تحت ظلال بيعة العقبة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد:

نقف اليوم على مسافة أربعة عشر قرنًا بين صدر الإسلام الأول وبين زماننا … آخر الزمان!

نقف كالغريب الذي أبعدته الديار، واستوحش الطريق، فما حوله لا ينفك يدعوه إلى المعصية والانفلات والتقصير، بل ويصل به – إن غفل أو استهان – إلى حد الانحراف والظلم. أما ما ينشده فمتّهم لأجله، بالتخلف والرجعية والمثالية الحمقاء! وهو كذلك يسير مثقل القلب والكاهل، بين حنينٍ للأولين، وتشويشٍ من الآخرين.

يفتح كتاب ربه فيرى الهُدى يشعّ نورًا، كل التفاصيل تنسجم معها روحه! ويرى في ميراث السابقين الأولين وصيةً اقترن الفلاح فيها بحُسن الاتباع لا يزال ينشده؛ قال الله جل جلاله:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100)

نحن بحاجة إلى التحديق عميقًا في هدي السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ في فهمهم لرسالة الإسلام، وفي معادنهم الصافية وصلابتهم في نصرة الحق. نحتاج إلى الوقوف على ما غرسته فيهم مدرسة النبوة من علمٍ وعملٍ وأثرٍ باقٍ. فبمثل هذا الاقتداء نستطيع أن نصمد في واقعٍ تتلاطم فيه التيارات من كل جانب، نخشى أن تجرفنا – في أي لحظة – أمواجها العاتية المتوالية.

لقد وجدتُ في بيعة العقبة دروسًا جليلة، تُلقي في النفس الثبات، وتضبط للمسيرة اتجاهها، وتجلّي معالم الحق براحة ضمير وانشراح في الصدر. وجدتُ فيها مفاتيحَ لحسن الاتباع، تجمع بين وضوح الرؤية ورسوخ القدم.

قبل أربعة عشر قرنًا، واجه النبي ﷺ في بدايات دعوته بمكة، معارضة شرسة واضطهادا شديدًا من قريش، وأصيب المسلمون والمسلمات بالضيق والأذى لإيمانهم. وفي هذه المرحلة تتجلّى لنا سنّة راسخة: أن الدعوات العظيمة لا بد أن تُحاط بالشدائد، وأن طريق الحق لا يخلو من أذى وعدوان ومكاره. ولذلك فإن الموقف الصحيح للمؤمن والمؤمنة هو الاقتداء بالنبي ﷺ وصحابته رضي الله عنهم، صبرًا وثباتًا، وسعيًا في إيجاد الحلول التي تحفظ للدعوة امتدادها، وتتجاوز بها عقبة الحصار والحظر، وتصون معالمها من التشويه والطمس.

وهذا المعنى هو ما تبثّه في النفس فصولُ بيعة العقبة؛ تلك اللحظات الفاصلة التي حملت من العبر والدروس ما يرسّخ المفاهيم بصفاء، ويُظهر سعة أفق النبي ﷺ وحكمته في نصرة الحق.

فبعد اشتداد أذى قريش على النبي ﷺ وأصحابه، ووفاة عمّه أبي طالب وخديجة رضي الله عنها – وكانا كلاهما من الرفقة التي تُخفّف عنه وتناصره- لم يستسلم رسول الله ﷺ لحصار مكة ولا لقلة الناصر، بل مضى يبحث عن أرض جديدة تحمل نور الرسالة.

وبمشيئة الله تعالى، انفتحت أمامه أبواب يثرب (المدينة المنوّرة)، وكانت النفوس فيها مهيأة لاستقبال آخر الأنبياء، فقد اعتادت سماع صفته وبشارته من اليهود الذين كانوا يذكّرون الناس بظهور نبي آخر الزمان. ومع معرفة أهل يثرب بهذه البشارات، صار استقبال دعوة النبي ﷺ أقرب إلى القلوب وأسرع إلى القبول. والله جل جلاله إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه!

بيعة العقبة الأولى

بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض الإسلام على القبائل عند «العقبة» في منى، لقي ستة أشخاص من الخزرج من يثرب، هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقُطبَة بن عامر بن حديدة، وعُقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنتم؟»، قالوا: «نفر من الخزرج»، قال: «أمن موالي يهود؟»، قالوا: «نعم!»، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟»، قالوا: «بلى»، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض «يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه».

وقد كان اليهود يتوعدون الخزرج بقتلهم بنبي آخر الزمان.

قال ابن إسحاق: “… قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا” .

فأسلم أولئك النفر، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم. فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم خبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوا النبي بالعقبة في منى، فبايعوه، وكانوا عشرة من الخزرج هم: أسعد بن زرارة، عوف بن الحارث، معاذ بن الحارث، ذكوان بن عبد قيس، عبادة بن الصامت، قطبة بن عامر بن حديدة، عقبة بن عامر السلمي، العباس بن عبادة، يزيد بن ثعلبة، رافع بن مالك، واثنين من الأوس وهما: عويم بن ساعدة، مالك بن التيهان.

اثنا عشر رجلا، هم نواة نصرة الإسلام في المدينة.

اتصل هؤلاء الأنصار برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى، فبايعوه بيعة النساء، أي وفق بيعتهن التي نزلت عند فتح مكة.

هؤلاء هم الذين شرّفهم الله بأن يكونوا أول أهل المدينة الذين مدّوا يد البيعة لرسول الله ﷺ.

وكان أول المبايعين، أصغرهم سنا، وهو أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي، الصحابي السيد، من سادات بني النجار.

ولنتأمل علو الهمة في هذه العبارة: “يا قوم، تعلمون والله إنه النبي الذي توعّدتكم به اليهود، فلا يسبقنّكم إليه”.

بهذا الوضوح الذي لا التباس فيه، وبسلاسة لا تكلّف معها ولا تنطّع فيها. كلمة خرجت من قلب صادق، فدخلت قلوب القوم بلا تردد. فآمنوا جميعًا بالله تعالى.

وهنا يبرز درس عظيم:

الحقّ لا يحتاج إلى زخارف الكلام ولا إلى جهد في التجميل؛ يكفي أن يلامس القلب، فتخضع له الجوارح.

وما رأيتُ أبلغ من صدق الاستجابة حين تأتي بلا التفاف ولا تردّد، بلا محاولات تحرّج أو تملّص. فالحق إذا دخل صدراً منشرحًا، اشتدّ رسوخًا في النفس، وظهر أثره في العمل، وجلب لصاحبه معيّة من الله تعالى، وتوفيقًا وفتحًا وتمكينًا عظيمًا.

كانت هذه البيعة بيعة على الإسلام وحده؛ لم تكن بيعة حرب ولا قتال، بل كانت إعلانًا صادقًا بالانتماء إلى نور الحقّ، وبداية صفحة جديدة تمهّد للطريق العظيم الذي سيجمع المدينة برسول الله ﷺ.

بهذه السهولة وبهذا اليسر جرى أول لقاء تاريخي مهيب للأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم، انسابت نصرتهم كالنهر الجاري، لا يقف! واجتمعوا على الحق بدون لجلجة ولا جدال.

وتجلّت عظمة النبي ﷺ في حمله لأمانة الرسالة، يبلّغها بثبات وشجاعة، لا يخشى صدودًا، ولا يلتفت لرفض أو معارضة، لأنّه ﷺ كان قائمًا بما أوكله الله إليه من البلاغ المبين. فلم يكن يسمع بوافد جديد إلى مكة إلا وكلّمه وعرض عليه القرآن والإسلام، فكان بركة ذلك أن أقر الله عينه بحسن استجابة من الأنصار.

image 15

ولنتأمل على ماذا بايع الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم:
كان نص البيعة كما رواها عبادة بن الصامت: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ».

بايعوه على:
ألا يشركوا بالله شيئًا.
ولا يسرقوا.
ولا يزْنوا.
ولا يقتلوا أولادهم.
ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم.
ولا يعصوا النبي ﷺ في معروف.

