تمجيد الخلق صرف القلوب عن الخالق

من دقائق الانحراف التي طرأت على “لا إله إلا الله” على امتداد محور الزمن، ونشاهدها بشكل يومي على مواقع التواصل، انشغال الناس بتعظيم الرجال بدل تعظيم ربّ الرجال،
ويصل الأمر إلى درجة من التعصب ترفع الأشخاص فوق الحق، ويقاس معها الصواب بميزان البشر لا بميزان الوحي.

وهكذا اليوم، يعظمون الشهرة والسمعة والظهور وكثرة الأتباع، بل ويتحول الجهد الواجب والعمل الفرض، إلى منّة وإلى مضرب التفاخر والتبجيل، حتى غابت عن القلوب هيبة الله جلّ جلاله. وتتواصى الصفحات بنشر ما قاله الرجال وفعله الرجال وصور الرجال وتفاصيل هؤلاء الرجال لحد من التعظيم للرجال شغلهم عن تعظيم رب الرجال، وتفشت الاستهانة بحقوق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الواقع وفي امتحانات الصدق بعيدا عن الخطب والمنابر.

فهذا الانكباب على تمجيد الخلق صرف القلوب عن الخالق، حتى كاد الإخلاص يبهت، والتوحيد يُنسى في زحمة الأسماء والرايات ومعارك الانتصار للأسماء والتعصبات. ثم ذكر الله لا يحدث الاهتمام الذي يجب كما يحدثه ذكر فلان أو علان! بل والمساس بحق فلان أولى استنفارا من المساس بحق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يرصد ذلك بعد، فليحذر من هذه الفتنة فإنها تمس بجلال التوحيد والإخلاص.

فالعبد إذا عظّم الله حقّ التعظيم، هان عليه كل عظيم، أما إذا عظم الرجال نسي أن العظمة لله وحده وتسلل الدخن في تعظيمه لله تعالى، وما حقيقة الإيمان إلا تعظيم الله عز وجل، قال الله تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [ الأنفال: 2]

والمتدبر، يتراءى له في كل مشهد ينكب فيه الناس على أسماء الرجال وأقوال الرجال أكثر من تعظيمهم لله وكتابه العظيم، قول الله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. فلو قدروا الله حق قدره لما انشغلوا بالغلو في الأشخاص وإخلاص أوقاتهم وأقلامهم لتعظيمهم وترقيع أغلاطهم وتزيين مثالبهم ناهيك عن مناقبهم.

والباحث عن أسباب هذا التقديس للرموز، حتى بات كل قوم باسم محدد فرحون، وبسيرة رجل معين يسيرون، وحول اسم رجل بذاته يتحالفون ويتخاصمون، ونسوا نبيهم صلى الله عليه وسلم ونسوا صحابته رضي الله عنهم ولا يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إلا من باب تعظيم المعظّم لديهم، يجد الأسباب التالية وراء كل ذلك، مجتمعة أو منفردة بحسب كل حال.

الفراغ الإيماني وضعف التعلق بالله تعالى

أول أسباب تمجيد الرجال وتعظيمهم بشكل مبالغ فيه، يأتي حين يضعف الإيمان في القلب، فيبحث المرء عن “قدوة محسوسة” يملأ بها فراغه الروحي، فينقل مشاعر التعظيم والخضوع التي فُطِر على صرفها لله إلى البشر سواء أكانوا دعاة، أو قادة، أو مشاهير. وهكذا يمني المرء نفسه أنه يعظم فلان لأنه يذكره بالله، حتى ينسيه تعظيم فلان تعظيم الله تعالى. ويصبح المساس بحق فلان، أعظم من المساس بحق الله جل وعلا.

التأثر بالثقافة الحديثة التي تقدّس الفرد

فالعصر الحديث يقوم على تمجيد “الإنجاز الفردي” و”العبقرية الشخصية”، حتى صار الناس يرون كل تغيير أو نجاح مرتبطًا بشخصٍ بعينه، لا بأصل دعوة أو جهد متراكم أو توفيقٍ من الله تعالى.
فتحوّل العقل الجمعي إلى ما يشبه “عبادة الأشخاص” بدل “عبادة رب الأشخاص”. ورافق ذلك غمط الحقوق والبخس والتدليس وحب التفرد بالصيت.

