في زمن تشتد فيه غربة الدين، ووحشة يصنعها التخلف العقدي والخلقي المتفشي، وصور الظلم والبغي بغير حق بلا خشية ولا تردد، تجد النفس راحتها في خواتيم سورة الأعراف. تجمع شتات الأمر وتشد الأزر، وتثبت المعالم، وتنير المقاصد والطريق. فيا لعظمة البلاغ ويا لجلال الهدي!
يقول الله جل في علاه: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [ الأعراف: 196]
تتجلى في هذه الآيات حقيقة عظيمة من حقائق الإيمان، وهي حقيقة الولاية. فالمؤمن حين يعلن: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾
إنما يعلن انتماءه الكامل إلى ربه، ويقرر أن الحماية الحقيقية والنصرة الصادقة ليست في قوة البشر ولا في تدبيرهم، وإنما في ولاية الله لعباده.
فالولاية رابطة عميقة بين العبد وربه؛ رابطة تقوم على الإيمان والطاعة والتوكل. فإذا تولى العبد ربه بالإيمان والصدق، تولاه الله بلطفه ورعايته، فصار في كنف عناية لا تضيع، وحفظ لا يخيب. ولذلك قرن الله ولايته بإنزال الكتاب، لأن هذا الكتاب هو أعظم مظاهر رحمته وهدايته لعباده؛ فمن تمسك به دخل في دائرة الولاية الإلهية، ومن أعرض عنه خرج إلى ظلمات الضلال.
ثم تنتقل الآيات إلى كشف بطلان كل ولاية غير ولاية الله:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾
فيا للعجب من حال الإنسان حين يترك القوي القادر ويلجأ إلى الضعيف العاجز! كيف يُرجى نصرٌ ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا دفعًا؟ إن هذه الآية تقطع جذور التعلق بغير الله تعالى، وتعيد القلب إلى مركزه الصحيح: التوكل الكامل على الله وحده لا شريك له.
ثم يزيد القرآن هذا المعنى وضوحًا:
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا﴾
فهي جمادات لا تسمع دعاءً ولا تفقه خطابًا. بل قد تبدو للناظر وكأن لها حياة:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
وهذا تصوير بليغ لحال الباطل في كل زمان؛ فقد يلبس ثوب الحياة، ويظهر بمظهر القوة، لكنه في حقيقته جسد بلا روح، وصورة بلا حقيقة.
ولذلك فإن من احتمى بالله واعتصم به لا يضره كيد الأعداء ولا تدبيرهم، لأن الضعف ملازم للباطل مهما بدا قويًا. فلو اجتمع أهل الباطل مع آلهتهم المزعومة على أن يضروا عبدًا تولاه الله، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
إن قوة المؤمن ليست في عدده ولا في عدته، وإنما في صلة قلبه بربه.
ومن التأملات التي تقع في النفس في قوله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
أنها قد تشير كذلك إلى حال المكذبين الذين كانوا يرون النبي ﷺ بأعينهم، لكنهم لم يبصروا حقيقته ولم يدركوا صدقه. فهم ينظرون إليه نظر العيون، لا نظر البصائر. وهنا يبين القرآن الفرق بين البصر والبصيرة؛ فكم من إنسان يرى الحق واضحًا أمامه، لكنه لا يبصره لأن قلبه محجوب.
وهكذا تجمع هذه الآيات بين معنيين عظيمين:
الأول: طمأنينة المؤمن بولايـة الله له، وأن من تولاه الله فلا خوف عليه ولا حزن.
والثاني: بطلان التعلق بغير الله، وأن كل قوة مزعومة دون الله إنما هي ضعف مستتر مهما بدا ظاهرها.
ومن هنا يدرك المؤمن أن طريق النجاة هو أن يكون من الصالحين الذين وعدهم الله بالولاية، وأن يحرر قلبه من كل تعلق سوى التعلق بالله عز وجل، لأن القلب إذا امتلأ بمحبة الله وثقته، استغنى عن كل سند سواه، واطمأن إلى أن له ربًا يتولى أمره في السراء والضراء.