وهي شروط توافق ما جاء في آية البيعة للنساء، وتكشف عن جوهر الإسلام بصورته الأولى: صفاء التوحيد، وحفظ الحقوق، وصيانة الأعراض، واستقامة المسير ووحدة المرجعية وحسن الاتباع.

التوحيد أصل كل شيء


إن أردنا أن نعيد صياغة هذه الشروط بتفصيل، فإنك – يا أيها المسلم يا أيتها المسلمة – لا تبدأ مسيرة الإيمان إلا من أصل التوحيد: ألا تشرك بالله شيئًا. فهذا الأصل العظيم إذا دخله شرك، تهدّم كل ما بعده.

لذلك أعظم ما يجب أن نصونه هو توحيدنا؛ نحفظه من الشرك، ونواقض الإسلام، وما يدنّس صفاء العقيدة. ولا نساوم على سلامة التوحيد أبدًا فهو رأس المال الذي إذا فسد فسد كل ما بعده وما يقوم عليه.
وما من انحراف يمس بالعقيدة إلا وكان فساده ظاهرا في مخرجاتها في النفس والمجتمع. وبقدر هذا الانحراف يكون حجم الفساد. فالعقيدة هي الأساس صلاحها أمان.

حفظ الحقوق واجتناب الظلم


النهي عن السرقة ليس نهيًا عن أخذ مالٍ بغير وجه حق فقط، بل نهي عن كل أشكال الاعتداء:
سرقة ملك أو حق، سرقة تصنع ظلما.
فلو تخيلنا قلوبًا تقيّة تأنف أن تمد أيديها إلى ما ليس من حقها، لرأينا مجتمعًا تسوده الطمأنينة والعدل. أما اليوم، فالواقع مؤلم جدًا؛ احتيالٌ وتلاعبٌ واستغلالٌ يأكل الناس به أموال بعضهم بعضًا بالباطل، ثم يتساءلون: لِمَ لا يستقيم حالنا ويتسلط علينا أعداؤنا؟

صيانة العرض


النهي عن الزنا طهارة للأنفس وللمجتمعات، ولا يمنع الوقوع فيه الحدّ فحسب، بل منظومة وقاية كاملة.
فالله ورسوله ﷺ حين يأمران بالابتعاد عن الزنا، فهذا يعني أنه مفسدة للقلب والروح والأسرة والمجتمع. ولهذا لا يُتسامح مع كل طريق يؤدي إليه: كإطلاق نظر، والخلوة، والاختلاط المريب، والرسائل الخاضعة بالقول، والتبرج وغيره مما يوصل إليه … لأنها كلها مقدمات تسحب القلب بلا أن يشعر.
وكم من شاكية تقول: «لا أدري كيف وصلتُ لهذه الكبيرة؟».
والجواب: لأنها استهانت بالمقدّمات وتهاونت في سدّ الذرائع. ولو كانت من خيرة أهل العلم والفضل، ما أن تتهاون في حصانة قلبها من السقوط، حتى ترى نفسها مثلها مثل كل جاهلة غافلة ظالمة لنفسها، فالإنسان خلق ضعيفا ولا حول ولا قوة له إلا بالله تعالى، والشيطان كثير التربص، ومن لم يتحصن، تحسر!

ولو كشف الله لنا الستار عن حجم انتشار الزنا في مجتمعات المسلمين اليوم، لذهلت العقول من كمّ المعصية والاستهانة بحدود الله تعالى!

(ولا يقتلوا أولادهم)


كان القتل قديمًا مباشرًا خشية الفقر، وهو اليوم يأخذ شكلاً آخر من القتل: قتل بطيء للنفس والروح.
أسرٌ تُحمّل أبناءها فوق طاقتهم، تسحبهم نحو المال والمظهر والمستقبل المادي، دون أدنى اعتبار لقلوبهم، ولا لطاعتهم لربهم، ولا لواجب الاستقامة في حياتهم.
لا دماء تُراق هذا صحيح … لكن الأرواح تنزف باستمرار ولا يدري عنها أحد. والحجة نفسها تبرر التفلت والمعصية: خشية إملاق، خشية فقر، خشية التخلف عن ركب الأغنياء! فها نحن نرى ما كان يفعله الناس في الجاهلية القديمة يتكرر بشكل آخر في الجاهلية المعاصرة. ولذلك كان ذكر هذا الشرط في البيعة الأولى، بعيد المدى وعظيم الفهم لحقيقة الإنسان الظالم لنفسه.

اجتناب البهتان


وما أشد الحاجة لهذا الشرط في زماننا!
لم يعد البهتان حدثًا نادرًا، بل صار صناعة كاملة تحترفها مؤسسات ويحملها أفراد منهجا: تشويه، كذب، شائعات، تدليس وإفك، تشاهده بشكل مستمر، بلمسة إصبع على شاشة.
كيف يستقيم حال أمةٍ يستسهل أهلها البهتان كأنّه شربة ماء؟! ونراه اليوم بين نخب ومن يشار إليهم بالبنان! نعوذ بالله من قسوة قلب تؤدي إلى الاستهانة بالبهتان.

كان هذا الشرط صيانة لأمن المجتمع واستقراره، وحفظًا للقلوب من الظلم والعدوان، وللبيوت من الخراب والهدم. وفي زماننا جنينا من التساهل فيه ما جنينا من الشوك والعواقب المفسدة.

الطاعة في المعروف


تُختَم الشروط بشرط جامع مانع: ولا يعصوا النبي ﷺ في معروف.
وما أكثر ما يفتح هذا الشرط من أبواب الخير والهداية، فهو ميزان الطريق، ومعيار الصواب، والصورة العملية لحسن الاتباع.
هو المرجعية وهو القدوة والمثال الذي يجعل من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم سبيل النجاة للمرء وسبيل سعادته.

فإنّ اتّباع النبي ﷺ وطاعته والاقتداء به هو سرُّ الفلاح للمسلم والمسلمة. ولو أنّنا كلما هممنا بفعل شيء سألنا أنفسنا: هل فعله النبي ﷺ؟ هل أقرّه؟ هل نهى عنه؟ هل حذّر منه؟ لانقشعت كثير من المواقف المخالفة، ولسار المرء على نورٍ من الله تعالى، مطمئنّ القلب، ثابت الخطى. لكننا أكثرنا سوء التأويل للهوى والتفلّت لحظوظ النفس بسوء فهم أو سوء مقصد، فكان حال الأمة أن تمزّقت كل ممزّق!

وعلى هذه الشروط التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية، بايع الأنصارُ النبيَّ ﷺ، وقالوا: “إنّا قد تركنا قومنا بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فلعلّ الله أن يجمعهم بك.”

لقد أبصر الأنصار الحلّ الذي ينشدون لعلاج أزماتهم في واقعهم في بنود بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبصروا بسلامة فطرتهم عظمة هذا الدين وأستبشروا به خيرا!.

ونحن كذلك مثلهم اليوم، نرى في هذه الشروط الستة الحلول لكل أزماتنا اليوم، من اضطراب العقيدة، إلى الاعتداء على الحقوق، إلى الانفلات الأخلاقي، إلى الظلم الاجتماعي، إلى انتشار الكذب، إلى ضعف الاتباع ومخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلو انضبطت كل هذه الأركان على بيعة الأنصار في العقبة، لكان حالنا مهيبًا ومبشرًا.

فيها كل حلولنا، ولكن لو أننا أخذناها كما أخذها الأولون:
بحزم، وبصيرة، وصدق بيعة، وثبات قدم.

هذه هي بيعة العقبة الأولى.
بيعة أسست لأمة، وأقامت دولة، وغيّرت مجرى التاريخ.

قد يبدو الأمر غريبًا، لكنني أرى حكمة عظيمة في استحضار نصّ البيعة؛ بيعة العقبة الأولى، لنجدّد بها عهدنا مع رسول الله ﷺ بوضوح وصفاء:

قال رسول الله ﷺ:
“تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف؛ فمن وفّى منكم فله الجنة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه”.

توقّفي عند كل كلمة في هذه البيعة… اجعليها بيعةً تنعقد في قلبك! واسألي الله تعالى الثبات والوفاء، واسأليه سبحانه من فضله العظيم.