الإعلام وصناعة الرموز

تأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل يصنع من الأشخاص “أيقونات” ضخمة، ويكرّر أسماءهم وصورهم حتى تزرع في النفوس نوعًا من التقديس. ويتحول الإنسان العادي في وعي الناس إلى “منقذ” أو “ملهم” أو “إمام مجدد”، ويُبنى على كل ما يصدر منه الآمال والأحلام، فقد ترسخ في ذاكرتهم صورة الإسلام والبطولة في شخصه. ويُنسب كل فضل له، فتستحل السرقات العلمية ويصبح الرجل المبجل بداية التاريخ، وأول رمز يعظم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهذه ظاهرة خطيرة جدا إذ تختزل قرونا من البذل في شخص إنسان، ويصبح هو صاحب الفضل الأول ولا يمكن قبول أنه يخطئ فهو مقياس الحق والمنهج المستقيم!

ضعف التحصيل الشرعي

الجهل بمقتضيات “لا إله إلا الله” من أبرز أسباب هذا التوجه، إذ ينشغل الناس بتوجيه التعظيم للعباد، دون رب العباد، ونسيان أن البشر- مهما علا شأنهم- يخطئون ويصيبون. ولا يجوز رفعهم لمقامات التبجيل والتعصب، فتكون فتنة لهم وللناس حين يغلطون، ولم يفعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم مع خيرة الصحابة وكبارهم. وكما قال أهل العلم، من جهل الأصول وقع في التقليد، ومن غفل عن التوحيد غلا في التبجيل. وهكذا يتشكل التعصب المذموم.

يقول ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: ”وَمَنْ تَعَصَّبَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الأئِمَّةِ دُونَ الْبَاقِينَ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَعَصَّبَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ دُونَ الْبَاقِينَ؛ كالرافضي الَّذِي يَتَعَصَّبُ لِعَلِيٍّ دُونَ الْخُلَفَاءِ الثَّلاثَةِ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ؛ وَكَالْخَارِجِيِّ الَّذِي يَقْدَحُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما.

فَهَذِهِ طُرُقُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالأهْوَاءِ الَّذِينَ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإجْمَاعِ أَنَّهُمْ مَذْمُومُونَ، خَارِجُونَ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَالْمِنْهَاجِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم. فَمَنْ تَعَصَّبَ لِوَاحِدٍ مِنْ الأئِمَّةِ بِعَيْنِهِ؛ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ هَؤُلاءِ، سَوَاءٌ تَعَصَّبَ لِمَالِكٍ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ أَحْمَد أَوْ غَيْرِهِمْ.

ثُمَّ غَايَةُ الْمُتَعَصِّبِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِقَدْرِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَبِقَدْرِ الآخَرِينَ؛ فَيَكُونُ جَاهِلًا ظَالِمًا، وَاَللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، وَيَنْهَى عَنْ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72].”

الطبيعة النفسية لحب التبعية

فالناس تميل بطبعها إلى الانقياد لمن ترى فيهم قوةً أو علمًا أو تأثيرًا، فيرتاح القلب للتبعية أكثر من التكليف بالتفكير والتمييز، وهذا ما سماه ابن تيمية “العبودية الخفية”، حين يعبد المرء رأي الشيخ أو القائد دون وعي. ويخلص دينه له بدون وعي، بل إن من أكثر ما انتشر في زماننا، إخلاص الدين للأفراد والجماعات لا لله وحده لا شريك له. ويصبح ذلك واضحا جدا حين يخالف الشيخ أو الجماعة شريعة الله تعالى أو يغلط غلطا بيّنا، فتتحول مخالفته وغلطه لدين وحجة وتأويل محبب، لتلميعه ورفعه لا للإنكار عليه وتصحيح ما خالف الهدي النبوي، ولله في خلقه شؤون!

الضعف والشعور بالعجز

حين تضعف الأمة أو تكثر الهزائم حول المسلمين، يبحث الناس عن “بطل” يُعلّقون عليه آمالهم، فيتعلقون بالأسماء، وأكثر ما يتعلقون بالأسماء الشهيرة والمتصدرة سهلة الوصول والذكر، وكلما ازداد الانكسار، ازداد التقديس؛ لأن الناس تبحث عن “رمز خلاص” بشري.

