حين يؤلمك تقصيرك.. شفاء قلبك في خواتيم سورة البقرة

ما أعجب أن يجد العبد في خواتيم سورة البقرة شفاءً لوجعٍ يقبع في عمق قلبه: وجع التقصير في حق الله جل جلاله.

ذلك الألم الذي يعرفه المؤمن حين ينظر إلى ما ينبغي أن يكون عليه، ثم ينظر إلى نفسه؛ فيرى بين المقامين مسافة تؤلمه. يرى ضعفًا لا يرضاه، وغفلةً يكرهها من نفسه، ثم يقرأ سير الصادقين والسابقين، ويرى من بذلهم وصبرهم وعبادتهم ما يزيده معرفةً بتقصيره، فيلتف عليه حبل الشجن!

ثم حين يعرف العبد شيئًا من عظمة ربه جل جلاله، يزداد الأمر هيبة في نفسه؛ لأنه يعلم أن ما يقدمه من طاعة، مهما عظُم في عينه، قليل أمام نعم الله عليه، وأنه مهما اجتهد فلن يبلغ من الحمد والتعظيم والعبودية ما يليق بجلال الله سبحانه جل في علاه.

فماذا يفعل بهذا الشعور؟ ماذا يصنع حين يعرف من نفسه ضعفًا لا يحبه، ويرى تقصيرًا يوجعه، ويشتاق إلى منزلة من العبودية لا يجد في نفسه القوة على بلوغها؟

في خواتيم سورة البقرة جواب عجيب لهذا السؤال.

حين نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾

شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ؛ فقد خافوا أن يؤاخذوا حتى بما يجري في نفوسهم مما لا يملكون دفعه. فجاؤوا إلى النبي ﷺ وقالوا إنهم كُلِّفوا من الأعمال ما يطيقون، أما هذا فقد شق عليهم.

لم يكن الصحابة بشرًا لا يجدون المشقة، ولم تكن قلوبهم لا تعرف الخوف والعجز؛ بل وجدوا من ثقل الأمر ما وجدوا. لكن النبي ﷺ علّمهم موقف العبد حين يواجه أمر ربه: ألا يكون موقفه الاعتراض والفرار، وإنما التسليم والانقياد.

فقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.

ما أبلغ اجتماع هاتين الكلمتين في مقام واحد: سمعنا وأطعنا.. ثم غفرانك ربنا.

طاعة، ولكن بلا اغترار بالطاعة. امتثال، ولكن مع استشعار الحاجة إلى المغفرة.

إقبال على أمر الله عز وجل، مع معرفة العبد أنه سيظل محتاجًا إلى عفو الله مهما بذل.

ثم جاءت الرحمة والتخفيف كالمكافأة لحسن الاستجابة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.

ثم لم تترك الآيات العبد عند مجرد تقرير ضعفه، وإنما علّمته ماذا يفعل بهذا الضعف، وإلى أين يذهب به:

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.

﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾.

﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.

وهنا يظهر أحد أجمل معاني العبودية: فالعبد لا يملك أن يكون منزّهًا عن الضعف، ولا يملك أن يضمن ألا ينسى أو يخطئ أو يفتر، وقد يقع منه التقصير رغما عنه؛ لكنه يملك دائمًا أن يعرف إلى من يذهب بضعفه.

لا يرضى بتقصيره، ولا يتخذه عذرًا لترك الطاعة، لكنه كذلك لا يسمح لتقصيره أن يصبح حجابًا بينه وبين الله عز وجل.

لذلك إذا ما رأى عجزه عرف أن عجزه نفسه يعرّفه مقدار حاجته إلى مولاه.

وهنا يأتي الجواب الذي يكاد وحده أن يجبر قلب العبد. فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله تعالى أجاب هذه الدعوات التي علّمها لعباده في خواتيم السورة بقوله: «قد فعلت».

يقول العبد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾

فيأتيه الجواب من ربه: «قد فعلت».

ويقول: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾

فيأتيه الجواب: «قد فعلت».

ويقول: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

فيأتيه الجواب: «قد فعلت».

الله أكبر! أي رحمة يلقاها العبد بعدما اعترف بعجزه؟

وأي سكينة تنزل على قلبٍ أرهقه الخوف من تقصيره، حين يعلم أن ربه لم يتركه وحده مع ضعفه، بل علّمه كيف يدعوه ثم أخبره أنه أجابه؟

وكأن بناء خواتيم السورة يأخذ العبد بيده في مسار كامل: تكليف يوقظ في قلبه هيبة العبودية، ثم شعور بالضعف يعرّفه حقيقة نفسه، ثم دعاء يرده إلى جلال مقام ربه، ثم رحمة تأتيه بالجواب: قد فعلت.

