أو تزيد، وحين رأى عمر – رضي الله عنه- الناس أوزاعاً يصلون متفرقين، جمعهم على أقرئهم أبي بن كعب رضي الله عنه، فصلوا خلفه صلاة التراويح، وكان يقرأ بهم قراءة طويلة.

وكذلك كان حال التابعين والأئمة من بعدهم، ما أن يدخل رمضان حتى يتفرغ الفرد منهم للقرآن ويسابق للختم بمعدل أكبر مما كان عليه في أيامه الأخرى.

ويا لها من عظمة أن تجتمع شفاعة الصيام وشفاعة القرآن للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشراب فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه فيشفعان.

من هنا وجب التنبيه إلى أن العناية بالقرآن كأولوية من أهم ما يجب أن يحرص عليه المسلم في شهر الصوم، شهر رمضان الكريم، ولا يعني أن يختم كل يوم أو أنه ليس على خير، بل أن يكون معدل قراءته أكبر من بقية الأيام وأن يضاعفه في العشر الأواخر بأكثر مما كان عليه في ثلثي رمضان. وكلّ وقدرته واستطاعته، وصلاح نيته، قال الإمام أحمد لبعض أصحابه وكان يصلى بهم في رمضان، قال: هؤلاء قوم ضعفاء اقرأ خمسًا، ستًّا، سبعًا، قال: فقرأت فختمتُ ليلة سبع وعشرين، فأرشده – رحمه الله – إلى أن يراعي حال المأمومين، فلا يشق عليهم.

قال الله تعالى ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فمن استقبل رمضان معظما له، هانت عليه نفسه وما يجده في سبيل مرضاة ربه.

الأجر أعظم!

يأتي رمضان في أزمنة الاضطراب أثقلَ على النفوس، وأشدَّ امتحانًا للقلوب؛ تتكاثر الفتن، وتضطرب الموازين، ويغدو الثبات على الحق عبادةً مضاعفة. غير أن سنّة الله أن يعظم الأجر عند عِظم البلاء، وأن يرفع الصادقين إذا اشتدّ الطريق. فمن صدق مع الله في زمن الفتن، كان رمضانُه أعظم أجرًا، وأبلغ أثرًا، وأقرب قبولًا.

إن الفتن تشتّت القلوب وتسرق الأوقات، وتغري بالانشغال عن المقصد الأعظم: عبودية الله وحده لا شريك له. وهنا تتجلى قيمة رمضان؛ فهو مدرسةُ ضبطٍ للنفس، وتزكيةٍ للروح، وتجديدٍ للعهد مع الله. الصوم يكسر حدّة الشهوة، والقيام يحيي القلب، والقرآن يردّ البوصلة إلى وجهتها الصحيحة. فمن جعل الشهر محطةَ تصحيحٍ شاملة، خرج منه أصلبَ عودًا، وأرسخ يقينًا، وأبعد عن مزالق الهوى.

قال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146)

وما أجمل أن تكون الغاية من رمضان أن نكون ربانيين بكل معاني الوصف المهيبة!
والربانيون هم الذين تعلّقوا بربهم علمًا وعملًا، فصاروا بالوحي أحياء، وللحق دعاة، وعلى الخير أدلّة. هم أهل بصيرةٍ في زمن الغبش، وثباتٍ عند الاضطراب، ورحمةٍ حين يقسو الناس. لا يكتفون بالمعرفة، بل تنعكس في سجلات أعمالهم خلقًا وسلوكًا، فيصلحون أنفسهم ويُصلحون من حولهم.

