تشتدُّ ظلمةُ المشاهد، وتضيقُ المواقف حتى تكاد القلوب تختنق كمدًا، ويتسرّب إليها اليأس خفيًّا وإن تظاهرت باللامبالاة!
ثم ما تلبث أن تُتلى آياتُ الله عزّ وجلّ، فإذا بالنور يشقُّ العتمة شقًّا، وإذا بالوحي بلسمًا ينساب في العروق، يغسل مرارة الاستياء، ويعيد ترتيب المشهد من جديد؛ فيتحوّل الاضطراب سكينةً، ويتبدّل القلق يقينًا، وينقلب كلُّ تفصيلٍ مُقلقٍ باعثًا على الاستبشار والثقة بوعد الله الحق، جل جلاله.
فلا يخرج المؤمن من القرآن إلا عزيزًا بالبصيرة، ثابتًا باليقين، مطمئنًا إلى سنن الله تعالى التي لا تتخلّف ولا تتبدل أبدًا.
قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]
آيةٌ واحدة، لكنها ترسم خريطة الصراع كلّه: بدايته، ومساره، ونهايته.
إنه صراعٌ ممتدٌّ بسنةٍ ماضية، لكنه منتهٍ بحسمٍ مهيب.
﴿ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
ليس حديث الآية الجليلة عن إنفاقٍ عابر، بل عن مشروعٍ متكامل؛ أموالٌ تُضخّ، وإعلامٌ يُسخَّر، وتحالفاتٌ تُعقد، ونفوذٌ يُستخدم، وخططٌ تُحاك… كلّها تُسخَّر لصدّ الناس عن سبيل الله تعالى وإطفاء نور الحق.
لكن انظر إلى الترتيب الإلهي الدقيق:
فسينفقونها… أي أنهم مستمرون في البذل والجمع والتعلق بأستار القدرات المادية!
ثم تكون عليهم حسرة… أي أن النتائج لن تكون مجدية كما ينتظرون، ولن تثمر جهودهم ولا تمويلهم المستمر نتائج مرضية لهم. بل ستكون على العكس تماما، حسرة، مؤلمة ومفجعة لهم!
ثم يُغلبون… أي أن النهاية حاسمة في المآلات، بهزيمة مؤكدة.
ثم إلى جهنم يُحشرون… ليس فحسب الخسارة في الدنيا، بل وخسارة الآخرة أشدّ وأبقى.
أي أنها خسارةٌ مركّبة: حسرة مفجعة في الدنيا، وغلبة مثخنة في الميدان، وعذاب شديد في الآخرة.
وكلّ ذلك يُختصر في آية واحدة!
قد يذهل الناس من ضخامة الأرقام، وضجيج الإعلام، واستعراض الترسانات، فيحسبون الكثرة قوّة، والانتشار تمكينًا، والسيطرة انتصارًا.
لكن الوحي يضع الأمور في ميزانها الصحيح: كلّ ذلك وقود حسرةٍ قادمة، ومقدّمةُ غلبةٍ محتومة. لا شك في ذلك أبدًا.
ولكن مما يجب الوقوف أمامه أيضا، بأدبٍ مع الله عز وجل وحياء! أن سنة الغلبة للمؤمنين على قوة أعدائهم لا تسير لوحدها!
فمع أن النهاية محسومة، إلا أن طريقها ليس مفروشًا بلا ابتلاء.
وهنا تتجلّى السنة الأخرى، المرافقة لسنة الغلبة:
قال الله جل جلاله ﴿ مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179]
فالابتلاء سنة ثابتة في مسار النصر، وجزءٌ من هندسته الربانية.
هذه الآية تكشف وجهًا آخر من الصراع: الصراع لا يُسقط الباطل فحسب، بل يكشف الصفوف. فلا يترك الدعوى بلا امتحان، ولا الشعار بلا اختبار. بل يخرج الصفوة، وينقيها من كل دخن وكدر!.
والتمييز ليس بمفهومه السطحي! باغترار الظنون، إنما بعمق الكشف، لما تسّره الصدور..!
والله عز وجل لا يترك المؤمنين في حالة اختلاط وغموض، ولا يسمح بأن يستمر الالتباس بين صادق ومدّعٍ.
لذلك التمييز لا يكون بالألقاب المتضخمة، ولا بالشعارات المتوهجة، ولا بالتزكيات المتملقة، ولا بالجماهير المصفقة.
إنما يكون بصدق المعادن وإخلاص القلوب الذي لا يشوبه ارتياب ولا خبث! وإن كان في معزل عن الأضواء ومرامي الاهتمام والتبجيل. وهو الذي لا يعلم صدقه إلا الخالق عز وجل.
وهكذا تتهاوى في مواسم الفرز التي لا مناص منها، أوهامٌ كثيرة:
فلا تنفع كثرة الأتباع إن تلوّث الإخلاص.
ولا تغني الشعارات إن خالفت السيرة.