وهذا هو موضع الشفاء للقلب كل ما أوجعه تقصيره.

فإن من أخطر ما قد يفعله الشعور بالتقصير أن يتحول من ألم يدفع إلى المسابقة إلى يأس يقطع صاحبه عن الله عز وجل.

يستكثر الإنسان ذنبه، ويستعظم ضعفه، ويطيل النظر في سوء حاله، حتى يصبح نظره إلى نفسه أشد من نظره إلى رحمة ربه. وهنا ينقلب شعور كان ينبغي أن يقوده إلى الله إلى شيء يبعده عن الله عز وجل.

أما المؤمن فلا يفعل ذلك. إذا رأى ضعفه لم يفر من ربه، بل فرّ إليه.

لا يفر من باب الله خجلًا، بل يقف عليه حياءً.

وكلما ازداد معرفةً بعظمة ربه ازداد معرفةً بفقر نفسه، وكلما عرف فقر نفسه ازداد افتقارًا إلى مولاه.

وهذا الافتقار ليس تبريرًا للتقصير، ولا دعوة إلى الرضا بالضعف؛ فالعبد مأمور بالمجاهدة والطاعة والتوبة وإصلاح ما أفسد.

لكن هناك فرقًا عظيمًا بين عبدٍ يرى تقصيره يضعف عبوديته، وبين عبد يرى تقصيره يزيده حاجة إلى ربه.

الأول جعل ضعفه بابًا إلى الانقطاع. والثاني جعله بابًا إلى الافتقار.

وهنا يفهم المرء شيئًا من سر اجتماع: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ مع: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾.

فليست العبودية أن تدّعي أنك وفيت حق الله عز وجل، وإنما أن تبذل ما تستطيع، ثم تعرف أنك ما زلت محتاجًا إلى مغفرته.

وليست حقيقة الاستقامة أن يظن الإنسان أنه صار في غنى عن الاستعانة، وإنما أن تزداد حاجته إلى الله كلما تقدم في الطريق.

فمهما اجتهد العبد في العبادة فلن يوفي الله حق نعمه عليه، ولن يبلغ من حمده وتعظيمه ما يليق بجلاله؛ ولهذا لا يفارقه مقام الافتقار.

وقد تكون هذه المعرفة نفسها من أعظم أبواب العبودية. أن تعرف أنك عبد. وأن تعرف أنه الرب. أن تعرف فقرك، وتعرف غناه عز وجل. أن ترى ضعفك، فتلجأ إلى قوته سبحانه. أن تعرف تقصيرك، فتطمع في مغفرته جل جلاله. أن تنظر إلى ما فاتك من العمل، فلا يقودك ذلك إلى اليأس، وإنما إلى سؤال الله تعالى أن يعينك على ما بقي.

ولهذا ليست خواتيم سورة البقرة مجرد كلمات تطمئن الإنسان إلى أن التكليف في حدود الوسع؛ بل منهاج حياة! تعلمه كيف يعيش ضعفه بين يدي الله عز وجل.

فسبحان الله الخبير البصير بعباده! يذهلك ذلك الترابط بين المعاني المحيطة بدقة خلق الإنسان!

يا رب مهما بذلت، يذبحني تقصيري في مقامات العبودية، فتأتي خواتيم البقرة، لتطمئنه عند انقضاء يومه واستقباله نومه: وتبشره أن ضعف تقصيره بحد ذاته مقام عبودية يحدوه فيه هدي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾.

ثلاث كلمات يحتاجها كل من عرف نفسه حق المعرفة.

العفو عما وقع. والمغفرة لما أذنب. والرحمة التي لا يستغني عنها لحظة واحدة.

ثم لا تنتهي السورة بالعبد منكفئًا على ضعفه، يتأمل عجزه فحسب؛ بل ترفعه من النظر إلى نفسه إلى النظر إلى مولاه: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾.

وهنا يتغير كل شيء. كل ضعف وكل عجز وكل شعور تقصير يكبل القلب!

ليأتي اليقين مؤيدًا للقلب برجاء مهيب: ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

فكأن خاتمة السورة تنقل القلب من الاعتراف بالعجز إلى الاستقواء بالله؛ فلا يكون انكساره أمام ضعفه نهاية الطريق، وإنما بداية التوكل والاستعانة. لماذا؟ للوفاء لمقامات المراغمة ونصرة الدين!

فأنت ربنا ومليكنا وإلهنا، لم تزل ولايتك لنا، ونعمك علينا متصلة، وأعظمها نعمة الإسلام؛ فلا نرجو تمام النعمة إلا منك، ولا نطلب العون والنصر إلا بك.

