المباهلة .. مقام الخشية من الله جل جلاله

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين،

أما بعد:

فإن الله تعالى جعل الخشية من أجلِّ مقامات الإيمان، وأعلى منازل السائرين إليه، وجعلها وصفًا لأنبيائه وعباده الصالحين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد له خشيةً، وكلما ضعفت الخشية في قلبه، كان ذلك دليلًا على نقص معرفته وغفلته.

وكان الباعث على كتابة هذه الكلمات رؤيا بشأن حال الساحة الإسلامية، تذكّر بعظمة هذا الأصل الجليل الذي يُتهاون في تعظيمه، حملت في طياتها وصفا لهوان مقام خشية الله تعالى وتعظيم الوقوف بين يديه في زماننا، وضرورة إعادة الهيبة والحضور لهذا الأصل العظيم، فوقع معناها في القلب موقعًا يدعو للتبيان والتذكرة.

وليس المقصود بالرؤى أن تُثبت بها الأحكام، أو تُبنى عليها الشرائع، فإن دين الله قد كمل، وإنما هي للاستئناس، وقد تكون من باب النصح للمؤمنين والتواصي بالحق والتذكرة للثبات على سبيل المؤمنين.

وقد تزامن ذلك مع ما ظهر في الساحة من حديثٍ واسع حول المباهلة، وما صاحبها من ممارساتٍ وتصوراتٍ يُخشى معها أن تُتخذ المباهلة سبيلًا لكل خصومة، وأن تُفرَّغ من حقيقتها الشرعية التي عرفها السلف، وأصلها القائم على تعظيم الله عز وجل، واستحضار هيبتها، والخوف من أن تنزل لعنته تعالى على الكاذب.

فهي ليست ميدانًا للاستعراض، ولا وسيلةً لإثبات الغلبة، وإنما مقامٌ عظيم لا يقدم عليه إلا من امتلأ قلبه بخشية الله، وعظم في نفسه خطر الوقوف بين يديه جل جلاله. كما لا تكون المباهلة على كل خصومة، ولا كل خلاف ولا مع كل من اختلف معه، وهذا من التعظيم لله جل وعلا ومن دلالات خشيته سبحانه.

ومن هنا جاءت هذه الكلمات؛ تذكرةً أولًا بمقام الخشية المهيب، ثم بيانًا لمعنى المباهلة وضوابطها وآدابها، رجاء أن يرد ذلك هذا الباب إلى موضعه الصحيح، وأن يكون نفعه للمسلمين خالصًا، نسأله جل جلاله أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه، نافعةً لعباده، وأن يرزقنا خشيته في السر والعلن.

المباهلة في ميزان الشريعة

المباهلة من الأحكام الشرعية الثابتة التي دل عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهي بمعنى الملاعنة، وتكون بأن يجتمع المتنازعان بعد إقامة الحجة وظهور البيان، فيدعو كل واحد منهما أن ينزل الله لعنته أو عقابه على الكاذب منهما، طلبًا لحكم الله وفصلًا للنزاع. وقد شرعها الله تعالى لنبيه ﷺ في محاجته لوفد نصارى نجران بعد أن أقام عليهم البراهين، فلما أصروا على الباطل دعاهم إلى المباهلة، فقال سبحانه: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]. وقد خاف وفد نجران من المباهلة ولم يقدموا عليها، لما رأوه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وقوة إقباله وثقته بالحق الذي يحاججهم به، ولحقيقة ضعف حججهم أمامه – صلى الله عليه وسلم – وضعف ما هم عليه. وفي الحديث:”ولو خرج الذين يُباهلون رسولَ اللهِ صلى الله عليهِ وسلمَ لرجَعوا لا يجدونَ مالًا ولا أهلًا”.

وليست هي وسيلةً لكل خلاف، ولا بابًا يُفتح عند كل نزاع، وإنما هي آخر مراحل إظهار الحق بعد استنفاد البيان وإقامة الحجة، وعند تعنت الخصم وإصراره على المكابرة.

