بين الحب والحق: من يحكم الآخر؟

أتفهم تمامًا أن يُعجب الإنسان بشخصيةٍ ما أو جماعةٍ ما أو حاكمٍ ما، وأن يتأثر بأوصافه ومناقبه ويثني على مواقفه واختياراته كبطولات يُحتذى بها وعبقرية لا مثيل لها، فهذا من طبائع البشر، بل قد يكون من دوافع الخير إذا وُضع في موضعه الصحيح.

لكن الإشكال الخطير يبدأ حين تتحول هذه المحبة إلى ميزانٍ يُقدَّم على ميزان الشريعة، فتعلو على محبة الله ورسوله ﷺ، ولو ادّعى صاحبها غير ذلك.

فالمسلم الصادق لا يُعميه الحب عن الحق؛ ولو أحبّ إنسانًا حبًا عظيمًا ثم رآه يقع في منكرٍ بيّن، كشرب الخمر أو الفواحش أو التطاول على الدين، فإنه يُنكر الفعل ولا يبرّره، لأن ولاءه الأول للحق لا للأشخاص. ولأنه مدركٌ بوضوح، أن الأشخاص لا يغنوا عنه من الله شيئًا مهما كان حجم الحبّ الذي يُكنّه لهم عظيمًا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قَالَ: ” يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) رواه البخاري ومسلم.

أما ما نشهده اليوم فهو نمطٌ مقلق من “المحبة المنحرفة”، التي لم تكتفِ بالصمت عن الخطأ، بل تجاوزت ذلك إلى تزيينه والدفاع عنه، بل وقلبه إلى صواب، فقط من أجل الحفاظ على صورة المحبوب لامعة!

وهذه حالة خطيرة تكشف خللًا عميقًا في ميزان القيم. ومع انتشار مواقع التواصل واحتدام الجدالات في كل حين وحدث، لا يكاد يسلم منها إلا من رحم ربي!

أسباب تقديم الحب على الحق

تعود أسباب هذه الظاهرة إلى عدة عوامل متداخلة؛

منها ضعف التأصيل الشرعي وغياب ميزان “الحق يُعرف بالدليل لا بالرجال”، بل كثيرًا ما تُلوى أعناق النصوص ويُتعلق بالضعيف والشاذ للانتصار لموقف مخالف لهدي الشريعة.

ومنها ثقافة التقديس للأشخاص التي تُغذّيها وسائل الإعلام ومنصات التواصل، حيث تُصنع “أيقونات” يُصعب نقدها وتصطف أرتال الأنصار على بيعة نصرة مخلصة، يُخلص فيها الدين للمحبوب، غايتها التلميع والترقيع، ولو اقتضى ذلك الكذب والتدليس والوقاحة، لا إحقاق الحق بشجاعة أو الصمت عن الخطأ من خشية.

كما يسهم الانتماء العاطفي الأعمى الذي يجعل الفرد يربط هويته بالمحبوب، فيدافع عنه دفاعًا عن نفسه – مُستميتًا – ، فكأن المساس بمن يحب مساس به نفسه، ويصبح الدفاع قضية وجودية!

إضافة إلى الخوف من فقدان الانتماء، في خضم صراع شرس، وضغط الجمهور الذي يعاقب المخالف بالرأي وينصر الموافق بالرأي.

ولا يُغفل كذلك التبرير النفسي (التنافر المعرفي)؛ إذ يعجز البعض عن التوفيق بين صورة مثالية صنعها وبين واقعٍ ناقض، فيلجأ إلى إعادة تعريف الخطأ نفسه.

ويُضاف إلى ذلك تسييس الدين أو تديين المواقف بحيث تُمنح الشرعية للأشخاص بدل أن يُوزنوا بها.

ناهيك عن منهجية المناكفة وعقلية المكايدة، التي تقود الكثير من الردود والمواقف في العلن.

كل ذلك يجعل هذه الظاهرة تتسع، ويجعل معالجتها ضرورةً علمية وتربوية تعيد ترتيب سلّم المحبة: لله عز وجل أولًا، ثم لما وافق شرعه من الأشخاص والمواقف.

تداعيات تقديم الحب على الحق

ومن أخطر تداعيات هذا المسار أنه يُفضي إلى انقلابٍ في ميزان القيم؛ فيُزيَّن الباطل ويُلبس ثوب الحق، وتُطمس معالم الفطرة حتى لا يعود القلب ينكر منكرًا ولا يعرف معروفًا.

ومع تكرار التبرير، يضعف سلطان الشريعة في النفس، وتُستبدل معاييرها بأهواء الأشخاص، فتضيع المرجعية ويكثر التناقض والاضطراب.

كما يُورث ذلك قسوةً في القلب، ويُغلق أبواب النصح الصادق، ويُشيع ثقافة التطبيل بدل المحاسبة، فتُحمى الأخطاء بدل تصحيحها، ويُدفع المجتمع إلى مزيد من الانحراف الجمعي. وعلى المدى الأبعد، يتسع الخرق حتى يمسّ ثوابت الدين نفسها، فينشأ جيلٌ يخلط بين الولاء للحق والولاء للأشخاص، فيخسر وضوح الرؤية، ويضعف تماسكه القيمي، ويصبح أكثر قابلية للانقياد خلف كل بريقٍ لامع.

