بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.
تزوير الذاكرة التاريخية: كيف يُعاد تشكيل ماضي الأندلس لخدمة صراعات الهوية اليوم؟
أثار منشور نشرته على منصة إكس، نقاشا حادا لخص في مشهد واحد، حجم التزوير الذي نال من تاريخ الأندلس في عقول الكثير ممن يحملون أسماء إسلامية. وحجم التخلف العقدي والخلقي في آن واحد.
علم البرتغال.. خمسة دروع يحيط بها سبعة قلاع:
الدروع الخمسة، هي رمز لقتل البرتغاليين لخمسة ملوك مسلمين، والقلاع السبعة، هي رمز لأخذ البرتغاليين لسبعة قلاع إسلامية.
يوجد في إسبانيا حاليا 3000 عائلة تحمل لقب «matamoros» أي «قاتل المسلمين» كما ينتشر اللقب في فرنسا والبرتغال، وهو… pic.twitter.com/pZ6gFWaw6y
الدروع الخمسة، هي رمز لقتل البرتغاليين لخمسة ملوك مسلمين، والقلاع السبعة، هي رمز لأخذ البرتغاليين لسبعة قلاع إسلامية.
يوجد في إسبانيا حاليا 3000 عائلة تحمل لقب «matamoros» أي «قاتل المسلمين» كما ينتشر اللقب في فرنسا والبرتغال، وهو اسم لمدينة في المكسيك.
أصدر ملك إسبانيا فيليب الثاني «ت 1558م» قرارًا بمنح جائزة لمن يأتي برأس مسلم! فقطع النصارى رؤوس «60 ألف» مسلم، فيما يعرف بـ «حملة صيد الرؤوس».
«سنوات طرد المسلمين من إسبانيا كان القرن الأكثر دموية في أوروبا إبان القرون الوسطى وهي أول عملية تطهير جماعي في العالم» (المؤرخ: «غويتيسولو مرودي»).
التاريخ كان دمويا جدا! لمن يذهله الحاضر، ومع ذلك لا يزال الإسلام يؤرقهم ويزلزل أحلامهم”.
سأل العديد من المتابعين “غروك” عن صحة هذه المعلومة وهنا أنقل بعض ردود غروك عليهم:
بعد كمّ الردود الحادة على المنشور،سألت غروك عن أبرز الاعتراضات التي رصدها، فكانت الخلاصة أن:
المنشور أثار 10 أنوع من الردود المتنوعة تعكس تنوع الآراء حول التاريخ الإيبيري والإسلامي. الاعتراضات الأكثر وضوحًا تأتي من زاوية تاريخية (الغزو مقابل التحرير) وهوية (الأمازيغ (البربر) مقابل العرب/المسلمين)، مع لمسات ساخرة ودفاعية. هذا النقاش يعكس تعقيد الذاكرة التاريخية في المنطقة، وكيف يمكن أن يتحول إلى نقاش معاصر سريعًا.
هكذا يصف غروك النقاش الحاد، لكنني أقرأ خلف هذا النقاش الحاد، تفاصيل أكثر ارتباطا بحقيقة أن الهوية التي تشكلت في العصر الحديث، لدى الكثيرين، قد استندت إلى تزوير الذاكرة التاريخية للأندلس وتحريف الأصول التي يستند لها المسلم عادة في بناء أي حكم أو خلاصة، فنحن الآن نقف أمام طغيان الانتماء القومي والوطني على الانتماء الإسلامي بشكل واضح وصريح لدى شريحة كبيرة في مواقع التواصل من مختلف الجنسيات.
سأرد فيما يلي على هذه الاعتراضات، بما يصحح الكثير من الجهل والتعالم والخلط والتعصب الذي يشكل وعيا مشوّها وخلاصات وأحكاما سطحية ومنفصلة عن الواقع والتاريخ.
القسم الأول: يوافق سياسات الإبادة للمسلمين في الأندلس بحجة أنهم “محتلون يحق طردهم من أرضهم”
وممن يحمل هذا الاعتقاد والتوجه، من ضرب مثالا بفلسطين وأن من حق الإسبان الكاثوليك طرد المسلمين الأندلسيين كما يحق للفلسطينيين طرد اليهود، مبررا بذلك الإبادة الجماعية للمسلمين في الأندلس، بصفتهم محتلين، ونرى هنا درجة الجهل بتاريخ الأندلس الذي يجعل المرء يذهل لهذه الجرأة في صياغة ردود سفيهة من حسابات تدعي الفهم!
فعمر الوجود الإسلامي في الأندلس كان قرابة ثمانية قرون كاملة.
فقد بدأ منذ سنة 711م (92هـ) عند فتح طارق بن زياد للأندلس. وانتهى سنة 1492م بسقوط غرناطة آخر ممالك المسلمين.
