خامنئي: بين هالة المقاومة وحقيقة المشروع.. نقدُ التناول الكتاني الانتقائي

يأتي هذا المقال ردًّا على التناول الانتقائي الذي برز مؤخرًا في عرض ترجمة علي خامنئي، كما ظهر في مقال الشيخ الكتاني، وفي المحتوى الذي قدّمه اليوتيوبر عبد الله الشريف، حيث اقتصر العرض على جوانب محددة، مع إغفال جوانب أخرى لا تقل أهمية في تكوين صورة متكاملة عن الرجل ومشروعه.

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد استوقفني مقالٌ للشيخ الحسن بن علي الكتاني تناول فيه سيرة مرشد إيران علي خامنئي، وصدَّره بقوله: “أنا أعلم أن الترجمة لن ترضي الذين لا يرون سوى المساوئ، والذين لا يرون سوى المحاسن، ولكنها سترضي المنصفين إن شاء الله”.

وهذه الدعوى تستوجب المراجعة؛ إذ إن الإنصاف ليس دعوى تُرفع، وإنما حقيقةٌ تُعرف بتمام البيان، وعدل العرض، واستيفاء ما له وما عليه، ولا سيما إذا كان الحديث عن رأسٍ من رؤوس البدع، وإمامٍ من أئمة مذهبٍ قام على أصول تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة في أبواب التوحيد والإمامة والصحابة، وكانت له مواقف وآراء لها أثر بالغ في دين الناس وواقع المسلمين.
ولذلك لم يكن باعثي إلى كتابة هذه المقالة حبَّ الخصومة، ولا الرغبة في تتبع الزلات، وإنما هو القيام بما أوجب الله تعالى من البيان، وصيانة أمانة العلم، وخشية أن يلتبس الحق بالباطل، أو تُقدَّم للأمة صورةٌ منقوصةٌ تُخفي ما يجب إظهاره، فتكون سبباً في اغترار الناس أو تمييع حقيقة الانحراف العقدي.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: “من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل.” وهذا لأن العلم أمانة، وأعظم خيانة له أن يُنتقص البيان، أو يُكتم بعض الحق، أو يُطفَّف في عرض الوقائع، فيُذكر من المحاسن ما يُراد إبرازه، ويُغفل من المساوئ ما لا يستقيم الحكم إلا به.

وقد جرى أهل العلم في كتابة التراجم والسير على أصلٍ محكم، وهو أن المقصود ليس الثناء المجرد ولا الذم المجرد، وإنما البيان الذي يُعرف به حال المترجَم، ولا سيما إذا كان صاحب مذهبٍ أو داعيةً إلى بدعة؛ إذ لا يجوز أن تُذكر فضائله ويُسكت عن أصوله التي يدعو إليها، لأن في ذلك تدليساً على القارئ، وإخلالاً بمقصود الترجمة، وخيانةً لأمانة العلم.

وليس في أبواب المخالفات ما هو أعظم خطراً من فساد الاعتقاد؛ فإن الانحراف في التوحيد والأصول ليس كغيره من الأخطاء، بل هو أصل الأصول، وعليه مدار قبول الأعمال وردها. ومن هنا كان العلماء يجعلون بيان البدع والتحذير من أهلها من أجلِّ أبواب النصيحة للمسلمين، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].

وقال رسول الله ﷺ: “… فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.”

وقد تحقق ما أخبر به النبي ﷺ، فظهرت البدع، وبرزت رؤوسها، وكان موقف السلف منها قائماً على البيان الصريح، لا المجاملة، وعلى كشف الانحراف، لا ستره، حمايةً للدين، وصيانةً لعقائد المسلمين.

ولا يمكن الحكم على منهج رجلٍ يدعو الناس إليه حتى يُعرف أصله الذي يقوم عليه، ومن تلقى عنه، ومن ينتسب إليه. وعلي خامنئي ليس شخصيةً سياسيةً مجردة، بل هو الوريث الفكري والعقدي لروح الله الخميني، وحامل مشروعه، والمدافع عن أصوله، والمنظِّر لها، فلا يستقيم أن تُكتب سيرته بمعزلٍ عن الأسس العقدية التي قام عليها مذهبه، أو أن تُخفى تلك الأصول خلف سردٍ تاريخي أو سياسي يوهم القارئ بالحياد.

وقد نبَّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الهوى من أعظم أسباب فساد الأحكام، فقال: “وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمُّه…”، كما قرر أن الأصل الذي افترق فيه أهل السنة عن سائر الطوائف هو تقديم النص على الرأي، والشرع على الهوى، وأن أصل الشر إنما هو تقديم الرأي على النص، والهوى على الشرع.

كما أن العلماء قرروا أن الخطأ في أبواب الاعتقاد ليس كالخطأ في مسائل الفروع، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله:”والله لأن يفتي العالم فيقال: أخطأ العالم، خير من أن يتكلم فيقال: زنديق.” وعلّق الإمام الذهبي بأن هذا يدل على أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في مسائل الاجتهاد.

ولهذا كان بيان أخطاء التراجم التي تمس العقيدة من فروض الكفايات، ومن النصيحة الواجبة للمسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”إذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة… فإن بيان حال أهل البدع وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين…”، ثم نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تفضيل الكلام في أهل البدع على كثير من نوافل العبادات، لأن نفعه متعدٍّ إلى عامة المسلمين، وهو من جنس الجهاد في سبيل الله.

ومن هنا جاءت هذه الرسالة؛ لا للطعن في الأشخاص، ولا للمخاصمة، وإنما لتصحيح ما وقع في تلك السيرة من إغفالٍ وتطفيف، وردِّ الأمور إلى ميزان أهل السنة والجماعة، حتى تكون الترجمة معبرةً عن حقيقة الرجل، لا عن بعض صورته، ويكون القارئ على بينة من أمره، فإن الله تعالى أمر بالعدل في القول، ونهى عن كتمان الحق، وجعل البيان من أعظم الأمانات.

أولا: هل كثرة المشيعين دليل على شيء من الحق؟


استهل الكاتب ترجمته بقوله: “ولعلها أعظم وأكبر جنازة شهدها هذا القرن، حتى إن أعداء إيران تعجبوا لذلك أشد التعجب.”
وهذا الاستهلال يثير سؤالًا منهجيًا قبل أن يثير سؤالًا تاريخيًا: وما وجه الاستدلال بضخامة الجنازة؟
فإن كان المقصود مجرد الوصف التاريخي فلا اعتراض على ذكره إذا ثبتت صحته، أما إن سيق لإضفاء الهيبة، أو لإيحاءٍ نفسي بأن كثرة المشيعين شاهد على عظمة الرجل أو منزلته؛ فهذا من أفسد الموازين، وليس من ميزان القرآن والسنة.
فإن الله تعالى لم يجعل كثرة الأتباع ولا كثرة المشيعين علامةً على الحق، بل أخبر أن الأكثرية كثيرًا ما تكون على خلافه، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].
وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].
وقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
فلو كانت الكثرة ميزانًا للحق، لما كان الأنبياء في أول دعوتهم أقل الناس أتباعًا، ولما كان أهل الباطل في كثير من الأزمنة أكثر عددًا وأعظم سلطانًا.
ثم إن التاريخ نفسه ينقض هذا الاستدلال.
فقد شهد العالم جنازاتٍ ضخمةً لملاحدةٍ ومجرمين وطغاة، ولم يقل أحد إن كثرة مشيعيهم دليل على صحة مذاهبهم.
ففي الهند خرجت مئات الآلاف، بل قيل ملايين، في جنازة المهاتما غاندي، وهو ليس مسلمًا أصلًا، بل كان يعتنق الفلسفة الهندوسية، ويقرر عقائدها.
وخرجت جماهير هائلة في جنازة الزعيم الشيوعي الملحد جواهر لال نهرو.
وشهد الاتحاد السوفيتي جنازات مليونية لقادة الإلحاد والشيوعية الذين حاربوا الدين عقودًا طويلة.
وشُيِّع جمال عبد الناصر بجنازة تُعد من أكبر الجنازات في القرن العشرين، مع ما هو معلوم من الخلاف الكبير حول منهجه وسياساته.
بل إن التاريخ الإسلامي نفسه عرف جنازات ضخمة لرؤوس البدع، ولم يقل أحد من أهل العلم إن كثرة من شيعهم دليل على سلامة سيرهم.
فقد ذكر المؤرخون أن جنازة الوزير الرافضي ابن العلقمي حضرها خلق كثير، مع أنه كان من أشهر من عُرف بخذلان بغداد قبل سقوطها.
وكذلك كان لكثير من أئمة الرافضة والباطنية أتباع يملؤون الطرق والأسواق عند موتهم، ولم يجعل علماء الإسلام ذلك يومًا حجةً لهم، لأن الحق لا يعرف بالجماهير، وإنما تعرف الجماهير بالحق. فكيف حين تكون هذه الجماهير على معتقد الرفض والتشيع!

ولهذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “الجماعة ما وافق الحق وإن كانت وحدك”، وقال نعيم بن حماد: “إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده”، من كتابه إعلام الموقعين.

فكان الأولى بمن يترجم لرجل يتصدر المشهد العقدي والسياسي أن يبدأ ببيان منهجه ومعتقده وأصوله التي يدعو إليها، لا أن يفتتح ترجمته بوصف جنازته، لأن ضخامة الجنازة ليست فضيلة شرعية، ولا دليلًا علميًا، ولا برهانًا على صحة الاعتقاد، وإنما هي واقعة اجتماعية قد تتكرر مع المؤمن والكافر، والمصلح والمفسد، والسني والمبتدع، فلا يجوز أن تُستعمل في صناعة الانطباع قبل إقامة البرهان.

ثانيًا: ليست المشكلة أين درس، بل ماذا دَرَس، وعلى مَن تخرَّج؟

ساق الكاتب نسب علي خامنئي، وذكر نشأته، ثم أطال في تعداد المدارس والحوزات التي درس فيها، وسرد أسماء شيوخه واحدًا بعد آخر، وكأن مجرد الانتساب إلى الحوزات العلمية أو كثرة الشيوخ فضيلة في نفسها.

وهذا خلل منهجي ظاهر؛ فإن المقصود من الترجمة ليس مجرد رسم السيرة الزمنية، وإنما تعريف القارئ بحقيقة المنهج الذي تكوَّن عليه الرجل، لأن الرجال إنما يُعرفون بعقائدهم ومناهجهم، لا بأسماء مدارسهم ولا بطول مدة طلبهم للعلم.

ولهذا كان علماء أهل السنة إذا ترجموا لرجل من أهل البدع، لم يقتصروا على ذكر مولده وشيوخه، بل كانوا يبينون مذهبه، وأصوله، وما يدعو إليه، حتى يكون القارئ على بصيرة من أمره.

أما أن يقال: إنه درس على كبار علماء قم والنجف، دون بيان حقيقة تلك المدارس، فليس هذا من تمام البيان، بل هو إخفاء لأهم ما يحتاجه القارئ.

أولًا: الحوزة ليست مؤسسة علمية محايدة.

إن حوزتي قم والنجف ليستا مجرد معاهد لتدريس الفقه واللغة كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ، وإنما هما المؤسستان الأكبر في صناعة المرجعيات الإمامية الاثني عشرية، وتقرير أصولها العقدية، ونشرها في العالم.

وفيهما تُدرَّس العقائد الإمامية التي تقوم على أصول تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، ومن ذلك:

  • القول بعصمة الأئمة الاثني عشر عصمةً مطلقة.
  • الاعتقاد بأن الإمامة أصل من أصول الدين، وأن منكرها ليس من أهل الإيمان الكامل.
  • القول بأن الإمامة بالنص الإلهي لا بالشورى.
  • الطعن في جمهور أصحاب رسول الله ﷺ، واعتقاد ارتداد أكثرهم بعد وفاته إلا أفرادًا معدودين عند كثير من متقدمي الإمامية.
  • بناء الدين على روايات الكتب الحديثية الإمامية، وفي مقدمتها الكافي، مع ما فيه من أبواب الغلو في الأئمة.
  • الاعتقاد بالمهدي الغائب الذي دخل السرداب منذ القرن الثالث الهجري، وأنه الإمام المعصوم الواجب الطاعة.

فهذه ليست مسائل فرعية، وإنما هي الأصول التي تُبنى عليها الحوزة كلها.

ثانيًا: خامنئي لم يتخرج على علماء مجهولين، بل على رؤوس المدرسة الإمامية.

فالكاتب يذكر أسماء الشيوخ مجردة، وكأنها أسماء علماء من مدارس الإسلام كافة، مع أن لكل واحد منهم دورًا كبيرًا في ترسيخ العقيدة الإمامية.

فمن أبرز شيوخه:

حسين البروجردي، وهو المرجع الأعلى للإمامية في زمانه، ومن كبار المدافعين عن أصول المذهب الاثني عشري، وترسيخ نظام المرجعية.

وروح الله الخميني، وهو أهم شخصية أثرت في تكوين خامنئي، ولا يمكن فهم تلميذٍ دون معرفة شيخه.

فالخميني ليس مجرد فقيه سياسي، بل هو صاحب مشروع عقدي كامل، قرر في كتبه عقائد الإمامية، وأضاف إليها نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي جعلت للفقيه من الصلاحيات ما يجعله نائبًا عن الإمام الغائب في إدارة الدين والدنيا، حتى أصبحت طاعته من صلب النظام السياسي والعقدي للجمهورية الإيرانية.

كما اشتملت مؤلفاته على عبارات شديدة الغلو في الأئمة، وقرر أن لهم من المقامات ما لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما هو مشهور في كتابه الحكومة الإسلامية وغيره.

ومن الأمانة العلمية أن نذكر حقيقة الخميني، لفهم عقيدة الخامنئي الذي أصبح وريثه العقدي والسياسي. وقد بلغ ما قرره الخميني في مؤلفاته من الانحراف العقدي أن أفتى جماعة من أئمة أهل السنة بكفره بعينه، مستندين إلى نصوصٍ صريحة من كتبه، لا إلى دعاوى الخصوم أو الروايات المنقولة عنه.

وأما محمد حسين الطباطبائي، فهو من أكبر منظري الفلسفة والعرفان الشيعي في العصر الحديث، وصاحب تفسير الميزان، وقد مزج فيه بين التفسير والفلسفة الإشراقية والعرفان، وتأثر بابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية عند الملا صدرا، وهي مدارس انتقدها علماء أهل السنة لما اشتملت عليه من أصول فلسفية وكلامية وعرفانية تخالف أصول الإسلام.

وأما مرتضى الحائري، فهو كذلك من كبار مراجع الإمامية، ومن أعلام مدرسة قم، المدافعين عن البناء العقدي للمذهب.

ثالثًا: أغفل الكاتب أهم لقب يحمله خامنئي.

ذكر الكاتب ألقابه التشريفية، لكنه لم يبين للقارئ أن لقب “آية الله العظمى” ليس لقبًا علميًا مجردًا، وإنما يعني في البناء الإمامي أنه مرجع تقليد، يجب على ملايين الشيعة تقليده في دينهم، وأن فتاواه حجة عليهم.

كما أغفل أن خامنئي ليس مجرد فقيه، وإنما هو الولي الفقيه، أي أعلى سلطة دينية وسياسية في النظام الإيراني، وهو المنصب المبني على نظرية ولاية الفقيه التي تعد من أكثر نظريات الإمامية إثارة للجدل، بل خالف فيها الخميني كثيرًا من علماء الشيعة أنفسهم.