وفي الواقع فإن الانبهار بالأشخاص ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو انحراف عقدي وسلوكي ناتج عن ضعف الصلة بالله جل جلاله، وعن جهل بمعنى العبودية الحقة وغفلة عن عظمة الله تعالى وأسباب “وما قدروا الله حق قدره”.

والعلاج لهذا المصاب، هو العودة إلى التوحيد الخالص وتعظيم دعوة التوحيد وجمع الناس عليها بالتجرد من داء تعظيم الأسماء والرموز، وامتهان التبجيل للرجال، الذي كثيرا ما كان يحذر منه أئمة العلم فينبهون على أتباعهم أن لا يعظموهم ويبجلوهم، ولا ينسوا أنهم بشر يصيبون ويخطئون، بل ويتراجعون أيضا عن أخطائهم، ولذلك يجب إحياء مبدأ “يُعرف الرجال بالحق، لا يُعرف الحق بالرجال.” وإلا فمن يتحمل تداعيات هذا المسلك المنحرف التي يهدد صفاء التوحيد وقوة الإخلاص عند الناس؟

ولعل أقدم شاهد على هذا الانحراف ما قصّه الله علينا في كتابه عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].

وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما هذه الأسماء بأنها رجال صالحون من قوم نوح، فلما ماتوا عظّمهم الناس ونصبوا صورهم تذكارًا لهم، ثم طال الأمد فعبدوهم من دون الله تعالى.

هكذا بدأ الأمر: محبة وتقدير للرجال الصالحين، ثم تعظيم وتعلق بصورهم وتفاصيلهم، ثم غلوّ وعبادة.

وتزداد هذه الظاهرة كلما ضعف العلم وضعف التوحيد، فيظهر الغلو في الأئمة والمشايخ، والسلاطين، والوجهاء، وأصحاب النفوذ، حتى صار بعض الناس يُقدّم قول الشيخ أو المبجل لديه على نص الوحي.

وهذا أصل كل ضلال؛ كما قال أهل العلم: “أصل الشرك هو الغلوّ في الصالحين“.

وتصبح هذه الظاهرة الأخطر حين تتحول لأمانة يتواصى بها الناس، وعهد عليه يجتمعون، فتسير الصور والمناصرة العمياء كورد طاعة يومي ومهمة فريق نصرة دولي! وتتحالف الأحلاف الإلكترونية لتلميع الرجال وتقديسهم، وكم من الإنصاف والصدق يبخس في مقاماته، وكم من الظلم والعدوان يسري مع هذه العصبيات.

وإن كان من نصيحة أختم بها هذه المشاهدة، فهي لأصحاب المنابر والدعاة، أن احذروا من سريان هذا التعظيم في نفوس أتباعكم، أعظموا ذكر الله في قلوبهم، وتخلصوا من رفع الذوات قصدا أو بدون قصد، فإن تعظيم الأنفس لا يجلب نصرا، إنما تعظيم الله وحده لا شريك الله الذي يجلب التوفيق والمعية والنصر وكل فضل.

نحن بأمس الحاجة لتعظيم الله جل جلاله وتعظيم ذكره في القلوب، وتعظيم وصاله سبحانه وتعالى، وتعظيم التوحيد، وجمع الناس على هذا التعظيم.

ولا يجتمع في قلب مؤمن تعظيم الخالق والخلق معا، فإما أن يملأ القلب نورُ التوحيد، أو تستهلكه ظلمة التعظيم البشري، ولا يعني ذلك إنكار مقامات الفضل أو بخس الحقوق، ولكن الحذر من مسالك المبتدعة، من يعظمون الرجال لحد الغلو فيهم ولحد المبالغة المجحفة.

فما أحوج الأمة اليوم إلى أن تعيد البوصلة إلى أصلها: تعظيم الله وحده لا شريك له، وتوقير الوحي فوق كل اسم وراية.

قَالَ تَعَالَى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين ﴾ [العنكبوت: 1-3].

والله الموفق وهو يهدي السبيل سبحانه.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x