هل يعقل أن تعتبر الشعوب التي عاشت في الأندلس بعد 8 قرون احتلالا للأندلس؟
هل يعقل أن يكون الوعي المنتشر اليوم بهذا الحمق والسطحية والضلالة؟
فكيف وصلت عملية الإبادة إلى حد استئصال شعبٍ أندلسيٍّ مسلمٍ كامل، جذوره تمتدّ إلى السكان الأصليين من الإسبان والعرب والأمازيغ، وكل من عاش على هذه الأرض عبر القرون فقط لكونه مسلما!؟
بعد سقوط غرناطة، استلم حكمها النصارى الكاثوليك، وبدل أن يوفروا لمواطني الأندلس حقوقهم في المواطنة، كما فعل المسلمون حين دخلوها أول مرة، بمراعاة النصارى وحقوقهم في العبادة والمعيشة كمواطنين في الدولة الإسلامية، على العكس من ذلك، أصدر الملكان الكاثوليكيان إيزابيلا وفرناندو أمرًا بإنشاء محاكم التفتيش الخاصة بتعقب المسلمين وتصفيتهم أو إجبارهم على التنصّر.
بدأت هذه المحاكم الوحشية العمل سنة 1478م – بمرسوم بابوي من البابا سيكستوس الرابع، وإن كانت أعمالها اشتدت خاصة بعد 1492م ضد المسلمين واليهود.
وعرفت أقسى فتراتها ضد المسلمين: من 1499م إلى 1525م حين بدأت حملات التنصير القسري الجماعية.
استمرت رسميًا إلى 1834م حين أُلغيت نهائيًا في إسبانيا.
كيف يمكن اعتبار قتل المسلمين وطردهم من أرض عاشوا فيها 8 قرون تحريرا؟ وهل يمكن مقارنته بالفتح الإسلامي؟
العديد من الردود حملت مغالطة تاريخية فادحة بالقول أن :”الغزو الإسلامي الأول لشبه الجزيرة الإيبيرية كان احتلالًا، وأن البرتغاليين/الإسبان حرروا أراضيهم”. على سبيل المثال، يقول أحدهم: “كيف وصلوا المسلمين لأراضي أسبانيا؟ سياحة ولا غزو؟”، وبعضهم يقول من حق الإسبان طرد الاحتلال.
ما يجهله هؤلاء، أن الوجود الإسلامي لم يكن “احتلالًا” بل كان بدعوة من فئات محلية مظلومة حيث دخل المسلمون الأندلس سنة 711م بدعوة من زعماء قوط مظلومين من ظلم الملك القوطي “لذريق”. هذه حقيقة أولى مثبتة في المصادر الإسلامية والإسبانية معًا. فلم يكن دخول المسلمين اغتصابًا، بل كان نتيجة صراع داخلي وقبول شعبي واسع لرفع الظلم عنهم وتحقيق العدالة.
ثم تأتي الحقيقة الثانية: إن الحكم الإسلامي في الأندلس كان أقرب إلى “نظام المواطنة” على عكس أوروبا القمعية المستبدة المظلمة في تلك الفترة، فقد وفّر المسلمون حرية دينية لليهود والنصارى (باعتبارهم من أهل الذمة) وسمحوا لهم بكنائسهم وأملاكهم ومحاكمهم. وقدموا لهم إعفاءات كثيرة وجزية قليلة (أقل بكثير من الضرائب القوطية السابقة). واليهود تحديدًا اعتبروا دخول المسلمين “تحريرًا” من اضطهاد القوط. على عكس حروب ما يسمى “الاسترداد” التي أطلقها الكاثوليك، والتي كانت طردًا جماعيًا، وتنصيرًا قسريًا، ومحاكم تفتيش، ومنعًا لأي شعائر أو عبادات، وحرمانا من كل حق! فمن هو حقا المحتل هنا؟
ثم تأتي الحقيقة الثالثة: إن الادعاء بأن البلاد “كانت ملكًا للمسيحيين” غير صحيح تاريخيًا قبل الإسلام، فقد سكن الأندلس الرومان ثم القوط ثم خليط من قبائل مختلفة. ولم تكن هناك “أمة إسبانية” أصلاً. ووجود المسلمين دام 8 قرون، أي أطول من أي حكم قبله أو بعده. وأي شعب يعيش 800 سنة يصبح جزءًا أصيلًا من نسيج البلد.
وإن كان بحسب هؤلاء، من حق “الأسبان” استرداد بلادهم بعد نحو 800 سنة، فهذا يفتح الباب لكل الشعوب أن تدّعي حق العودة إلى مئات الأراضي القديمة! فمن حق المسلمين إذا “استرداد” الأندلس؟ ومن حق الرومان “استرداد” بريطانيا؟ ومن حق الفرس “استرداد” العراق؟ ومن حق النورمانديين “استرداد” إنجلترا؟
وهذا منطق متناقض في ذاته، لا يعترف بأي واقع جديد يصنعه التحول التاريخي للأمم والخرائط على امتداد محور الزمن بوحدة “القرون”.