رابعا: إخفاء الكاتب لتصريحات شهيرة لخامئيني

ولقد أغفل الكاتب طريقة توظيف خامئيني المستمر للرموز التاريخية والمذهبية في بناء الوعي السياسي. فخطابه لا يقتصر على الحديث عن صراعات الحاضر، بل يستدعي ثنائية «الجبهة الحسينية» و«الجبهة اليزيدية» بوصفها إطارًا ممتدًا للصراع إلى يومنا هذا، كما ظهر فيما نشره على حسابه الرسمي بقوله:

«إني سِلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم إلى يوم القيامة، المعركة بين الجبهة الحسينية والجبهة اليزيدية مستمرة ولا نهاية لها».

وهذه العبارة يقصد بها في الخطاب الرافضي السياسي أنصار يزيد بن معاوية أو من يرمز إليهم بهذا الوصف.

ولا يكتفي الخطاب الخامنئي باستحضار واقعة كربلاء بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل يعيد إنتاجها كصراع دائم بين ما يسميه «الجبهة الحسينية» و«الجبهة اليزيدية»، بما يجعل الخصومة التاريخية إطارًا حاضرًا في قراءة الواقع السياسي المعاصر.

ومن العبارات القريبة في هذا السياق التي تتكرر في الخطاب الإيراني الثوري: “يا لثارات الحسين” كشعار تعبوي تاريخي حاضر في بعض الفعاليات والشعارات.

ومن هنا فإن دراسة صورة خامنئي لا تكتمل بالنظر إلى شعارات المقاومة والسياسة الإقليمية فقط، بل تحتاج أيضًا إلى قراءة خلفيات الخطاب الديني والرمزي الذي يشكل جزءًا من مشروعه الفكري والسياسي؛ فهذا الخطاب لا يكتفي بقراءة صراعات الحاضر، بل يستدعي خصومات تعود إلى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، منذ حقبة يزيد بن معاوية وكربلاء، ليبني من خلالها تصنيفًا معاصرًا للمواقف والأشخاص بين القرب والعداء، وفق امتداد رمزي لتلك الثنائية التاريخية.

خامسا: لا يجوز فصل السيرة عن العقيدة.

وأعجب ما في هذه الترجمة أنها تُشعر القارئ أن الرجل نشأ في بيئة علمية مباركة، وانتقل بين العلماء، حتى استحق مكانته، بينما لم يذكر الكاتب بكلمة واحدة حقيقة المنهج الذي تربى عليه، ولا البدع التي تلقاها، ولا الأصول التي يدافع عنها إلى يوم الناس هذا.

وهذا إخلال بمقصود الترجمة؛ فإن الترجمة لا تكون أمينة إذا ذكرت المدارس وأخفت مناهجها، وعددت الشيوخ وسكتت عن عقائدهم، لأن طالب العلم لا يهمه أن يعرف أين جلس الرجل، بقدر ما يهمه أن يعرف ماذا تلقى، وما الذي حمله بعد ذلك إلى الناس.

ولهذا قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله:

“الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء”.

فإذا كان الإسناد معتبرًا في نقل الحديث، فمن باب أولى أن يُعتبر في نقل المناهج والعقائد، إذ لا يعرف الرجل إلا بمعرفة شيوخه، ولا يعرف فكره إلا بمعرفة الأصول التي تخرج عليها.

ثالثًا: صناعة البطولة وإخفاء المشروع

لم يكتف الكاتب بسرد الوقائع، بل صاغها بأسلوب أقرب إلى أدب المناقب منه إلى منهج الترجمة العلمية؛ فاختار من حياة خامنئي ما يصنع صورة البطل: السجن، والتعذيب، والصبر، والثبات، والنجاة من الاغتيال، وقربه من الخميني، ثم انتهى إلى نجاح الثورة وتوليه الرئاسة فالمرشدية.

وهذا كله قد يكون صحيحًا من حيث وقوع بعض الأحداث، لكنه ليس هو القضية التي يحتاجها القارئ.

فليس كل من سُجن محقًا، ولا كل من عُذب صار إمام هدى، ولا كل من ثار على حاكم أصبح مشروعه مشروعًا إسلاميًا.

فقد سُجن عبر التاريخ ملاحدة، وشيوعيون، وقوميون، وباطنيون، وخوارج، وسُجن أئمة السنة كذلك، ولم يكن السجن يومًا دليلًا على صحة المعتقد، وإنما العبرة بما كان عليه الإنسان من حق أو باطل.

ولهذا فإن جعل السجن والتعذيب محورًا في ترجمة رجل دون بيان مذهبه، يعد نوعًا من صناعة التعاطف قبل إقامة البرهان.

أولًا: لماذا لم يبين حقيقة الثورة؟

يقول الكاتب: “ولما قام المرشد الأول روح الله الخميني بثورته…”

فهنا أغفل أهم سؤال: ما حقيقة هذه الثورة؟

هل كانت ثورة لإقامة منهج الإسلام الحق؟

أم كانت ثورة لإقامة الدولة الإمامية القائمة على نظرية ولاية الفقيه؟

فالذي قامت عليه الثورة الإيرانية لم يكن مجرد إسقاط نظام الشاه، وإنما إقامة دولة مذهبية تجعل السيادة المطلقة للفقيه نائب الإمام الغائب، وتبني دستورها على العقيدة الإمامية الاثني عشرية.

وهذا هو المشروع الذي انضم إليه خامنئي منذ بدايته، وهو الذي أصبح فيما بعد حامله الأكبر.

أما إسقاط الشاه وحده، فليس فضيلة شرعية بمجرده؛ إذ قد يسقط الظالم ليقوم من هو أشد انحرافًا في الاعتقاد.

ثانيًا: أغفل أثر علي شريعتي.

ذكر الكاتب إعجاب خامنئي بعلي شريعتي، ثم مضى وكأن الأمر لا يستحق الوقوف.

مع أن علي شريعتي يعد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الفكر الثوري الإيراني الحديث، وقد مزج بين التشيع والثورية والاشتراكية والفكر الغربي، وأعاد تفسير الإسلام بمنهج ثوري متأثر بالماركسية وعلم الاجتماع الحديث.

وكان شريعتي محل انتقاد شديد من كبار مراجع الشيعة أنفسهم، فضلًا عن علماء أهل السنة، لما اشتمل عليه مشروعه من انحرافات فكرية وعقدية.

فإذا كان خامنئي قد تأثر به تأثرًا بالغًا، فإن هذا ليس مجرد تفصيل تاريخي، بل مفتاح لفهم تكوينه الفكري.

ثالثًا: وتأثره بسيد قطب ليس تزكية له.

ومن أعجب ما في الفقرة إبراز ترجمة خامنئي لكتب سيد قطب، وكأن ذلك منقبة تستحق الذكر.

وهذا لا يدل على شيء في ميزان العلم.

فكم من مبتدع قرأ كتب علمية، وترجمها، واستفاد منها في بعض الجوانب، ثم بقي على بدعته.

بل إن الرافضة قد نقلوا في كتبهم كثيرًا من كلام أئمة أهل السنة، ولم يخرجهم ذلك من مذهبهم.

والعبرة ليست بما يترجمه الإنسان، وإنما بما يعتقده ويدعو إليه.

بل إن خامنئي نفسه، بعد أن صار مرشدًا، ظل يدافع عن أصول الإمامية كافة، من الإمامة، وولاية الفقيه، وتعظيم المراجع، والطعن في أصول أهل السنة، ولم يظهر عنه رجوع عن شيء من ذلك.