ثم تأتي آية عظيمة، يحتاجها كل مؤمن مجاهد داعية في سبيل الله عز وجل:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
هذه الآية من أعظم آيات الأخلاق في القرآن، حتى قال بعض أهل العلم: إنها جمعت أصول حسن المعاملة مع الناس كلها في كلمات قليلة. فهي منهج رباني متكامل يضبط علاقة المؤمن بالناس في أحوالهم المختلفة.
يقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
فابتدأت الآية بالأمر بأخذ العفو، والعفو هنا ليس مجرد الصفح عن الخطأ، بل هو أوسع من ذلك. فالمقصود أن يأخذ الإنسان من الناس ما سهل وتيسر من أخلاقهم وأعمالهم، وألا يكلفهم ما لا تطيقه طبائعهم. فليس من الحكمة أن يطلب الإنسان من الناس الكمال، لأن طبائع البشر يعتريها النقص والتقصير. ولذلك فالمؤمن الحكيم يتعامل مع الناس بسعة صدر، فيقبل منهم ما استطاعوا، ويشكر لهم القليل قبل الكثير، ويتجاوز عن الزلات والهفوات.
وهذا يربي النفس على خلق عظيم، وهو ترك التشدد في مطالبة الناس بالكمال. فمن ضيق صدره بتتبع أخطاء الناس عاش في شقاء دائم، أما من أخذ العفو وسامح وتجاوز، فقد عاش في سعة وراحة. ولهذا كان هذا الخلق من أعظم أخلاق الأنبياء، لأن الدعوة إلى الله لا تقوم مع القسوة والتعنت، بل تقوم على الرحمة واللين.
ثم جاء الأمر الثاني: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾
والعرف هو كل ما عرف حسنه شرعًا وعقلًا، من الأقوال الطيبة والأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة. فالمؤمن لا يكتفي بسلامة نفسه، بل يحمل هم إصلاح المجتمع من حوله. فهو يدعو إلى الخير، ويحث على المعروف، ويعين الناس عليه.
وهذا المعروف يشمل كل وجوه الخير: تعليم العلم، والنصيحة الصادقة، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإصلاح بين الناس، وإعانة المحتاج، والدلالة على الخير، والأمر بالعدل، والنهي عن الظلم. فحياة المؤمن رسالة خير تمتد إلى من حوله، لأن قلبه امتلأ بمحبة الخير للناس.
لكن لما كان طريق الدعوة والإصلاح لا يخلو من أذى الجاهلين، جاءت الوصية الثالثة: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
والجاهل هنا ليس فقط من قل علمه، بل من غلب عليه السفه والطيش وسوء الأدب، وما أكثرهم بين عبيد الأهواء والرموز والمتعصبين للآراء والرجال. فمثل هذا لا يليق بالمؤمن أن ينزل إلى مستواه في الخصومة والجدال. ولذلك كان العلاج الذي يقدمه القرآن هو الإعراض؛ أي ترك مجادلة الجاهل والانشغال عنه.
وهذا الإعراض ليس ضعفًا ولا عجزًا، بل هو قوة نفس وحكمة. لأن الرد على كل كلمة جاهلة يستهلك طاقة القلب ويشغل الإنسان عن مقاصده الكبرى. أما الإعراض فهو حفاظ على كرامة النفس، وارتفاع عن مستوى السفه.
ولهذا كان من كمال هذا الخلق أن يقابل المؤمن الإساءة بالإحسان؛ فمن آذاه بقول أو فعل لا يقابله بمثله، ومن حرمه لا يحرمه، ومن قطعه يصله، ومن ظلمه يعدل معه. وهذه مرتبة عالية من الأخلاق لا يبلغها إلا من زكى الله قلبه وأصلح سريرته.
