بين ترياق الإسلام وأفيون الشعوب

سجلت خديجة رضي الله عنها كلمات خلدها التاريخ في أعظم لحظات زوجها النبي صلى الله عليه وسلم .. حين دخل عليها يرجف فؤاده وهو يحمل الخبر الذي غير حياة العالمين!

فقالت سيدة نساء العالمين:”كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق”.

لقد لخصت خديجة ببصيرتها، الصفات الجليلة التي عُرف بها النبي صلى الله عليه وسلم.

صلة الرحم، وحمل الكل، وإكساب المعدوم وإكرام الضيف والإعانة على نوائب الحق!

بهذه الصفات كانت البداية العظيمة، لخاتم الأنبياء وسيد الخلق أجمعين .. فأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وبلّغ الرسالة معززا مكرما وأقام بنيان الإسلام في الأرض في ظروف استنثائية من عداء المشركين واستكبار ممالك الروم وفارس الكافرين، كل ذلك بهيبة لا نظير لها!

وعلى الهدي النبوي الجليل، استمر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجلون في أشد الأزمات، المواقف التي يقف أمامها التاريخ ممتنا، لما ترجموه من فهم يليق وعمل حقيق بالإسلام العظيم.

يلخص ذلك مشهد عام الرمادة، في السنة الثامنة عشرة من الهجرة حيث كانت مدينة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وما حولها من البوادي تقبع تحت وطأة مجاعة شديدة لم تعرفها العرب في تاريخها، قد بلغ الجوع بالناس أن يتلوى الرجلُ بين أهله من شدَّة المخمصة، ومات كثيرٌ من الأطفال والنِّساء تباعا.

أمَّا حال عمر -رضي الله عنه- مع تلك المجاعة، فقد تغيَّر لونُه، وذبل جسمُه، وحمل همًّا لا تتحمله الجبال الرواسي. لشدة إحساسه بمصاب المسلمين!

قال عنه خادمُه أسلم: “كنَّا نقول: لو لم يرفعِ الله تعالى المَحْل عام الرمادة، لظننا أنَّ عمر يموت همًّا بأمر المسلمين”.

ولا يزال التاريخ يسجل له خطبته عام الرمادة، حين قرقر بطنُه وأمعاؤه من الجوع، ووصل صوت ذلك إلى الناس! فطعن بإصبعه في بطنه، وقال: “قرقِرْ أو لا تقرقِر، والله لا تشبع حتى يشبعَ أطفالُ المسلمين”.

ذكر ابنُ سعد في “الطبقات”، عن سليمان بن يسار قال: خطب عمرُ الناسَ في زمن الرمادة، فقال: “يا أيُّها الناس: اتَّقوا الله في أنفسكم، وفيما غاب عنِ الناس من أمرِكم“، إلى أن قال: “هلمُّوا فلندعُ الله أن يصلحَ قلوبنا، وأن يرحمَنا، وأن يرفعَ عنا المَحْل”، قال الراوي: فرُئي عمر -رضي الله عنه- يومئذ رافعًا يديه يدعو، والناس يدعون، حتى بكَى، وأبْكى الناس مليًّا.

وكان يردد: “اللهمَّ لا تهلكْنا بالسنين، وارْفع عنَّا البلاء”.

وكذلك لم يتأخر المسلمون على بعد أميال من المدينة، عن نجدة إخوانهم في مصابهم،  فما أن كتب عمر الغوثَ الغوثَ، إلى أبي عُبيدة بالشام، وإلى عمرو بن العاص بمصر، وإلى معاوية بن أبي سُفيان بالعِراق، يستغيثهم ويستمدُّهم، حتى أسرعوا في إرسال النجدة، فجاءتْ قوافلُ المسلمين تزحف كالسيل، محمَّلة بالطعام والكِساء.

وكتب إليه عمرو بن العاص: “أتاك الغوث -يا أمير المؤمنين-؛ لأبعثنَّ إليك بعِيرٍ أولُها عندَك، وآخرُها عندي”.