فأي أثر عملي أحدثته تلك الترجمات، أم يكفي منها الثورة على الحاكم الطاغية لتبرير الثناء والتزكية؟

رابعًا: كان الواجب بيان حقيقة ولاية الفقيه.

فقد ختم الكاتب بقوله: “انتخب الخامنئي مرشدًا ثانيًا لإيران بصفة الولي الفقيه…”

ثم اكتفى بإشارة سريعة إلى المهدي المنتظر. وهذا من أعظم مواضع التطفيف.

فولاية الفقيه ليست لقبًا إداريًا، ولا منصبًا سياسيًا مجردًا، وإنما هي الركن الذي قامت عليه الجمهورية الإيرانية. وبموجبها يصبح الفقيه نائبًا عن الإمام الغائب، وتجب طاعته في شؤون الدين والدولة، وتعلو سلطته على مؤسسات الحكم كلها.

بل إن الخميني نفسه قرر أن ولاية الفقيه امتداد لولاية النبي ﷺ والأئمة في إدارة الأمة، وجعل للفقيه صلاحيات واسعة لم يعرفها تاريخ المسلمين.

فكيف يمر هذا الأصل العقدي والسياسي الخطير في سطر واحد، بينما أفردت أسطر طويلة للحديث عن السجن والتعذيب؟

خامسًا: البطولة ليست دليلًا على صحة المنهج.

إن الترجمة العلمية لا تصنع من الرجل بطلًا قبل أن تكشف للقارئ حقيقة مذهبه. فالناس قد يعجبون بالشجاعة، والصبر، والثبات، والعمل السياسي، وهذه صفات قد توجد عند المسلم والكافر، والسني والمبتدع.

أما الميزان الذي جاءت به الشريعة فهو سلامة الاعتقاد. قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: 14].

وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104].

ولهذا فإن من أعظم الخلل في هذه الترجمة أنها جعلت القارئ يعيش مع بطولة الرجل، قبل أن تعرّفه بحقيقة المشروع العقدي الذي ناضل من أجله، وهو مشروع الإمامة وولاية الفقيه، لا مشروع العودة إلى عقيدة الإسلام الأولى، ولا إلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

المسكوت عنه في الثورة الإيرانية

ومن أعجب ما في هذه الترجمة أنها تحدثت عن الثورة الإيرانية من زاوية السجن، والتعذيب، والانتصار على الشاه، وكأنها ثورة إسلامية جامعة لا خلاف عليها، بينما أغفلت الحديث عن طبيعة المشروع الذي قامت الثورة لإقامته، وما ترتب عليها من آثار عقدية وسياسية.

فليست القضية عند الباحث المنصف أن نظام الشاه كان نظامًا مستبدًا أو تابعًا للغرب؛ فهذا أمر لا ينفيه كثير من المؤرخين، وإنما القضية: أيُّ مشروع أقيم بعد سقوطه؟

لقد قامت ما يسمى “الجمهورية الإسلامية” على دستور يجعل المذهب الإمامي الاثني عشري مذهب الدولة الرسمي، ويجعل ولاية الفقيه أصل النظام السياسي، ويمنح “الولي الفقيه” سلطاتٍ واسعة بوصفه نائبًا عن الإمام الغائب في إدارة شؤون الأمة. ولم يكن هذا مجرد ترتيب إداري، بل ثمرةً مباشرةً للعقيدة التي نادى بها روح الله الخميني، ثم صار علي خامنئي أكبر حراسها والمدافعين عنها.

ثم إن نجاح الثورة لم يكن نهاية المطاف، بل أعقبته موجات من الصراع الداخلي، وحملات اعتقال وإعدامات واسعة في سنواتها الأولى. وهذه الوقائع أصبحت جزءًا من التاريخ السياسي لإيران، ولا يصح أن تُحذف من السيرة إذا كان المقصود تقديم صورة متكاملة للرجل والنظام الذي شارك في تأسيسه.

كما أن أهل السنة في إيران، مع كونهم يشكلون شريحة معتبرة من السكان، ظلوا عبر العقود يشتكون اضطهاد هذه الجمهورية التي تدعي أنها إسلامية، إذ حاربت بناء المساجد ومنعت وصول ممثلي أهل السنة إلى المناصب العليا، فضلا عن محاصرة علمائهم ومؤسساتهم الدينية، ومن المجحف جدًا إهمال صوت علماء السنة داخل إيران أنفسهم، وما عاشوه من ظلم واضطهاد في حقبة الخميني ووريثه الخامئيني.

ثم أين الحديث عن تصدير الثورة الذي أعلنه قادة الجمهورية منذ قيامها؟ وأين بيان أثر هذا المشروع في إذكاء الحقد الطائفي في عدد من البلدان الإسلامية، ودعم جماعات تدين بالولاء العقدي والسياسي لولاية الفقيه خارج حدود إيران؟ فإن هذه السياسات ليست أحداثًا عارضة في تاريخ النظام، بل هي من أبرز سماته التي لا يجوز إغفالها عند ترجمة مرشده الأعلى.

إن السيرة العلمية الأمينة لا تقتصر على ذكر الشجاعة، والصبر، والثبات، ولا تجعل نجاح الثورة خاتمةً مشرقةً للقصة، وإنما تعرض للقارئ حقيقة المشروع الذي انتصر، وعقيدته، وآثاره، وما له وما عليه، حتى يكون الحكم مبنيًا على العلم، لا على الانطباع.

رابعًا: الانتقاء في عرض المواقف السياسية

من أبرز مواطن الخلل في هذه الترجمة أنها لم تكتب تاريخًا، وإنما كتبت روايةً انتقائية، اختيرت فيها الوقائع التي تصنع صورة البطل المقاوم، وأُسقطت الوقائع التي لا تنسجم مع هذه الصورة.

فابتدأ الكاتب بذكر دعم خامنئي لحزب الله، وحماس، والجهاد الإسلامي، ثم ختم الفقرة بقوله إنه “حارب الكيان الصهيوني”، فكأن القارئ لا يخرج إلا بانطباع واحد: أن الرجل كان مشروع مقاومة خالصًا.

وهذا ليس هو منهج المؤرخ، ولا منهج المترجم الأمين.

أولًا: لا يجوز أن يُختزل تاريخ الرجل في عنوان “المقاومة“.

فإن خامنئي ليس قائدًا لفصيل مقاوم فحسب، وإنما هو المرشد الأعلى لدولة ذات مشروع عقدي وسياسي ممتد منذ عام 1979، له تدخلات وتحالفات وصراعات في أنحاء متعددة من العالم الإسلامي.

ومن الأمانة العلمية أن تُذكر جميع أركان هذا المشروع، لا أن يُنتقى منه ما يبعث على التعاطف، ويُترك ما يثير التساؤل.

ثانيًا: لماذا ذُكر دعم حماس، وسُكت عن بقية المشروع الإيراني؟

فإذا كان من الإنصاف أن يذكر دعم إيران لبعض فصائل المقاومة الفلسطينية، فإن من الإنصاف أيضًا أن يذكر دعمها لعشرات التشكيلات المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري في غير فلسطين، وأن يبين أن هذا الدعم لم يكن مجرد سياسة خارجية، بل جزءًا من مشروع إقليمي معلن تتبناه الجمهورية تحت قيادة الولي الفقيه.

كما أن من الإنصاف بيان أن كثيرًا من هذه الجماعات تعلن ولاءها الديني والسياسي لولاية الفقيه، وترى في مرشد إيران مرجعًا أعلى لها، وهو ما يجعل القضية أوسع من مجرد “دعم للمقاومة”.

ثالثًا: عبارة “دعم بشار الأسد” أخفت حقيقة ما جرى.

اكتفى الكاتب بقوله: “دعم الرئيس السوري بشار الأسد أثناء الثورة السورية.”

وكأن الأمر لا يتجاوز موقفًا سياسيًا بين دولتين.