ولهذا يمكن أن يقال إن هذه الآية رسمت ثلاث قواعد عظيمة في معاملة الناس:
- السماحة مع الخلق: في قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾
- الإصلاح والدعوة إلى الخير: في قوله ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾
- الحلم وترك مقابلة السفه بالسفه: في قوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
فمن جمع هذه الثلاثة فقد جمع خلاصة حسن الخلق.
ومن لطائف ترتيب الآية أن الله بدأ بالعفو، لأن القلب إذا امتلأ بالعفو واللين أصبح مهيأً للأمر بالمعروف. ثم ختم بالإعراض عن الجاهلين، لأن من يدعو إلى الخير لا بد أن يلقى من الجاهلين أذى وسخرية، فلا بد له من سلاح الصبر والحلم.
ولهذا كانت هذه الآية منهجًا متكاملاً في الدعوة والحياة؛ تعامل باليسر، وانشر الخير، ولا تنشغل بجهل الجاهلين. فمن عمل بها عاش بين الناس كريم النفس، واسع الصدر، ثابت القلب، لا تؤذيه سفاهة السفهاء، ولا تصرفه عن الخير ضوضاء الجاهلين.
ثم تمضي الآيات في خواتيم سورة الأعراف لتكشف للمؤمن طريق السلامة في معركة خفية لا تنقطع، وهي معركة القلب مع الشيطان. فبعد أن قرر القرآن حقيقة الولاية الإلهية للصالحين، بيّن الوسيلة العملية لحفظ هذه الولاية وصيانتها من مكايد الشيطان.
يقول الله تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
النَّزْغ هو التحريك الخفي، كأن الشيطان يلمس القلب لمسة خفية فيثير فيه وسوسة أو غضبًا أو شهوة أو تثبيطًا عن الخير. وهذه اللمسة قد تعترض المؤمن في أي لحظة؛ في حال غضب، أو جدال، أو غفلة، أو فتور. ولذلك جاء التعبير القرآني بصيغة الاحتمال المتكرر: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ﴾، أي إن وقع منك شيء من ذلك في أي وقت.
لكن القرآن لا يترك المؤمن حائرًا أمام هذه الوساوس، بل يرشده إلى الدواء المباشر: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.
أي التجئ إلى الله بقلبك ولسانك، واعتصم بحماه، فإن الشيطان لا يقوى على قلب احتمى بالله حق الاحتماء. فالقلب إذا اتصل بربه ضعف سلطان الشيطان عليه، لأن الشيطان إنما يتسلط على القلوب الغافلة البعيدة عن ذكر الله.
ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
سميع لندائك واستعاذتك، عليم بحالك وضعفك وصدق لجئك إليه، فيدفع عنك كيد الشيطان بلطفه ورحمته.
ثم يكشف القرآن علامة فارقة بين المتقين وأولياء الشيطان، فيقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾
الطائف هو الوسوسة التي تمر بالقلب مرورًا عابرًا كطيف الليل. وهذه اللمسة قد تقع حتى من المؤمن التقي، لأن الإنسان بطبيعته يعتريه الغفلة أحيانًا. لكن الفارق العظيم أن المتقي لا يستسلم لهذا الطيف، بل سرعان ما يستيقظ قلبه بالتذكر.
يتذكر ربه، ويتذكر أوامره ونواهيه، ويتذكر عواقب الذنب، ويتذكر نعمة الله عليه، فتعود بصيرته التي كادت أن تغشى. ولذلك قال الله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾
أي عاد إليهم نور البصيرة بعد لحظة الغفلة.
وهذا من أعجب ما يكون في حياة المؤمن؛ قد تزل قدمه لحظة، لكن ذكر الله يعيده سريعًا إلى الطريق. فإذا أخطأ استغفر، وإذا قصر بادر بالتوبة، وإذا غفل عاد إلى اليقظة. وهكذا تتحول الزلة عند المتقين إلى باب للرجوع إلى الله، فيخرجون منها أقوى إيمانًا وأشد يقظة.
