ثلاث حقائق لا بد لك منها

ثلاثةُ أمورٍ إن غابت عن وعيِ المؤمن غلبته الدنيا قبل أن يغلبه العدو، وإن استقرّت في قلبه صار أثبتَ في الفتن، وأبصرَ في الطريق، وأقوى على احتمال المِحنة.

أولها: أن المؤمن مُبتلى لا محالة.
فالابتلاء ليس حادثًا طارئًا في طريق الإيمان، بل هو جزءٌ من حقيقته، ومِحكٌّ يكشف صدقه، ويُنقّي قلبه، ويرفع درجته إن صبر وصدق.

وما كانت الشدائد عبثًا يومًا، وإنما هي غربال الله عز وجل في الأرض؛ يَميز بها الخبيث من الطيب، والصادق من المدّعي، ومن يعبد الله تعالى على يقين ممن يعبده على حرف.

فإذا نزل البلاء فلا تتفاجأ، بل تذكّر أنك في ميدان التربية الربانية، وأن النفوس العظيمة لا تُصنع في أوقات الرخاء الدائم، وإنما تُصاغ تحت وطأة المجاهدة والصبر والتعلّق بالله عز وجل.

وثانيها: أن التزوّد قبل الملحمة واجب.
فالذي يُؤجّل بناء نفسه إلى وقت الفتنة، كمن يبحث عن السلاح بعدما بدأ القتال.
وأوقات الراحة ليست للغفلة، بل للإعداد؛ إعداد القلب بالذكر، والعقل بالعلم، والنفس بالصبر، والروح بكثرة اللجوء إلى الله تعالى.
فإن لم تتزوّد أيام السعة دفعت الثمن غاليًا أيام الضيق، وإن لم تبنِ يقينك في زمن العافية تزلزلت عند أول نازلة.
ولهذا كان العقلاء يعدّون أنفسهم قبل نزول البلاء، لأن الثبات ساعة الفتنة ثمرةُ تعبٍ قديم، ومددٍ خفيٍّ جمعه العبد في خلواته، ودموعه، ومجاهداته الطويلة.

وثالثها: أن معرفة أمراض القلب ونقاط الضعف ضرورة نجاة.
فكم من إنسانٍ هُزم من داخله قبل أن يُهزم من خارجه، وكم من ساقطٍ أسقطته شهوةٌ خفية، أو كِبرٌ مستتر، أو حبُّ مدح، أو خوفُ فقد، أو تعلّقٌ بالدنيا لم ينتبه له مبكرًا.
وأخطر الناس من يجهل نفسه، ويعيش مطمئنًا لسلامة قلبه دون محاسبة أو مراقبة.
فالعارف بالله يفتّش قلبه دائمًا، يراقب دخائل نفسه، ويتواصى مع إخوانه بالبصيرة والنصح؛ لأن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين تنهار الجبهة الداخلية للروح.
ومن انتصر على نفسه، كان أقدر على الثبات أمام الدنيا كلها.

تلك طريقةُ عابرِ السبيل اليقظ؛ يسير في الدنيا بعينٍ على الطريق، وعينٍ على قلبه، وقلبٍ معلّقٍ بربه.
يعلم أن الرحلة قصيرة، وأن المعارك الحقيقية تُخاض في أعماق النفس قبل أن تظهر على وجه الأرض، وأن النجاة ليست بكثرة الحيلة، بل بصدق الالتجاء إلى الله عز وجل.

فمن وعى هذه الحقائق الثلاث، واستعدّ لملاحم الارتقاء، معظّمًا التوكّل على ربّه، غير مغترٍّ بنفسه ولا بزمنه؛ سار ثابتَ الخطوة، قويّ اليقين، وإذا اهتزّ العالم من حوله بقي قلبه راسخًا… لأن من كان الله معه، فلن تُسقطه المحن مهما اشتدّت.

وبقدر الاستقامة والمحبة والرجاء .. تكون المعية ومراتب القرب من الله، ودليل ذلك الإعداد والعمل بلا ضعف ولا استكانة ولا وهن.

اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x