والواقع أن تدخل إيران في سوريا كان أحد أكبر التدخلات العسكرية في تاريخها الحديث، حيث شارك الحرس الثوري وفيلق القدس، ودُفعت آلاف العناصر من الميليشيات المتحالفة مع إيران للقتال داخل الأراضي السورية.

وكان لهذا التدخل أثر بالغ في مسار الحرب، وفي تأجيج الطغيان الطائفي، وسقط خلاله أعداد هائلة من المدنيين والمقاتلين من أهل السنة.

فهل يكفي كل ذلك ليقال في سطر واحد: “دعم بشار الأسد”؟

أهذه ترجمة علمية، أم اختزال يغيّب حقيقة الحدث؟

رابعًا: لماذا لم يذكر ما وقع في العراق؟

ذكر الكاتب مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، لكنه أغفل ضمن أي حلف واجهه وكيف واجهه! كما أغفل أن مرحلة ما بعد عام 2003 شهدت صعود فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، وارتبط اسم عدد منها بانتهاكات واسعة، وبطغيان رافضي حاد، وبسط نفوذها على مؤسسات الدولة العراقية.

فإذا كان المقصود كتابة تاريخ الرجل، فإن هذه الوقائع جزء من تاريخه السياسي، ولا يجوز حذفها لأنها لا تخدم الصورة المراد رسمها. فضلا عن كونها لا تنصف البتة أهل السنة في العراق!

خامسًا: لا يكفي أن يحارب الاحتلال الإسرائيلي حتى يُحكم له بالإطلاق.

ولا ريب أن قتال المحتل الصهيوني في نفسه أمر مشروع، وأن مقاومة الاحتلال أصل تقره الشريعة. لكن هذا لا يجعل كل من قاتل الاحتلال الصهيوني إمامًا في الدين، ولا يمحو أخطاءه العقدية والسياسية، ولا يرفع عنه النقد.

فقد قاتل التتار الصليبيين في بعض المراحل، وقاتلت دول وكيانات غير مسلمة الاحتلال الإسرائيلي في حروب متعددة، ولم يقل أحد إن مجرد الاشتراك في قتال عدو يجعل صاحبه على الحق أو يستوجب الثناء ووسام البطولة.

والعدل الذي أمر الله به يقتضي أن يوزن كل عمل بميزانه، فلا تُغطى البدعة بالجهاد، ولا تُمحى المخالفات العقدية بالمواقف السياسية.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135].

فليس من القسط أن تُجعل بعض المواقف السياسية ستارًا يحجب حقيقة الرجل ومشروعه العقدي، كما أنه ليس من القسط أن يُبرز جانب ويُهمل الآخر وهو الأكثر قيمة في ميزان الحكم.

سادسًا: المترجم الأمين يذكر الصورة كاملة.

ولو أراد الكاتب الإنصاف الذي وصف به مقاله، لقال للقارئ: إن خامنئي دعم المقاومة الفلسطينية، كما دعم النظام السوري للمخلوع النصيري بشار الأسد، وأشرف على مشروع إقليمي واسع عبر الحرس الثوري، وكانت له تدخلات مباشرة وغير مباشرة بدعم الميليشيات، شديدة العداء لأهل السنة، في العراق، ولبنان وسوريا واليمن، وأن هذه السياسات أثارت تهديدًا عظيمًا للمسلمين.

أما أن تُذكر الوقائع التي ترفع رصيد الرجل في نفوس القراء، وتُخفى الوقائع التي تُظهر الجانب الآخر من مشروعه، فليس هذا من تمام الإنصاف، ولا من الأمانة التي ينبغي أن تقوم عليها كتابة السير.

خامسًا: حين تُقدَّم السياسة على العقيدة

إن طريقة تعداد الكاتب لحسنات وسيئات الخامئني تكشف المنهج الذي بُنيت عليه الترجمة كلها؛ إذ لم يعد الميزان هو العقيدة والسنة، وإنما صار ميزانًا سياسيًا بحتًا، تُوزن به الشخصيات بحسب مواقفها من أمريكا، وما يسمى “إسرائيل”، وسوريا، والعراق، وأفغانستان.

وهذا قلبٌ لموازين الشريعة.

فإن أول ما يُنظر إليه في ترجمة الرجل عند أهل السنة: عقيدته، ثم منهجه، ثم دعوته، ثم أعماله، لا أن يُبدأ بالسياسة ويُجعل الاعتقاد في آخر القائمة، أو يُغفل أصلًا.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65].

وقال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54].

فإذا كانت الأعمال العظيمة لا تنفع مع فساد أصل الاعتقاد، فكيف تُجعل المواقف السياسية هي الميزان الأعظم في تقويم الرجال؟

أولًا: أين الكلام عن عقيدة الرجل؟

إن القارئ لو قرأ هذه الخلاصة، لخرج بانطباع أن خامنئي رجل صالح، غاية ما يؤخذ عليه أنه أخطأ في سوريا والعراق، أما بقية أمره فحسنات وإنجازات.

وهذا تلبيس ظاهر.

فأين الحديث عن اعتقاده في الإمامة؟ وأين الحديث عن ولاية الفقيه التي جعلته الحاكم المطلق باسم الإمام الغائب؟ وأين الحديث عن موقفه من كتب الإمامية التي تقوم عليها الحوزات؟ وأين الحديث عن دفاعه المستمر عن الخميني وأصوله العقدية؟ وأين الحديث عن الغلو في الأئمة، وعن الأصول التي قامت عليها المرجعية الشيعية؟

كيف تُغفل هذه القضايا كلها وهي تقوم على الشرك! ثم يقال بعد ذلك: “أما سلبياته…”؟

ثانيًا: جعل مقاومة الاحتلال الصهيوني رأس الفضائل.

جعل الكاتب أولى حسنات خامنئي بناء الجيش، ثم دعم المقاومة الفلسطينية، وكأن هذه هي أعظم مناقبه. ولا ريب أن إعداد القوة، ومقاومة المحتل، من الأعمال المشروعة في أصلها.

لكنها ليست ميزانًا يُحكم به على صحة المعتقد.

فقد يقاتل عدوانًا خارجيًا رجلٌ مبتدع، أو كافر، أو قومي، أو شيوعي، ولا يغير ذلك من حقيقة عقيدته شيئًا.

ولهذا لم يكن أهل السنة يومًا يجعلون المواقف السياسية سببًا لتزكية أهل البدع.

ثالثًا: أخطر ما في الترجمة أن البدعة غابت تمامًا.

إن المتأمل يلحظ أن الكاتب لم يذكر بدعة واحدة من البدع الكبرى التي يدين بها خامنئي.

فلم يتحدث عن الإمامة. ولا العصمة. ولا المرجعية. ولا ولاية الفقيه. ولا عقيدة الإمام الغائب. ولا موقفه من أصول أهل السنة وكيف يحكم على أهل السنة!

بل إن أعظم ما انتقده به هو موقفه من بشار الأسد. وكأن خطأه في سوريا أعظم من انحرافه العقدي.

وهذا انقلاب في ميزان أهل السنة. فإن السلف كانوا يرون أن فساد الاعتقاد أصل كل فساد.

ولهذا كانوا يحذرون من أهل البدع، وإن كانوا أهل زهد أو عبادة أو شجاعة.

قال الإمام أيوب السختياني رحمه الله: “إن من سعادة الحدث والأعجمي إذا أراد الله بهما خيرًا أن يوفقهما لعالم من أهل السنة.”

وقال الإمام أحمد رحمه الله: أصول السنة عندنا…”

ثم بدأ بذكر مسائل الاعتقاد، ولم يبدأ بالسياسة ولا بالجهاد ولا بإدارة الدولة.

رابعًا: فتوى تحريم سب الصحابة لا تكفي.