ثم تأتي الحقيقة الرابعة: حروب الاسترداد لم تكن “معارك تحرير” بل كانت حملات دينية طائفية وهذا ثابت، فقادة الحروب كانوا يرفعون شعار الحرب المقدسة (La Guerra Santa). والانتهاء الحقيقي كان بالطرد والقتل والتنصير القسري لملايين المسلمين الأندلسيين الذين ولدوا في هذه الأرض جيلا بعد جيل. ومحاكم التفتيش حرقت الناس لأنهم ليسوا نصارى بما يكفي. وفي كل الأعراف، التحرير لا يكون بالقتل الجماعي ومحاكم التفتيش والإبادة الثقافية. إلا في عقول المجرمين.
ثم تأتي الحقيقة الخامسة: الدولة الأموية في الأندلس كانت دولة حضارة، لا احتلال فلو كان المسلمون محتلين لكان حال الأندلس مثل حال المستعمرات الفرنسية في إفريقيا لكن الذي حدث هو بناء حضارة تاريخية ماجدة استمدت منها أوروبا قوتها بل وخرجت بفضلها من الظلمات إلى النور، فقد أصبحت الأندلس مركز العلم والطب والهندسة والفنون والعمارة والحضارة الراقية في وقت كانت أوروبا تقبع في مستنقعات الجهل واضطهاد الشعوب وقمعها بقوانين الكنيسة المتخلفة. لقد تطوّرت المدن في عهد المسلمين إلى مستوى أرقى من كل أوروبا بل كانت مضرب الأمثال للتطور والحضارة في كل أوروبا. وهل يمكن لـ”المحتل” أن يبني حضارة لم تنافسها حضارة في زمانها كما فعلت حضارة الأندلس. وماذا ترك الاحتلال الأوروبي لإفريقيا غير البؤس والشقاء ونهب الثروات؟ وشهادات المؤرخين في ذلك لا تعد ولا تحصى بل ذهب بعضهم إلى القول أن تفوق أمريكا إنما قام على أنقاض حضارة الأندلس.
ثم تأتي الحقيقة السادسة: الحكم الإسلامي انتهى لأنه ضعف داخليًا… لا لأن الإسبان الكاثوليك “استعادوا حقهم” فحروب الاسترداد نجحت عندما تفكّك المسلمون إلى طوائف. وتحالف بعضهم مع ملوك قشتالة. واجتاح الضعف السياسي البلاد. فجاء السقوط نتيجة حالة الضعف من الداخل ثم الغزو من الخارج، وليس “استعادة وطن” كما يزعم الجهلة والمتأزمون نفسيا.
الوجود الإسلامي في الأندلس لم يكن اغتصابًا، بل كان دعوة من أهلها، وإخراجا لهم من الظلمات إلى النور، واستمر 8 قرون، وقدم حضارة لم تعرفها أوروبا حينها وحسن من حياة الناس ونظم معيشتهم بأحسن مما كانوا يطمحون، ودخل السكان الأصليون الإسلام طوعا لا كراهية، ولم تستخدم أي وسيلة عنف كما فعل التنصير القسري!
أما حروب الاسترداد فلم تكن “تحريرًا”، بل كانت تطهيرًا دينيًا وعرقيا أدى إلى الطرد الجماعي والتنصير الإجباري ومحاكم التفتيش وإبادة ثقافية كاملة لم تُحفظ فيها أدنى حقوق لأي فرد ولو كان إسبانيا مسلما، أبا عن جد في أرضه!
وليس في التاريخ أن الظلم يُسمّى “حقًّا”.
ومهما تعددت الحجج والذرائع، فاعتبارُ إبادةٍ جماعيةٍ من أبشع ما عرفه التاريخ البشري “حقًا مشروعًا” لطرد محتلٍّ هو ضربٌ من الجنون؛ لا يتفوه به إلا مختلٌّ عقليًا أو مريضٌ نفسيًا.
ومن عرف تاريخ الأندلس حقا، وعرف تأثير حضارتها في تاريخ أوروبا وحاضرها، لخجل من مثل هذه التعليقات الحمقاء والسفيهة ولترفع بنفسه عن حالة الغثائية التي صنعها الغلو الانهزامي والقومي والوطني على حساب حقائق التاريخ الراسخة.
القسم الثاني: مبتلى بعصبية الأمازيع والمغاربة
شريحة من القراء اعترضوا على تسمية المور بالمسلمين، وأظهروا عصبيتهم للأمازيغ (البربر)، واحتجوا بأن المسلمين بشكل عام “سطوا على تاريخ الأمازيغ باسم الإسلام!”. في هذه الردود كان هناك تركيز على التمييز بين “المور” (الأمازيغ/البربر) و”المسلمين”، معتبرين أن التفسير يمزج بين هويات مختلفة.
وهذه نتيجة أخرى للحشو الجاهلي المتعصب الذي يغزو هذه العقول، ويحتلها، وهي حقا بحاجة لفتح وتحرير على طريقة الإسلام لا طريقة النصارى الكاثوليك.
فكلمة “المور” أصلًا تعني عند الأوروبيين: المسلمون من المغرب والأندلس، هذا تعريف الكلمة في:
المصادر الإسبانية: (Moros)
البرتغالية: (Mouros)
اللاتينية: (Mauri)
وفي سجلات الكنيسة ووثائق محاكم التفتيش.