ولذلك قرر أهل العلم أن للمباهلة شروطًا وضوابط، من أهمها: أن تكون في أمرٍ من أمور الدين التي قامت عليها الأدلة الشرعية الواضحة، لا في المسائل الاجتهادية أو الظنية، وأن يكون المباهِل على يقين من صحة ما يدعو إليه، قد أقام الحجة على خصمه، وأن يغلب على الظن أن في المباهلة مصلحةً شرعيةً راجحة، لا مفسدةً أعظم، وأن تصدر ممن عُرف بالعلم والديانة، لا من كل أحد. كما أن حقيقتها قائمة على تعظيم الله تعالى والخوف من عقابه؛ إذ لا يقدم عليها إلا من امتلأ قلبه بخشية الله، واستحضر أنه إن كان مبطلًا فقد عرّض نفسه للعنة الله وعقابه.

ولهذا لم تكن المباهلة من هدي السلف في كل خصومة، بل كانت قليلة الوقوع، لعظيم شأنها، وهيبة مقامها، وشدة ما يترتب عليها من استدعاء حكم الله على أحد المتباهلين.

أما اليوم فينتشر التهديد بالمباهلة على كل شاردة وواردة، وكل خلاف وخصومة، وكل نقاش في التواصل على أمور لو تأملها الناظر لوجدها اجتهادات وآراء غير ملزمة، أو أن قائلها ليس بذي شأن، أو أن موضوعها لا يستحق بالأساس المباهلة أو أنها من أمور الدنيا الفانية لا العقيدة والأصول.

وتشرع المباهلة في كل أمر أساس في الدين، ينكره الخصم، ويفتري فيه، وللمباهل فيه برهان من الله وليس مجرد اجتهاد فيه. ولنتأمل على ماذا باهل الصحابة رضي الله عنهم، كما في الآثار:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (من شاء لاعنته -أي: باهلته – لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشرا) رواه أبو داود (2307)، وابن ماجه (1663)، والبيهقي (7/430) (15872).

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنه قال: (من شاء باهلته أنه ليس للأمة ظهار) رواه الدارقطني في (السنن) (3/318) (267)، والبيهقي (7/383) (15644).

وعنه أيضاً رضي الله عنهما: (من شاء باهلته أن المسائل لا تعول) ذكره ابن قدامة في (المغني) (7/25).

وعن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما – في قوله تعالى: {وَمَن ْيَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نؤتِها أجْرَهَا مَرَّتَيْنِ واعتدنا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} [الأحزاب: 31-34 ] قال: (من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي) (تفسير القرآن العظيم) (6/411).

وكلها مسائل من الشريعة يملك المباهل فيها بينة وبرهانا.

ضوابط المباهلة

ذكر أهل العلم عدة ضوابط للمباهلة، وهي ليست مجموعة في نص واحد، وإنما تُستخرج من كلامهم في تفسير آية المباهلة، ومن كلامهم على فعل النبي ﷺ، ومن تطبيقات السلف. ومن أبرز ما ذكروه:

“-إخلاص النية لله تعالى؛ وأن يكون الغرض من المباهلة إحقاق الحق ونصرة أهله وإبطال الباطل وخذلان أهله. فلا يكون الغرض منها الرغبة في الغلبة للتشفي وحب الظهور والانتصار للهوى ونحو ذلك.

– أن تكون المباهلة بعد إقامة الحجة على المخالف، وإظهار الحق له بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة.

– أن يتبين من أمر المخالف إصراره على الباطل وعناده للحق وانتصاره للهوى؛ فإن المباهلة تسعى بالمبطل إلى لعنة الله وغضبه، ولا يجوز أن يُدعى بذلك إلا لمن يستحقه من المشاقين المعاندين.

– أن تكون في أمر هامٍّ من أمور الدين، ويرجى في إقامتها حصول مصلحة للإسلام والمسلمين، أو دفع شر المخالف، ولا يجوز أن تكون في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الاختلاف.

قال أحمد بن إبراهيم في “شرح قصيدة ابن القيم”:

“وأما حكم المباهلة: فقد كتب بعض العلماء رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها: أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة، والسعي في إزالة الشبه، وتقديم النصح والإنذار، وعدم نفع ذلك، ومساس الضرورة إليها” انتهى .

قال ابن القيم في زاد المعاد في فصل فقه قصة وفد نجران: “ومنها أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا، بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة، وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله، ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك.

ودعا إليه ابن عمه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع ولم ينكر عليه الصحابة، ودعا إليه الأوزاعي سفيان الثوري في مسألة رفع اليدين، ولم ينكر عليه ذلك، وهذا من تمام الحجة”.