ثم بعد تسعة أشهر، رفع الله الكرب عن عباده، فلهجتِ الألسن بحمد الله وشُكره.

هكذا ترجم السلف الصالح وصايا نبيهم وهدي الإسلام العظيم، بصدق اللجوء لله تعالى، وصدق التعاون على البر والتقوى والتكافل والتضامن، ومواساة إخوانهم في حالات الكرب والأذى، جميعهم على قلب رجل واحد: “فالمسلِم أخو المسلِم”، “والمسلِمون كالجَسد الواحد، إذا اشْتكى منه عضوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى”.

كل ما نتحدث عنه صنعه ترياق الإسلام في الإنسان والمجتمعات التي خرجت للتو من جاهلية فتحولت بحسن استجابتها لأروع مثال وقدوة، أشرقت لها صفحات البشرية!

أفيون الشعوب

واليوم يعيش ملايين المسلمين في ظروف شديدة القهر، اجتمع عليهم الجوع والحرب والحصار والخذلان! وسامهم الظالمون من الصهاينة والصليبيين والرافضة سوء العذاب، لم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة. وتحت بارقة السيوف وشدة البرد، لا تزال قوافل الشهداء تحمل في كل يوم جمعا جديدا وليس فردا واحدا! ممن قضوا نحبهم بقصف أو رصاص أو جوع.

البون شاسع جدا بين الأمس في حضرة “الإسلام”، واليوم في حضرة “تغييب الإسلام”.

فواقع المسلمين اختلف كثيرا جدا، بل ناقض ذلك العصر البهي وخالفه إن لم يكن حاربه!

حدث ذلك منذ فرط المسلمون في هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم واستبدلوا قدوات الصحابة رضي الله عنهم بميسي وكريستيانو وهلم جرا من أسماء النصارى الكافرين.

منذ استسلموا لاستراتيجية “ترويض وتدجين” الشعوب المسلمة وشغلها بكل تافه وهدام، في حين أن مكرا كبارا يدار في قواعد الغرب الكافر الممتدة في البر و البحار وبين خطوط الإمداد اللوجستي للاحتلال الإسرائيلي.

لم يعد صادما أن نشاهد جموع المسلمين منشغلين بـ 22 لاعبا يركضون خلف كرة مصنوعة من الجلد!  هتافاتهم وتفاصيلها، وملامح وجوههم وجلسات أصحابها .. بل حتى تعليقاتهم .. قد خرجت عن طور المعقول! بينما العالم على صفيح من نار والمسلمون مستضعفون لحد الموت!

لم يحدث هذا بين يوم وليلة، لقد تمت تربية أجيال على “عشق” كرة القدم و”تمجيدها” حتى تحولت لأفيون، تخدرت به الشعوب!

فحتى لو أبيد شعب غزة كله اليوم، هناك مباريات كأس الأمم الآسيوية، وكأس أمم إفريقيا، يتسابق الناس على إدخال أهداف في مرمى الشباك، هذا مقام “ظفر” لا يفوت “لبيبا”!

حقيقة إن الوصف يعجز عن تلخيص حجم المأساة التي نعيشها في هذه اللحظات، لأننا نقف أمام هزيمة لنا ونجاح الأعداء في تحويل الأمة لمجرد تابع ذليل لما يراد له.

لماذا كرة القدم وليس كرة اليد! ولماذا الكرة وليس الفروسية!

لماذا تهدر الأموال والأوقات والمشاعر على كرة تتدحرج في الملاعب المبسوطة!

ولا تتسابق القلوب والسواعد وحتى مشاعر المواساة إلى مخيمات اللاجئين، وهي ترى أبناء المسلمين يقضى عليهم بالقصوفات والتجويع!

هل يعقل أن يصل المرء لهذه الدرجة من اللامبالاة بإخوانه الذين يحفرون الأنفاق لتمرير المياه التي أغرقت الخيم، قد اضطر أطفالهم للنوم يرتجفون بردا، أفرشتهم مبللة، وآباؤهم لا تغمض لهم أجفان، يدافعون البرد والنعاس، وكميات الأمطار! وينتظرون من يسمع نداء الاستغاثة من المسلمين “واإسلاماه”.