فلنكن ربانيين في رمضان، ولتكن محطة رمضان نقطة تحوّل حقيقية، بإخلاص الدين لله وحده لا شريك له. بالبراءة من الشرك والظلم، وهذه من أهم العبادات التي يجب الحرص عليها في هذا الزمان، بإخلاص التوحيد لله سبحانه والابتعاد عن كل بدعة وضلالة، والاستناد لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ورد كل ما لم يأت به الإسلام، وكذلك البراءة من الظالمين، والنأي بالنفس عن إعانة ظالم، فإن في ذلك الهدم! قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) (النحل: 92)

وهذا يعني الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، يحدوك رجاء مرتبة المحبة الأوفى، قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة: 165)

ولن نكون ربانيين بدون تطهير القلب من دنس الحسد والغل والكبر والعجب وكل أمراض القلوب، قال ابن رجب رحمه الله: “ولم يكن أكثر تطوع النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة بل ببر القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلقها بالله خشية له ومحبة وإجلالا وتعظيما ورغبة فيما عنده وزهدا فيما يفنى”.

فهذه نقطة فارقة جدًا في حال القلوب وإقبالها ومسابقتها.

فلننقي القلوب كي لا تخذلنا الجوارح!

ولنتزود بالذكر كثيرًا، فرب تسبيحة في رمضان بإخلاص لهي بكل العبادات في رمضان بقلب غافلٍ أو لاهٍ.

يقول ابن القيم رحمه الله أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرًا لله عز وجل، فأفضل الصُّوَّام أكثرهم ذكرًا لله عز وجل في صومهم، وأفضل المُتصدِّقين أكثرُهم ذكرًا لله عز وجل، وأفضلُ الحجاج أكثرُهم ذكرًا لله عز وجل، وهكذا سائر الأعمال. فلابد من ورد الأذكار والمداومة على الذكر في كل حال، فهو شرف تتباين به مراتب العباد.

والرباني وطيد العلاقة مع القرآن وسريع الاستدراك لكل تقصير وغفلة، بورد يومي ثابت، بحضور قلب وسؤال الله الفضل، ليكون أثره على الروح والجوارح حقيقيا، فالرباني يُرى أثر القرآن على خلقه ولسانه ومعاملاته.

لنقتدي بنينا صلى الله عليه وسلم في قيام الليل لنكون من الربانيين حقا، لنبث لله شكوانا وضعفنا وهمومنا وكل أحلامنا وأمانينا، ففي جوف الليل تُشحذ الهمم، وتُجبر الكسور، ويُرزق العبد نورًا يمشي به بين الناس.

ولتحقيق أفضل مراتب الخشوع يجب التخفيف من تسلية الشاشات واللغو، والتقليل من الإسراف، وحفظ الوقت وبذله في الأعمال الصالحة والجهاد والمسابقة؛ فالوقت رأس مال السالكين. من ضبط يومه في رمضان، ضبط عامه بعده.

والرباني لا ينشغل بنفسه وحدها؛ بل يسعى لنفع غيره: كلمةُ توجيه، تعليمُ آية، صدقةٌ خفية، إصلاحُ ذاتِ بين. فالمسابقة تجعل لنفسها أثرًا ممتدًا في أهلها وجيرانها ومع من حولها. فاجعلي كل ما تقدمينه يا أمة الله بنية خالصة لله تعالى، وأحسني الظن بربك.

والرباني مجاهد في سبيل ربه، طالب علم وحكمة، مخلص تقي زاده الصبر والمصابرة، وحسن التربية والمعاملة، وصاله وثيق بالسماء، ولا أفضل من شهر رمضان لإقامة النفس على ذلك.
ولعل أبرز صفة في الرباني: الصبر على البلاء والثبات والمجاهدة والجهاد في سبيل الله تعالى. وحب الخير للناس والهداية لهم. وتلك فضائل ترتجى في كل وقت وهي في رمضان الأرجى.

إن رمضان في زمن الفتن فرصة اصطفاء. من صدق فيه، أعظم الله أجره، وثبّت قدمه، وجعله من الربانيين الذين يُحيون بالوحي ما أماتته الفتن. فاجعلي من هذه المحطة معكسر تدريب وعُدّةً للثبات، ومن صومك جسرًا إلى التقوى، ومن قرآنك نورًا لا ينطفئ. ومن صدق مع الله، صدق الله معه، وكفاه، وهداه إلى سواء السبيل.

