بين سطوة الملاعب وأعياد الكافرين: فصول من غياهب التيه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكن الله وأكرم جمعكن ومسعاكن، وبارك بكن ورضي عنكن وأرضاكن.

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم، ويعيش فيه المسلم غصص الاستضعاف والتداعي السافر (تداعي الأمم)، نصل لنهاية عام ميلادي آخر، ليتكرر مشهد مفجع لا يزال يوثّق حقبة الاستضعاف والتبعية المثخنة، حيث تتصارع الملاعب على جذب الأنظار، وتتهافت الناس على أعياد الكفار، ويقف المرء أمام مشهد من التيه، يبعده عن حقيقة هويته وهيبة إيمانه. يشاهد الكثرة تتراكم حول سفاسف الأمور ومضلات الفتن، ولعبة كرة القدم التي تصور كفضيلة وميدان سبق، وأعياد كفر وشرك، يُستهان بالاحتفال بها، ويُذّم ويُحارب من يحذر من الانجرار إليها.

ما يجري اليوم ليس صنيع يوم أو ليلة، وليس مجرد صدفة، بل نحن أمام نتائج الغزو الفكري الغربي، وتمكنه من العقول والذهنيات الهشّة، نحن أمام هزيمة فكرية وثقافية وأخلاقية صارخة، تدور حول متعة غادرة، بين سطوة الملاعب وبريق أعياد الكافرين، حيث تكمن فصول من التيه وفقدان الهوية وذلّة النفوس ودنو الهمم. نحن أمام حقيقة عملية تبديل للدين وإرخاص له للأهواء والأعداء.
وفهم هذه الفصول هو طريقنا لنرى الحقيقة برؤية صافية، ونتمسك بما يرفعنا لا بما يضللنا ويحرفنا عن سبيل المؤمنين أو ويجرّعنا مرارة الهزيمة.

كيف وصلنا لهذا؟

لسنا اليوم أمام أحداث عابرة، ولا أمام مواسم لهوٍ بريئة، بل أمام حالة حضارية متكاملة تُعاد فيها صياغة الوعي، وتُبدَّل فيها الأولويات، ويُدفع الإنسان – والمسلم والمسلمة على وجه الخصوص – إلى الانشغال بما لا يُنجي بل يضر، والانغماس فيما لا يُقيم بل يكسر، في زمنٍ تشتد فيه الفتن وتتوالى كقطع الليل المظلم، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ.

والمتأمل في واقع حياة المسلمين اليوم يعجب لسهولة انتشار الفتن واستشراف الناس لها، زمن تتسع فيه الشاشات، وتضيق فيه البصائر؛ تعلو فيه أصوات الملاعب، وتخفت فيه أصوات الملاحم؛ يُحتفى فيه باللاعب في وقت يستغيث فيه المسلمون تحت خيام غزة وبنغلاديش، ويتضور جوعا الأطفال والنساء في اليمن والسودان وغير مكان. وفي المقابل، تُناقَش مباراة بكامل تفاصيلها وأتفه تفاصيلها، بينما تُختزل مآسي أمةٌ بأكملها في خبر عاجل.

وهنا لا بد من سؤال صريح: كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟
كيف صار الانشغال بالملاعب موسمًا مقدسًا، وصار تقليد أعياد الكافرين عنوان “التحضر”، بينما يُنظر إلى الاعتزاز بالإيمان على أنه تشدد أو عزلة، والاهتمام لأمر المسلمين مسألة اختيار وأمر يقع بالصدفة أو بقرار من التريند؟

هذا السؤال مدخل التشخيص والعلاج؛ لأن التيه لا يبدأ من مجرد ضياع الفكرة، بل من الاعتياد. وقد اعتاد أغلب المسلمين الانجرار لما يطفو على السطح ويبرزه الإعلام ويغفلون عن الأحداث الأهم التي تدور خلف هذا الضجيج وهذه الملهيات!

فأغلب المسلمين اليوم لا يعلمون أن الوقت الذي كانت تعجّ فيه مدرجات الملاعب بالهتافات لكرة تتداولها الأقدام، كانت نسخٌ من القرآن العظيم تُدَنَّس بالرصاص أمام مسجدٍ في ستوكهولم، وعبارات الكراهية والتوعد تُخطّ على جدران مساجد في قلب أوروبا، ومقابر المسلمين تُدنَّس في أستراليا، كان المشهد العربي منشغلاً على نحوٍ مهووس بكأس العرب؛ ساعات بث متواصلة، تحليلات لا تنتهي، جدل محتدم، وأناشيد وطنية، واحتفالات صاخبة كأن الأمة تعيش ذروة مجدها. بينما حرمات الدين ومقدساته لا تجد من يتذكر حرمتها وقدسيتها أو ينتفض لنصرتها!

لم يكن الإشكال في جولة رياضة، بل في التحول المرضي للكرة إلى قضية مركزية، تبتلع الوعي، وتُسكت الضمير، وتغطي على واقع مثخن بالجراح؛ غزة تُقصف، اليمن ينزف، السودان ينهار، والعراق يختنق بصمت، وسوريا لم تخرج من ركامها بعد، ومع ذلك تتسابق النخب الإعلامية والمؤسسات الثقافية إلى تضخيم مباراة، وتلميع لاعب، وصناعة بطولة خادعة، تُستهلك كبديلٍ عن أي نقاش جاد حول الكرامة، والهوية، ومكانة الإنسان المسلم في وقت يتوعدنا أئمة الكفر المحاربين في الغرب وفي فلسطين المحتلة بتبديل ديننا واستعبادنا ومحو وجودنا!

هكذا تُدار المعركة على الوعي: جرائم إسلاموفوبيا تتصاعد في الخارج، وغيبوبة طوعية في الداخل؛ يُهان المقدس، وتُستباح المساجد، بينما تُخدَّر الشعوب بالتصفيق ويُفرّقها التعصب الوطني المجحف، ويُعاد تعريف الانتصار ليصبح هدفًا في شباك، لا موقفًا في وجه الظلم، ولا نصرةً للحق، ولا دفاعًا عن كرامة أمة. والويل لمن يذكر اليهود بمذمّة فتلك معاداة للسامية تتطلب دق طبول الحرب والمطاردة لحد الانتقام الأنكى! ولا بأس بشتم نبي المسلمين صلى الله عليه وسلم والسخرية من دينهم وشعائرهم، ففي ذلك فسحة لحرية الرأي وقيم الغرب المقدسة! قاتلهم الله وأخزاهم.