تأملي معي عظمة هذا الدين، الذي قرن فيه الطاعة في المعروف، وجعلها خالصة لله عز وجل، لا طاعة للعبيد ولا لأحد حين تكون في معصية الله جل جلاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين، خاتم الأنبياء أجمعين، من فضّله الله على الناس كافة، يقول للناس، ولا تعصوني في معروف، بتواضع جمّ ووضوح أمر! وأما اليوم فالناس تطيع على المعروف والمنكر، تطيع على الصالح والطالح، على الخير والشر، على كل شيء! وما كان هذا دين الله تعالى، فلا طاعة في معصية الله عز وجل.

ولهذا الأمر موجبات وفضائل، تلخصها بنود البيعة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فمن وفّى منكم فله الجنة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه”.

فيا لعظمة هذه البيعة، من وفى فله الجنة!
ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به فهو كفارة له!
ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فهو إلى الله تعالى ..!
فيا لها من عدالة ويا لها من إحاطة شاملة بأحوال الإنسان، بين طاعة ومعصية، بين استجابة، وتفلت! بين الوضوح والخلسة! فلكلٍّ جزاء وعاقبة.

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [ الملك: 14]

وهي قاعدة في مسيرة المسلم، كما تدين تدان، بقدر استجابتك تنعم بفضائل الاستجابة، وبقدر تفلتك تدفع ثمن تخلفك!

كانت هذه البيعة، بهذه الكلمات التي يمرّ عليها كثير من الناس مرورًا عابرًا، هي أول خطوة حقيقية لقيام الدولة الإسلامية. وبها سجّل التاريخ بداية دخول الإسلام إلى المدينة بصورة منظَّمة.

وما يأسر القلب فعلًا، أنّ هذا التحوّل العظيم بدأ على يد ستة نفر فقط! ستة أفراد حملوا لواء الإسلام ونشروا دعوته في يثرب، بلا شروح مطوّلة، ولا خطاب متكلّف، ولا مؤلفات كثيرة… فقط: بقوة التوحيد وحسن الاتباع للنبي ﷺ. هذه هي خلاصة الإسلام، بعيدًا عن التفاصيل التي تستهلك الناس اليوم وكثرة الاعتراض والتنطع. فسار الركب المبارك بنور من الله عزّ وجلّ!

وبارك الله سعيهم، وفتح لهم قلوب أهل المدينة قبولًا وإقبالًا.

ومما يلفت النظر ويبعث على التأمل، أنّ هؤلاء القلائل الذين صنعهم الإسلام في أيام معدودة رجالًا راسخين في الحق، لم يتركهم النبي ﷺ دون أسباب القوة والاستمرارية؛ بل أرسل إليهم مصعب بن عمير ليكون أول سفير في الإسلام، فكان على يده فتحُ المدينة وإعدادها لاستقبال الهجرة.

كان مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ أنْعَمَ فتيان مكة وأترفَهم، لا يُرى إلا في أحسن هيئة وأجمل حُلّة. لكن ما إن لامس الإيمانُ قلبَه، حتى طوى صفحة الرفاهية، وترك نعيم الحياة وراء ظهره، وانطلق في طريق الدعوة خلف رسول الله ﷺ، يتحمّل الشدائد بصبر، ويستعذب البلاء في سبيل الحق، حتى ختم حياته شهيدًا يوم أُحد.
وقد بلغ من فقره يومها أنّه لم يكن له إلا ثوب واحد يكفَّن به؛ إن غطّوا به رأسه بدت رجلاه، وإن غطّوا رجليه ظهر رأسه! هكذا صنع الإيمان رجلاً بدّل الدنيا بطمأنينة الآخرة. هكذا صنع الإسلام في خامات الصحابة رضي الله عنهم! رجل بكتيبة رجل بجيش، رجل بأمة! رجل واحد يصنع فارقا كبيرا في المشاهد!!

عاد مصعب ـ رضي الله عنه ـ إلى مكة قُبيل موسم الحج في السنة الثالثة عشرة للبعثة، يحمل لرسول الله ﷺ بشائر عظيمة؛ فقد نقل إليه صورة واضحة عن حال المسلمين في يثرب، وعن القلوب التي دخلها الإسلام من الأوس والخزرج، وكيف تهيّأت المدينة لنصرة الدعوة وحماية الرسول ﷺ. لقد أخبره أن القوم مستعدون لبيعة جديدة عظيمة، ستقرّ بها عينه ﷺ، وينشرح لها صدره.

وبذلك أصبحت بيعة العقبة الأولى تمهيدًا لبيعة ثانية كبرى، ولأحداث عظيمة ستغيّر وجه التاريخ، وتعلن بدء مواكب الخير والهدى والنور المتّجهة نحو مكة.

خلاصة بيعة العقبة الأولى


تُعَدّ بيعة العقبة الأولى اللبنة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي في المدينة، والأساس الذي قامت عليه الهجرة المباركة وما تلاها من فتوحات ونصر وتمكين. اجتمع فيها اثنا عشرًا من رجال الأنصار بالنبي ﷺ فآمنوا به إيمانًا خالصًا، وبايعوه على ترك الشرك والمعاصي، والالتزام بجوهر الإسلام وأخلاقه.

كانت تلك اللحظة بداية تحوّل تاريخي؛ فهؤلاء الرجال – وكل واحدٍ منهم قامة سامقة تستحق دراسة منفردة – حملوا نور الإيمان إلى يثرب، فمهّدوا لانتشاره بين قومهم، وأعدّوا الأرضية الصلبة لبيعة العقبة الثانية، التي انطلقت منها الهجرة، وبدأ معها عهد الدولة الإسلامية.

وحسبنا في هذا المقام أن نجمع من المعاني ما يتّسق، لنرى كيف أن بذرة صغيرة من الإيمان الصادق صنعت تحولًا غيّر مجرى التاريخ.

بيعة العقبة الثانية

في العام الثالث عشر من البعثة، وبعد أن وجد المهاجرون الأوائل طمأنينةً وأخوةً صادقة بين إخوانهم الأنصار في المدينة، بينما كان رسول الله ﷺ لا يزال في مكة يواجه عنت قريش وأذاها، تجلّت ثمار الجهود الأولى لأولئك الذين بايعوه في العقبة الأولى ولسفير الإسلام مصعب بن عمير رضي الله عنهم أجمعين. فقد كانوا الشرارة المباركة التي حملت نور الإسلام إلى المدينة، حتى انتشر فيها الإيمان، وتهيأت القلوب لاستقبال رسول الله ﷺ.

وفي موسم الحج من ذلك العام، قدِم وفد الأنصار مرة أخرى، لكنّه لم يكن وفدًا صغيرًا هذه المرة؛ بل جاء ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ليبايعوا رسول الله ﷺ بيعةً أعظم وأشمل، عُرفت في السيرة النبوية باسم بيعة العقبة الثانية أو البيعة الكبرى.

أما المرأتان اللتان شهدتا هذا الموقف العظيم فهما:

  • نسيبة بنت كعب المازنية (أم عمارة)
  • أسماء بنت عمرو بن عدي (أم منيع)

وكان حضورهن دليلًا على عمق الإيمان، وصدق الولاء، وشمول الدعوة لكل من حمل قلبًا صادقًا.

وقد مثّلت هذه البيعة خطوة مفصلية في التاريخ الإسلامي؛ إذ تعهّد الأنصار فيها بحماية النبي ﷺ ونصرته والدفاع عنه كما يحمون أنفسهم وأهلهم، فكانت فاتحة الهجرة المباركة، وبداية قيام الدولة الإسلامية في المدينة.

image 16
image 17

وهنا لا يمكن لتعبير أن يفي هذه البيعة حقها من الوصف، لذلك سأدع النص ينبض هيبة ووقارا!

يحدثنا عن هذه البيعة العظيمة، جابر بن عبد الله الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ فيقول: ( مكث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام،

ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُطرد في جبال مكة ويخاف؟،

فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟،

قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة،

قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة ـ وهو من أصغرهم ـ فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك، فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً، قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة ) رواه أحمد .