عدّ الكاتب من حسناته إصداره فتوى بتحريم سب الصحابة. وهذا – لو حمل على ظاهره – أمر يُعرف عند الشيعة بالتقية. لكن الإنصاف يقتضي أن يُسأل: هل غيّر ذلك شيئًا من المناهج التي تُدرَّس في الحوزات؟ وهل نُقِّحت الكتب المعتمدة التي امتلأت بالطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم وعنهن؟

وهل أُوقف تدريس الروايات التي تطعن في جمهور أصحاب رسول الله ﷺ؟

وهل أصبحت هذه الفتوى منهجًا عامًا للدولة والمؤسسات الدينية؟

فإن بقيت الأصول كما هي، والكتب كما هي، والمناهج كما هي، فلا يجوز أن تُجعل فتوى واحدة حجابًا يُخفى وراءه البناء العقدي كله. كما لا يجوز إخفاء حقيقة التقية لدى الرافضة!

خامسًا: القرآن لا يغني عن سلامة الاعتقاد.

وعدّ الكاتب من مناقبه اهتمامه بالقرآن الكريم. ولا شك أن تعلم القرآن فضيلة عظيمة.

لكن الخوارج كانوا من أكثر الناس قراءةً للقرآن. وقد وصفهم النبي ﷺ بقوله: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم».

فمجرد العناية بالقرآن، أو إتقان التجويد، أو حفظ كتاب الله، ليس دليلًا على صحة المنهج حتى يكون ذلك مقترنًا بصحة الاعتقاد وفهم القرآن على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.

سادسًا: هذا ليس ميزان أهل السنة في التراجم.

لو طُبِّق هذا الميزان على جميع أهل البدع، لأمكن أن تُكتب مناقب لكل رأس من رؤوس الضلال.

فيقال: كان شجاعًا. وكان كريمًا. وكان يحارب أعداء الأمة. وكان يهتم بالقرآن. وكان يحب العربية.

لكن أهل السنة لم يكونوا يزنون الرجال بهذه الموازين المجردة. بل كانوا يقدمون السؤال الذي به النجاة:

ما عقيدته؟ وما الذي يدعو الناس إليه؟

فإذا فسد الأصل، لم تُغنِ الفروع عنه، وإذا انحرف الاعتقاد، لم تستطع المواقف السياسية أن تمنحه صفة الإمامة في الدين.

ولهذا فإن هذه الترجمة لم تلخص حقيقة علي خامنئي، وإنما لخَّصت مواقفه السياسية المجتزأة، وأغفلت ما هو أعظم أثرًا في ميزان الشرع، وهو عقيدته التي عاش يدعو إليها، وقاد دولةً كاملةً على أساسها، وجعلها المرجعية العليا لملايين من أتباعه.

سادسًا: خاتمة جعلت العقيدة محل اجتهاد، والشهادة ثمرةً للموازنة!

بلغ الخلل المنهجي في هذه الترجمة ذروته في خاتمتها، إذ انتهى الكاتب إلى قوله:

فمن نظر للمحاسن ترحم عليه وعده مجاهدًا شهيدًا، بل من أكبر المجاهدين في هذا العصر.”

وهذه ليست خاتمة مترجم، وإنما خاتمة مزكٍّ وحاكمٍ على مصير رجل، بُني حكمه على موازنة سياسية، لا على ميزان العقيدة الذي جاءت به الشريعة.

أولًا: ليس كل خلافٍ يُسوَّغ فيه الاجتهاد.

لقد صوّر الكاتب القضية وكأن الناس فريقان:

  • فريق نظر إلى المحاسن فترحم عليه وعدَّه شهيدًا.
  • وفريق نظر إلى المساوئ فذمه.

وهذا تصوير غير صحيح.

فإن الخلاف في علي خامنئي ليس خلافًا في تقدير إنجاز سياسي، ولا في تقويم تجربة حكم، وإنما هو قبل ذلك خلاف في أصول الاعتقاد التي يدين بها، ويدعو إليها، ويحكم دولة كاملة على أساسها.

فهل أصبحت الإمامة، وولاية الفقيه، وأصول المذهب الإمامي، مجرد “مساوئ” توضع في كفة، وتقابلها بعض المواقف السياسية في الكفة الأخرى؟

إن هذا ليس منهج أهل السنة.

ثانيًا: العقيدة لا تُوزن بالمواقف السياسية.

إن الرجل لم يكن قائدًا عسكريًا مجردًا، بل كان المرجع الأعلى للإمامية، والولي الفقيه، وأعلى سلطة دينية في الجمهورية الإيرانية، وحارس المشروع العقدي الذي أسسه الخميني.

فالأصل الذي ينبغي أن يُبحث أولًا هو:

إلى ماذا كان يدعو؟ وما العقيدة التي عاش ينشرها؟

أما أن يُترك هذا كله، ثم يقال: قاتل الاحتلال الصهيوني، ودعم المقاومة، وبنى جيشًا قويًا، إذن من نظر إلى هذه الجوانب عده شهيدًا؛ فهذا قلب لموازين الشرع بل كذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يليق ويجب إنكاره بتمام الوضوح والبيان.

قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: 109].

فصلاح العمل فرع عن صحة الأساس.

ثالثًا: الشهادة ليست لقبًا يمنحه المؤرخ.

وقول الكاتب: “عده مجاهدًا شهيدًا”.

ليس وصفًا تاريخيًا، بل حكم شرعي.

والشهادة من الأحكام التي لا تثبت لأعيان الناس بمجرد الظن، ولا بمجرد حسن الخاتمة الظاهرة، ولا بمجرد أن القاتل عدو للمسلمين.

فقد يقتل اليهودي مسلمًا عاصيًا. وقد يقتل المسلم مسلمًا صالحًا. وقد يقتل الكافر منافقًا خالصًا.

فهوية القاتل لا تكفي للحكم على المقتول بالشهادة.

ولهذا فرّق أهل السنة بين الشهادة العامة والشهادة المعينة.

فأما من مات في سبيل الله على الحقيقة فنرجو له الشهادة، وأما تعيين شخص بعينه بأنه شهيد، فهذا باب توقيفي، يتوقف فيه أهل السنة إلا من شهد له النص، أو ظهرت فيه الأسباب الشرعية مع بقاء الرجاء، دون الجزم له بالجنة أو الشهادة.

فكيف إذا كان الرجل إمام ضال في أصل معتقده؟

رابعًا: قوله: “قتله ألد أعداء المسلمين” ليس دليلًا على عدالة المقتول.

وهذه أيضًا من المغالطات. فإن اليهود قتلوا أنبياء. وقتلوا منافقين. وقتلوا فساقًا. وقتلوا من لا علاقة له بالإسلام.

فليس كل من قتله عدو المسلمين صار وليًا لله.

كما أن بغض الصهاينة لرجل لا يجعل الرجل على الحق، كما أن عداوة فرعون لموسى لا تجعل كل من عاداه فرعون موسى آخر.

فالحق يعرف بالدليل، لا بعداوة الأعداء.

خامسًا: الرحمة على الأعيان ليست مبنية على الإعجاب السياسي.

ثم جعل الكاتب الترحم مبنيًا على النظر إلى المحاسن.

وهذا أيضًا خطأ في بناء المسألة.

فإن الترحم على المعيّن، لا سيما إذا كان صاحب بدعة مغلظة أو شركية، أو وقع النزاع في أصل معتقده، ليس مبناه الإعجاب بمواقفه السياسية، وإنما يُنظر فيه إلى حاله العقدي وما ثبت من أمره، مع التزام أدب أهل السنة في الكف عما لا يعلمون، وعدم الجزم لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له الوحي.

سادسًا: هذه ليست ترجمة… بل تزكية.