لم تكن كرة القدم في أصلها خطرًا، ولم تكن خصمًا للدين أو للوعي. فقد بدأت لعبة بسيطة، متنفسًا للعمال، مساحة تسلية محدودة لا تتجاوز حدود الملعب. لكن ما نراه اليوم ليس لعبة، بل منظومة ضخمة لصناعة الغفلة. لقد تحولت الكرة من نشاط رياضي إلى قضية مركزية في الوعي الجمعي، تُبنى حولها المشاعر، وتُستنزف فيها الطاقات، وتُدار بها الانفعالات كما تُدار الأسواق.
صار للمباراة “مواسم”، وللاعب “قداسة”، وللخسارة “حداد”، وللفوز “نشوة جماعية” تُنسي ما قبلها وما بعدها.

والسؤال هنا ليس: لماذا يحب الناس الكرة؟ بل: لماذا يُراد لهم أن يحبوها بهذا الإفراط؟
فالإعلام لا ينقل الحدث، بل يصنعه. والرأسمالية لا تكتفي بالبيع، بل تبيع الانتباه نفسه. وهكذا، جرى تضخيم الملاعب لتصبح بديلًا عن الساحات الحقيقية: ساحات الوعي، والمسؤولية، والجهاد.
وفي الوقت الذي كانت فيه المساجد تُستهدف، والمصاحف تُدنَّس، وحملات الإسلاموفوبيا تتصاعد في الغرب، كانت ساعات البث والتحليل تُضاعَف لمباراة، ويُستدعى “الانتماء القومي” ليُسكِت أي صوت يسأل: كيف نتخلص من ضعفنا وتبعيتنا؟ كيف نغيث من يستغيث؟ وكيف نرد عادية الكافرين المعتدين؟
هنا تكمن الخطورة: أن تُستهلك مشاعر الأمة في انتصارات رمزية، وأن يُفرَّغ الغضب المشروع في هتاف، وأن يُستبدل العمل بالتصفيق.
وليس عبثًا أن الأنظمة والإعلام يتواطأون – صراحة أو ضمنًا – على هذا التضخيم؛ فالكرة أداة مثالية للإلهاء: لا تطالب بعدالة، لا تنكر منكرًا، لا تفضح ظلمًا، لا تُسائل سلطة، لكنها تملأ الفراغ، وتُشبع الوهم. وهكذا، يُدجَّن الوعي دون قمع، وتُدار الجماهير دون أوامر، ويُعاد تعريف “الانتصار” ليكون هدفًا في مرمى، لا موقفًا في وجه باطل.

كيف صارت كرة القدم أداة إلهاء عابرة للقارات؟

لم تولد كرة القدم عملاقًا يهيمن على الوعي الجمعي، ولم تكن في نشأتها الأولى أكثر من لعبة شعبية بسيطة تمارس في ساحات إنجلترا منتصف القرن التاسع عشر. غير أن هذه اللعبة، التي بدأت بلا ضجيج ولا نجومية، خضعت عبر الزمن لعملية «تضخيم ممنهج» نقلتها من متعة رياضية محدودة إلى صناعة عالمية تفرض حضورها على الشاشات، وتزاحم القضايا الكبرى في عقول الشعوب، حتى غدت عند كثيرين أولوية شعورية تتقدم على الدين، والهوية، والوعي.
في عام 1279 هـ (1863م) ومع تأسيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، وُضعت القوانين الأولى التي منحت اللعبة شكلها المنظم، وفصلتها عن رياضات أخرى كلعبة الرغبي. كانت بساطة القواعد وقلة التكاليف سببًا مباشرًا في انتشارها بين الطبقات العاملة في المدن الصناعية، حيث وجد فيها العمال متنفسًا بعد عناء المصانع.
في هذه المرحلة، لم تكن الكرة مشروعًا ثقافيًا ولا أداة تأثير، بل مجرد نشاط اجتماعي محلي، يخضع لحدود الزمان والمكان، ولا يتجاوز أثره دائرة الترفيه المحدود.
مع تقنين الاحتراف عام 1302هـ (1885م) خرجت كرة القدم من إطار الهواية، ودخلت مجال الاستثمار. صار اللاعب «أصلًا بشريًا»، وصارت الأندية مؤسسات، وبدأ المال يرسم مسار اللعبة.
وبالتوازي مع ذلك، لعب نفوذ الاحتلال البريطاني دورًا محوريًا في تصدير اللعبة إلى المستعمرات. لم يكن الأمر غير مقصودٍ تمامًا؛ فكما صُدّرت اللغة والنظام الإداري، صُدّرت أيضًا أنماط الترفيه التي تُعيد تشكيل الذوق العام، وتصنع قواسم ثقافية مشتركة تخدم السيطرة الناعمة.
جاء تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) عام 1321هـ، (1904م) ليمنح اللعبة بُعدًا عالميًا منظمًا، ثم كان تنظيم أول كأس عالم عام 1348 ه (1930م) نقطة تحول فارقة؛ إذ تحولت الكرة إلى حدث دولي دوري، تُستثمر فيه المشاعر القومية، وتُستدرج فيه الجماهير إلى حالة من التعلّق العاطفي العميق بل والمتهور.
منذ تلك اللحظة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل منصة سياسية وثقافية واقتصادية، تُدار بعناية، ويُخطط لتأثيرها طويل الأمد.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع انتشار البث التلفزيوني، بدأت مرحلة جديدة من السيطرة. الشاشة صنعت نجمًا، والنجم صنع جمهورًا، والجمهور صُنع له وعيٌ بديل.
لم يعد المشاهد يختار؛ بل صارت المباريات تُفرض على جدول الحياة اليومية، وتُقدَّم كـ«أحداث كونية» لا يجوز تفويتها. ومع تكرار البث، والتحليل، والإعلانات، صارت الكرة حاضرة في كل بيت، وكل حديث، وكل ذاكرة جمعية.
ثم الداعمون للعبة الكرة ليسوا جهة واحدة، بل شبكة مصالح متداخلة يدخل فيها:
الشركات الكبرى التي تجني مليارات من الإعلانات والرعاية.
والقنوات الإعلامية التي تشتري حقوق البث لتصنع جمهورًا دائم الارتباط.
والأنظمة السياسية التي وجدت في الكرة وسيلة فعالة لصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية، وامتصاص الغضب الشعبي. وهي عادة متكررة في التاريخ ووسيلة يتعهدها الحكام، بإلهاء الشعوب بالترفيه المسرف والاحتفالات المنكرة، ليشغلوهم بسفاسف الأمور عن معاليها، فتسهل سياستهم كالعميان، بدون حس ولا أدنى اعتراض لحق أو مظلمة.
ثم المنظومة الرأسمالية العالمية التي لا ترى في الإنسان إلا مستهلكًا، وفي شغفه وقودًا للأرباح.
كل ذلك وجد قلوبا فارغة وهمما بلا رصيد وعي ولا قوة، فوقعت في شباكها فرادى وجماعات، بل عائلات وشعوبًا كاملة!