المور = مسلمون وليس “عرقًا”.
فهو مصطلح ديني، لا عرقي.
وحتى النصارى في إسبانيا كانوا يسمّون النصارى الذين أسلموا: Moriscos = المسلمون الجدد وليس “الأمازيغ (البربر) الجدد”.
والمور ليسوا عِرقًا واحدًا فقد كانوا مزيجًا من: العرب والأمازيغ والأفارقة والمستعربين (النصارى الذين أسلموا) والمولدين والسلافيين (الصقالبة) والأندلسيين المحليين،
فكيف يختزلونهم في “أمازيغ فقط”؟
ثم إن الصحابة والعرب شاركوا من بداية الفتح، فهم من أدخل الإسلام، ولم يكرهوا أحدا عليه فدخل الأمازيغ (البربر) لدين الله طوعا لا كرها. وبالتالي لم تكن هذه النزعات العنصرية تمنع وحدة صفوفهم ولذلك فتح الله لهم الأرض فأقاموا دولا عظيمة وكبيرة في الخريطة. دولا إسلامية! وليست أمازيغية. لأن الإسلام أكبر من كل عرق وانتماء وطني.
بل اليهود أيضًا دخلوا تحت الحكم الإسلامي وسُمّوا ضمن “المور” بسبب هذا الدخول.
لذلك يطلق الأوروبيون اسم “المور” على كل من يعيش تحت الحكم الإسلامي رغم اختلاف أصولهم. وكنت ذكرت هذه المعلومة عند تناولي لتاريخ شرق آسيا، حيث وصلت آثار الإبادة الجماعية التي سلطها النصارى الكاثوليك على المسلمين عبر البحار إلى غاية شرق آسيا، فلاحق القراصنة الأوروبيون المسلمين هناك، حقدا وطغيانا لقتلهم، وأطلقوا عليهم اسم “المور”، وهذا ما يفسر انتقال اسم “المور” إلى الفلبين في أقصى الشرق! بعيدا تماما عن المغرب. وهنا اقتباس من مقالتي عن تاريخ الفلبين ذكرت فيه هذه المعلومة:
من أين جاءت تسمية مسلمي المورو؟
وأطلق الإسبان اسم “المورو” على المسلمين في الجزر التي كان حكامها مسلمون، وهو اسم أطلقوه على المسلمين في المغرب ومن ثمة أطلقوه على كل مسلم وجدوه في مدغشقر وسيلان وجنوب شرقي آسيا وكل مكان.
ثم إن الهوية في تلك الفترة لم تكن “قومية” بل دينية، فقبل القرن 19 لم يكن هناك مفهوم “مغربي – جزائري – تونسي – أمازيغي قومي”. هذه كلها تسميات حديثة جدًا.
في القرون الوسطى كانت الهوية الأساسية: مسلم أو نصراني أو يهودي، ولذلك كان الإسبان يعرّفون الجميع حسب الدين.
فإطلاق كلمة “مور” كان تحديدًا لأنهم مسلمون، لا لأنهم شعب عرقي واحد.
أما عقدة التاريخ الأمازيغي، فالأمازيغ أنفسهم اختاروا الإسلام هوية وحضارة ولذلك نجدهم قد حكموا الأندلس فعليًا 400 سنة بأسمائهم الشهيرة: المرابطون، الموحدون، بني زيري، بني حمود، بنو مردنيش، ومن دلائل اعتزازهم بالإسلام عقيدة ودينا على عكس خلفهم الذين تعصبوا للعرق وبخسوا الإسلام عظمته، أن عدة ولاة وقضاة وقادة كانوا يسمّون أنفسهم: “جند الإسلام”، “ملوك المسلمين”، “أمراء المؤمنين” ولم يسمّ أحد نفسه “ملك الأمازيغ في الأندلس” مثلاً.
لأن الهوية المُعلنة كانت الإسلامية لا القومية. أما اليوم فتغير الحال وأصبحت القومية والوطنية الدين أو الصنم الجديد!
ونحن نجد بعض المؤرخين من أصول أمازيغية، يعترفون بأن أهل الأندلس من العرب والبربر والموالي قد غلب عليهم الإسلام فصاروا أمّة واحدة.
لأن الإسلام هو الذي وحدهم وأعطاهم هوية مشتركة وهو أكبر وأعلى من كل قومية ونزعة تعصب بائسة.
والحقيقة التي يجهلها هؤلاء القوميون المتعصبون أننا لو قلنا أنهم “أمازيغ فقط”… هذا يلغي دور العرب والمسلمين المحليين وهذا خطأ فادح لأسباب، أولها أن الفتح كان عربياً – أمازيغياً مشتركاً وأن الدولة الأموية في الأندلس كانت عربية القيادة وأن الموريسكيين كانوا إسبانًا أصلاً. ثم العرب شكّلوا طبقة علمية وقضائية واسعة، وقبائل يمنية وقيسية سكنت الأندلس بكثافة، لذلك فاختزالهم في هوية عرقية واحدة تزوير تاريخي.