لقد وصف الكاتب ترجمته بوصف الإنصاف. وانتهى بدعوة القارئ إلى أن يترحم على الرجل، ويعده من أكبر المجاهدين في هذا العصر.

فإذا كانت هذه ليست تزكية، فما التزكية؟

وأين الحياد الذي يدعيه في كتابة الترجمة؟

إن المترجم الأمين يعرض الوقائع، ويبين المعتقد، ويكشف المنهج، ثم يترك للقارئ أن يحكم على بينة.

أما أن تُخفى الأصول العقدية، ثم تُختم الترجمة بالدعوة إلى ترحمه، ووصفه بالشهادة والجهاد، فهذا خروج من مقام الترجمة إلى مقام التزكية، ومن مقام البيان إلى مقام الانتصار.

ولهذا فإن هذه الخاتمة ليست مجرد خطأ في التقدير، بل هي نتيجة طبيعية لمنهجٍ جعل السياسة هي الميزان، وغابت عنه القاعدة التي أجمع عليها أهل السنة:

أن أعظم ما يوزن به الرجال هو صحة الاعتقاد، وسلامة المنهج، والاتباع للسنة، لا كثرة الإنجازات، ولا حجم الدولة، ولا شدة العداوة مع الخصوم.

وفي الختام،

ليس المقصود من هذه المقالة الانتقاص من أحد، ولا محاكمة النيات، ولا إنكار ما قد يقع للمخالف من صواب أو موقفٍ محمود؛ فإن العدل الذي أمر الله به يقتضي أن يُعطى كل ذي حق حقه، وأن يُذكر ما للرجل وما عليه، من غير ظلم ولا هوى.

غير أن العدل نفسه يقتضي ألا تُتخذ بعض المواقف السياسية ستارًا يُخفى وراءه الانحراف العقدي، ولا أن تتحول المقاومة إلى صك تزكية، ولا أن تصبح الخصومة مع أمريكا أو الكيان الصهيوني ميزانًا يُوزن به أهل الحق والباطل.

إن من أخطر ما ابتُلي به كثير من الكتابات المعاصرة أنها نقلت ميزان الحكم على الرجال من العقيدة والمنهج إلى الموقف السياسي؛ فأصبح السؤال الأول: هل وقف مع فلسطين؟ وهل عادى أمريكا؟ وهل قاتل ما يسمى “إسرائيل”؟ ثم يأتي الحديث عن التوحيد، والسنة، والبدعة، والإمامة، والغلو، في آخر السطور، أو لا يأتي أصلًا.

وهذا قلبٌ لميزان الشرع.

فإن أهل السنة لم يكونوا يبدؤون بإنجازات الرجل، وإنما كانوا يبدأون بعقيدته؛ لأنها الأصل الذي تُبنى عليه سائر الأعمال. ولهذا امتلأت كتب التراجم بقولهم: “كان سنيًا”، أو “كان قدريًا”، أو “كان رافضيًا”، أو “كان جهميًا”، قبل أن يذكروا زهده أو علمه أو شجاعته أو كرمه؛ لأنهم يعلمون أن فساد الأصل لا يجبره صلاح الفرع، وأن أعظم ما يُنصح به المسلم هو سلامة التوحيد والاتباع.

ومن هنا كانت خطورة هذا المنهج؛ فإنه لا يظلم فردًا بعينه فحسب، بل يغيّر موازين الأمة في الحكم على الرجال، حتى يصبح الولاء والبراء مبنيين على الاصطفافات السياسية، لا على العقيدة التي بعث الله بها رسله.

وإذا استقر هذا الميزان في نفوس الناس، أمكن أن تُكتب تراجم لرؤوس البدع والغلاة، فيُقال: كانت لهم مواقف عظيمة في مقاومة الأعداء، وبنوا دولًا، وأقاموا جيوشًا، وأحسنوا الإدارة، وألّفوا الكتب، وربوا الأتباع، ثم يُترك للقارئ أن “ينظر إلى المحاسن والمساوئ” ويختار ما يشاء!

وهذا ليس منهج أئمة الإسلام.

فلم يكن أئمة أهل السنة يقدّمون الشجاعة على السنة، ولا السياسة على العقيدة، ولا كثرة الأتباع على صحة المنهج. بل كانوا يرون أن أول ما يجب بيانه في الرجل: ما الذي يعتقده؟ وإلى ماذا يدعو؟ ومن أي أصل ينطلق؟ ثم بعد ذلك يُذكر ما عنده من خير أو شر.

ولا ريب أن مقاومة المحتل الصهيوني واجب مشروع، وأن نصرة المظلومين من أعظم القربات، لكن ذلك كله لا يبيح لنا أن نغيّر موازين الشرع، أو أن نجعل المواقف السياسية حجابًا يحول دون بيان الانحراف العقدي، أو أن نحجب عن الناس حقيقة المناهج التي تقوم عليها الدعوات والدول.

وإن أمانة العلم تقتضي من الباحث إذا ترجم لرجل ذي أثر في واقع الأمة، أن يكتب ترجمته كما هي، لا كما يحبها أن تكون؛ وأن يذكر ما يفسر شخصيته، لا ما يزينها؛ وأن يبين الأصول قبل الفروع، والعقائد قبل الوقائع، والمنهج قبل المواقف؛ فإن الله سبحانه لم يأمرنا بأن نكون دعاةً إلى الأشخاص، وإنما أمرنا أن نكون شهداء بالقسط.

ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف الذي لا يحمله الهوى، والعدل الذي لا تصرفه العاطفة، والبصيرة التي تزن الرجال بميزان الوحي، لا بميزان السياسة، وأن يجعل قصدنا في كل ما نكتب بيان الحق، والنصح للمسلمين، والذب عن عقيدة الإسلام ومنهج النبوة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نعوذ بالله من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، اللهم آمين.

كتبت هذه المقالة ردا على مقالة الشيخ الكتاني التي نشرها على حسابه في فيسبوك، وكانت كالتالي:

