حديث عن النهضة


الحديث عن نهضة الأمة يحتاج لفكر “موسوعي” مُلمٍّ بجميع عوامل الانبعاث، لا يهمل منظومة من منظومات الحياة، يعالج القضايا بإحاطة شاملة وفقه متخصص، ببصيرة تحصنه من مستنقعات الركود والتعثر، لأن مقاصده تقوم على الحركة والعمل والصبر واليقين. قدوته الجيل المتفرد، يقيم الإسلام بسياقه الكامل على الأرض.


إن الإحاطة بعلم الاجتماع وأسس النهضة وحركة الأمم في التاريخ البشري والتعلم من أخطائها، يقدم خلاصات ثمينة جدا لأي نهضة، وإن كانت في أسوأ الظروف، لذلك نجد القرآن يقدم لنا نماذج حيّة من التاريخ، يقدم لنا السنن الإلهية ويقدم لنا منهج الاستقامة والاستدراك، لنستمد من ذلك كله كيف يكون الانبعاث!


إنه لمن تمام الفقه اليوم العمل على الانبعاث من جديد! بالطريقة الصحيحة، وبحكمة وبصيرة، ذلك أن سجل التجارب الفاشلة لدينا كبير، ولدينا مع ذلك نجاحات تستحق منا العناية والتطوير، وهذه العملية لا يقودها مثل العلم! ولذلك يعد بثّ العلم اليوم من أوجب الواجبات ومن أكثرها أهمية بعد طول تهميش!


حين نتحدث عن العلم فلا نقصد به المناهج الدراسية في المدارس والجامعات فهذه للأسف حلقة داخلة في منظومة الهيمنة لا يمكن أن ننتظر منها أي تأثير حقيقي في نهضة الأمة، إنما نتحدث عن العلم الذي قام به أسلافنا، عن اجتهاد الفرد بنفسه في صناعة وعيه بدينه وحياته وكل ما يحيط به، بتطوير مهاراته.


نحن بحاجة لبث العلم الذي هو حياة الفرد والمجتمعات، وحياة الأمة، لعلم يخرج من مكونات الفرد والجماعة قوة التغيير المطلوبة التي تتناغم مع التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم، لقوة إعداد تليق بمكانة المسلمين حين يعودون لدينهم ويحسنون تدبير أمورهم باستعلاء بإيمانهم لا انهزامية لأعدائهم.


بالتبصر في سنن الله في الأرض، فإن التمكين للأمة التي تجاهد على إصلاح ما فسد ويحمل فيها الفرد مسؤولية التغيير لنفسه ولأسرته ومن حوله، سيكون مذهلا من حيث السرعة والتأييد الرباني، لأنها استجابة موجبة لنصرة الله لمن أقبل بلا تردد، نصرة لا تناجزها نصرة، ولأن الباطل هشّ جدا أمام الحق.


لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تملك القوة التي تدافع بها عن هذا الحق، وأول قوة تنصر الحق، هي الصدق! الصدق مع الله في كل حركة تغيير، وحسن توكل عليه سبحانه ومن يري الله منه ما يثبت صدقه فسيرى من الله كيف سينجز وعده، إنها معادلة محسومة، جربتها أمم من قبل! والتاريخ دروس تتكرر.


كل ما بُني على معالم الحق، يستمر قويا، فصحح بناء فكرك وتصورك لهذه الدنيا بالاستناد لمعالم الحق، وابحث عنها في كل مشهد قبل أي تقييم، لا تجعل لك مقياسا إلا هذه المعالم، وهي ما يحب الله ويرضاه. ودون ذلك تجاوزه لا تبالي! ستتعلم الحرية والاجتهاد والبحث بنفسك، ستجد في ذلك متعة ولن تُساس إلا بالحق.


والله لينصرن الله هذه الأمة! حين ترجع لدينها وتستعلي بإيمانها، وتبصر طريقها بنور من الله، ستتمهد الطريق لها، وتتيسر أمورها من حيث لا تحتسب، وكل ذلك يبدأ من إعادة المرجعية في كل منظوماتها للقرآن والسنة، وتترفع عن المنظومات المستوردة من أعدائها وتبصر هؤلاء الأعداء بوجههم الحقيقي فتحذر وتستقل!

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x