ما الهدف الحقيقي من تضخيم كرة القدم؟

ليس الهدف قطعا تشجيع الرياضة بحد ذاتها، فالرياضة في أصلها نافعة والرياضات كثيرة وأنفع من كرة القدم. إنما الهدف: إشغال الشعوب عن قضاياها المصيرية. وتخدير الوعي الجمعي بمشاعر زائفة من النصر والهزيمة. وإعادة تشكيل الهوية عبر قدوات مستوردة، وأخلاق مفروضة، وثقافة احتفالية لا تنتمي للأمة. وتفريغ الإنسان من رسالته وتحويله إلى متفرج دائم، لا فاعل في واقعه.
لقد تحولت كرة القدم من مجرد لعبة للتسلية اليوم إلى عدو، منذ ضُخِّمت بلا وعي ووظّفت كأداة من أدوات التيه.
وبين سطوة الملاعب وسطوع الشاشات، أُعيد ترتيب أولويات الإنسان والشعوب المسلمة، حتى غابت القضايا الكبرى، وحضرت مباراة لا يتجاوز أثرها تسعين دقيقة… لكن أثرها في الوعي قد يمتد سنين.

قد يستنكر البعض ممن ابتلي بعشق هذه الكرة، فيقول: لكنها مجرد مشاهدة، لا داعي للتهويل، قلنا: ولكن من يملك وعينا حين نشاهدها؟ وكيف وصل الهوس بالكرة إلى هذا الحد؟ ولماذا هي دون غيرها؟

فلم يصل الناس إلى هذا التعلّق المفرِط بكرة القدم صدفة، ولا لأن اللعبة أمتع من غيرها، بل لأننا أمام منتَج ثقافي جرى الاستثمار فيه بشكل مدروس عابر للقارات. كرة القدم لم تُترك لتنمو طبيعيًا كما تنمو الفنون أو المعارف، بل صُنعت لتكون مركزًا للانتباه الجمعي، تُضخَّم رموزها، وتُكرَّس نجومها، وتُعاد صياغة الزمن الاجتماعي حولها: كمواعيد العمل، وساعات السهر، ومشاعر الفرح والحزن، وحتى النقاشات اليومية.

الهوس لم يأت من فراغ؛ لقد تَشَكَّل حين التقت الرأسمالية العالمية بالإعلام السياسي، فكانت الكرة هي الوعاء المثالي: فهي لا تُثير أسئلة وجودية، ولا تطالب بعدالة، ولا تفضح منظومات الهيمنة، لكنها تستهلك المشاعر بكفاءة مذهلة. وهكذا صارت وسيلة هيمنة ثقافية ناعمة؛ تُلهي دون أن تقمع، وتُسيطر دون أن تُعلن سطوتها.

وفي عالمٍ يُستباح فيه المسلمون، ويُستضعفون في حصار وحرب، وتُدنَّس فيه المساجد والمصاحف والمقدّسات، ويتمتع الانحلال الغربي بحصانة وحرية انتشار، وتُشَنّ حملات كراهية ممنهجة ضد الهوية، يُعاد توجيه الوعي العربي ليُفرغ غضبه في مباراة، ويُسقِط طاقته في تشجيع منتخب، ويعيش وهم الانتصار والهزيمة داخل مستطيل أخضر، بينما المعركة الحقيقية تُدار خارجه.

لم تُصبح كرة القدم “الأهم” لأنها الأجدر، بل لأنها الأكثر قابلية للتوظيف: فهي تُغني الإعلام عن مساءلة السلطة، وتُغني السلطة عن محاسبة الواقع، وتُغني الجماهير عن التفكير المؤلم في فلسطين، وغزة، واليمن، والسودان، وتركستان الشرقية وبورما وكل جرحٍ مفتوح لا يُبث بين شوطين، وتشغلهم عن مهامهم المصيرية بالعمل على تصحيح واقع المسلمين وإعلاء كلمة الله جل جلاله وإقامة شريعته في الأرض وتبليغ رسالته في الآفاق.

وهكذا انتقل الإنسان المسلم من موقع الفاعل إلى موقع المتفرج الدائم وسِيس كما تريد سلطة الثقافة الغالبة المحاربة؛ يتفاعل بحماس مع ما لا يملك تغييره، ويصمت أمام ما يجب أن يُغيّره. وهذه هي أخطر نتائج الهيمنة الثقافية: أن تُعيد ترتيب الأولويات حتى يبدو الانشغال بالكرة طبيعيًا، والانشغال بالكرامة عبئًا، والانتباه للمقدس تطرّفًا، واليقظة وعيًا زائدًا عن الحاجة.

احتفالات آخر السنة الميلادية جزء من حقيقة أكبر

وما الكرة إلا جزء من مصاب جلل، فالمسلمون اليوم بين مطرقة وسندان، بين سطوة الكرة والانهزامية وعقدة جحر الضبّ وبين غياب الإرادة وعلو الهمة والاستعلاء بالإيمان، ويكفي النظر كيف يوثق لنا آخر العام الميلادي حقيقة فصول التيه، بين شعوب مشغولة بمباريات كرة القدم، وشعوب منكبّة على أعياد الكافرين!
وهكذا، إن كانت الكرة وسيلة لإلهاء الجماهير ومظهر من مظاهر التيه، فإننا نجد أعياد الكافرين آخر السنة تمثل فصلًا آخر من التيه. ليس الهدف منها مجرد فرح، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي وإعادة ترتيب الأولويات الثقافية والدينية للأمة.

فالاحتفال بالكريسماس أو رأس السنة اليوم لم يعد مسألة “مجاملة” أو “تواصل اجتماعي”، بل أصبح رمزًا للاستسلام الذهني لمنظومة قيمية خارجية. يُزين الشارع، وتُغلق المحلات على الإيقاعات الغربية، وتُعرض برامج لا تهدف إلا لتعويد الناس على التبعية، حتى أصبح بعض المسلمين يشارك بلا وعي، تحت ذرائع “التحضر” أو “الفرح” أو “التعايش”.