وحتى وإن تعثرت المجاديف وتأخر السعي، ليكن زاد المسلم والمسلمة: “لئن غلبني الشيطان بالأمس؛ لأقصمن ظهره اليوم بتوبتي وحسن عبادتي.” كما قالها سفيان الثوري رحمه الله. فلا يأس أبدًا إلى آخر رمق، إما نصر أو شهادة!
والاستدراك سلاح الصادق!

هناك دوما الكثير مما لا يسع المقام لذكره وحسبي، أن هناك الكثير من الدروس والمواعظ النافعة في شأن رمضان وفضله وأبواب الخير فيه، لكنني أوصي بوصية لعلها تلخص كل ما يحتاجه المقبل التواق، فأقول: لا داعي للنظر بمثالية للسعي، ولا داعي للنظر فيما يفعله الآخرون، إنما ليكن الشهر شهر تطهير للنفس واستدراك لما فاتها، بداية عهد جديدة، بحمد الله وشكره، وسؤاله من فضله سبحانه، لينشغل كل امرئ بحال نفسه وليصلح منها، قدر استطاعته، بحضور قلب ونبض قلب موحد. ولا عليه بما يقوله الناس أو يعتقدونه، فلحظة صدق واحدة، لحظة انكسار، أو فتح أو استشعار رحمة الله لهي بالدنيا كلها وما فيها، وبكل ما يتنافس عليه الناس ظاهرًا. ليكن العهد والعزم، الاجتهاد بأقصى طاقة لديك، ورجاء رحمة الله وقبوله، بحسن ظن بربك العزيز الرحيم.

إنما الصدق هو المنجى وإنما الإقبال برجاء رحمة الله هو الفقه والبصيرة. فلنقبل على رمضان لتغتسل الأرواح وتتوب لربها وتبدأ صفحة جديدة تمسح سواد ما مضى، وتشرق توحيدًا وسنة ويقينًا! لننجو من النار ويعتق الله رقابنا من النار! وندخل الجنة من باب الريان!
فأعدوا أعز أدعيتكم وأمانيكم، ولتستعد المحاريب للإخلاص والابتهال. وترديد “اللهم تقبل”. فهذا هو الأهم من كل ما نرى حولنا، قبول الله عز وجل لأعمالنا ومغفرته لنا.

مبارك عليكم الشهر، جعله الله خير رمضان على المسلمين في كل مكان، يصلح الله فيه حالهم ويمكّن لهم فيه دينهم، ويقهر فيه أعداءهم، ويجمع به الصادقين في صفوف صناعة الفتح المبين. اللهم اغفر لنا وتقبل توبتنا وجميع أعمالنا وأتم فضلك علينا بالقبول والرضوان وسعادة الدارين.

اللهم اجعلنا من عبادك الربانيين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والذين يسابقون في سبيل مرضاتك وجناتك. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عنا. اللهم إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي. اللهم اكتبنا من المقبولين في شهر رمضان وفي ليلة القدر.

اللهم إنا نستوعدك الأسرى والمستضعفين وأهل الثغور وكل عامل لإعلاء كلمتك ونصرة دينك، اللهم اصرف عنا وعنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، واصرف عنا وعنهم السوء. واجبرنا واجبرهم جبرًا عزيزًا، وأيدنا وإياهم بنصرك وبالمؤمنين.

اللهم أهل غزة، وفلسطين، والسودان، واليمن، وسوريا، والعراق، ومخيمات النزوح للروهينجا والمشردين من تركستان الشرقية، وكل مسلم ومسلمة في كرب في كل مكان. اللهم فرج عنهم واجبرهم واغفر لهم وانصرهم.

اللهم ألحقنا بالسابقين الأولين بعد تحقيق مراتب القبول الأرجى والسبق الأوفى.

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، وعلى آله الطيبيين الطاهرين، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أجمعين وَالتَّابِعِين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x