وكأن العبد، بعد أن أقرّ بنسيانه وخطئه وعجزه، لا يُترك أسيرًا لهذا الشعور؛ بل يُردّ إلى أصله الأعظم: أن له مولى يتولاه، وربًا ينصره، ومنه يستمد القوة على نفسه وعلى ما أقامه فيه من أمر الدين. فغاية الافتقار ليست أن تبقى منكسرًا أمام عجزك، وإنما أن تعرف مولاك الذي تتوكل عليه، وتستمد منه العون، وتسأله أن يتم نعمته عليك، وأن يجعلك أهلًا لنصره على الكافرين!

وهذا فرق عظيم.

الانكسار الذي يحبس الإنسان داخل نفسه مرض. أما الانكسار الذي يوصله إلى الله فعبودية.

والمؤمن لا يريد أن يبقى واقفًا أمام صورة تقصيره إلى الأبد، وإنما يريد أن يعبر منها إلى معرفة ربه والاستعانة به. ولهذا، حين يوجعك ما ترى من نفسك، لا تجعل كل همك أن تهرب من هذا الألم.

قد يكون فيه خير كثير إذا حملك إلى الله. فدعه يوقظ قلبك، لكن لا تدعه يقنطك.

فليس المطلوب أن تأتي إلى الله مدعيًا كمالًا ليس فيك، وإنما أن تأتيه صادقًا في عبوديتك وافتقارك.

إن أوجعك تقصيرك، فاعرف أين تضع هذا الوجع. ضعه عند باب الله.

فإن عجزت عن بلوغ تمام ما تتمنى من العبودية، فلا تعجز عن صدق الافتقار.

واسأل ربك أن يعينك على نفسك، وأن يغفر نقصك، وأن يزيدك طاعة، وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين.

وهكذا كلما ثقل قلبك بما تعرفه من ضعفك، اقرأ خواتيم البقرة مرة أخرى؛ لا بعين من يبحث عن كلمات يرددها فحسب، وإنما بعين عبد يسمع ربه يعلمه كيف يقف بين يديه: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. ثم كيف يعترف: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. ثم كيف يفتقر: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾. ثم كيف يستند: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾.

وحينها قد تدرك أن الشفاء لم يكن في أن تكتشف أنك لست مقصرًا، وإنما في أن تعرف، وأنت ترى تقصيرك، أن لك ربًا رحيمًا، يعرف ضعفك وحالك .. ويفتح لك أبواب رحمته، بقدر افتقارك ورجائك.

ولعل في هذا المعنى انعكاسًا بديعًا لما شُرع لنا من الاستغفار بعد الصلاة؛ فمهما بذل العبد من خشوعٍ وإقبالٍ وإحسان، يبقى عمله مفتقرًا إلى عفو الله وقبوله. وكأن الاستغفار بعد الطاعة يعلّمنا ألا نركن إلى العمل نفسه، بل نرفعه إلى الله مقرونًا بالافتقار، معترفين بأن ما أديناه لا يفي حقه، وأن تمام القبول والفضل منه سبحانه. وهو ما يليق برب السماوات والأرض!

وإن من أعظم ما تعلّمه خواتيم البقرة لقلب المؤمن: أن تقصيرك يعرّفك كم أنت محتاج إلى ربك!

فالسباق إلى الله في جوهره هو تحقيق مقامات العبودية .. قبل كل شيء! وما أجمل مقام العبودية الذي يوجبه ألم التقصير .. افتقار تنطق به القلوب والشفاه: “ربنا لا تؤاخذنا..”!

فإن عجزت عن تمام العبودية، فلا تعجز عن صدق الافتقار، فهو أيضا من العبودية .. فتجبر تقصيرك وتشفي ألمك وتجمع شتات أمرك على نصرة الله ونصرة الدين!

وهنا تدرك لماذا كانت خواتيم سورة البقرة من أعظم ما أُعطي النبي ﷺ وهذه الأمة؛ فهي نورٌ وكنزٌ تحت العرش، وحفظٌ وكفايةٌ للعبد من الشرور، وسببٌ في حفظ البيت من الشياطين، وفيها أدعية عظيمة أجاب الله عباده إليها بقوله: «قد فعلت». ولذلك كانت منحةً ربانيةً عظيمة خص الله بها عباده المؤمنين.
فاتلها مطمئنًا، مستبشرًا برحمة ربك، مسبّحًا بحمده قبل نومك، ودع قلبك يسكن في رحاب الإيمان، مبتهلًا إلى مولاه لا يؤرقه تقصيرك ما دام يدفعه ليكون أشد حبا لله.

﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ (*) لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾ [ البقرة: 285 – 286]

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
سلوى محمد أحمد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
جزاكي الله خير الجزاء

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x