قال صديق خان في تفسيره: “وقد دعا الحافظ ابن القيم رحمه الله من خالفه في مسألة صفات الرب تعالى شأنه وإجرائها على ظواهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل إلى المباهلة بين الركن والمقام، فلم يجبه إلى ذلك، وخاف سوء العاقبة. وقد ذكر هذه القصة في أول كتابه المعروف بـ ” النونية “.

أن تكون في أمر ظاهر من أمور الدين

لم يذكر العلماء استعمال المباهلة في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف أو القضايا التي لا تمس بأصول الدين وشريعة الله تعالى.

قال القاسمي في تفسيره على حكم المباهلة وبعض شروطها: “استنبط من الآية جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلى الله عليه وسلم والمباهلة: الملاعنة”. وتأمل: أنكر شيئا من الشريعة.

وقال الكازروني في تفسيره: “وقع البحث عند شيخنا العلامة الدواني – قدس الله سره- في جواز المباهلة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار، وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها: أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعاً، وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار وعدم نفع ذلك، ومساس الضرورة إليها”.

فإذا كانت المباهلة يترتب عليها مصلحة، وزوال الشبهة، وإقامة الحجة، فلا بأس بها، أما إذا لم يحصل بها إلا زيادة الشر والعداوة فلا ينبغي الاستهانة بهيبتها.

ومن هنا قرر بعض أهل العلم أن المباهلة لا تحقق مقصودها مع من لا يؤمن بالله، أو لا يخشى عقابه، لأن حقيقتها مبنية على استحضار اللعنة الإلهية والخوف من حلولها.

والمباهلة إنما تُشرع مع قومٍ يخافون الله، ويخشون نقمته، ويعظِّمون الوقوف بين يديه؛ ولذلك كان باب الخشية من أهم أبوابها، وهو بابٌ ينبغي الوقوف عنده طويلًا قبل الخوض في أحكامها.

وقد شغلت الساحة في الأيام الماضية مباهلةٌ تصدَّرت المنابر ووسائل التواصل، نخشى أن تُتخذ سُنَّةً يجري عليها الناس، مع ما اشتملت عليه من إلزامات ما أنزل الله بها من سلطان. بل تستوجب التبيان والتذكرة، خشية أن يُفتح بابٌ يُستسهل فيه أمر المباهلة، وتُنزَّل في غير مواضعها، ويُتوسع فيها بغير علم.

ولعل هذا التفصيل يسهم في إعادة المباهلة إلى مقامها الشرعي الذي عرفها به السلف، ويبين ضوابطها، ويحفظ هيبتها، ويمنع العبث بها أو اتخاذها وسيلةً في كل خلافٍ أو نزاع.

ومن عجيب ما يتباهل عليه الناس في زماننا، الخلاف على الحكم على الأعيان، وهو أمر لم تعرفه مباهلات السلف، ولم ينقل عنهم، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل يجوز أن يباهل شخص على أن فلانًا الميت في القرون السابقة مبتدع أو ليس مبتدعًا، أو كافرًا مرتدًا أو مسلمًا لم ينقض إسلامه؟

فالجواب: هذا ليس هو محل المباهلة في الأصل، ولا يُعرف عن السلف أنهم كانوا يتباهلون لإثبات أحكام على أعيان الأموات.

وذلك لأسباب:

إن الحكم على الأعيان من أدق أبواب العلم، ولا يجوز أن يُبنى على النظر في قولٍ أو أقوال، أو على نقلٍ مبتور، أو روايةٍ لم تثبت، أو اختلف فيها، بل لا بد فيه من الإحاطة بحال الشخص، ومعرفة مجموع أقواله، وما رجع عنه، وما ثبتت نسبته إليه، وما قد يكون دُسَّ عليه أو نُقل عنه بالمعنى أو وقع فيه خطأ من النساخ والرواة. وكثير من علماء الأمة المتقدمين لم يصل إلينا تراثهم كاملًا، وإنما وصلتنا منه أجزاء، وقد تُنسب إليهم أقوال مختلف في ثبوتها، أو تُنقل عنهم عبارات مجتزأة أُخرجت من سياقها، أو تكون لهم تراجعات لم تبلغ من جاء بعدهم، فضلًا عما يفرضه تباعد القرون من احتمالات تحول دون الإحاطة الكاملة بحقائق أحوالهم.