وما أقبح مظاهر التقليد التي تنتشر بحماقة وسخف: بيوت للمسلمين تزيين بشجر الكريسماس والأنوار، وغرس رموز وثنية مهجّنة بضلال النصارى. وذاك الاجتماع لأجل العدّ التنازلي إلى منتصف الليل وكأنها “طقوس مقدسة”. وهم يقتربون من حتوفهم مع كل رقم يعدّونه!
ثم تهنئة الآخرين ومشاركة الحفلات دون تمييز بين مساحة من حق الذميّ والذوبان المنهزم لحد إرخاص الدين للنصارى.
ويندلع الجدل العائلي والمدرسي حول المشاركة والمحاكاة لأعياد شركية، والذي يكشف عن هشاشة الهوية لدى بعض الأسر. فكيف وقد أضحى تتبع الإنكار على المسلمين في تقليد أعياد الكافرين جريمة يحاسب عليها القانون! مع أنه لا يُعرف خلاف في وجوب إنكار تقليد الكافرين في أعيادهم الشركية، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وبين انشغال الكبار بجدالات مستنزِفة، يبقى الخطر الأكبر هو أن هذا التقليد يُصوَّر للأطفال على أنه “فرح طبيعي” أو “جزء من العالم الحديث”، بينما في الواقع هو انحراف عن الهوية وعقيدة التوحيد، وعلمانية تُفرض على المسلمين تحت ستار التعايش والاحترام ومشاركة المرح والفرح زعموا! بل نحن أمام تمكّن الشيطان وحزبه من تحقيق أهدافهم في صرف الناس عن عبادة الله وحده لا شريك له لكل ما حط وانحرف، وذلك لسهولة استدراج الناس وسهولة ربطهم بالتافه والباطل والسقيم. قال الله عز وجل: ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ ( الإسراء: 64).
وقال عز وجل: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنِ اتَّبَعَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور:21).

فالذي لا يعي هذه الحقائق، يقع في خطر الانجرار دون إدراك، ويُفرَّغ وعيه وقلبه تدريجيًا من مقاييس التوحيد، فيتحول الاحتفال إلى طقس عاطفي وطقس اجتماعي، لا علاقة له بالهداية أو القيم أو الاعتقاد.
نحن حقيقة أمام كارثة فقدان المعنى فيما تذهب إليه الشعوب وما تختاره تحت سطوة الغالب والرائج!
وإذا كانت كرة القدم قد صارت أداة لإشغال الوعي، فإن نهاية العام تكشف وجهًا آخر للتبعية الثقافية، أكثر عمقًا وخطورة: إنه اللهاث الجماعي لتقليد النصارى في أعيادهم ورموزهم، بشعور دونية خفي! دون أدنى مساءلة عقدية أو حضارية. فجأة، تمتلئ الشوارع والمنصات بأشجار الميلاد، والقبعات الحمراء، وأغاني الكريسماس، والعدّ التنازلي لرأس السنة، كأن هذه الطقوس جزء أصيل من الذاكرة الإسلامية، أو امتداد طبيعي لعقيدة التوحيد. نعوذ بالله من تبعية مذلّة مخزية.

ولا يتوقف الأمر عند مظاهر الزينة والاحتفال، بل يتعداه إلى التطبيع النفسي مع عقائد تخالف أصل الإيمان؛ فالكريسماس ليس مناسبة اجتماعية محايدة، بل عيد ديني يقوم على تصور لاهوتي يناقض التوحيد الخالص، ومع ذلك يُعاد تقديمه في الخطاب الإعلامي بوصفه “فرحًا إنسانيًا عامًا”، ويُجرَّد من محتواه العقدي ليُمرَّر ثقافيًا بلا مقاومة.
أما رأس السنة، فقد تحوّل إلى طقس عالمي للانفلات: سهر، صخب، عدّ تنازلي، شعور زائف ببداية جديدة، دون محاسبة نفس أو مراجعة أخلاقية. إنه احتفال بالزمن لا بالقيم، وباللحظة لا بالمعنى، يُستنسخ كما هو من النموذج الغربي، ويُمارَس في مجتمعات لم تُشفَ بعد من جراحها، ولم تُحلّ أزماتها الوجودية.
ومع كل نهاية عام، يتكرر الجدل العقيم نفسه: هل الكريسماس عادة أم عبادة؟ هل التهنئة مجاملة أم ولاء؟ هل الاحتفال مجرد فرح أم ذوبان؟
جدل يكثر لأنه لا ينطلق من هوية راسخة، بل من فراغ داخلي؛ إذ حين تضيع البوصلة، يصبح الدفاع عن التقليد أسهل من الدفاع عن الذات، ويُستبدل سؤال “من نحن؟” بسؤال “لماذا لا نكون مثلهم؟”.
وهنا تتجلى دلالة فقدان الهوية: أن يستحي المسلم من أعياده، ويبالغ في تبرير مشاركته في أعياد غيره. أن يحفظ أسماء نجوم الغرب ومناسباتهم، ويجهل معنى الأضحى والهجرة ورمضان. أن يُقاس “التحضر” بمدى التشبه، لا بمدى الثبات على الإسلام.
إن هذه المظاهر ليست تفاصيل موسمية، بل مؤشرات حضارية خطيرة؛ فالأمة التي لا تملك شجاعة التميز في عقيدتها، ستفقد بالضرورة قدرتها على المقاومة، وعلى إنتاج نموذجها الخاص. وما التبعية في الأعياد إلا حلقة أخيرة في سلسلة بدأت بإلهاء العقول، وانتهت بذوبان الهوية.