ومصطلح “المور” عبر التاريخ يشير إلى سكان الأندلس والمغرب أثناء الحكم الإسلامي، مهما اختلفت أعراقهم. وهو مصطلح حضاري–ديني وليس قومي–عرقي. فمن يعترض على هذا، يعترض على: وثائق الكنيسة ومؤرخين نصارى ويهود ومسلمين، وخرائط القرون الوسطى وسجلات محاكم التفتيش وكتابات الإسبان والبرتغاليين أنفسهم ولا يوافق التاريخ إلا من قال: المور هم المسلمون في الأندلس والمغرب، عربًا وأمازيغًا وأوروبيين وغيرهم.
هل المور هم المرتبطون بالمملكة المورية؟
نأتي الآن للرد على من يزعم أن “المور” مرتبطون بالمملكة المورية القديمة فقط، وأن المصطلح لا يدل على المسلمين. هذا الادعاء شائع في النقاشات المتعصّبة، وغالبًا ناتج عن جهل بالتطور التاريخي للمصطلح في المصادر الأوروبية.
فالكلمة Maure / Mauri في المصادر اليونانية واللاتينية القديمة كانت تشير إلى سكان موريطنية، أي شمال المغرب وشمال غرب الجزائر.
لكن ابتداءً من العصور الوسطى تغيّر معنى المصطلح جذريًا؛ إذ أصبحت كلمة “مور” في الوثائق الإسبانية والبرتغالية واللاتينية (من القرن 8 إلى 15م) تشير مباشرة إلى المسلمين في الأندلس والمغرب، دون اعتبار لأصولهم العرقية. فكان الأوروبيون يطلقون “المور” على كل مسلم قادم من المغرب أو الأندلس، سواء كان عربيًا أو أمازيغيًا أو إسبانيًا اعتنق الإسلام.
ولهذا نجد أن الأوروبيين أنفسهم فرّقوا بوضوح بين:
المور (Moros): مسلمو الأندلس والمغرب بعد الفتح الإسلامي.
الموريين القدماء (Mauri): شعوب ما قبل الإسلام.
فلو كان “المور” يعني فقط “أحفاد مملكة موريطنية”: فكيف سمّوا المسلمين في الأندلس بالمور، وهم ليسوا من موريطنية أصلاً؟
وحتى بعد سقوط الأندلس صار الإسبان يصفون أي مسلم – حتى التركي أو الفارسي أو الهندي – بأنه:
“Moro” أو “Mahometano Moro”.
وهذا موجود في سجلات محاكم التفتيش.
“الحق التاريخي”
يمكن تلخيص ما يجري اليوم بين بعض المغاربة والأمازيغ المتعصّبين لانتمائهم العرقي في اعتقادهم بأنهم أصحاب “الحق التاريخي” الحصري في الأرض، مستندين إلى الإرث الأمازيغي العريق الذي عرفته هذه المنطقة عبر القرون.
غير أنّ مفهوم “الحق التاريخي” نفسه مفهوم مضلِّل اجتماعيًا وتاريخيًا؛ فكل أرض مرّت عليها أمم وهجرات وثقافات متعاقبة، وشمال إفريقيا لم تكن استثناءً. بل إن هجرات العرب إليها، وما حملته من رسالة الإسلام، قد أسهمت في بناء حضارة واسعة امتدّ تأثيرها بين إفريقيا وأوروبا، وتشكلت منها دولٌ إسلامية كبرى. ولم يكن ذلك إنجازًا أمازيغيًا خالصًا، بل هو ثمرة وصول الإسلام إلى شعوب المنطقة جميعًا. وهذا ما ينبغي للمتعصّبين أن يعترفوا به، وأن يتعاملوا معه بإنصاف وأدب مع الله تعالى؛ فقد كان الإسلام هو الذي نقل الأمازيغ من حال إلى حال، وفتح لهم أبواب العزّ الذي لم يعرفوه قبل اعتناقهم له.
ومن يطالع تاريخ شمال إفريقيا يدرك بوضوح أنها لم تكن يومًا ذات هوية أحادية، بل كانت فضاءً تعاقبت عليه الهويات الأمازيغية والرومانية والقبطية والعربية والإسلامية. لذلك فإن أي محاولة لفرض “نقاء عرقي أو ثقافي” ليست سوى تزوير للتاريخ، وإسقاطٍ لحقائق ثابتة لا يمكن إنكارها.
ومن الظلم البين أن يُقارَن الإسلام بعهود وثنية أو معتقدات جاهلية؛ فالإسلام رسالة سماوية دخلها الأمازيغ عن قناعة واختيار، لا عن قسر وإكراه. ودليل ذلك أنّهم حملوا نور الإسلام إلى الآفاق من حولهم، وحافظوا على العربية والقرآن، وعدّوهما معلمَ هدايةٍ وشعارَ عزّ يتواصون به جيلاً بعد جيل.
