جلسة مع البطولة

يطرب القلب وتشرق زواياه حين نستحضر بطولات التاريخ، وتعلو الروح في مجلسٍ واحد من مجالس البطولة، حتى تبصر العالم بنظرة البطل، وترى معها الممكن حيث يرى الآخرون المستحيل، وتستشعر أن النفوس الكبيرة لم تُخلق لتعيش صغيرة!

وللبطولة وقعٌ لا يشبه سائر الأخبار؛ فثمّة شيء في وقع حوافر الخيل، وصيحات التكبير، ورايات المؤمنين وهي تمضي من قائد لقائد شهيد، وصليل السيوف وصهيل الخيول، ومواقف الرجال حين تضيق السبل، يوقظ في النفس شيئًا كان مهملًا، ومهملًا بشكل لا يليق!

تبصر في ثنايا الملحمة، روائع الثبات حين يضطرب الناس، وتقرأ بين فصول الإقدام العطاء في أجل صوره، وتلك العبقرية القيادية التي تتفجر في مشهد متداخل الزوايا والأخطار، وسيرة مخضبة بالبذل والصبر لحد الموت! فإذا بك تشعر أن الشجاعة ليست حكايةً قديمة، وإنما معنى يمكن أن يسري في العروق من جديد.

إن النفوس تتأثر بما تسمع وترى وتستحضر؛ ولذلك كانت مجالس البطولة مدرسةً من مدارس التربية. ففيها ترى كيف يُغاث الضعيف، ويُنصر المظلوم، ويُحمى المستجير، وكيف يقف أهل الحق في وجه الجبابرة، وتنكسر شوكة البغي حين تواجه نفوسًا لا تبيع مبادئها بالخوف. ولا تُرخص دينها للنذل!

ترى فيها الفارس الذي يحفظ هيبة الرحمة وهو قادر متمكنٌ، والقوي الذي يلجم قوته عن الظلم والعدوان، والفاتح الذي يعرف حدود السلطة والتمكين، حين يقوم لإعلاء الدين، فتتعلم دروسا عن تحمل الأمانة في مقامات العز.

وقد كان القادة يتعاهدون ذكر البطولات، ويستحضرون سير الرجال، ليُثبتوا الشجاعة في القلوب،
ويقرّروا معانيها في الواقع؛ إذ إن الأمة التي تنسى أبطالها تضعف صورتها عن نفسها،
أما التي تعرف تاريخها، وتقرأ مواقف صناع المجد، فإنها تستعيد شيئًا من روحها، وتتعلم أن العظمة ليست في رواية حكاية، بل خُلُقٌ يُكتسب، وموقفٌ يُتخذ، وثباتٌ يُدفع ثمنه، تماما كما وثقت الأمثلة المهيبة والقدوات التي تنبض بطولة وشرفًا.

وهنا نفهم لماذا تحتاج الأمم إلى ذاكرتها البطولية؛ فالأمة التي لا تحدث أبناءها عن الشجاعة، سيحدثهم العالم طويلًا عن الخوف. والتي لا تريهم نماذج العزة، سيكثر أمام أعينهم نماذج الهزيمة والاستسلام. وليس المقصود أن نبقى أسرى للماضي، ولا أن نحول التاريخ إلى حكايات نتغنى بها ثم نعود إلى ضعفنا؛ وإنما المقصود أن نستخرج من تلك المواقف روحًا تعيننا على الحاضر.

كم من امرئٍ يتمنى أن يكون بطلًا، ثم يمضي في حياته وهو لا يدري أن الله قد كتب له من البطولة نصيبًا! وكم من بطولةٍ صُنعت في الخفاء، لم تصفق لها الجماهير، ولم تُعلَّق لصاحبها الأوسمة، ولم يعرف بها أحد؛ بل لعل البطل نفسه لا يعرف اللحظة التي صار فيها بطلًا؛ لأنه لم يكن يعمل ليُقال: بطل، ولا ليُشار إليه بالبنان، وإنما كان يبذل لله، ويصدق معه، ويمضي حيث يجب أن يمضي، ثم يترك أثره عند الله، ولو لم يبق له في الأرض ذكر يُذكر!