ويحدثنا عن هذه اللقاء التاريخي الذي حوّل مجرى الصراع بين الإسلام والكفر، كعب بن مالك الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ فيقول: ( خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، وكان أول متكلم، فقال: يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عِز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبَى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمِن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده .

قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال: فتكلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزُرَنا (نساءنا وأهلنا)، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، ورثناها كابراً عن كابر .. قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع لقومك وتدعنا؟، قال: فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم (أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم)، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم، ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وقد طلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم الانصراف إلى رحالهم، فقال رجلٌ منهم: والذي بَعَثَك بالحق لئن شئتَ لنميلن عن أهل منى غداً بأسيافنا؟، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا إلى رحالهم ) رواه أحمد .

تلك هي بيعة العقبة الثانية… اللحظة التي اهتزّ لها التاريخ، وارتفعت فيها همم الرجال والنساء من الأنصار إلى مقامات عالية من الصدق واليقين.

في جوف الليل، وعلى سفح العقبة، وقفوا بين يدي النبي ﷺ يستمعون إلى كلام تسكن له النفوس؛ كلامٌ يوقظ القلب، ويهزّ الروح، ويقطع ما بين الإنسان وبين كل ما يُثْقِلُه عن الله عز وجل.

كان الحوار بين النبي ﷺ وأولئك الصفوة حوارًا يصنع أمة، ويؤسّس لمرحلة جديدة من تاريخ البشرية.

فقد بايعوه على السمع والطاعة؛
طاعةٍ لا تذبذب فيها ولا تردد، في السلم والحرب، في العسر واليسر، في النشاط والكسل. أن يكونوا جنودًا للحق في كل حال، لا تُحرّكهم أمواج الظروف ولا تقلّب الأيام.

وبايعوه على الإنفاق؛
أن يبذلوا أموالهم لله، في الرخاء والشدة، وأن تكون نفوسهم قبل أموالهم لله، متجردةً من ثِقَل الدنيا ومتاعها.

وبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
أن يقيموا مجتمعًا نقيًّا، يصدع بالحق، ويقاوم الفساد، ويقول كلمة الله بلا تلعثم ولا خوف،
( وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم ).

ثم جاء أعظم بنود البيعة:
نصرة النبي ﷺ وحمايته، والقتال بين يديه،
( أن تمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ).
أن يكونوا سِياجًا يحوطه، ودرعًا يتقدّم معه، وجيشًا تتماسك به شوكة الإسلام.

ومع هيبة الشروط، وثقل المسؤوليات، ووضوح المصاعب التي تنتظرهم؛
لم يَعِدهم النبي ﷺ بملك ولا سلطان، ولا بمال ولا جاه،
بل وعدهم بأعظم ما يمكن أن يُعطى لأرواح عظيمة كهذه:

الجنة.

ما أعظمها من كلمة رددها النبي صلى الله عليه وسلم على مسامع صحابته، ولكم الجنة! ولك الجنة! فهل أدركنا ما تعني الجنة!! وهل أدركنا سخافة الدنيا ودناءتها في مقام مقارنة بالجنة! ولذلك تهون النفوس والمهج، ويرخص كل غالٍ ونفيس في سبيل الله عز وجل.

ثم هنالك، في تلك الليلة، وُلد اسم جديد لن يُمحى من ذاكرة التاريخ:

الأنصار.

اسم امتزج بالإيمان، وتلألأ في صفحات السيرة، حتى صار عَلَمًا على قوم باعوا الدنيا لله، فاشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة!

كانت تلك البيعة بداية النور الذي انطلق من المدينة ليغيّر وجه العالم إلى يوم القيامة.

ولم يحز الأنصار هذا اللقب من فراغ، يقولون بحرقة (حتى متى نترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُطرد في جبال مكة ويخاف؟).

هكذا كانت قلوب الأنصار! شديدة المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم! عظيمة الفداء!

وكانت استجابتهم لبنود البيعة مباشرة وسريعة، (فقمنا إليه فبايعناه).
لكن هناك من تفرس في التفاصيل وأرادها أن تترسخ في النفوس عقدا بيّنًا، إنه أسعد بن زرارة ـ أصغرهم سنًّا، ومن أصدقهم بصيرة ـ فأمسكَ بيد النبي ﷺ وقال لهم بصوت يصفع الغفلة:

“رويدًا يا أهل يثرب!
فوالله ما شددنا الرحال ولا ضربنا أكباد الإبل إلا ونحن نوقن أنه رسول الله ﷺ.
واعلموا أن إخراجه اليوم، مفارقةٌ للعرب كافة، وقتلٌ لخياركم، ومصارعةٌ للسيوف.
فإن كنتم تصبرون على ذلك فلكم الأجر عند الله،
وإن كنتم تخافون ضعفًا أو وهنًا فبيّنوه الآن؛ فهو عذرٌ لكم عند الله.”

يا لهيبة هذا الخطاب!
كلمات خرجت من قلب رجل يدرك تكاليف المراتب العظيمة فتعمد أن يكشف لهم حقيقة الطريق، ويضع الحقّ في موضعه الجليل:
طريق الدعوة ليس زينةَ عبارات، بل ثباتٌ ووفاءٌ وصدقٌ مع الله مهما كلّف من ذهاب نفس ونفيس!
وإذا وقفنا اليوم أمام هذه الكلمات بقلوب واعية، سنرى بوضوح أننا لا نملك أي عذر للتفلت من ديننا، ولا للانقلاب عند أول بوادر الشدة، ولا للاعتذار بأن أهل الباطل قد كثروا وأن سلطان الكفار قد ظهر.

فالنبي ﷺ كان في مكة محاصرًا من كل جانب:
مكرٌ يحيط به، وعدوانٌ يتربّص به، واستضعافٌ يضغط على أصحابه.
ومع ذلك… لم يُعطِ أحدٌ لنفسه رخصة التراجع، ولا احتجّ أحدٌ بقوة الباطل، ولا اعتذر أحدٌ بأنه “لا يستطيع”، فيبدّل أو يتهاون!

وهنا يقدّم لنا أسعد رضي الله عنه درسًا خالدًا:
الأمانة أثقل من الجبال، ولا يحملها إلا الصادقون.
ومن أراد الحق حقًّا، فليؤدِّ ثمنه… ثباتًا، وصبرًا، ووفاءً لا يلين ولا ينقطع.

هذا هو معنى البيعة… وهذا هو جوهر الإيمان.

فما إن فرغ أسعد من كلماته المزلزلة، حتى قال القوم بصوت واحد يهزّ القلوب:

“أمِطْ عنّا يا سعد!
فوالله لا نَدَعُ هذه البيعة أبدًا،
ولا نُسْلَبُها أبدًا.”

فلله درّهم، أيُّ عزمٍ هذا؟
وأيُّ قلوب امتلأت يقينًا حتى نطقت بهذه الكلمات التي خلّدها التاريخ بعزة وإباء؟

ولا أدري بأي الموقفين أعجب:
أبأسعدٍ رضي الله عنه، وهو يضع الحقيقة كاملة أمامهم، لا يُخفي تكاليف الطريق ولا يخفف من شدته، ليجعل البيعة عن وعيٍ كامل وإدراكٍ صادق؟
أم بعزيمة الأنصار الحديد، وتلك القلوب التي ما إن سمعت الحق حتى اندفعت إليه اندفاع الصادقين المنغمسين بلا تردد ولا تلجلج..!
قلوب لا تخشى إلا الله،
ولا ترتجف أمام العرب كافة،
ولا تتردد أمام السيوف،
ولا تتراجع عن عهدٍ عقدته مع الله ورسوله. صلى الله عليه وسلم.

لقد كان الموقفان معًا لوحةً من نور:
صدقٌ في البيان…
وصدقٌ في الاستجابة.

ومن هنا نبتت بذرةُ النصرة التي غيّرت مجرى التاريخ.

ولا بد لي هنا أن أشير إلى موقف عم رسول الله ﷺ، العباس رضي الله عنه، الذي حرص على أن يكون حاضرًا مع ابن أخيه، رسول الله ﷺ، في بيعة الأنصار هذه، ليس ليدخل في البيعة، ولا ليعقدها، بل ليحرس النبي ﷺ ويتحقق من أنه في أمان، رغم أن العباس لم يكن مسلمًا بعد.

