ما قيمةُ حياتنا إن لم يكن الله جل جلاله أعظمَ ما في قلوبنا؟
وما معنى أن نعيش أعمارنا، ونطلب العلم، ونعمل، وندعو، ونبني، ونخاصم، وننتصر؛ ثم لا يكون تعظيم الرب والدين هو الميزان الذي تنتظم حوله حياتنا كلها؟
إن أعظم ما يُصلح القلب أن يعرف العبد قدر ربّه، وأن يستشعر عظمة من خلقه، وأن يعلم أن هذا الدين ليس فكرةً نتبناها، ولا شعارًا نرفعه، ولا هويةً ننتسب إليها، بل هو حق الله علينا، ومنحة الله لنا، وطريق نلقاه عليه.
نعظّم الله؛ فلا نقدّم على أمره أمرًا، ولا على حكمه حكمًا، ولا على رضاه رضا.
ونعظّم دينه؛ فلا نجعل أحكامه موضع سخرية، ولا شعائره مجالًا للاستخفاف، ولا ثوابته مادةً للمساومات، ولا نرضى أن يُنتقص شيء مما عظّمه الله جل جلاله.
تعظيم الدين ليس في كثرة الحديث عنه فحسب، بل أن يعظم في نفوسنا أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وشعائره وحدوده، ونبيه صلى الله عليه وسلم وسنته وأصحابه وما جاء به من الهدى.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا المعنى في زمنٍ ضعفت فيه هيبة المقدسات في النفوس، وصار بعض الناس يتعامل مع أعظم قضايا الدين كأنها مسائل قابلة للتنازل، أو الآراء الشخصية، أو مادة للجدال والانتصار للنفس، ويُقدّم عليها كل ما يحب ويهوى!
إن القلب الذي يعظّم الله لا يهون عليه أن يُعصى الله، ولا يهون عليه أن يُستهان بدينه، ولا يفرح بانتصار نفسه إذا كان ذلك على حساب حق شرعي، ولا يجعل حظوظ الجماعة أو الأشخاص أو الأسماء أعظم في قلبه من حق الله جل جلاله.
ومن تعظيم الله أن نعرف قدره حين نطيعه، وقدره حين نعصيه، وقدر كلامه حين نتلوه، وقدر نبيه حين نتبعه، وقدر هذا الدين حين نحمله.
فليست القضية أن نكون أكثر الناس حديثًا عن الدين، وإنما أن يكون الدين أعظم ما في قلوبنا.
أن نحزن إذا انتُهكت حرماته، ونفرح إذا عُظّمت شعائره، ونغار إذا نُقص من قدره، ونخضع إذا جاء أمره، ونرجع إلى الحق – بلا حرج – إذا أخطأنا، ونقدّم رضى الله على رضى الخلق.
فإن لم يكن الله أعظم ما في حياتنا، فما الذي يستحق أن تكون له الحياة؟
وإن لم يكن دينه أغلى ما نحفظ، فما الذي يستحق أن نبذل لأجله؟
هذه الحملة ليست دعوة إلى تعظيم شعار، ولا إلى تعظيم أشخاص، ولا إلى تعظيم أنفسنا أو آرائنا؛ وإنما هي دعوة إلى أن نعيد التعظيم إلى موضعه الأول: الله جل جلاله، ثم ما عظّمه الله من دينه وشعائره وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثم ماذا يُنتظر ممن أخلَّ بحقِّ التعظيم لله جل جلاله ولدينه؟ وهل يعدو قدرُه أن يكون مخلوقًا ذليلًا لشهوته، أو لهواه، أو لرضا الناس، أو لسلطان الباطل؟ فمن لم يُعظِّم ربَّه، عظَّم غيره؛ ومن لم يمتلئ قلبه إجلالًا لدين الله جل جلاله، امتلأ تعظيمًا لأهواء البشر وأقوالهم وموازينهم.
إنَّ القلب لا يبقى خاليًا من التعظيم؛ فإن لم يُعظِّم الحقَّ عظَّم الباطل، وإن لم ينحنِ إجلالًا لله، انحنى لغيره. ولهذا كان تعظيم الله ودينه أصلًا من أصول حياة المؤمن، وحصانة له من الانحراف للدنيّ والقبيح، لا مجرد شعار يُرفع في مواسم الغضب، ولا مجرد كلمة تُقال حين توافق أهواءنا، بل ميزانًا ثابتًا تُعرف به المواقف، وتُوزن به الكلمات، وتُضبط به الخصومات.
فلا قيمة لحياةٍ لم يعرف صاحبها لربه قدره، ولا لعمرٍ لم يُصن فيه دين الله عز وجل، ولا لانتصارٍ يُنال على حساب حرمةٍ من حرماته.
إنما الحياة أن يكون الله أعظم في القلب من كل شيء، وأن يكون دينه أجلَّ عند العبد من نفسه وحظوظها، وأن يُقدَّم حقُّه على كل محبوب، وأن يعلم المرء أن أعظم ما يخسره ليس مالًا ولا جاهًا ولا أتباعًا ولا معركةً عابرة، وإنما أن يخسر تعظيمه لرب العالمين.
ثم إن تعظيم الله عز وجل أصل تقوم عليه كل مقامات العبودية لله سبحانه، والتهاون فيه موجب للعذاب والخزي والخسارة.
فعظِّموا الله أيها الناس، واعرفوا له حقَّ قدره؛ فمن لم يُعظِّم ربَّه ولم يقدِّره حقَّ قدره، أذلَّه الله وأهانه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 74].
ولتكن هذه الحملة تذكرةً لكل مسلم ومسلمة: أن حفظ مقام تعظيم الله تعالى لا يقتصر على أنفسنا وبيوتنا، بل هو أمانةٌ نحملها في كل موضع نكون فيه، وفي كل كلمة نقولها، وفي كل موقف نقفه؛ نصون بها حرمات الدين، ونعظّم شعائر الله، ونربي الناس على ذلك، وننكر ما يُنتقص به جناب الرب سبحانه، كلٌّ بما يستطيع، وبما يقتضيه الشرع.
به نتواصى وعليه نسير.
اللهم ارزقنا قلوبًا تعظّمك جدًا، ونفوسًا تخشاك كثيرًا، وأرواحًا تحبك بشدة، وثبّتنا على دينك حتى نلقاك وأنت – جل جلالك – راضٍ عنا.
اللهم آمين يارب العالمين