ولعل أجمل ما في البطولة أنها ليست دائمًا ذلك المشهد الصاخب الذي تهتز له الأرض؛ فقد تكون البطولة في أمٍّ تصبر، وعالمٍ يثبت على الحق، وشابٍّ يغالب هواه، وإنسانٍ ينصر مظلومًا بكلمة، أو يحمل أمانةً حين يكون التفلت منها أسهل.

البطولة ليست دائمًا أن يسمع الناس وقع حوافر فرسك؛ فقد تكون أن يسمع الله منك وقع صدقك وأنت تمضي في طريقٍ لا يراك فيه أحد.

فلا تحرموا أنفسكم جلسةً مع البطولة في تاريخ الإسلام؛ فإن فيها من الإلهام والتربية ما لا تستوعبه مساحة المقال! اقرأوا عن الذين ثبتوا حين اضطرب الناس، وبذلوا حين أحجم الآخرون، وحملوا أثقالهم في صمت، ومضوا إلى الله دون أن ينتظروا من الدنيا شهادةً على ما صنعوا.

ابحثوا في مشاهد بطولتهم عن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عن مطلب الجنة، عن عزة الإيمان، عن مكانة الآخرة، ومنازل الخالدين هناك!

اجلسوا مع تلك المواقف حتى تتعلم النفس أن العزيمة ممكنة، وأن الخوف ليس حاجزًا، وأن المرء قد يكون أضعف مما يظن الناس، لكنه يكون أقوى مما يظن هو حين يتعلق بالله عز وجل.

تعاهدوا ذكر البطولات، واستحضروا الرجال، لتثبت الشجاعة في القلوب، وتستقر معانيها في الواقع؛ لأن النفوس تحتاج إلى قدوة ترى فيها المعنى حيًّا. وحين نقرأ التاريخ بهذه العين، لا نقرأ أسماءً انتهت حكاياتها، بل نبحث عن المعاني التي ما زالت تنتظر رجالها: الثبات، والشجاعة، والنجدة، والوفاء، والبذل، وحمل المسؤولية وشرف الفروسية. وكم من دروس القيادة تُستخلص من مواطن البطولة والمراغمة.

فاجلسوا مع البطولة مجلسًا، لا لتعيشوا في الماضي، بل لتستخرجوا منه روحًا نحتاجها بشدة للحاضر. دعوا وقع الحوافر يوقظ فيكم معاني الإقدام، ودعوا صيحات التكبير تذكّركم أن للقلوب مواطن تعلو فيها حين تستعلي الغاية، ودعوا مشاهد النجدة والنصرة تعلمكم أن القوة إن لم تكن لحماية الضعيف صارت وبالًا، وأن الشجاعة إن لم تكن لله تحولت إلى غرور.

فلعل البطولة التي تبحث عنها بعيدًا تبدأ منك الآن، ولعل أعظم أبطالك في يومٍ من الأيام كان إنسانًا عاديًّا، لم يكن يعلم أنه في تلك اللحظة يكتب سطرًا من المجد؛ وإنما كان يعلم شيئًا واحدًا: أن عليه أن يفعل ما يرضي الله، ثم يمضي.

وإن لجرعة بطولة في قلب ملحمة يحفها الصهيل .. لمدرسة من القوة والعزة بالدين! ومشهد شرف تذرف له العين وتهتز له جدران القلب اعتزازًا وتقديرًا واشتياقًا يلتهب لزمن طويل!

فسلام الله على أبطال الإسلام على امتداد محور الزمن، سلام الله على الأعزة الأباة، الذين بذلوا أنفسهم لتعلو راية الإسلام وتسقط راية الكفر تدوسها الأقدام المغبرة بعزة!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x