صناعة وعي واجبة

وفي هذا المقام أشدد على ضرورة أن يعي المسلم والمسلمة، حقيقة الكريسماس؟
وهو وعيٌ يحمي العقيدة من الذوبان والتقليد الأعمى مع كثرة الابتذال والاستهانة المنتشرة.
فمن الظلم العظيم، أن يتعامل المسلم مع الأعياد والمناسبات الدينية للأمم الأخرى بوصفها “تفاصيل ثقافية بريئة”. فالديانات لا تنفصل عن رموزها وطقوسها، وما يُحتفل به علنًا إنما يعكس معتقدًا راسخًا، أو على الأقل سردية دينية لها جذورها التاريخية واللاهوتية. ومن هنا، فإن الوعي بحقيقة “عيد الميلاد” (الكريسماس) ضرورة عقدية، حتى لا يقع المسلم في تقليدٍ أعمى يناقض التوحيد وهو لا يشعر.
ومن الحقائق التي يغفل عنها كثير من المسلمين – بل وكثير من النصارى – أن تاريخ 25 ديسمبر لا يستند إلى أي نص إنجيلي. فالأناجيل الأربعة لم تذكر يومًا محددًا لميلاد عيسى عليه السلام. بل إن القرائن الداخلية في النص الإنجيلي نفسه، كذكر وجود الرعاة في الحقول ليلًا، تشير بوضوح إلى أن الميلاد لم يكن في قلب الشتاء الفلسطيني البارد. وفي القرآن يصف لنا مشهد ولادة عيسى تحت جذع النخلة، فلا يمكن أن يكون الجو شتاء كما في قسوة ديسمبر.
والأدهى من ذلك أن الكنيسة لم تعتمد هذا التاريخ إلا في القرن الرابع الميلادي، أي بعد رفع المسيح عليه السلام بثلاثة قرون، وفي سياق سياسي وديني هدفه استيعاب الوثنيين داخل الإمبراطورية الرومانية. فالتاريخ لم يُختَر لأنه “صحيح”، بل لأنه مفيد إداريًا ودعويًا آنذاك.
ولذلك نجد الكثير من مظاهر الكريسماس التي تُقدَّم اليوم بوصفها “تقاليد مسيحية” ليست في حقيقتها كذلك، بل هي طقوس وثنية قديمة أُعيد تغليفها:
فتاريخ 25 ديسمبر هو عيد الشمس التي لا تُقهر الذي كان الرومان يحتفلون به احتفاءً بانتصار الشمس بعد الانقلاب الشتوي بحسب اعتقادهم.
والساتورناليا: مهرجانات رومانية قائمة على اللهو، والهدايا، والزينة.
وشجرة الميلاد: رمز وثني لدى شعوب شمال أوروبا، حيث كانت الأشجار الدائمة الخضرة تُقدّس بوصفها رمزًا للحياة.
وهذه الرموز لم يعرفها المسيحيون الأوائل، ولم يمارسوها، بل دخلت لاحقًا في سياق “تنصير العادات” لا متابعة النصوص.
والمفارقة المهمة، أن المسيحية الأولى نفسها رفضت الاحتفال بالميلاد. فقد اعتبر المسيحيون الأوائل أعياد الميلاد عادة وثنية مرتبطة بالملوك والطغاة.

ولا يمكن الحديث عن الكريسماس دون التوقف عند ظاهرة سانتا كلوز، التي تمثل ذروة التناقض الديني. فكيف لدين يدّعي الحقيقة والخلاص أن يقوم احتفاله المركزي على أسطورة مكذوبة يُلقَّنها الأطفال عمدًا؟
شخصية تطير في السماء، تدخل البيوت من المداخن، وتوزع الهدايا بمعايير أخلاقية غامضة، هي خليط من أساطير وثنية شمالية ورأسمالية حديثة. ومع ذلك، أصبحت هي الرمز الأبرز للكريسماس، متقدمة على ذكر المسيح نفسه.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان الاحتفال بالمسيح يحتاج إلى كذبة منظمة، فماذا بقي من صدق يتعلمه الناس والأجيال؟
وبالنظر لارتفاع منحنيات الشراء في أسواق العالم في هذه المناسبة، ندرك كم تستفيد الرأسمالية من سذاجة الاتباع بلا عقل..! فمبيعات الأسواق ترتفع بشكل هائل ومضاعف جدا. وكلما كان الإقبال كبيرا، ازدادت الأرباح، لذلك من المهم للرأسماليين أن يتسع سوقهم في بلاد المسلمين المستباحة!

إن معرفة هذه الحقائق دعوة للوعي ورفع حس المسؤولية، فالمسلم حين يشارك في طقوس الكريسماس من تهنئة، وتزيين، واحتفال دون إدراك لجذورها، فإنه لا يمارس “مجرد مجاملة”، بل يساهم – من حيث يشعر أو لا يشعر – في تطبيع رموز تخالف أصل التوحيد. والأخطر من ذلك أن هذا التقليد يكشف هشاشة الهوية: حين يستحي المسلم من أعياده، ويبرر مشاركته في أعياد غيره. وحين يُختزل “التعايش” في الذوبان، والتبعية. يُقاس الوعي بمدى التشبه، لا بمدى الثبات على القيم الإسلامية.