ما الحل؟

إن كنت ولا بدَّ مُحبًّا بوفاءٍ وإخلاص، فليس أقلّ ما يليق بهذا الحب أن تحفظ له حدوده، وأن لا تجعله خصمًا للحق الذي تزعم أنك تنتسب إليه.

إن عجزت عن الإنكار، فيسعك الصمت عمّا يصادم الفطرة والدين وأحكام الشريعة، دون أن تُنصّب نفسك مُدافعًا أو مُطبّلًا للباطل مجادلًا عنه بلا حياء من الله جل جلاله.

اترك في قلبك مساحةً لله تعالى، تُقدّم فيها رضاه على هوى النفس، وتُبقي فيها ميزان الحق قائمًا لا تهزّه الميولات العاطفية وعواصف الجاهلية.

فالمحبة الصادقة لا تُلغي البصيرة، ولا تُحوّل الخطأ إلى صواب، بل تُبقي صاحبها واقفًا عند حدود الله، ناصحًا بصدق، أو ساكتًا بسلامة، دون أن يبيع دينه ليحفظ صورة من يحب.

وتأمل الهدي النبوي العظيم في نص الحديث يكشف حقيقة وصدق المحبة والنصرة كيف تكون:

“اقْتَتَلَ غُلاَمَانِ غُلاَمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلاَمٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَنَادَى الْمُهَاجِرُ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. وَنَادَى الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ».

قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ أَنَّ غُلاَمَيْنِ اقْتَتَلاَ فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.

قَالَ: “فَلاَ بَأْسَ وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ” رواه البخاري ومسلم.

واعلم أن لكلِّ شيءٍ موجباتٍ وآثارًا؛ فالمحبة إذا انحرفت فصارت على حساب الحق، كان لها موجبات تُعمي البصيرة، وتُضعف حضور الحق في القلب، حتى يختلط الصواب بالخطأ، ويغدو الهوى ميزانًا يُقاس به الدين لا العكس. وتلك فتنة مُثخنة!

وعلى الضد من ذلك، فإن مجاهدة النفس ومدافعة الهوى بالتقوى لها موجبات من الفتوحات والهداية، تُنير القلب، وتُثبت القدم، وتفتح للعبد أبواب الفهم والتمييز والمعية، فيرى الحق حقًا فيتبعه، ويرى الباطل باطلًا فيجتنبه.

فالقضية ليست مجرد نصرة عمياء وانتهى الأمر!، بل طريق له ثمرات: إمّا انطماسٌ البصيرة بسبب الهوى، أو فتوحات تتوالى تصنعها التقوى.

قال الله عز وجل: ﴿ هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [ النساء: 109]

ثم اطمنن أيها المحبّ لحقيقة قلّ ما ينتبه لها الناس في حلبات المناصرة العمياء والاصطفاف على الحب لا الحق. أن صاحب الحق منصور من الله تعالى، ليس بحاجة لأرتال نصرة بشرية، لينتصر!

فهو مؤيد من الله عز وجل، بنصرته للحق، وثباته عليه وإن خذله كل الناس، قال تعالى ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51].

فلا حاجة لكذب أو وقاحة أو فجور أو أساليب التفلت لنصرته إن كان حقا على حق، فإنه منصور بحق. ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]

حتى لو عدم صاحب الحق الصوت الذي يدعمه والأنصار الذين ينصرونه، وشبكات الدعم الإلكتروني الإعلامية المحترفة للدفاع عنه، فلا يخشى شيئا ما دام على حق ولو أبغضه كل الناس، قال تعالى ﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ﴾  [يوسف: 110].

وقال سبحانه: ﴿إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾  [التوبة: 40]،

والهدي النبوي يربي على الشجاعة في الحق بلا موارة ولا تفلت، وفي الحديث “ألَا لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم رَهْبةُ النَّاسِ أنْ يقولَ بحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَه؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجَلٍ، ولا يُباعِدُ من رِزْقٍ؛ أنْ يقولَ بحَقٍّ أو يُذكِّرَ بعَظيمٍ”.  رواه أحمد.

وتلك صفة الذين يحبهم الله ويحبونه (وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ )

أما الاستمرار في الاصطفاف على ما يُحبّه الناس لا على ما هو حق ويحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولو ثقل على النفس، فهو في حقيقته انحرافٌ عن سبيل المؤمنين، وتحويلٌ لعظمة الحق من كونه ميزانًا يُحتكم إليه إلى كونه تابعًا يُقاس بالأشخاص.

وحين يُحصر الحق في إطار الأشخاص، تفقد هيبته في النفوس، ويضعف حضوره في القلوب، فلا يعود مُقدَّمًا لذاته، بل لما يوافق الأهواء والانتماءات. وهذه عاقبة خطيرة لا تضرّ الحق في ذاته، فهو منصورٌ مؤيَّد لا يزول، وإنما تضرّ أصحابها، إذ يُحرمون نور البصيرة، ويخسرون وضوح الطريق، ويقعون في التيه وهم يظنون أنهم على هدى.

والله لا يخفى عليه شيء ولا يُعجزه شيء أبدًا، فمن قدم حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على كل حب وهوى، أعزه الله وإن خذله كل الناس!

﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عبدالرحمن

يقال الحب اعمى

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x