(آنذاك، حضر العباس واطمأنّ على ابن أخيه، وكان أول من تكلم قائلاً:

“يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا كما قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن يشبه رأينا فيه، فهو في عزّ ومنعة في بلده، وإنه أبى إلا الانحياز إليكم واللحاق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُسلموه وخاذلوه بعد خروجه إليكم، فدعوه الآن، فهو في عز ومنعة من قومه وبلده).

هذا الموقف الذي نرى أمام أعيننا كان من أخلاق الجاهلية في المروءة وحفظ العهد وصون الشرف وتقدير مقامات الرجال، والعزة والأنفة والشجاعة والكرم!

فلا عجب أن استجابت بعد ذلك كثير من القلوب لله عز وجل، من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام الذي وجدت فيه نفوسهم السكينة والطمأنينة وما يصون المروءة والأخلاق، فكانت البداية لرسالةٍ انتصرت بالصدق والنزاهة، قبل الإيمان الكامل، وتعلّمنا أن الوفاء بالعهود وصون الأمانة من أعظم أسباب قبول العمل والإيمان.

وهنا لفتة مهمة تجعلنا نشتد حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نبصر ذلك في كلماته التي يوجهها ببصيرة وحلم! منسجمين:

(يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع لقومك وتدعنا؟)

فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نعم يتبسم! في مقام يقين لا يتزعزع، ومعرفة بالنفوس رحيمة!

ليخرج الجواب شديد اليقين والرسوخ والثبات: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم!

هذه الكلمات كانت كافية لتحتضن أي مخاوف أو تردد، وتقطع كل طريق للتوجس! فتصنع مصانع القوة في الخير والأرض!

لا يقف الانبهار بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بصيرة جوابه الذي يحتوي شتات النفوس ويقيمها على الجادة كالمدافع الصلبة! وإنما يبصر تلك السياسة الفذّة في قيادة الجموع، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قائدا عظيما، ورجل دولة لا مثيل له!

” أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم”.

حسن إدارة وسياسة وبعد نظر، تجلى كله في إدارة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، وإقامة لأول وأعظم دولة عرفها التاريخ! لقد كان يخطط لما هو آت، بحكمة ويقين! ومعرفة بالنفوس والتفاصيل!

ولكن ( لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم) هكذا كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم على الأنصاري المستعد للوفاء للبيعة من أول لحظة!

فكل أمر وحركة يكون في طاعة الله تعالى واستجابة لأمره وتبليغا لكلمته جل جلاله. وعلى هذه المعاني العظيمة من التوحيد وطاعة الله تعالى وحسن الاتباع، ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه الأنصار، وقدم لهم القدوة في طاعة ربه! فكانوا له الأوفياء صدقا واتباعا.

ولذلك، كان حب الأنصار من الإيمان! فحبهم ينبع من صميم الفطرة، ومن عزة الإسلام وكرامته.

ووالله، إن الأنصار لأقرب إلى قلب المؤمن من أهله، وأحب إليه من كثير ممن حوله، وإن فرّقت بيننا العقود والمسافات، تبقى محبتهم في القلب نابضة، لا يحدها بعد ولا طول ولا يقطعها إلا مخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فاللهم اجمعنا بالأنصار في جنتك! واجعلنا خير خلف لهم. مهاجرين وأنصارا.

لقد كانت البيعة في البُعد السياسي بمثابة عقد تأسيسي قام فيه أهل يثرب بتقديم الولاء والأنصار بتعهد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم والدولة المرتقبة. وكانت بيعة لا تساوم على حق ولا أدب. فحفظت كل تفاصيلها الهيبة والوقار وعظمة الميثاق.

إني لا أصافحُ النساء

في بيعة العقبة الثانية، شهدت السيرة النبوية موقفًا عظيمًا للنساء المؤمنات من الأنصار اللواتي شاركن في نصرة الدين والتزامه. فقد بايع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين كريمتين، وهما: أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية وأم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي ـ رضي الله عنهما.

وقد شدّد النبي ﷺ على أن البيعة مع النساء تكون بالكلام فقط، دون مصافحة باليد، فقال: “قد بايعتكن”، فكانت الكلمات كافية لإتمام العهد، وإقرار المسؤولية أمام الله تعالى.

عن أميمة بنت رقيقة التيمية ـ رضي الله عنها ـ قالت:
“أتيت النبي ﷺ في نسوة من الأنصار نبايعه، فقلنا: نبايعك على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نأتي ببهتان، ولا نعصي رسول الله ﷺ في معروف. فقال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لواحدة”.

وحريّ بكل مؤمنة أن تحفظ هذه البيعة! وتقيم نفسها عليها على خطى السابقين الأولين.

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:
“والله ما مسّت يد النبي ﷺ يد امرأة قط، ما بايعهن إلا بالكلام”.

وهذه المعاملة النبوية العظيمة تبرز قيم الحياء والتقوى والالتزام بالأخلاق في الدين، وتعلمنا كيف يكون الالتزام بالشرع مع الحفاظ على كرامة المرأة وعفافها. كما أن ذلك يعكس حكمة الإسلام في تنظيم العلاقات الاجتماعية، وضبط حدود المعاملة بين الجنسين، وتأكيد أن البيعة ليست مجرد إجراء شكلي، بل عهد ومسؤولية أمام الله عز وجل.

ومع أن هذه البيعة كانت مصيرية لقيام دولة الإسلام في المدينة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا درسا جليلا، لا يمكن التنازل عن الحياء والتقوى، لأجل أي مصلحة كانت! ولا لإرضاء أحد أيّ كان، فهذه الهيبة في الحق وهذا الوضوح في المواقف، هو الذي جلب التوفيق والتمكين والفتح، فالإسلام منظومة متكاملة، لا تُمس فيها جزئية ولا تُبخس، بل تؤخذ معا وفاءً وحسن عهد.

ثم ليس ذلك مقتصرًا على النبي ﷺ فقط، بل حرّم الإسلام لمس المرأة الأجنبية دون ضرورة، كما نهانا عن المس بالنساء المحرم لمسهن، ليبقى العهد على أمانته وطهارة السلوك. يقول النبي ﷺ:

“لأن يُطعن في رأس أحدكم بمِخْيَط من حديد، خير له من أن يمسَّ امرأة لا تحل له”.

فإذا كان النبي ﷺ مع كماله وعصمته ترك مصافحة النساء في البيعة المصيرية والمهمة للمسلمين، ونهانا عن كل ما يُخل بحياء المرأة، فعلينا نحن الاقتداء به، والالتزام بما أمرنا، والانتهاء عما نهانا عنه، كما قال الله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21)،
و{وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7).

وهكذا، تتجلّى في بيعة النساء معاني الحياء، والتقوى، والالتزام بالحق، والإخلاص لله تعالى، لتكون نموذجًا يُحتذى به لكل امرأة مؤمنة، ومسارًا للوفاء بالعهد مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولتقدم مثالا على تكامل منظومات الإسلام وهيبة الطاعة فيه.

هكذا كانت بيعة العقبة الثانية التي غيرت وجه الأرض، وكانت إحدى مقدمات الهجرة النبوية المباركة، والتي تمت في جو يفيض بمشاعر الحب والولاء، والبذل والتضحية، والنصرة والقتال.

وقد سماها عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ بيعة الحرب، لأنها تضمنت السمع والطاعة في السلم والحرب، والإنفاق في العسر واليسر، ونصرة النبي ﷺ والدفاع عنه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولنلاحظ كيف تتصل هذه الميادين اتصالا وثيقا وكيف تفعل مفعولها العظيم في قوة النفس، فالسمع والطاعة في السلم والحرب! والإنفاق في العسر واليسر، ونصرة النبي والدفاع عنه صلى الله عليه وسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جميعها تشترك في تحدي الواقع، وميادين المراغمة والجهاد! وتتطلب نفوسا عالية الإيمان واليقين والحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم !

وقد صدق الأنصار في بيعتهم وعهدهم مع الله عز وجل ومع رسول الله ﷺ، وساهموا بأرواحهم وأموالهم في قيام وبناء الدولة الإسلامية الجديدة في يثرب التي أنارها الإسلام فأضحت المنورة، ليكونوا نموذجًا خالدًا في الإخلاص والوفاء بالعهد والتفاني في نصرة الحق.

فكيف حال المسلمين اليوم؟ هل أخذوا بيعتهم لله على محمل الجد؟ وهل اقتدوا بالسابِقين الأولين الذين حملوا الدين بكل صدق وإخلاص، ووفّوا بالعهد رغم كل الصعاب؟ أم أننا ابتعدنا عن الصدق في العهد، وتخلينا عن روح التضحية والبذل، فضعفنا في نصرة الحق، وغلبت علينا المصالح الشخصية وحجج الراحة المرحلية؟

ليكن هذا السؤال رادعًا لنا، ودافعًا لاستعادة عزيمتنا، والاقتداء بالأنصار والمهاجرين في الوفاء بالعهد، والسير على هدي النبي ﷺ بكل إخلاص وشجاعة. فإن أصابنا عجز أو كسر، فأقل الواجب أن لا نسير في ظلم أو نبرر لمعصية، ونعتذر لله ولو بالصمت والنأي بالنفس عن المخالفة!

مفارقات وانفصام!

الفرق بين البيعتين واضح، فالبيعة الأولى كانت بيعة إيمانية تأسيسية يقوم عليها كل شيء.

والبيعة الثانية كانت عقودية بالأحرى: فيها التزام بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتحمل المشقّات، وإقامة المجتمع، والسير نحو الدولة الإسلامية. وكأن الأولى تمهد للثانية، فلا يقوم بأعباء الجهاد إلا من نجح في جهاد نفسه وهواه، ولا يقوم بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أقام نفسه على حفظ الحقوق والأعراض وحسن الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا فقه عظيم، في بناء النفس، وتربيتها على الحق! فسبحان الذي جعل من البيعتين دروسا جليلة ممتدة لصناعة الهمة المؤمنة مسددة مؤيدة!

هكذا تكاملت البيعتان، فبيعة العقبة الأولى مهدت لبيعة العقبة الثانية التي أصبحت العلامة الفاصلة بين مرحلة مكّية دعوية استشهادية تعاني الحصار، ومرحلة مدنيّة سياسية جهادية، تشهد تطبيقًا عمليًا للشريعة وبناء مؤسسة حضارية ذات شوكة، تتصدى للأعداء وتنشر رسالة الإسلام.

ولذلك أعقبت البيعتين، الهجرة، ثم البناء الاجتماعي والدولة، ثم الانتصارات التي أتت لاحقًا. ومن هنا يتجلى لنا مدى أهمية البيعتين، وتأثيرهما في صنعة التمكين القوي والسياسة الذكية والنبيلة!

والآن لنلقي نظرة صادقة على واقعنا، فنجد أن جوهر البيعات لله تعالى قد تلاشى إلى حد بعيد، إلا من رحم ربي.

كل ما سبق ذكره في نصوص البيعات لرسول الله ﷺ، كان بالنسبة للأنصار والمهاجرين بديهيات لا غنى عنها في حياتهم: الإيمان الخالص، حفظ التوحيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صيانة الحقوق والأعراض، نصرة النبي ﷺ، وحسن الاتباع. كانت هذه البديهيات بالنسبة لهم أمرًا واضحًا لا يحتاج جدلًا أو تفكيرًا مطوّلًا، لأنها جوهر الدين وركيزته الأساسية.

واليوم، ومع الأسف، أصبحت هذه البديهيات تُسمّى “مثاليات” أو مبالغات. من يطالب بالاستقامة على هذا الشكل يُنظر إليه أحيانًا على أنه متعالٍ عن الواقع، أو غير متوافق مع زمننا المعاصر. فالمجتمع اليوم كثير الكدر، متفلت من المبادئ، متفرق بين أحزاب وأهواء، بحيث أصبح البعض يقبل الظلم والباطل ويعتبره واقعًا طبيعيًا، ويهاجم من يسعى للتمسك بالحق ويعتبره مثاليًا متكلفًا!

لكن دعونا نتساءل: هل كان الأنصار ينظرون إلى هذه البديهيات على أنها مثاليات؟
لم يكن ذلك أمرا مثاليا، بل أمر سمع وطاعة وحسن استجابة صافية على الفطرة النقية! فهم قوم عاشوا في جاهلية مليئة بالحروب والاقتتال، وتنافست فيها القبائل على السلطة والمال، وشهدوا الخيانة والغدر والصراع اليومي. ومع ذلك، لما جاءهم الحق آمنوا به، ونصروه، ووفّوا له، حتى لو تطلب ذلك التضحية بأرواحهم وأموالهم وراحة أنفسهم. لقد كانت بيعتهم صادقة، ونيتهم واضحة: الحق فوق كل اعتبار، والنصر للحق لا يساوم عليه.

ولنأخذ مثالاً من واقعنا اليوم: من يطالب بالصدق في العمل، بالالتزام بالحقوق، أو بالوفاء بالعهد، بحفظ التوحيد من الشرك والانحراف، بنبذ البدع وكل ما شان من أخلاق، يُتهم بالتمسك بالمثاليات، بينما في زمن الأنصار كان الوفاء بالعهد والنصرة والصدق من أقوى ركائز الإيمان، وكان بيعات تُمهر بالدماء!!

وهذا على مستوى النخب والطبقة الملتزمة، يجادل في البديهيات على أنها مثاليات، فكيف بالعامة حيث أصبح تحريم الزنا والحفاظ على العرض والحشمة والحجاب والحياء والحقوق الأسرية والعامة في مجتمعنا اليوم يُنظر إليه عند الكثير من الناس على أنه غلو وتعنت أو قيود وقمع وتكلّف، بينما في زمن الصحابة كان التزام هذه القواعد مسألة إيمان وشرف وكرامة لا تتنازعها ساحات الجدال. لقد كان من البديهيات المُسلّم بها، عند قوم خرجوا لتوهم من الجاهلية! واليوم أضحى مثاليات عند قوم غارقون في الجاهلية المعاصرة!

الفجوة بيننا وبين السابقين الأولين كبيرة جدًا. فبينما كانوا يضعون الحق والعدل والإيمان فوق كل اعتبار، ويضحون بكل شيء في سبيل ذلك، أصبحنا نحن في زمننا نجد صعوبة في الالتزام بأسس الدين البديهية، وكأن الثوابت أصبحت خيارًا شخصيًا وليست واجبًا. أوليست هذه علمانية؟ مهما تسترت بزعم فقه وبصيرة!

إن هذه المقارنة المؤلمة تضعنا أمام حقيقة: لماذا تلاشى جوهر الدين في حياتنا العملية؟ ولماذا أصبحت البديهيات عظيمة الثمن؟ الجواب يكمن في ضعف الوعي بعظمة هذا الدين، واستبدال الفطرة بالإغراءات الدنيوية، وانشغالنا بالمظاهر والمصالح الشخصية على حساب المبادئ. ثم جهل عظيم بما كان عليه السابقون الأولون في أمر الدين! وبسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وكيف مكّن الله لهذا الدين العظيم.

ولذلك، فإن استحضار بيعة العقبة الأولى والثانية ليس مجرد تأريخ أو سرد للأحداث، بل درس حيّ لكل مسلم ومسلمة: أن العودة إلى البديهيات الأولى في الإسلام، والاقتداء بالسابقين الأولين، هو الطريق لاستعادة الشرف والعزة وسبيل الوفاء لأمانة الدين وصيانة النفس والمجتمع ومستقبل الأجيال. إننا بحاجة إلى استنهاض القلوب، وتجديد العهد مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإحياء روح الوفاء والإخلاص واليقين والفهم الصحيح للإسلام وبيعاته، التي كانت تميز الأنصار والمهاجرين في أول عهد الإسلام.

فلا يصلح حال هذه الأمة إلا بما كان عليه السابقون الأولون.