لكن أولئك الذين يشهدون أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد وجدوا ترجمة أخرى لمعاني التوحيد!

لم يتبعوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته في ترجمتها عند مصاب المسلمين!

بل وجدوها في مناصرة فريق كرة قدم!

ولذلك أصبح تشجيع فريق كرة قدم يتم تحت عبارات يتصدع لها القلب بشكل مضاعف، لهيبتها ولسوء توظيفها المشين! كقائل يقول “على منهج رسول الله وأبو بكر وعمر”، تعليقا على مباراة لعبة!

وهل يا هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يوصونك بكرة القدم!

وذاك الذي يشجع فريقه فيقول “علم تزين بالله أكبر لا ينكّس” في مباراة كرة قدم!

وهل يا هذا ملاعب كرة القدم من مواطن التكبير في الإسلام، وهل جلال “الله أكبر” لتهتف بها في ميدان لعبة وإخوانك يبادون؟!

فعن أي بطولة تتحدثون وعن أي نصر وظفر تمنون أنفسكم؟

ماذا قدمت كرة القدم للجائعين في فلسطين والشام واليمن وبورما وكل مكان يئن من أنين المستضعفين!

كم سدت من ثغور وكم عالجت من مصاب وكم حلت من مشكلة؟ كم مرة نصرت الدين وذبت عن المسلمين ودحرت عدوان الكافرين؟!

أم تحولت بحد ذاتها لمشكلة حين صرفت أعين وقلوب الناس عن ميادين العلم والتكافل والنصرة للمسلمين إلى نصرة كرة مصنوعة من الجلد!

أي أحاسيس هذه التي يمكن أن تصف عظم المصاب الجلل مع تداعيات الإدمان على أفيون الشعوب!

أفيون خدر الضمائر والأحاسيس وكل ذوق سليم وهمة! وإن لم تستح فاصنع ما شئت!

لست هنا لأعيب على الناس متابعتهم لمباريات كرة القدم إنما لأعيب عليهم تفريطهم في معاني التوحيد العظيم وهجرهم لميادين العمل به! وتحويل ملاعب كرة القدم لميادين النصرة الخالصة! في وقت نازلة مزلزلة تتطلب فرارا إلى الله تعالى .. أنكر عليهم حبا للكرة أضحى أهم من حب المسلمين وآيات الله تعالى تتوالى أمام أعيننا، وآية الموت في كل زاوية ولحظة تخشع لها القلوب والجوارح! أفلم تكفي كميات الصور والمقاطع الدامية لتردع الناس عن الابتهاج في مقام جنازة!

وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا

هذا التفريط في مقامات الولاء للمؤمنين والنصرة للمستضعفين وعدم التأدب أمام الابتلاءات وآيات الله تعالى، والانجرار لكيد الكافرين يستوجب التحذير والتذكير بيوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا أرتال الهتافات للاعبي كرة قدم!

لقد هدمت كرة القدم التي بها يتشدقون وعليها يغدقون الأوصاف والثناءات والأوقات والأموال، هدمت جسور الولاء بين المؤمنين ويقظة القلب وأدبه وخشوعه أثناء الكروب، وصنعت فيهم عصبية منتنة، وفرقتهم تفريقا مشينا.

لأنها ليست مجرد لعبة للتسلية، بل لعبة للتخدير ! لعبة للترويض!

وإنه والله لأمر مخجل أن نذكر بمسلمات في دين الله في وقت نازلة وكرب يستوجب التقوى والتلاحم بقلوب وجلة ترجو رحمة الله تعالى، والناس تتراقص على مدرجات الملاعب وشاشات التلفاز!

مصاب جلل

ولا شك أن الإعلام لعب دورا كبيرا في تعظيم كرة القدم لحد بلغ غلوا وتعلقا مرضيا لا يليق بالمسلمين!

