قال الله جل جلاله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
تأسرك هذه المعاني، وتأخذك هيبةُ التمكين الذي منّ الله به على بني إسرائيل بعد سنوات الاستضعاف والقتل والتنكيل. نصرٌ بعد صبر، ووراثةُ أرضٍ بعد قهر، وإهلاكُ طغيانٍ بعد استكبار. ولكن ما تلبث أن تندهش من سرعة نسيانهم لفضل الله تعالى عليهم؛ فما إن شقّ الله لهم البحر، وأراهم آياته الكبرى، وأنجاهم من آل فرعون، كما قال سبحانه:
﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾،
حتى انقلبوا إلى حال الجحود والشرك.
قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.
لم تجفّ أقدامهم من ماء البحر بعد، ولم يبرد في قلوبهم مشهد الغرق والهلاك، ولم تزل آيات الله العظيمة شاخصة أمام أعينهم، ومع ذلك طلبوا الشرك!
إن أعظم المعجزات لا تثبت في قلبٍ لم يتربَّ على التوحيد، ولم يترسّخ في أعماقه معنى العبودية الخالصة لله حقًا.
ولهذا جاء الإسلام مؤسسًا على أصل التوحيد قبل أي مظهر من مظاهر الخوارق؛ فربّى النبي ﷺ أصحابه على توحيد الله وتعظيمه بحجةٍ تشرق معها الفطرة، ويستقيم بها العقل، ويطمئن بها القلب. وكان القرآن العظيم دليلًا ومنهج حياة، لا يشقى معه موحّد، ولا يضلّ معه من استمسك به.
ثم إن الاعتزاز بالهوية، والاستعلاء بالإيمان، والصحبة الصالحة، والوسط الآمن، كلّها عناصر تحفظ القلوب من التبعية والانبهار. وكذلك القدوة التي يتبعها الناس لها موقعها العظيم في تثبيت المعاني وترسيخها.
فما إن مرّ بنو إسرائيل على قومٍ يعكفون على أصنامهم، حتى تمنّوا أن يكون لهم مثلها. وهذا يعلّمنا أن القلب إذا لم يتحصّن بالحق، تعلّق بأول باطل يلوح له، وانجذب إلى كل مظاهر الزيف مهما رأى من الآيات قبلها.
ونرى في قصتهم كيف أن العبد في الشدّة يصدق في لجوئه واستغاثته بربه، لكن بعد النجاة قد يضعف تعلّقه بالله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾،
ثم قال بعدها: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
فما أقصر المسافة بين معجزة النجاة وفتنة العجل! وما أسرع التحول إذا لم يكن الإيمان متجذرًا في القلب. فالقلوب الضعيفة سريعة الانتكاس، وأكثر الناس وقوعًا في الفتنة أسرعهم انبهارًا وأقلهم رسوخًا.
قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَى﴾.
إن الإيمان الذي يعتمد على الأشخاص لا يثبت إذا غابوا، أما الإيمان الراسخ المبني على العلم واليقين فيبقى ولو تبدلت الظروف وغاب القادة المؤثرون. وهذا درس عظيم في التربية الإيمانية للجند والأفراد. ولذلك قال الله جل جلاله:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
ولهذا جاء القرآن حجةً دامغةً إلى قيام الساعة، ورسالةً خالدةً مع آخر الأنبياء، لا يهزمها باطل، ولا تزعزعها شبهة، لمن تمسك بها حق التمسك.
إن قصة بني إسرائيل ليست للتاريخ فحسب، بل تتكرر في سور القرآن لنتدبرها ونتعظ بها.
فالنجاة لا تعني العصمة، والتمكين لا يعني الاصطفاء الدائم، ورؤية المعجزات تأثيرها محدود دون بصيرةٍ وإيمانٍ متجذر، والتوحيد يحتاج إلى حصانةٍ دائمةٍ وحفظٍ مستمر.
ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
فإياك أن تمرّ على دروس بني إسرائيل مرورًا عابرًا، أو تغفل عن الاعتبار بقصصهم؛ فإن القرآن ما قصّها إلا لتكون مرآةً للقلوب. والمرابط على القرآن العظيم متأدبٌ به، متبصّرٌ بدروسه، مستمسكٌ بهديه، حتى لا يتكرر في حقه ما تكرر في تاريخ من سبق.