والإسلام – يا أبناء الأمازيغ – ليس هويةً عربيةً ولا امتيازًا لطائفة دون أخرى؛ هذا فهم مختلّ. الإسلام دين الله للعالمين وللناس أجمعين، لا يقيّده عرقٌ ولا جنسٌ ولا حدود. من أعزّه الله به ارتفع، ومن أعرض عنه خسر وذلّ.
لقد صنع الإسلام من الأمازيغ أمةً مسلمة شامخة، تشرّفت بلغة القرآن، وحين تمسّكوا به بلغوا مقامات الريادة والقيادة والفتح. لذا وجب أن نرتفع فوق هذه الفوضى في قراءة تاريخ الأندلس، وأن ننتبه لأساليب الفتنة التي تُغذّي التعصب والصراع العربي–الأمازيغي؛ صراعٌ لا يخدم إلا أصحاب المشاريع السياسية البائسة، الذين يعجبهم زرع الفرقة وإضعاف الأمة ومنعها من الاجتماع على دينها.
فالأمازيغ عبر تاريخهم لم يروا الإسلام ولا العربية تهديدًا لهويتهم، بل رأوا فيهما امتدادًا لقيمهم الأصيلة في الشجاعة والحرية والنجدة. فاهدأ أيها المتعصّب، واعلم أنّ الإسلام شرفٌ يُعتزّ به، لا “عار” يُتبرّأ منه – والعياذ بالله.
أما الإبادة الجماعية، فمن الجور إنكار حقيقتها؛ فقد استهدفت كل مسلم في الأندلس بلا تمييز بين عربي وأمازيغي وإسباني. كلهم كانوا عند العدو أمّةً واحدة، حملت اسم الإسلام فحورِبت بسببه.
ردود لافتة وتستحق النظر
كان هناك العديد من الردود الساخرة أو التهكمية عن تعلق المسلمين ببرشلونة وريال مدريد. وفي الواقع هذه التعليقات وضعت يدها على جرح، يعكس فقدان الهوية مرة أخرى، فالناس تتعلق بأي شيء، حين يكون الأمر انهزامية وتبعية، لكن أن يستحضروا تاريخهم وحقائقه الدامية، تتصدر النزعة الوطنية والقومية المتبرأة من الإسلام، وهذا نتيجة الغزو الفكري الغربي الذي دمر قواعد العقيدة ورسخ مكانها الانتماء لكل شيء إلا الإسلام. وهو سبب بارز لتخلف الشعوب المسلمة اليوم.
وعلى الرغم من كمّ الردود المتعالمة والمتعصبة، كانت هناك ردود تحمل غيرة على الدين وشوقا لعودة المجد التليد بل ويقينا بوعد الله الحق، وحملت بشرى النبي صلى الله عليه وسلم “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار”. فأسأل الله تعالى أن يثبت كل المسلمين الصادقين، ويمتعهم بفضائل الإيمان والمعية واليقين ويؤيدهم بنصره وبالمؤمنين.
وفي الختام،
معظم الاعتراضات انطلقت من منطلقات هويّاتية وانهزامية نفسيّة، تحوّلت عند بعضهم إلى صنم جديد يُقدَّم على الإسلام ويُهمِّشه. ويتبيّن أن كثيرًا من تلك الاعتراضات يصدر عن عربيٍ يستنكف من تاريخه الماجد، فيبرّر الإبادة الجماعية باعتبارها “حقًا مشروعًا لإخراج محتلّ”، غير مكترثٍ بأنها إبادة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومتجاهلًا تمامًا أن الأندلس حضارة زاهرة امتدّت ثمانية قرون، وتركَت آثارًا تجاوزت حدود الزمن والجغرافيا؛ مما يدلّ على غيبوبة وعي لا تُشفى إلا بصدمةٍ تُفيق أو إنعاشٍ يعيد البصر والبصيرة.
وبالموازاة، يأتي اعتراض آخر من بعض الأمازيغ (المغاربة) الذين غاب عنهم أن الإسلام كان لهم عزًّا ورفعةً أعظم من أي انتماء قومي، وأن الحقبة الوثنية لم تكن سوى فصلٍ مظلم، فجاء الإسلام ليحرّرهم من عبودية الوثن إلى عبودية الله وحده.
وهذا كلّه يسلّط الضوء على أزمة هوية حقيقية تستحق التوقف والدراسة.
إن تاريخ الأندلس يكشف لنا حقيقة جوهرية: لسنا أمام معركة “ملكية أرض”، بل أمام معركة حفظ الفطرة السليمة التي تميّز بين الخير والشر، والحق والباطل، ومعركة الدفاع عن حقوق ملايين البشر الذين قُتلوا في وطنهم وطُردوا منه فقط لأنهم قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية وأصولهم التاريخية.