وصية وأمانة

عبر أربعة عشر قرنًا، بقيت بيعة العقبة الأولى والثانية مضربًا للأمانة والوفاء، شاهدةً على أن الحق لا يتغير بزمن ولا بمكان. فقد بايع الأنصار والمهاجرون رسول الله ﷺ على ما يرضي الله: ترك الشرك، حفظ الحقوق، صيانة الأعراض، نصرة الحق، وطاعة الرسول ﷺ في العسر واليسر وعلى الجهاد في سبيل الله تعالى، كل بند من هذه البيعات ليس مجرد كلمات، بل وصايا وأمانات تُثقل النفس وتحرك القلب قبل الجوارح.

وعلى ضوء هذه البيعات، يمكن للمسلمة أن تضبط حياتها ومنهجها وأدائها عبر خطوات واضحة:

الإيمان الخالص والعمل لله وحده لا شريك له، فلابد من إخلاص الدين كله لله تعالى:
كما بايع الصحابة رسول الله ﷺ على ترك الشرك، فلابد من حفظ التوحيد من كل ما يدنسه. والمسلمة اليوم تواجه ضغوطًا مجتمعية كثيرة وتتربص بها تيارات للعدى خبيثة، لكنها إذا عقدت يعتها لله عز وجل ترجو رحمته وجنته مقتدية بالسابقين الأولين، أصبح كل قرار وسلوك نابعًا من أصل عظيم لا يتغير بزمن أو تحديات عصر.

ثم الأخلاق والعفة وصيانة الحقوق:
فحفظ النفس والعرض والمال والحقوق كان من أساسيات البيعة. فالأنصار لم يسرقوا، ولم يزنوا، ولم يظلموا أحدًا، وكانوا مستعدين للتضحية بأرواحهم وأموالهم دفاعًا عن الحق. والمسلمة اليوم، في عالم يتقلب فيه الناس بين المصلحة والمبادئ، عليها أن تحافظ على هذه البديهيات، أن تكون أمينة على نفسها وعرضها، صادقة في قولها، نبيلة في معاملتها، مستقيمة في سلوكها وأخلاقها، عالية الهمة في أهدافها، لا تتخلف عن مراتب المسابقين.

والسمع والطاعة في المعروف:
فالبيعة لم تكن مجرد كلمات، بل التزام عملي في العسر واليسر، في السلم والحرب. المسلمة إذا اتبعت النبي ﷺ وجعلت السمع والطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنها تحصن نفسها من الفوضى الفكرية والانحرافات التي تنتشر في المجتمع المعاصر. ولن تنجرف لتيارات التغريب والتفلت والتمييع للدين ولا حتى الغلو فيه. قد أدركت كيف تكون ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ هود: 112].

والنصرة بالقول والعمل:
فنصرة الحق واجبة، ليس فقط بالتمني أو التفرج، بل بالقول والعمل والقدوة. المسلمة اليوم يمكنها أن تكون أنصارا لله ورسوله في محيطها، من خلال نصرة شعائر الله بإقامتها وإحياء السنن المندثرة والاعتزاز بمعاني الحياء والتقوى والاستعلاء بالإيمان، بالنصح في الله والدعوة لله وحفظ أسرتها وهيبة الدين والحق في حياتها.

إن أعظم ما تمنحه لنا بيعة العقبة هو الوعي بأن المبادئ لا تعرف فارقًا زمنيًا: الفرق بين زمن الصحابة وزمننا ليس في الجوهر، بل في استعداد القلوب وتطبيق المبادئ. فالأنصار والمهاجرون عاشوا في جاهلية مليئة بالحروب والفتن، والتحديات والعقبات وتربص الأعداء، ومع ذلك اختاروا الحق، واستجابوا للرسالة بأرواحهم وأموالهم وقوة إرادتهم. نحن اليوم نفتقد للكثير ممن ازدانت به قلوبهم، لا أقول ما ملكته أيديهم فعلى مستوى الحياة المادية نحن ننعم بالكثير من الإمكانيات والفرص، لكن على مستوى القلب! لا نزال نكافح لحفظ “البديهيات” و”معالم الحق” ونتردد في الوفاء للإسلام ونميل للتفلت والتملص أكثر منه القيام بأمر هذا الدين بحسن استجابة واتباع.

ولذلك، على كل مسلمة أن تسأل نفسها:
هل أنا من أنصار الله ورسوله حقًا؟
هل حياتي يحكمها الوفاء لأمانة الدين كما بايع الصحابة؟
هل أقوالي وأفعالي تطابق وصايا البيعة، أم أنني مجرد متفرجة في زمن تزداد فيه الغربة؟

الوفاء للإسلام ليس مجرد خيار ديمقراطي، بل أمانة تُسأل عنها النفس يوم القيامة. والأنصار والمهاجرون تركوا لنا إرثًا هائلًا من الوفاء والشجاعة، لنقتدي بهم، فلا يكون الفرق الزمني ذريعة للتفريط، بل سببًا لاستلهام العزم، وتجديد العهد مع الله جل جلاله، والتمسك بالحق كما كان في أول عهد الإسلام.

فلتكن بيعة قلبك لله ورسوله، ليست مجرد كلمات، بل حياة مُعاشة، منهج ثابت، وسلوك يومي ينبض بالوفاء والأمانة، كما كانت بيعة العقبة، عبر أربعة عشر قرنًا، وما زالت تستنهض الهمم وتلهم النفوس. ولا تشغلك مناظر الطريق وتخرصات المرجفين وإن عشت الغريبة بين الجموع الكثيرة.

طوبى للغرباء

إن من أسمى الدروس المستفادة من بيعة العقبة، أن الغربة بالدين في محيط الفساد والضلال قد تكون نعمة وفضيلة، فالأجر على قدر المشقة.
ومن يتأمل في وصايا نبينا ﷺ لا يجد فيها إلا ما يزيد تمسكنا بالحق ونصرته، ويحذرنا من الارتياب والشك! وينير قلوبنا بقوة اليقين وواجب الصبر. ويبشرنا بفضل الغرباء في آخر الزمان. فنستحكم بالوفاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أكثر وأشد، كلما ومهما اشتدت غربتنا.
والغربة هنا ليست مسافة جغرافية، بل مسافة روحية بين القلب وبين كل ما يشوشه عن دينه واستقامته. لذلك لا يسكن هذا القلب إلا في رياض النبوة! ولا يزهر ويشرق إلا بالاستجابة الأرجى والأوفى لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

لقد كان الأنصار في المدينة مثالًا حيًا نستنير به، فقد عاشوا بين قومهم في ولاء وبذل ونصرة، ثم قدموا أنفسهم وأموالهم للدفاع عن الدين العظيم، وهم على أرضهم وفي وطنهم، لكنهم أدركوا معنى الغربة في ولائهم لله ورسوله، فارتحلت قلوبهم بالحق، وارتبطوا بالرسول ﷺ ارتباطًا روحيًا أعمق من كل حدود مكانية. ولذلك كانوا من أهم أسباب نصرة الدين وإقامة شوكته.

وهكذا، لكل مسلمة اليوم، ولكل مسلم، أن يعي أن الغربة، إذا كانت من أجل الحق وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنها فضيلة تحصن النفس وتوجب الفضائل الجليلة، وتربي القلب على الصبر، وتمنح القدرة على الوفاء بالأمانة. والغربة التي نعيشها عن الجوارح المتساهلة، عن قيم المجتمع الضائعة، عن الهوى الباطل، تصبح جسرًا نحو التمكين والفتوحات، وامتدادًا لأثر الأنصار والمهاجرين في نصرة الحق ونشره حين نأخذ الكتاب بقوة ونقتدي بالسابقين الأولين بهمة.

فلنجعل بيعة القلب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم خالدة، وعهدنا بالحق لا تغيره المسافات ولا يعميه الزمان ولا تعقيدات الظروف والحيثيات، حتى نكون كما كان السابقون الأوائل: أنصارًا للحق، صادقين في العهد، ثابتين في الوفاء، متحدين في نصرة دين الله. على منهاج النبوة الخالص وعلى خطى السابقين الأولين الأوائل!