فهذا تعليق من أحد أشهر المنصات الإعلامية يقول بينما تسفك دماء المسلمين في هذه اللحظات:”لكل من موريتانيا وأيسلندا حكاية أكبر من مجرد تأهل لدور الستة عشر أو ربع النهائي في بطولة قارية، فقد جعلت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، كحقيقة وليس شعارًا رومانسيًا.”

وقد كذب! فلم تقدم تأهلات كرة القدم شيئا للمسلمين، لا رفعت عنهم ذلة، ولا أوصلتهم لمراتب السيادة والمعرفة الجمة، ولا كشفت عنهم كربة ولا أطعمت بطن جائع! ولا كانت رمزا قيّما حضاريا في وقت يُباد فيه الناس ويقتلون!

نعم إنها أكثر من مجرد لعبة، وليس شعارا رومانسيا ولكن في اتجاه هدم الهمم وشغل الناس بالسفاسف! وتشتيت شمل القلوب والمقاصد!

أعلم أن الآن في هذه اللحظات يشعر المسلم الذي يعيش في كرب وخوف وجوع وبرد وقصف وعدد ما شئت من مصائب، بينما الشاشات منشغلة بنقل البث المباشر لعشرات اللاعبين يركضون في الملاعب، ويغدق عليهم من الأموال والاهتمام الكثير، يشعر بنفاق هذا العالم وحقارته، يشعر بالأسى .. فلا يمكن له أن ينسى! ولا بد له من شكوى، لرب السماوات والأرض! والويل لمن طاله سهم مظلوم مكروب!

وحسبنا الله ونعم الوكيل!

كيف يمكننا النظر في أعين أولئك الصغار الذين ينامون الليلة في الطين؟! ولعلهم يحلمون بالنوم فوق البساط الأخضر التي تركض فوقه جموع من البشر لأجل كرة هي أغلى عليهم وأحب من قلبك أيها الصغير! قد جعلوا منها إنجازا بشريا لا يُبارى وتسلميك للقتل حدث يتكرر بكل استهانة! استخسروا فيك لحظة مواساة! فكيف بنصرة وفداء!

تعطلت لغة الكلمات أمام ظلام المشهد وبؤسة ووقاحة ما يجري، ولا أجد أبلغ من وصف القرآن لمن أبتلي بهذا العشق الأعمى في وقت مصاب الأمة فيه جلل .. “أفلا تعقلون“.

أفأمنوا مكر الله!

إن حالة التسمم التي تعيشها الأمة من تداعيات الإدمان على أفيون كرة القدم، تتطلب علاجا فوريا وشاملا، ولا ينفع في هذه الحال من علاج لها إلا ترياق الإسلام العظيم ..

فيا أيها المصلحون، احقنوا جسد الأمة به، ولا عليكم بحجم الآثار الجانبية .. فلكل مرض آلامه ولكل مجد ثمن!

وأقول لمن يرقص قلبه وجوارحه طربا لحفلة كرة قدم بينما يتضور صغارنا في الخيم جوعا وبردا .. (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) والله (لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

إياك أيها المسلم أن تساهم في خذلان إخوانك بالرضا بأن تكون ضحية بائسة لأفيون الشعوب، بينما الرجال يسابقون لمنازل الشهداء السامقة،

قال الإبراهيمي: “وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب”.

قلت: وأخس من ذلك كله أن يكون الرجل منشغلا رقصا وطربا عن ميادين الرجال وأخبارهم بميادين اللهو والتفاهة واللعب!

فيا أيها المسلم لا تغرك تفاصيل العبث الكثيرة فسنة الاستبدال بالمرصاد، ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )

كن قائدا لا تكن تابعا، فأمامنا ملاحم!

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم عليك بمن اعتدَى على المُسلمين، اللهم عليك بمن فتن المُسلمين، اللهم اكشف الكرب عن المسلمين المستضعفين ومكن للصالحين لقيادة هذه الأمة لساحات النصر والظفر المبين.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x