لقد استطاع الإسلام أن يوحّد شعوب الأندلس أمّةً واحدة دون أن يمحو لغاتها وثقافاتها كما أنه لم يجبر اليهود والنصارى على ترك دياناتهم، وعاش الجميع في ظلال دولة وفية لأفراد شعبها، تخدمهم بصيانة حقوقهم وحفظ تطور بلادهم وسيادة حضارتها وتفوقها، فكان فتحا حقيقيا، وفي المقابل عجزت النصرانية عن حماية حقوق تلك الشعوب، بل لاحقتهم بأبشع وسائل التعذيب والقتل. فكان احتلالا وظلما عظيما.
لقد كان الاضطهاد الوحشي في محاكم التفتيش أبعدَ ما يكون عن مجرد تضييق أو مراقبة؛ بل كان سحقًا منهجيًّا لكل ما يمتّ للإسلام بصلة. كان المسلم يُلاحَق في أنفاسه، وفي كلماته، وفي نظراته، وفي عاداته اليومية البسيطة، خوفًا من أن يكون في قلبه بقايا من نور التوحيد.
كانت المحاكم تُفتّش الضمائر قبل البيوت، وتطارد الهويّة قبل الأجساد، فلا تترك للمسلم مجالًا ليعيش إيمانه سرًّا أو علنًا، حتى غدا مجرّد التمسّك بتعاليم الإسلام – ولو في أدق تفاصيله – جريمة يعاقَب عليها بالحرق أو السجن أو الطرد. ذلك هو الاضطهاد الذي مزّق حياة الملايين، وطمس تاريخًا طويلًا من الحضارة والنجاح الذي حققه الإسلام في أرض أوروبا المظلمة.
إن الذين يثيرون اليوم صراع الهوية بنفسية منهزمة أو متعصبة، ولا يجدون حرجًا في تبرير الإبادة الجماعية بوصفها «تحريرًا لأرضٍ» عاش فيها أهلها ثمانية قرون، إنما يسعون لإعادة إنتاج الاحتلال بوجه جديد ولغة جديدة. ولا يفعل ذلك مسلم بحق، إنما يفعل ذلك المنسلخون والخونة لدينهم وأمتهم والأعداء لأنفسهم قبل كل شيء! وهؤلاء يحق لنا تسميتهم بالطابور الخامس!
المشكلة ليست في إنكار حقائق التاريخ، بل في مَن يتخذ من التاريخ سلاحًا لتفريغ عقده النفسية والفكرية؛ بين منبهر بالغرب كعبد ذليل من جهة، ومتعصّب لهواه كحاقد متهور، من جهة أخرى. وكل هذا حصيلة التخلف العقدي والانحطاط الأخلاقي الذي تكبدته هذه الأمة منذ عقود، ولذلك لن يحييها إلا فتح إسلامي جديد على مقاسات الجيل المتفرد، ووعد الله حق قادم لا محالة، قال جل جلاله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
م التفتيش.
تصوير فتح قديم عمره 8 قرون على أنه “احتلال”.
نزع هوية “المسلمين” عن الأمازيغ، وجعل الأمازيغية بديلًا عن الإسلام.
تقديم صراع “الحق التاريخي” بدلًا من تفسير التاريخ بمنطقه الاجتماعي–الحضاري.
هذه القراءة ستساعدك على تحليل دوافع الردود وكيفية تفكيكها.
أولًا: هذه التفاعلات ليست نقاشًا تاريخيًا، بل صراع هوية
حين يتحوّل النقاش من:
“ما الذي حدث؟” → إلى → “من يحق له أن يمثل الماضي؟”
فقد غادرنا حقل التاريخ ودخلنا في حقل السياسة الهويوية.
ولهذا تظهر:
حساسية مفرطة تجاه كلمة “مسلم”.
رغبة في إعادة صياغة ماضي الأندلس لإسقاطه على صراعات اليوم.
خوف من أن يُنسب “مجْد الماضي” إلى انتماء ديني بدلًا من انتماء قومي.
إذن التفاعل ليس بسبب “المعلومة” بل بسبب “تهديد الهوية”.
ثانيًا: إعادة تفسير الفتح باعتباره احتلالًا = محاولة لإنشاء سردية وطنية حديثة
هذه الظاهرة منتشرة جدًا في العالم الإسلامي اليوم:
إعادة قراءة الفتح الإسلامي في مصر أو الأندلس أو المغرب باعتباره “غزوًا”.
تصوير دخول الإسلام إلى المغرب على أنه “فرض بالقوة”.
نزع الطابع الديني للحضارات الإسلامية وإبداله بإطار قومي أو عرقي.
لماذا؟
لأن الدولة الحديثة بحاجة إلى سردية قومية تقوم على:
حدود سياسية ثابتة.
“عرق” محدد.
“هوية وطنية” مشتركة.
تاريخ يزرع لدى المواطن شعورًا بأنه ينتمي لكيان مستقل قديم.
لكن:
❌ الأندلس كانت حضارة متعددة الأعراق ❌ الإسلام كان هوية عابرة للحدود ❌ العرب والأمازيغ كانوا جزءًا واحدًا من المشروع الحضاري
وهذا يُربك السرديات القومية الحديثة.
