رسالةٌ جميلةٌ وصلتني اليوم، في وقتٍ كنتُ أتأمل فيه الوصية التي أود أن أبعث بها إلى الناجحين في امتحانات الثانوية، في موسمٍ تنشغل فيه الأنظار بالمعدلات، وتتسابق فيه الألسن إلى ذكر الأوائل، حتى تكاد الأرقام تحجب عن كثيرين حقيقة الغاية التي ينبغي أن يسير إليها الطالب والطالبة.
جاء في رسالة إحدى الفتيات اليوم وهي تنبض حمدًا وشكرًا وامتنانًا لله جل جلاله:
“﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
أكتب إليكم والقلب يفيض بهجةً وامتنانًا، لأزف إليكم البشارة وأشارككم الفرحة؛ فبفضل الله وكرمه وتوفيقه أتممت حفظ كتاب الله كاملًا.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبل مني، وأن يعينني ويوفقني لأعيش بالقرآن عملًا وخُلُقًا، كما منَّ عليَّ بحفظه تلاوةً وترتيلًا. وأسأله سبحانه أن يرزق هذه الفرحة لكل مشتاقة إلى ختم كتابه.
وجزى الله عني خيرًا والديَّ الحبيبين، ومعلماتي الغاليات، وكل قلبٍ صادقٍ كان لي قدوةً في هذا الطريق.
جزاكم الله عني خير الجزاء، وبارك فيكم ورضي عنكم وأرضاكم”.
تأملت هذه الرسالة، فوجدتها تختزل علي شرح معنى النجاح الذي قد يغيب في زحمة المواسم.
فكم من طالبٍ يفرح اليوم بنسبةٍ مرتفعة، ثم لا يلبث أن ينساها بعد سنوات، وكم من شهادةٍ كانت سببًا في وظيفة أو منصب ثم انتهى أثرها بانتهاء الدنيا؛ أما حفظ كتاب الله عز وجل فهو نجاحٌ يمتد أثره ما امتد العمر، بل يتجاوز العمر إلى القبر والآخرة.
ليس المقصود أن نزهد في التفوق الدراسي، ولا أن نقلل من قيمة الاجتهاد في تحصيل العلوم النافعة؛ فالإسلام يحث على الإتقان، ويحب من المسلم أن يكون ناجحًا في شؤون دنياه. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسأله كل طالب بعد إعلان نتيجته: وماذا بعد؟ وإلى أي غاية أسير بهذا النجاح؟
إن أعلى الدرجات ليست تلك التي تُعلَّق على الجدران، وإنما الدرجات التي ترفع صاحبها عند الله عز وجل، وأعظم الشهادات ليست شهادة جامعة، وإنما شهادة القرآن لصاحبه يوم القيامة.
فيا أيها الناجح، احمد الله على ما أنعم به عليك، واجعل نجاحك بدايةً لا نهاية، وسُلَّمًا إلى طاعة الله لا إلى الغفلة عنه. وإن كنت قد بذلت سنواتٍ لتحصيل شهادةٍ من الدنيا، فلا تبخل على نفسك بسنواتٍ تحفظ فيها كلام ربك، وتتعلم فيها دينك، وتبني بها آخرتك.
فالعاقل لا يجعل أكبر إنجاز في حياته رقمًا في كشف علامات، وإنما يجعل أعظم إنجازاته ما يلقى الله به، يوم لا ينفع مال ولا شهادة ولا منصب، إلا قلبٌ سليم، وعملٌ صالح، وقرآنٌ كان لصاحبه نورًا وشفيعًا.
وأقول لكل من فرح اليوم بنجاحه، وهو لا يحافظ على صلاته، ولا يجعل له وردًا من القرآن، ولا يتعلم من دينه ما لا يسع المسلم جهله: استنفر الآن، وقم إلى ربك قبل أن تقوم إلى جامعتك أو وظيفتك. فوالله، لو نلت العلامة الكاملة، وتقدمت على أقرانك جميعًا، ما أغنى ذلك عنك من الله شيئًا إذا لقيته مضيعًا لحقه.
وإن أعظم رسوبٍ أن ينجح المرء في امتحان الدنيا، ويخسر امتحان الآخرة، وأعظم نجاحٍ أن يكون أول نجاحاتك هو نجاحك في طاعة ربك، ثم تأتي بعد ذلك كل نجاحات الدنيا تابعةً لها لا مقدمةً عليها.
وأختم بمشهدٍ لا يزال حاضرًا في ذهني.
كان هناك طفلٌ لم يتجاوز السابعة من عمره، اسمه جابر. التقيته في زيارة وهو مريض، تبدو آثار الإعياء على وجهه، فظننت أن المرض سيمنعه من ورده المعتاد، أو أنه سيكتفي بالقليل حتى يعافيه الله.
ناولني المصحف وقال: «اسمعي مني حفظي»
قلت في نفسي: لعلني سأسمع منه نصف حزب، أو حزبًا كاملًا مراعاةً لحاله.
لكن المفاجأة أنه قال: «اسمعي لي جزأين»
نعم، جزأين كاملين، يراجعهما وهو في تلك الحال من المرض، لا يرضى أن يفرط في ورده، ولا أن يجعل المرض ذريعةً لقطع صلته بكتاب الله. وكان في سورة آل عمران وقد بدأ الحفظ من جزء عم.
ثم ما لبث بعد فترة قصيرة أن أتم حفظ القرآن كاملًا.
لقد أظهر هذا الفتى التواق من صفات الرجولة والجلدة والمروءة مبكرًا جدًا، مما لا يسعني أن أفصح عنه في هذا المقام، ولكنه جعلني أوقن أن الرجولة لا تُقاس بالأعمار، وإنما تُقاس بعلو الهمة، وأن النفوس العظيمة تبدأ عظيمة، ولو كانت في أجساد الصغار.
أسأل الله أن يبارك في جابر والفتاة الحافظة، وأن يثبتهما على كتابه، وأن يجعلهما من أهله وخاصته، وأن يجعله حفاظ كتاب الله العاملين به، للمتقين أئمة، وأن يقرَّ بهم أعين والديهم، وينفع بهم الإسلام والمسلمين.
وإن بقيت من كلمة، فأقول: لقد رأيتُ – خلال سنوات – أن حفّاظ كتاب الله، الملازمين له تلاوةً وتدبرًا وعملاً، هم في كثير من الأحيان أسبق الناس إلى التفوق في دراستهم، وأثبتهم في ميادين الدعوة، وأصدقهم في ثغور العمل في سبيل الله، وأنجحهم في تحمل المسؤوليات، وأقواهم عزيمةً على اقتحام ميادين الخير.
فما كان القرآن يومًا عائقًا عن النجاح، بل كان أعظم أسباب النجاح، وما زاحم القرآن شيئًا من أمور الدنيا إلا باركه، ولا عمر قلبًا إلا رفع صاحبه، ولا صاحب حافظًا صادقًا إلا قاده إلى معالي الأمور. فمن ظن أن حفظ القرآن يؤخره عن التفوق فقد أساء الظن بكلام الله، وإنما يؤخر الإنسانَ التفريطُ، ويقدمه الإقبالُ على الله وحسنُ تنظيم وقته.
ويبقى يوم ختم حفظ القرآن .. اليوم الذي لا يُناجزه يوم من أيام النجاحات التي يتباهى بها الناس في الدنيا!
اللهم أخرج لهذه الأمة رجالًا ونساءً يحملون همَّ الآخرة، فيبارك الله لهم في دنياهم، ويجمع لهم بين شرف العلم، ورفعة الخلق، وصدق العبادة، والنجاح في ميادين الحياة.