دلائل القدرة في التقاء الأضداد .. تذكرة مهيبة!

هناك مشاهد في هذا الكون لا تُرى بالعين المجردة فقط… بل بعين الروح!

في لحظة تفكر .. تُهاجم القلب بهيبةٍ صامتة، كأنها تقول: قف… وتأمل من صنع هذا الاتساق العجيب!

تأمل لحظة التقاء البحر باليابسة… حين تنتهي فوضى الموج عند حدٍّ مرسوم لا يراه أحد،
فيخضع الماء الجارف لأمرٍ خفي، كأنه جيشٌ هادر توقّف فجأة عند كلمةٍ واحدة: قف.
هنا تدرك أن القوة ليست في اندفاع الماء… بل في القدرة التي كفّت اندفاعه.

وتأمل الأفق… حيث تلتقي السماء بالأرض في نظر عينيك، ذلك الخط الوهمي الذي لا يُمسك، ولا يُبلغ، ومع ذلك يملأ النفس رهبة. كأن الكون كله يشير إلى معنى واحد: أن هناك حدودًا بين العوالم لا تُرى… لكنها قائمة بأمر الله جل في علاه.

وانظر إلى الشجرة… جسدٌ يرتفع نحو السماء، وأصلٌ يغوص في أعماق الأرض. لقاءٌ بين التراب والنبات، بين الخفاء والظهور، ومع ذلك تقوم الحياة في هذا الالتقاء. فكأن الرسالة:
أن الارتفاع الحقيقي لا يكون إلا لمن أحسن الرسوخ بجذوره.

بل تأمل التقاء الليل بالنهار… كيف ينسلّ أحدهما في الآخر بلا صدام، وكأن الظلام والنور يتصافحان في لحظةٍ لا يراها إلا المتفكر. فلا الليل يبتلع النهار، ولا النهار يمحو الليل،
بل كلٌّ يعرف حدّه… وهنا تظهر عظمة التقدير: اختلاف بلا فوضى، وتضاد بلا صراع.

هذه اللقاءات ليست مشاهد طبيعية فحسب… بل هي رسائل كونية: أن اختلاف الطبائع لا يعني استحالة اللقاء، وأن التقاء الأضداد قد يكون في جوهره، سرّ من أسرار الجمال،

وأن كل حدٍّ في هذا الكون مرسوم بعلمٍ دقيق، ولو اختلّ لحظة… لانفرط كل شيء.

ثم ارفع بصرك من هذه المشاهد… إلى مشهدٍ أعظم: التقاء الروح بوعد الله الحق.

تلك الروح التي عاشت بين طين الأرض وثقل الجسد، تتطلع إلى لقاءٍ آخر… ليس فيه بحرٌ ولا أفق… بل لقاء الروح بالخلود!

كما أن الماء يقف عند حدّه، وكما أن السماء لا تختلط بالأرض، فإن للروح موعدًا لا تتجاوزه…
موعدًا تمضي إليه، شاءت أم أبت، حتى إذا بلغت ذلك الحدّ… انكشف لها من الحقيقة ما لم تكن تطيق رؤيته وهي في الدنيا.

هناك… لا تعود الحدود أوهامًا، ولا اللقاءات أحلامًا، بل يصبح كل شيء يقينًا: هذا هو الوعد الذي كنت ترقبه.

فكما أن في الكون مراتب التقاء: ماءٌ مع أرض، سماءٌ مع أفق، جذرٌ مع تراب… فإن في الطريق إلى الله مراتب ارتقاء:

أولها: أن ترى المشهد… ولا تمرّ عليه غافلًا.
ثم: أن تفهم أنه ليس عبثًا… بل رسالة.
ثم: أن تقرّ أن وراءه حكمة… وإن خفيت.
ثم: أن تخضع… فتنتقل من التأمل إلى العبودية.

وهنا فقط يتحول النظر إلى عبادة، ويتحول الكون من منظرٍ مألوف… إلى كتابٍ مفتوح يحدّثك في كل لحظة: أن الذي جمع بين الأضداد بلا اضطراب… قادرٌ أن يجمع قلبك بعد تشتته، وأن الذي رسم حدود الأشياء بدقة… قادرٌ أن يقود روحك إلى موعدها الذي لا يُخلف.

فلا تنظر إلى هذه اللقاءات على أنها نهايات… بل هي إشارات إلى اللقاء الأعظم.

اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم..!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
عبدالرحمن

اللهم آمين

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x