ثالثًا: تحويل الأمازيغ إلى مشروع مضاد للإسلام = استعمال سياسي معاصر وليس قراءة تاريخية
عندما يقول البعض:
“ليسوا مسلمين… هم أمازيغ فقط”
فهذا ليس وصفًا تاريخيًا، بل:
رد فعل على صراعات هوية داخل المغرب العربي.
محاولة خلق “مشروع قومي أمازيغي” في مقابل “الهوية العربية الإسلامية”.
استثمار الاستعمار الفرنسي القديم الذي روّج لفكرة: “الأمازيغ ليسوا مسلمين حقيقيين”.
إذن فهذه الاعتراضات ليست نتاج قراءة للتاريخ، بل إعادة إنتاج لإيديولوجيات فرنسية قديمة.
رابعًا: اختزال 8 قرون من الحضارة إلى كلمة “احتلال” = بتر للتاريخ
في السرديات الأيديولوجية، يتم تجاهل:
العمران
العلوم
الفقه
الفلسفة
اللغة
فنون الحكم
المدن
التجارة
دور الأندلس في النهضة الأوروبية
كل هذا يُمحى ويُختزل إلى:
“احتلال دام 8 قرون”
وهذا تبسيط مضاد للعقل والمنهج التاريخي، لأن:
الاحتلال لا يبني جامعات
الاحتلال لا يعلّم أوروبا الحساب والموسيقى والطب
الاحتلال لا يمنح اليهود 8 قرون من الأمن حين كانوا يُبادون في أوروبا
الاحتلال لا ينتج 200 شاعر و40 طبيبًا و11 مدرسة في مدينة واحدة
إذن الوصف نفسه مستحيل تاريخيًا.
خامسًا: الخلط بين “التاريخ” و“الانتماء اليوم”
حين يقول أحدهم:
“الأمازيغ أولى من المسلمين”
فهو يقيس الماضي بمعايير الحاضر:
اليوم هناك أمازيغ غير مسلمين → يظن بأن الماضي كان كذلك.
اليوم هناك صراع هوية → فيسقطه على قرطبة وغرناطة.
اليوم “أمازيغي مقابل عربي” → فيتوهم أنه كان موجودًا في العصر الوسيط.
لكن الحقيقة:
في الأندلس:
80% من السكان كانوا مولدين (سكان أصليين أسلموا).
الأمازيغ كانوا أعمدة الجيش والدولة.
لم يكن هناك صراع “عرقي”، بل صراع سياسي شأنه شأن كل العصور.
ولم يفكر أحد في الأندلس قائلًا:
“أنا أمازيغي وليس مسلمًا”
هذه فكرة وُلدت بعد 1950 وليس قبل 711م.
سادسًا: كيف ترد على هذا النوع من التفاعل؟ (الردّ المختصر)
الردّ الفعال يجمع بين الحجة والهدوء:
الفتح الإسلامي لم يكن احتلالًا
لأنه لم يغيّر هوية السكان بل:
أدخلوا الإسلام طوعًا (وهو ما تثبته سجلات الضرائب والتحولات الدينية).
حافظوا على الأرض واللغة الأصلية في البداية.
العهدة العمرية في الأندلس منحت الأمن لأهل الكتاب.
السكان الأصليون أصبحوا هم أغلبية المسلمين، وليس القادمون من الخارج.
الأمازيغ ليسوا نقيض الإسلام بل كانوا صانعي حضارته
الدولة المرابطية والموحدية – أمازيغية بالكامل – هي التي:
حمت الأندلس
أنقذتها من الضياع
أنجبت ابن رشد وابن بطوطة وابن تومرت ويوسف بن تاشفين
قول “أمازيغ وليسوا مسلمين” تضاد تاريخي لا وجود له.
التاريخ ليس ملكًا لأحد
ولا يمكن إعادة كتابة الماضي لخدمة صراعات اليوم.
الأندلس ليست “ملكية قومية” بل حضارة عالمية
اشترك فيها:
العرب
الأمازيغ
الإسبان
اليهود
الأفارقة
المولّدون
والمسمى الجامع لها كان: الإسلام.
الخلاصة
عندما يتحول النقاش التاريخي إلى:
تصوير الفتح على أنه احتلال
نزع صفة “مسلمين” عن “المور”
تقديم هوية عرقية على هوية حضارية
فهذا يعني أننا أمام صراع هوية معاصر، وليس أمام قراءة علمية للماضي.
وواجب الباحث أو الداعي أو المثقف:
أن يفكك الخلفيات
ويعيد الناس إلى سياق التاريخ الحقيقي
ويمنع إسقاطات الحاضر على الماضي السياق المعاصر: المنشور ينتهي بجملة “الإسلام يؤرقهم ويزلزل أحلامهم”، مما قد يُفسر كتعليق على الوضع الحالي (مثل التوترات بين المسلمين والغرب)، مما يزيد من حدة الردود.
بأن المناقشة تشمل كل من الأمازيغ والعرب كجزء من الفتح الإسلامي قد يخفف التوتر.
النشرة البريدية
بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.