مِمَّا صَحَّ عَنهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – مِن طَرِيقِ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ – رَضِيَ اللهُ عَنهُم – أَنَّهُ أَخبَرَ بِغُربَةِ الإِسلامِ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَعن أَبي هُرَيرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنهُ – أَنَّهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” بَدَأَ الإِسلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبى لِلغُرَبَاءِ ” رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَعَن سَعدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ – رَضِيَ اللهُ عَنهُ – أَنَّهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: (إِنَّ الإِيمانَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبى يَومَئِذٍ لِلغُرَبَاءِ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ… ).

وَعَن عَبدِاللهِ بنِ عَمرٍو – رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – ذَاتَ يَومٍ وَنَحنُ عِندَهُ: ” طُوبى لِلغُرَبَاءِ ” فَقِيلَ: مَنِ الغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:” أُنَاسٌ صَالِحُونَ في أُناسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَن يَعصِيهِم أَكثَرُ مِمَّن يُطِيعُهُم ” رَوَاهُمَا الإِمَامُ أَحمَدُ، وَصَحَّحَهُمَا الشَّيخُ أَحمَدُ شَاكِر.

الغُربَةُ بَدَأَ بِهَا الإِسلامُ في أَوَّلِ مَبعَثِ الننبي صلى الله عليه وسلم وَسَيَعُودُ إِلَيهَا كَمَا بَدَأَ بِهَا، وَقَد صَحَّ عَنهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ أَنَّهَ قَالَ: ( وَمَا أَنتُم في أَهلِ الشِّركِ إِلاَّ كَالشَّعرَةِ البَيضَاءِ في جِلدِ الثَّورِ الأَسوَدِ، أَو كَالشَّعرَةِ السَّودَاءِ في جِلدِ الثَّورِ الأَحمَرِ ).

أوليس هذا حالنا اليوم؟ فعلام الدنية في ديننا وخسارة فضل الغرباء!
أوليست جميع بشارات النبي صلى الله عليه وسلم، متصلة بالثبات على ما كان عليه السابقون الأولون، فلم التفلت والترخص بدون أدنى اعتبار لبديهيات الدين الحق!

الثبات في الغربة: أنصار هذا الدين في زمانهم

قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)

هذه الطائفة الصافية، كما أخبرنا نبينا ﷺ، ستظل باقية على الحق، لا يضرها من خذلها، ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله. هي ثابتة في عزها وإيمانها، ظاهرة على الناس بالحق، لا تزلزلها الرياح العاتية ولا تقهرها المصاعب. ولا تغريها الفتن ولا زخرف الدنيا الفاني.

إن غربة الإسلام قدر محتوم، كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ، لكنها غربة تشهد لعز الدين وعلو شأنه. فالغربة ليست ضعفًا، بل هي دليل على نفيسية الحق ورفعة مكانته، وهي اختبار لمن يثبتون على الوفاء للأمانة، ويصبرون على البلاء في سبيل الله جل جلاله.

لقد عاش الأنصار هذه الغربة الروحية، وهم في وطنهم، وقد حملوا لواء نصرة النبي ﷺ، فقدموا أنفسهم وأموالهم للدفاع عن دين الله تعالى، ورفعوا راية الحق في أصعب الظروف. ومع كل ما عانوه من المشقة، من مواجهة الباطل والعدوان وأشكال المكر والأعداء، كان في قلوبهم سكينة الإيمان وسعادة الطاعة والاطمئنان لرضوان الله تعالى، وهذا ما أوجب لهم قوة الثبات والصبر واليقين.

أما نحن اليوم، فغربة الحق أعظم وأوسع. فبيننا وبين محيطنا مجتمع يتهاون في بديهيات الدين، تتبدل فيه القيم، وتغيب فيه المبادئ، ويُنظر إلى هذه البديهيات الأساسية كمثاليات مبالغ فيها. ففي أي فصل من الجاهلية تراجعنا؟ هل نستطيع أن نكون أنصار هذا الدين في زماننا كما كان الأنصار في زمانهم؟ هل نثبت على الحق حين يخفف الناس من قيم الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ هذا ما يصنع من الملتزم غريبا مع مقاييس واقعه، ومن المتفلت قريبا بقدر تنازله وتفلته!

إن الغربة في زمننا، ليست فقط بعدًا عن أرض يحكمها الإسلام، بل غربة عن قيمة الحق في قلوب الناس، عن الاستقامة وسط مجتمع يرضى بالمجازفة بالحق، عن الوفاء بالعهود، وعن نصرة دين الله بلا خوف. وهي غربة تقودنا إلى الصدق مع الله، والثبات على المبادئ، والتماسك على الحق مهما أثخنت فينا التحديات، فسلعة الله غالية! سلعة الله الجنة، وكل ما على الأرض يفنى ويموت!.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا”.
قال أبو عبيد: أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض كما تنضم الحية في جحرها” وهذا لضعفه وقلة أنصاره وغربتهم.
( بين المسجدين): يعني مسجدي مكة والمدينة. كما كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولعل هذا يفسر شوق كل مسلمة صادقة لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن محبتها فطرة وطلب العيش فيها من بصيرة الغرباء!

فلنعتبر أنفسنا اليوم من الأنصار الغرّباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويثبتون على الإسلام، ويُحيون ما أُضعف من أمر الله في الأرض، ويدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فلنحمل الرسالة بكل صدق وإخلاص، ولنجعل الثبات شعارنا في كل موقف، والوفاء للأمانة عهدا تبنى عليه لبنات حياتنا.

والله نسأل أن يجعلنا من الغرّباء الذين يثبتون على الحق، حتى نلقاه ﷺ غير مبادلين ولا مغيّرين، حاملين مشعل النور إلى كل قلب مضى فيه الظلام، كما كان السابقون الأوائل أنصار الحق في زمانهم.

مسك الختام

فاتقوا الله تعالى، وأطيعوه ولا تعصوه بحجة واهية وتفلت مهين، واعلموا أن (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. (الطلاق: 2-3)

وحين يرتفع الباطل، وتنتشر دعائمه، وتتبناه مؤسسات وأقلام وقنوات، قد يغتر البعض به، أو ينجرف إليه، أو يضعف قلبه ويشك في الحق، بل ويقنط آخرون وييأسون. لكن المؤمن الصادق، الذي له حظ من الاطلاع على ما وصف به نبينا ﷺ الغرّباء، يعلم أن هؤلاء القوم قليلون وسط كثير من أهل السوء، وأنهم ثابتون على الكتاب والسنة حين يترك الناس الدعوة إليها، وأنهم صابرون على الأذى والمكاره والمكابرة والإنكار.

إن الغرّباء هؤلاء، مهما صادفهم من امتحانات وابتلاءات، لا ينكسرون، بل يزدادون يقينًا وصبرًا، ويعلقون قلوبهم بالذي بيده الأمر، مستبصرين بقول ربهم لنبيه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60] ، ومع هذا الصبر والعمل الصالح يثقون بوعد الله: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) ﴾ (محمد: 4-9)

فلنجعل من هذه الأمثلة نورًا لقلوبنا، ولنتأسَّ بالأنصار الأوائل، وأصحاب النبي ﷺ، الغرّباء في زمانهم، الذين حملوا الأمانة على أتم وجه، وثبتوا على الحق وسط الصعاب الأشد. نسأل الله – عز وجل – أن يجعلنا منهم اليوم، أن يثبتنا على دينه، ويعيننا على نصرة رسوله ﷺ، وأن يجعلنا ثابتين على المبادئ كما كان السابقون الأوائل، لا نفرّط في أمانته، ولا نميل عن سبيله، وأن يكتبنا من الغرّباء الصالحين في زماننا، الذين يرفعون راية الحق ويعملون لدين الله بإخلاص ووفاء، اللهم آمين.

أسأل الله لي ولكن مرتبة أنصاريات زمانهن! اللهم آمين.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.


محاضرة ألقيت للنساء في ملتقى التواصي.

مسجد العقبة، يقع أسفل جبل ثَبير المطل على ساحات الجمرات بمنى، في موضع بيعة العقبة، الذي بايع فيه الأنصار رسول الله ﷺ بحضرة عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

لتحميل المحاضرة بصيغة بي دي أف:

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x