عملية تبديل للدين

وهذه المرحلة التي نعيشها اليوم وصفها محمود شاكر – رحمه الله- بدقة متناهية، ويضعنا أمام مشهد خططت الحرب الصليبية فيه بتكتيكها الجديد، لدكّ الحياة الإسلامية دكّا، واضعةً نصب عينها، هدم الأسس التي تقوم عليها حياة المسلمين، وهدم علومهم ومعارفهم، وهدم آدابهم وأخلاقهم، وهدم تاريخهم وماضيهم وكل صفحة ناصعة من القوة والمجد تزدان به حضارتهم الإسلامية العريقة، لتفصل الأجيال المتوالية عن منبع العلم والأدب والأخلاق والتاريخ الأول، بل حتى اللغة، استهدفت، ليجد الجيل الجديد نفسه أمام لغة مختلفة عن لغة من سبق، ليجد نفسه بعيدًا عن لغة القرآن، لغة توارثتها الأجيال الأولى بحرص وهمّة لأنها لغة لا تناجزها لغة في الثراء والدقة، إنها لغة أهل الجنة.
فيظهر مع كل يوم الانفصال والبعد عن المنبع الأصل، وتصبح معرفة المسلم بدينه مختلفة محرّفة تستند لمعطيات دخيلة، بعد أن تمكنوا من إقصاء المصادر الأصيلة.
وبمزيد من الجهد والإصرار من قبل أعداء الإسلام، تتوالى الهزائم في كل الميادين، وبدل أن يصمد المسلم بما لديه من أصالة ودين، يصبح هشّ البنيان يتلجلج مع كل ريح، لا ينفعه أي سلاح لتحصيل النصر المبين مهما بلغت قوته المادية ذلك أن الروح مهزومة داخليا.
ومع واقع الضعف المادي، تلحق هذه الهزيمة الفكرية بالهزيمة العسكرية وينال الأعداء من أمة الإسلام كل نيل. هكذا خطط الغرب لهزيمة الإسلام بمكر كبار.
لكن الجيل السابق، رغم ضعفه قوته العسكرية مقارنة مع الجيوش الصليبية، ورغم حجم الضغط وتوالي الغزوات وامتداد رقعتها، كان يحمل شيئًا واحدًا، جعله عصيًّا على هذه الحملات، بالرغم من أنه كان يشاهد لدى أعدائه قوة مادية مبهرة، لقد كان عزيز النفس أبيًّا، قادرًا على تمييز عدوه، والتفرس فيه، مهما لبس من لبوس النصح والخداع.
ذلك أن فطرتهم كانت سليمة، فجاءت مقاومتهم مقاومة سليمة، تعتمد على البغض في الله، والريبة من الأعداء، والتصدي لهم بقوة الإيمان والولاء والبراء، فلم يكن المسلم يتردد في القتال أو يتردد في رفض أي فكر دخيل على الإسلام بل يكفي فقط أن يعلم بأنه مصدره من أعداء الإسلام ليعلن البراءة منه، فكانت حقيقة محورية فاصلة بين ذلك الجيل وجيلنا اليوم من المسلمين.
هكذا سلط أبو فهر الضوء على الفرق بين هؤلاء الذين واجهوا الغزوات الصليبية أمس وبيننا اليوم، نعم فقد كانت تشع في زمانهم معاني الولاء وتصدح في الفضاء عقيدة العزة وتتحطم على صخرة الإيمان كل المكائد في حين لا زالت باهتة اليوم ضعيفة مطموسة! فكيف نطمع في تحقيق أي نصر!.
ولقد أشار محمود شاكر كذلك لفريق ممن سبق سقطوا في مكائد الغرب، أو استكانوا لعروضه في المسالمة وطالت مع ذلك الحرب إلى أكثر من مئة وخمسين سنة.
تتجاذبها المواقف، بين مد وجزر، ومكيدة وزحف، ومناورة وخداع، يهدف خلالها العدو إلى نصب شراكه وكمائنه والفتك بفريسته، وليصبح المسلمون بين يديه بلا أدنى مقاومة أو قدرة على الدفاع.
وهي ذات الاستراتيجية التي يستعملها العدو مع المسلمين اليوم ولكنه وجد شريحة واسعة تتجاوب مع خططه.
وهي الشريحة التي سمحت للعدو أن يتسلل لحصون الإسلام بسبب ضعف ولائها لدينها فاستدرجت بأسهل ما يكون وأضحت تحطم بنفسها حصون الإسلام التي لا يكفل لها غيره، الأمان والعزة.

قال الله جل جلاله ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [ الأحزاب: 23]

فأخطر ما يتهددنا اليوم تبديل الدين، والذي يبدأ من طمس الأصول والتبعية المنهزمة للكافرين.
ونرى اليوم حين يجتمع الهوس بالملاعب مع التبعية لأعياد الكافرين، كيف يُنتج ذلك حالة التيه الكبرى، بتهميش عقيدة التوحيد ومخالفتها والتفريط في هيبتها، وتُهمل القضايا الكبرى: فلسطين، اليمن، السودان، والقضايا المحلية والدولية المتعلقة بقداسة الإسلام ومكانته. وتُستبدل الهوية بالترند، والقيم بالعرض اللحظي. والنتيجة المثخنة: أن الإنسان يتحول لتافه، منساق، بلا غاية وجودية، أو أهداف حقيقية، ويضمن أعداؤه عجزه عن التقدم خطوات فعالة في حياته ومجتمعه لتغيير حالة الضعف إلى قوة، ورد المظالم ونصرة المظلوم، بل يستمر في عيش حالة إشباع فوري للمتعة الزائفة وهو يحسب نفسه يحسن صنعا!

حجة لنا أو علينا

ومما يتصدع له القلب، أن كل هذا الذي تعيشه الأمة المسلمة، قد حذرنا منه النبي ﷺ بوضوح، فقال صلى الله عليه وسلم: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن؟!” رواه الشيخان.
وقال صلى الله عليه وسلم: ” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت” رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وقال الهيثمي في المجمع إسناد أحمد جيد.
ويكفيك وصف ما يتجرعه المؤمن من ألم هذا التشخيص وغربة الدين في زماننا، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر”.
فالتمسك بالدين في آخر الزمان يصبح صعبًا وشاقًا جدًا، بسبب كثرة الفتن والمغريات والفساد، وقلة المعين والمساعدين على الطاعة، فيكون حال المسلم المتمسك بدينه كمن يمسك جمرة متقدة في يده من شدة الأذى والحرقة التي يلقاها. نسأل الله الثبات لآخر رمق.
وفي الوقوف على أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم لآخر الزمان، ووصفه لحال الأمة ووصاياه للمسلمين، علم عظيم وأدب جمّ وهيبة الحق، فمن أراد لنفسه التحصّن من الفتن المتوالية، ليتزود بالسنة، والحديث وليتأسى بنبينا صلى الله عليه وسلم، مرددا هدي نبيه صلى الله عليه وسلم :”كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع “.

واجب المرحلة

المسلم والمسلمة اليوم مطالبان بتحمل مسؤولية مواقفهما، أن يكون المرء واعيًا بما يفعل ولماذا يفعله. فالعقيدة التي لا تُحمى بالعلم، تُستباح بالتقليد الجاهلي. وما الكريسماس إلا مثال صارخ عن كيف يمكن للأسطورة، والتاريخ المزيف، والهيمنة الثقافية، أن تُقدَّم في ثوب “الفرح الإنساني”.

فما المطلوب اليوم من الأم والأسرة؟ خط الدفاع الأول عن هوية وأصالة الأمة؟
يجب على كل أم وأسرة، الحرص على تربية الاستعلاء بالإيمان في زمن الحملات والضغط والتجريم لشعائر الدين ومقدساته وبديهيات فيه. فلم تعد المعركة اليوم معركة معلومات تسري فقط، بل معركة ثبات وحفظ هوية في مرمى أهداف الأعداء.

ومع تصاعد الحملات الإعلامية، والضغط الاجتماعي، بل وحتى تجريم إنكار انجرار المسلمين إلى حفلات الشرك في آخر السنة في بعض البيئات، لم يعد مقبولًا أن تبقى الأسرة في موقع المتفرج. بل المطلوب اليوم تربية واعية، مسؤولة، ناضجة، تُحصِّن الأبناء نفسيًا وعقديًا وتوفر حصانة لهم من التيارات الجارفة المضللة.