ثم تقابل الآية هذا النموذج بنموذج آخر على النقيض تمامًا، فتقول:
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾
فهؤلاء هم إخوان الشياطين؛ أي الذين ارتبطت قلوبهم بالباطل واطمأنت إلى المعصية. فإذا وقع أحدهم في ذنب لم يتذكر ولم يرجع، بل تمده الشياطين في الغي، ذنبًا بعد ذنب، وخطوة بعد خطوة، حتى يتدرج من صغيرة إلى أكبر منها.
فالشيطان لا يتعب من إغوائهم، وهم لا يتعبون من الاستجابة له؛ لأنه وجد فيهم قلوبًا مستسلمة، بلا مقاومة ولا يقظة. وهكذا يتحول الذنب عندهم إلى طريق متصل لا انقطاع فيه، لأنهم فقدوا تلك اللحظة الفارقة التي سماها القرآن التذكر.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين أهل التقوى وأهل الغواية:
المتقون قد تلمسهم وسوسة الشيطان، لكنهم يتذكرون فيبصرون.
أما الغافلون فتلمسهم الوسوسة، فيسترسلون معها حتى يمدوا في الغي بلا توقف.
وهكذا تكشف هذه الآيات قانونًا عظيمًا في تزكية النفس:
ليس الكمال في أن لا يخطئ الإنسان، ولكن الكمال في سرعة الرجوع إلى الله إذا أخطأ. فالقلب الحي قد يزل، لكنه لا يقيم على الزلة، لأنه يحمل في داخله نور التذكر الذي يعيده دائمًا إلى الطريق.
ومن تأمل هذا المقطع القرآني أدرك أن معركة المؤمن الحقيقية ليست مع الناس، بل مع الغفلة في قلبه. فإذا حافظ على ذكر الله واستعاذ به عند الوسوسة، بقي قلبه في دائرة الولاية التي وعد الله بها الصالحين.
ولهذا جاءت هذه الآيات كأنها ختام تربوي بديع:
ولاية الله للصالحين، ثم كشف ضعف الباطل، ثم بيان سلاح المؤمن في مواجهة الشيطان، ثم بيان الفرق بين قلب حي يتذكر فيبصر، وقلب غافل يُمد في الغي ولا يرجع.
فمن أراد النجاة فليحفظ قلبه بالتذكر، وليلوذ بربه عند كل نزغ، فإن من اعتصم بالله لا يضيع، ومن استجار به لا يُخذل.
ثم يقول الله جل جلاله:
﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
تكشف هذه الآية طبيعة نفسية المكذبين حين يواجهون الحق؛ فهم لا يقفون عند حدود التكذيب، بل يتجاوزونه إلى التعنت واقتراح الآيات. فإذا لم تأتهم آية على وفق أهوائهم قالوا للنبي ﷺ: هلا اخترعت آية من عندك؟!
وهذا يدل على جهلهم بحقيقة الرسالة، إذ توهموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يملك إنزال الآيات أو اختراعها، بينما هو عبد متبع للوحي لا يملك من الأمر شيئا.
وفي هذا توجيه عظيم للدعاة إلى أن منهجهم ليس مجاراة الأهواء أو الاستجابة لمطالب المتعنتين، بل الثبات على الوحي والاحتكام إليه.
ثم يلفت الله الأنظار إلى أعظم آية باقية، وهي القرآن الكريم، الذي جعله الله بصائر تبصر القلوب بحقائق الإيمان، وهدى يخرج الناس من الضلال، ورحمة للمؤمنين الذين يفتحون قلوبهم لنوره. فالهداية ليست في كثرة الآيات الحسية، بل في صفاء القلب واستعداده لتلقي الحق.
ثم يقول جل جلاله:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
تؤسس هذه الآية أدبًا عظيمًا من آداب التعامل مع القرآن الكريم، إذ أمر الله بالجمع بين الاستماع والإنصات. فالإنصات هو كف الجوارح عن كل ما يشغل عن سماع القرآن، أما الاستماع فهو إلقاء السمع مع حضور القلب وتدبر المعاني.