مرت قبل أيام جنازة المرشد الإيراني الثاني، الشيخ علي الخامنئي، وهي الجنازة التي أقيمت بعد مقتل المرشد بحوالي 4 أشهر وعشرة أيام. ولعلها أعظم وأكبر جنازة شهدها هذا القرن، حتى إن أعداء إيران تعجبوا لذلك أشد التعجب.
فمن يكون علي الخامنئي؟
هو أبو المجتبى علي بن جواد بن الحسين الخامنئي التبريزي ثم الطوسي، الجعفري الإمامي.
الملقب بـ”آيَةُ ٱللهِ ٱلْعُظْمَىٰ، ٱلْمُرْشِدُ ٱلْأَعْلَىٰ”.
ولد في 28 صفر 1358هـ بمدينة طوس التي تسمى مشهد، نسبة لمشهد الإمام علي بن موسى الرضا، رضوان الله وسلامه عليه، وكان ثاني أولاد العائلة.
وكان والده جواد بن الحسين من كبار علماء طوس [مشهد] وهاجر سلفه من مدينة تبريز في أذربيجان هاجر سلفه إليها من تفرش وسط بلاد فارس.
وقد اشتهر أن أسرته حسينية تنسب للحسين بن علي الأفطس وفي عمود نسبه إشكالات كثيرة وكلام طويل.
نشأ في أسرة متدينة أبا وأما، فدخل منذ طفولته للكتاب ومنه للمعاهد الشرعية التي درس فيها العلوم الشرعية لغة وفقها وأصولا وغير ذلك. بعد إتمامه الدراسة الابتدائية دخل مدرسة «سليمان خان» ثم مدرسة «نواب» لتلقي دروس آداب اللغة العربية والمنطق والفقه والأصول والفلسفة وذلك على يد أشهر المدرسين والعلماء في مدينة مشهد في تلك الفترة من أمثال الشيخ هاشم القزويني وجواد آقا الطهراني وأحمد مدرس اليزدي. ثم قصد النجف ليدرس على كبار علمائها، لكن والده أمره بالرجوع والانخراط في حوزة قم العلمية، فدخل حوزتها العلمية لإكمال دراسته الدينية العالية في الفقه والأصول من خلال حضوره دروس كبار الأساتذة فيها من قبيل حسين البروجردي وروح الله الخميني وإلحاج آقا مرتضى الحائري والسيد محمد حسين الطباطبائي.
وفي فترة من شبابه تأثر بالتوجه الاشتراكي وكاد ينضم إليهم لكنه نفعه دراسته للقرآن الكريم وإتقانه لقراءته فانصرف عنهم، ثم انجذب لدراسة الحديث والسيرة النبوية، وحبب إليه الشعر والأدب الفارسي والعربي. وأعجب كثيرا بكتابات المفكر المشهور علي شريعتي، فأقبل على قراءة أعماله.
ولما قام المرشد الأول روح الله الخميني بثورته ضد الطاغية الشاه محمد بن رضا البهلوي، تأثرت بذلك الحوزة العلمية بقم فانضم الخامنئي للمعارضين وأصبح مقربا من شيخه الخميني، وبسبب ذلك اعتقل حوالي ست مرات، وأوذي وعذب عذابا شديدا، فصبر ولم يفضح أي سر من أسرار الحركة. ثم نفي لمنطقة نائية في بلوشستان.
وأرسله شيخه الخميني لخراسات ليستفز رجالاتها للانضمام للثورة ونجحت جهوده.
وتأثر الخامنئي بكتب شهيد الإسلام سيد قطب، رحمه الله، فترجم العديد منها للفارسية، وترجم أجزاء من الظلال، وقد جرته ترجمته لكتاب (المستقبل لهذا الدين) للمتابعة، ففر واختفى عن العيون. وذلك لما تضمّنه هذا الكتاب وبالخصوص المقدّمة والحواشي التي أقلقت السافاك [المخابرات الإيرانية] وأغضبته كثيرًا، فصودر الكتاب واعتقل اثنان من مسؤولي المطبعة. لكنَّ الكتاب طُبع ووزّع عن طريق آخر ممّا جعل السافاك يغضب أكثر، ويصرّ على مطاردة سماحته واعتقاله خصوصًا بعد كشف خلايا التنظيم في قمّ.
وقد تكللت جهود الخميني وأصحابه بالنجاح في 14 ربيع الأول 1399 هـ.، حيث تأسست الجمهورية الإسلامية، وقوضت أركان النظام البهلوي العلماني.
وقد بقي الخامنئي مقربا من مؤسس الثورة وساعده الأيمن، ثم تولى خطبة يوم الجمعة لمدينة طهران.
وقد تعرضت البلاد لسلسلة من التفجيرات من قبل منظمة مجاهدي خلق وتعرض الخامنئي وهو يلقي درسا في مسجد لمحاولة اغتيال نجى منها بأعجوبة، أدت لشلل يده. وذلك سن 1401.
وبعد اغتيال الرئيس الإيراني محمد علي الرجائي انتخب الخامنئي رئيسا للبلاد بالأغلبية آخر سنة 1401 ثم أعيد انتخابه سنة 1406. وبقي كذلك إلى وفاة الخميني سنة 1409 انتخب الخامنئي مرشدا ثانيا لإيران، بصفة الولي الفقيه الذي ينوب عن الإمام المهدي الذي يعتقد الإمامية أنه صاحب الزمان وأنه لا بد أن يخرج من سردابه الذي يختبئ فيه!!
دعم الخامنئي خلال توليه منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية «حزب الله» في لبنان، و«حرکة حماس” و”الجهاد الإسلامي» في غزة، والرئيس السوري «بشار الأسد» أثناء الثورة السوریة، کما ارتبطت إیران بدعم جماعات مسلحة بعد سقوط نظام صدام حسین عام 1424، وواجه تنظیم الدولة الإسلامیة في العراق والشام «داعش» عبر فیلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، کما أنه حارب الكيان الصهيوني خلال حربین منفصلتین، الأولی عام 1446 وبما یعرف «بحرب الاثني عشر یوما»، والثانیة عام 1447والتي تعرف «بحرب إیران 2026» والتي اغتیل فیها خلال غارة جوية إسرائيلیة.
وبعد هذه الجولة في حياة المرشد الثاني يمكن تلخيص محاسنه فيما يلي:
1. أنه بنى للبلد جيشا قويا لمواجهة الأعداء وعلى رأسهم أمريكا والكيان الصهيوني.
2. أنه دعم المقاومة الفلسطينية بالخبرات والمال والسلاح. بل بنى سياسة بلاده على العداء لأمريكا والكيان والانتصار للمستضعفين بفلسطين.
3. آوى كثيرا من المجاهدين بعد انهيار الإمارة الإسلامية الأولى بأفغانستان.
4. أصدر فتوى رسمية بتحريم الإساءة للصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم خاصة بعد فتنة عدو الله ياسر الحبيب، الرافضي الخبيث.
5. اهتمامه بالقرآن الكريم حفظا وتجويدا. وهذا أمر فرط فيه الشيعة مدة قرون.
6. اهتمامه باللغة العربية وعلومها.
أما سلبياته التي ارتكبها إبان ولايته:
1. تسهيل احتلال أمريكا لأفغانستان والعراق. وذلك لعدائها العقدي للإمارة الإسلامية السنية ولنظام العراق البعثي. لكن سرعان ما مدت يد العون لمن يجاهدون أمريكا. وهذه سياسة إيران فإنها قد تدعم ألد أعدائها لتستخدمهم في مصالحها.
2. ومن أشنع أخطاء الخامنئي ودولته كلها تأييد نظام بشار الأسد البعثي العلماني النصيري ضد ثورة الشعب السوري ضد الظلم والطغيان. وكان من المفترض أن يدعموا الثورة ويناصروها وهم كانوا يعيشون في نفس الظروف. وقد كان للتدخل الإيراني في سورية ضد ثورة الشعب المظلوم رد فعل سيئ جدا يصعب نسيانه.
3. وأشنع من ذلك استدعاؤهم الجيش الروسي النصراني لاحتلال بلاد الشام المسلمة وقصف أهلها بالبراميل المتفجرة.
4. انتصاره لشيعة العراق ضد أهل السنة، وقد كانت تلك الحقبة أيضا مصيبة بمعنى الكلمة، سفكت فيها دماء غزيرة، ثم دمرت مدن كبيرة كالموصل بعد ثورة العشائر العراقية في الأنبار ضد الظلم والتهميش. خاصة وأغلب الأحزاب العراقية منعت جهاد الاحتلال الأمريكي بل وتعاونت معه ضد الثورة العشائرية التي قادتها الجماعات المجاهدة السنية.
5. عدم اتخاذ سياسة دعوية لدعوة الشعب للاستقامة والتدين ولذلك يغلب على الشعب الإيراني قلة الدين وعدم تعظيم شعائر الإسلام بشكل مخيف، والإيراني إذا خرج من بلاده يغلب عليه ترك الدين.
وبعد هذه الجولة وذكر محاسن الرجل يتبين أنه من الشخصيات العالمية التي لها محاسن كبيرة ومساوئ كبيرة كذلك، والله سبحانه الذي يحاسب عباده، ولكن الرجل قتل على يد ألد أعداء المسلمين في رمضان وهو صائم رافضا للاختباء والفرار. فمن نظر للمحاسن ترحم عليه وعده مجاهدا شهيدا بل من أكبر المجاهدين في هذا العصر.
ومن نظر للمساوئ رآه بعكس ذلك وقال فيه كل ما يقوله عدو في عدوه. والله الحكم العدل وعنده تجتمع الخصوم.
والحمد لله رب العالمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x