وأشدد جدا على دور الأم في هذه المهمة، فالأم ليست مجرد راعية لأطفالها، بل صانعة وعيهم. وأخطر خطأ تقع فيه بعض الأمهات هو محاولة “تخفيف الصدمة” على الأبناء عبر التنازل الرمزي: مجرد زينة وتهنئة، مشاركة خجولة “حتى لا يشعر الطفل بالنقص”.
وهذا منطق مهزوم، لأن الطفل لا يُربّى على ما نُبرره، بل على ما نعتنقه بقوة وننصره بأمانة ونورثه إياه بعزة.
فلتحرص كل أم كل مسلمة على ربط الهوية بعقيدة التوحيد والإيمان لا بمقارنة منهزمة. وتهوين مكلفّ لحد الموت!
لا تقولي للطفل ” نحن لا نحتفل لأنه ليس عيدنا” فحسب، بل “نحن لا نتشبه بالكافرين ونحن نؤمن بالله وحده لا شريك له ولا نخضع لكافر أو مفتون”.

علينا أن نعلم الأطفال الرفض بوصفه عقيدة نموت لأجلها لا مجرد مخالفة شكلية.

كما يجب تصحيح مفهوم الفرح، فالفرح ليس الصخب الموسمي والزينة المعلقة، أي زينة كانت! بل هو طمأنينة الانتماء وصحة الاختيار وصدق الاتباع للسابقين الأولين. لإقامة النفس على هدي الإسلام العظيم.
والأم العزيزة بدينها ينعكس ذلك في تربيتها لأبنائها فهي لا تستهين بتفاصيل مصيرية تمس عقيدتهم وتقديرهم لربهم جل جلاله، ولدينهم وهويتهم. وتنقش ذلك مبكرا جدا، حين تكون الواعية، والصادقة في بذلها.
وكذلك الأب مطالب اليوم أن يكون مرجعية واضحة راسخة الفهم والانتماء، لا مجرد تفصيل هامشي في حياة أبنائه.
ودور الأب يجب أن يتضمن صناعة وعي لأبنائه، بترسيخ المفاهيم العقدية والخلقية، وتعليمهم التمييز بين القيم الأصيلة والثقافة الدخيلة المحاربة. وتتضمن صناعة هذا الوعي، تدريبهم على الردود الذكية في المدرسة والمجتمع، بحفظ الاستعلاء بالإيمان معلما وقدوة. وليكن هو بنفسه القدوة.
وحفظ الهوية لا يتأتى بالخطاب الواحد، بل بمنظومة متكاملة ولذلك يعتمد على توزيع الأدوار في الأسرة، فالأم تغرس الانتماء العاطفي، وتربط الإيمان بالحب والأمان. والأب يؤسس الوعي العقلي، ويشرح المواقف والسياقات. والبيت يُوفر بدائل حقيقية، لا فراغًا مُضعِفا. فالأسرة المجاهدة اليوم، تعتني بتوفير أنشطة أسرية وجلسات حوار لإحياء المعاني الإيمانية في قلوب الأبناء. وتعتني باستقامة أبنائها مبكرا، والطفل الذي يجد الحقيقة الكريمة، لا ينجذب إلى خيارات ذليلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نُعلّم الأبناء الاستعلاء بالإيمان لا الانهزام؟

إن الاستعلاء بالإيمان لا يعني الشعور بالتفوق على الناس والاستكبار عليهم ومعاملتهم بغلظة واستحقار لذاته وشخصه! بل يعني الاعتزاز بالإيمان وهوية الإسلام، والطمأنينة للانتماء لصف المسلمين ودين الإسلام العظيم.
ولتقويته في نفوس الصغار، يجب، ترسيخ الفهم العقدي الصحيح مبكرا جدا، بأهمية التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله تعالى. يجب ترسيخ مفهوم الخشية من الله قبل الخشية من الأم أو الأب أو المجتمع، وما أكثر ما يفرط في هذا الأصل العظيم اليوم.
يجب كسر تلك المشاعر السلبية بالنظر للتفوق المادي الغربي على أنه دلالة على أننا أقل منهم، وأدنى منهم، وهذا ظلم عظيم، فمقاييس الإسلام هي الحياة، لا مقاييس الغرب الجشعة.
والمسلم الموحد الذي لم يتلطخ بظلم وعدوان، خير من كل الكافرين الذين أشركوا بالله عز وجل وتلطخت أيديهم بجرائم قتل المسلمين وإن ملكوا كل الدنيا.
ليتعلم الصغار سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ووصاياه العظيمة، وأن كثرة السالكين لا تعني صحة الطريق وأن غربة الزمان اليوم حقيقة نبأنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم قبل 14 قرنا!
لابد أن يعتاد الصغار سرد قصص الثبات والعمل لسيادة الإسلام، لا قصص التعايش الذليل الذي يهان فيه الإسلام، وربط مواقفهم واختياراتهم بما يحب الله ويرضى لا ما يحب الناس ويرتضوه!
علّموهم أن الضغوط ستشتد، وأن الثبات هو الإنجاز مهما كان مكلفا، لكن الانسلاخ يُكلف أكثر بكثير، وخسارته خسارة في الدنيا والآخرة، لا تجبر.

وحين يُضيَّق على من يُنكر الانجرار الجماعي، يجب أن نعلّم أبناءنا قاعدة مهمة: ليس كل ما يُسمح به صحيح، وليس كل ما يُجرَّم باطل.
لنُعلّمهم سورة الكهف والحكمة في مواجهة الطغيان والظلم في زمن الفتن، لنعزز القوة في نفوسهم ونبغض لهم الذلة. فالمؤمن لا يُقاس قدره بمدى تصفيق المجتمع له، بل بمدى صدقه مع ربه.

ليست معركة نهاية السنة موسمية، بل هي حلقة من صراع الهوية. والمطلوب من الأسرة بدل الردود العاطفية القصيرة، مشروع تربية طويل النفس، يُخرّج أبناءً يعرفون من هم، ولماذا يختلفون، وكيف يثبتون دون الانهزام لسطوة الواقع والثقافة الغالبة المحاربة.
وأن تربي ابنك معتزًا بدينه… هو أعظم إنجاز.