وهذا يدل على أن الانتفاع بالقرآن لا يتحقق بمجرد سماع ألفاظه، بل يحتاج إلى قلب حاضر وعقل متفكر. ولذلك رتب الله تعالى على هذا الأدب العظيم نيل الرحمة، لأن القلب إذا أنصت للوحي وتدبره امتلأ نورا وهداية. ومن أعظم مواضع هذا الأدب الصلاة الجهرية، حيث يؤمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، تعظيما لكلام الله وإجلالا له.
ويبقى هنا معنى يشدّني في هذه الآية الجليلة، وهو معنى الاستجابة، وما توجبه من فضائل للمؤمن. فكلما قويت الاستجابة عظمت الاستفادة، واستنار قلب المؤمن بفضائل الإيمان والقرآن. فمن أراد لنفسه قوة في الإيمان، قوة في العلم، قوة في العمل، فليقم نفسه على قوة الاستجابة لأمر الله عز وجل، فهي أرجى الوسائل نفعًا للقلب وثباتًا وحكمةً وبصيرةً وبركات! نسأل الله تعالى من فضله العظيم.
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾
توجه هذه الآية إلى عبادة جليلة هي ذكر الله تعالى، وتبين أن الذكر الحقيقي يجمع بين حضور القلب وذكر اللسان. فقد أمر الله بذكره في النفس أي بإخلاص وخشوع، مع التضرع الذي يدل على الانكسار بين يدي الله تعالى، والخيفة التي تعبر عن خشية القلب من التقصير وعدم القبول.
كما أرشدت الآية إلى الاعتدال في الذكر، فلا يكون بصوت مرتفع يشوش، ولا بخفوت يذهب أثره، بل يكون وسطا بين ذلك.
وخصت الآية وقتي الغدو والآصال لأنهما وقتا انتقال في حياة الإنسان، فيحتاج فيهما إلى تجديد صلته بربه. ثم ختمت بالنهي عن الغفلة، لأن الغفلة عن ذكر الله سبب قسوة القلب وضياع الإنسان في دنياه وآخرته.
ليختم الله عز وجل سورة الأعراف الجليلة بقوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩﴾
تختم السورة بذكر حال الملائكة المقربين عند الله عز وجل، الذين لا يستكبرون عن عبادته، بل يداومون على تسبيحه والسجود له سبحانه وتعالى. وفي هذا تذكير للإنسان بأن عبادة الله ليست حاجة لله تعالى، بل هي حياة للعبد وسعادته.
فالملائكة مع علو منزلتهم وقربهم من الله لا يتكبرون عن العبادة، بل يلازمونها ليل نهار، مما يربي المؤمن على التواضع والخضوع لله عز وجل. وفي ذلك دعوة ضمنية للمؤمنين أن يقتدوا بهؤلاء الملائكة في دوام الطاعة والإخلاص، وأن يجعلوا حياتهم قائمة على عبادة الله وتسبيحه، حتى يحققوا الغاية التي خُلقوا من أجلها.
وكان ختام السورة، مقام سجود مهيب!
وهكذا في ختام هذه التدبرات لآيات سورة الأعراف يتجلى للمؤمن منهج متكامل في علاقته بربه، وبالوحي، وبالناس، وبنفسه. إذ تتجمع في هذه الآيات معالم الطريق للمؤمن:
اتباع الوحي، والتمسك بالقرآن، وملازمة الذكر والخشية، ومراعاة حسن الخلق والحكمة في التعامل مع الناس، والحذر من وساوس الشيطان، والاقتداء بالملائكة في التواضع والخضوع لله.
فمن استمسك بهذه المعالم استنار قلبه بالهداية، ونال رحمة الله في دنياه وآخرته، ومن أعرض عنها وقع في الضلال والغفلة، وفاته الخير، وحُرِم الارتقاء إلى أعلى مراتب الإيمان والعبودية الصادقة.
اللهم تولنا برحمتك وتأييدك ومعيتك ورضاك ومحبتك – جل جلالك -، وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت، اجعلنا من عبادك الصالحين المصلحين. اللهم آمين.