ولا تُجدي تزكية الناس إن لم يرضَ ربّ الناس.
الله عز وجل لا يترك القلوب مختلطةً ولا الصفوف متداخلةً بل يُرسل الابتلاء غربالًا، ويجعل الأحداث كاشفة، والفتن ممحّصة، والمحن مطهّرة. ومع توالي الأيام تنكشف الحقائق وتمتحن الدعاوى، فتخشع النفوس لحكمة ربنا!
إذن نحن أمام حقيقتين متوازيتين:
الباطل مغلوبٌ حتمًا.
والصفُّ المؤمن ممحَّصٌ قبل التمكين دومًا.
فلا يغترّن أحد بقوة الأعداء، ولا ينهزم أمام مشهدهم، وأيضا لا يستعجل الحسم قبل اكتمال الفرز. ولا يغترن بكونه في صفوف النصرة!
فالمعركة ليست لإثبات أن الحق سينتصر – فهذا قد قُضي – وإنما لإثبات من يصدق في نصرته كما يحبّ الله ويرضى.
ليست القضية: هل سيُغلب الباطل؟ بل: أين موقعك أنت حين يقع التمييز؟
ومن هنا ينبعث الوجل…
ليس خوفًا من غلبة الباطل، بل خشيةً من سنة التمييز.
وليس رهبةً من أموالهم، بل رهبةً من خذلان النفس القاتل.
فالآية الأولى تحسم المصير: ﴿ثم يُغلبون﴾.
والثانية تُبقي القلب يقظًا: ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.
وفي معاني الآيتين، لفتة عظيمة تستوجب الوجل!
فأموالهم التي ينفقونها اليوم… ستكون حسرة لهم غدًا. وصخبهم الإعلامي… لن يغيّر سنن الله ولن يقلب موازين الحق. ومحاولات الصد … لا توقف النور، بل تفضح أصحابها.
وأول من يجب أن يتأدب بذلك المسلمون! فلا يمكن الاحتيال على الله عز وجل، ولا اختلاس فضله سبحانه، ولا يمكن امتهان الغش، لحيازة الألقاب والتزكيات، ولا ينفع صخب إعلامي حين تتلوث النفوس بالخبث والظلم والبغي، ولا ينفع الالتفاف على شريعة الله تعالى لنيل فضل الله تعالى .. فالنهايات دوما محسومة لصالح الطيب الصادق!
لذلك أرجى ما يجب أن يشغل المسلم نفسه به اليوم، هو تحقيق القبول من الله عز وجل! لا من الجماهير والناس المصفقة..!
هذا ما يجب أن يشغل المسلم اليوم!
ليس الخوف من الكافرين! بل الخوف مما يرافق هزيمة الكافرين المحتومة!
وهذا يوجب إقامة القلب على الاستجابة لأمر الله عز وجل، بالتصدي لمكرهم وطغيانهم على قدر الاستطاعة، بالاستعلاء بالإيمان وبجهادهم، وبيقين لا ينهزم تحدوه عبادة الوجل.
وعبادة الوجل حكمة عظيمة، تحفظ القلب من الغرور، وتمنعه من الاتكاء على الاسم أو الانتساب والارتهان للتزكيات البشرية القاصرة.
كما تحفظه من الاطمئنان لسنة الله في أن حسرة الكافرين مؤكدة فيتكّل ولا يعمل.
ثم تلجمه عن الظلم والتفلت! فينشغل وجلًا بالعمل خشية أن يكون من الخبيث المركوم.
الوجل يجعل المؤمن يسأل نفسه عند كل منعطف: هل يقبل الله عملي؟ هل أخلصت ديني لله وحده لا شريك له! هل تزودت لما هو آت! ما الذي يؤخرني أو يهدد إيماني وخاتمتي؟
لأنه مدرك أن المسير لله تعالى يتطلب وجلا وحياء وتعظيما لله تعالى .. وأن الغربال مستمر، وامتحانات الصدق لا تقبل الغش أو الاحتيال ولا حتى الوساطات! بل ما يقبله الله عز وجل.
وهكذا يعيش المؤمن، مدرك أن الصراع محسوم، لكن الامتحان قائم.
فلا يركن إلى تزكية، ولا يغترّ بعنوان، ولا يطمئنّ لثناء. ولكن يثبت على إخلاص الدين لله وحده، ويجدد تقواه في كل موقف، فإن نهاية الصراع محسومة، لكن موقعه فيه هو الذي يُختبر.
وحقيقة الإيمان الوجل! يقول الله عز وجل ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ … ﴾
فلا يجتمع الإيمان والغرور في قلب واحد، ولا تُنال النجاة بلا وجل.
وكلما ازداد اليقين بحسم النهاية، ازداد الخوف من التقصير في الطريق، وازداد التحصّن من موجبات الاغترار والخسارة! وتلك حقائق يعرفها جيّدا أهل الجهاد والمراغمة!
فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم لا تجعلنا من القوم الخاسرين!
اللهم امين