زمن فتن تتوالى

نحن اليوم لا نقف أمام ظواهر متفرقة، بل أمام فصول مكتملة من التيه حذّر منها النبي ﷺ قبل أن تقع، حين أخبر عن زمانٍ تُقلب فيه الموازين، ويُقدَّم التافه، ويُقصى الحق، ويُمسك الناس بالقشور ويتركون اللباب. فكان هذا اللهاث خلف ملاعب تُلهي، وأعياد تُفرغ التوحيد من معناه، مصداقًا ناطقًا لتحذيرٍ نبوي لم يُرِد به تخويفًا مجردًا، بل إيقاظًا وحصانة للقلوب قبل السقوط.
وفي زمنٍ وصفه ﷺ بأنه زمن الفتن، حيث يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، لا يُطلب من المؤمن أن يكون منهزمًا، بل أن يكون ثابتًا؛ أن يعرف أن الهزيمة تبدأ حين يُسلِّم وعيه، وأن الغربة الحقيقية ليست غربة المكان، بل غربة الدين. لقد أوصى النبي ﷺ أمته بالتمسك بالوحي عند فساد الزمان، وأخبر أن النجاة ليست في الكثرة، بل في الاستقامة، ولا في التشبه بالكافرين، بل في اتباع السابقين الأولين.

إن أخطر ما في هذا التيه أن يُزيَّن للناس، وأن يُلبس لباس الفرح، والانفتاح، والتحضر، حتى يُنسى أن العزة في هذا الدين، وأن الهوية أمانة، وأن التوحيد عقيدة لا تقبل التهاون والتفريط. ومن هنا، فالدعوة للاعتزاز بالدين ليست حربًا على المتعة والفرح كما يزعم المتخلفون، بل إنقاذًا لحياة القلوب، ولقيمة المعاني التي تُبتذل في كل موسم كفر.
فالله الله في صيانة القلوب وتحصينها، في حياتها بالتوحيد والسنة وقوتها في العزة بالدين والجهاد.
فلم يعد للمسلمين من حجة: إما التمسك بما أوصانا به النبي ﷺ في زمن الفتن، أو الانجرار الأحمق ليفرض علينا التيه لنكون عليه؟ فالطريق واضح وجليّ، والتحذير قائم وحجة لنا أو علينا، والوصية نتواصى بها حقا وصبرا … فطوبى لمن استدرك نفسه واستنار قلبه، قبل أن يكتمل الظلام وتقضي عليه الفتن.

بقية كلمة

ليس غريبا أن يعيش المسلمون آخر الزمان فترات لغياب البوصلة، وغلبة الضلالة التي تستتر في أشكال موهمة، لكن كل هذا له علاجه في ضوء وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم: وفي مقدمتها: التمسك بالوحي عند فساد الزمان: وهذا يوجب قراءة القرآن، وتدبره وفهمه، والعمل به، حتى نتحصن من الفتن ونحمي أنفسنا من فصول التيه.
يجب علينا التمسك بالهوية الحقيقية: والاعتزاز بالفرائض والعبادات، وشعائر الدين لا نبال بسخرية أو تهكّم.
يجب مواصلة صناعة الوعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمييز الحق من الزيف: ومراقبة ما يُعرض علينا من وسائل الإعلام والثقافة، وتدريب النفس على تقييمه وفق مقاييس التوحيد والقيم التقية الوفية لدينها.
يجب صناعة الوعي بالفتن المستترة وإدراك أن الانشغال بالملاعب أو الأعياد الأجنبية ليس شيئا هامشيا لا يستحق الإنكار، بل وسيلة لامتصاص الغضب والطاقة، ولتطبيع الذوبان في ثقافة أخرى يجب الحذر منها والتحذير منها.

نحن بحاجة لفرسان العقيدة

ومع سطوة الإعلام المضلل وسرعة انجرار الناس لما يضرها لا ينفعها، لا بد أن يخرج من يعيد النظر في الأصول الصحيحة لدينه، أن يعيد إحيائها والذبّ عنها ومواجهة من يحاول تحريفها أو محوها تماما كما واجه السابقون المؤمنون بهذا الدين، عالم الجاهلية والشرك والكفر، بألوانه وأنواعه،
فهدم الإسلام حصونهم ومسحها من وجه الأرض، ليقيم بدلها حصون الإسلام العظيم، التي بقت تنير فضاء هذه الأرض أربعة عشر قرنًا من الزمان وستبقى.
وفرسان العقيدة هؤلاء، من بذل حياته ونفسه وأغلى ما يملك في سبيل أن يحفظ مفاهيم الإسلام الأصيلة، هم من سيسمحون للجماهير بإدراك الفرق والتباين بين الإسلام الأول الحقيقي الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، وبين الإسلام المستحدث الهجين الجديد، الذي يروّج له الغرب بكفره، والمنهزمون من بني جلدتنا من خلفه، ويحاول هذا الحلف أن يرسخه بديلًا لإسلامنا، في أجيال تتوالى قد سقط الكثير منها في وحل هيمنته وسحر دعايته وخبث مراده.
ولكن ظهور من يحفظ لهذا الدين أصوله، وتحقيق التباين والتمييز بين الحق والباطل، لا يعني نهاية الحرب وتحقيق النصر! بل يعني أننا سننطلق في رحلة طويلة شاقة، نتحدى بها طواغيت العصر، وجموع الكفر، بعقيدتنا الأصيلة ومفاهيمها المستقيمة، لا يشوبها شك ولا ريبة، لنمضي بلا لجلجة ولا اضطراب، يقودنا الولاء لهذا الدين وقوة اليقين، استجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم خشية أن يأتي ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ). وهو بكل تأكيد، سبيل النصر المبين.

إننا نعيش اليوم بالفعل مرحلة تبديل الإسلام تبديلًا كاملًا ولكننا في الوقت نفسه، نبصر معها من قام يذب عن أصول هذا الدين بكل ما أوتي من قوة لا يقبل مساومة ولا متاجرة ولا تنازلا ولا استهانة، أي أن مرحلة الجهاد قد بدأت ولابد من صبر وثبات يحدوها لتحقيق النصر المنتظر، ولا نملك مع هذا الوصف إلا النداء الشامل الكامل لأمة الإسلام قاطبة عنوانه “وا إسلاماه!” ليلتحق الجميع بالركب وتتراص الصفوف بنيانًا مرصوصًا، لم يبدلوا تبديلا.

وبين سطوة الملاعب وأعياد الكافرين: فصول من غياهب التيه تضعنا أمام حقيقة وامتحان صدق خطير! هل نواجه كل ذلك، كما أوصانا النبي ﷺ، أم كما يريد أعداؤنا لنا أن نكون؟

وبالإجابة وصدق الاستجابة، يتباين الناس بين مؤمن صادق، ومرتاب كاذب. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصادقين، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ويكفينا شرور الانهزامية والتبعية المثخنة. وأن يعزّنا بالإسلام ويعزّ الإسلام بنا.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. “والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

لتحميل ملف “بين سطوة الملاعب وأعياد الكافرين: فصول من غياهب التيه”

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عبد الرحمن

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x