ولهذا لا يسوغ لأحد أن يزعم أنه أحاط علمًا بجميع ما صدر عن إمام من أئمة المسلمين، ثم يبني على اجتهاده الخاص حكمًا بالتبديع أو التكفير، فضلًا عن أن يجعل ذلك محل مباهلة، يجزم فيها بأن خصمه قد وقع في موالاة أهل البدع أو في الثناء على الكفار أو نحو ذلك من الأحكام على الأعيان. وإنما المرجع في الحكم على الأعيان إلى شهادة أئمة عصرهم، ومن عرفوا أحوالهم، وعاينوا أقوالهم، وجمعوا كلامهم، فذلك أقرب إلى العدل والإنصاف، وأبعد عن الظلم والتسرع.

وهذا القيد بالغ الأهمية في باب المباهلة؛ لأن المباهلة لا تكون مبنية على الظنون والاجتهادات المحتملة، ولا على أحكام شخصية في أعيانٍ اختلف أهل العلم فيهم أو لم ينعقد الإجماع على وصفهم. ومن ثم فلا يصح أن يُلزم أحدٌ خصمه بتبديع أو تكفير أشخاص معينين، ثم يجعل ذلك معيارًا للمباهلة، لأن محل النزاع حينئذٍ ليس من القطعيات التي يقطع بها كل أحد.

ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من مناقشة الأقوال نفسها، ووزنها بميزان الكتاب والسنة، وبيان ما فيها من خطأ أو انحراف، وردها بالحجة والبرهان، كما فعل أهل العلم قديمًا وحديثًا، مع التفريق بين نقد المقالة، وبين إصدار الأحكام على قائلها، فإن البابين ليسا سواء. وهذا يتضمن الحكم على القول بالبدعة والكفر ولا يُلزم منه بالضرورة تبديع وتكفير قائله، لما يتعلق به من شروط الحكم على الأعيان. وهذا من باب الخشية والتقوى والأمانة في نقل العلم. وأيضا لكون الحكم على الأقوال وضبطه في ميزان الحق والعدل، أنفع للناس من الجزم بخواتيم الرجال.

حدَّث ابن أبي حاتم رحمه الله من كتابه “الجرح والتعديل” عن يحيى بن معين أنه قال: “إنا لنطعن على أقوام؛ لعلهم قد حطُّوا رحالهم في الجنة منذ أكثر من مائتي سنة!” فبكى عبد الرحمن، وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب من يده! مقدمة ابن الصلاح (1/390)

وقد اختلف السلف أنفسهم في الحكم على الأعيان، ولهذا وجد في كلام السلف اختلاف في الحكم على بعض الأعيان؛ فيبدِّعه قوم، ويتوقف فيه آخرون، أو يثني عليه آخرون، ولذلك انعكس هذا الاختلاف في النصوص المنقولة عنهم.

ومن تتبع كلام الأئمة في الرجال علم أن الإنصاف يقتضي نقل الأقوال جميعًا، لا الاقتصار على ما يؤيد رأيًا معينًا، فإن كتمان الخلاف أو التعارض في مثل هذه المواطن إخلال بالأمانة العلمية. بل قد تجد في الشخص الواحد أقوالًا مختلفة لأئمة معتبرين، وكلٌّ منهم ينظر إليه من جهة، أو وقف على ما لم يقف عليه غيره، أو اجتهد في تحقيق مناط الحكم.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذا الخلاف لم يكن ـ في الغالب ـ في أصل الحكم على المقالة، فقد يكون القول بدعةً باتفاق أو عند جمهور أهل العلم، وإنما وقع الخلاف في الشخص المعين: هل يستحق أن يوصف بأنه مبتدع؟ وهذا فرقٌ دقيق انتقل في الحكم على الأعيان على امتداد محور الزمن، إلا ما شهد له الأئمة بالكفر والبدعة بشهادة صريحة واضحة لا يجوز إسقاطها، قال الله عز وجل (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).

والاختلاف في تبديع شخصٍ بعينه ليس أصلًا من أصول الدين الذي يباهل عليه، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام، وإنما هو من مسائل الاجتهاد لأهل الاجتهاد والتي تتعلق بتحقيق المناط، واستيفاء الشروط، وانتفاء الموانع. ومن ثم فلا يُعقل أن تُجعل مثل هذه المسائل محل مباهلة، ولا أن يُعلَّق عليها الحكم على دين الناس أو صدقهم، فضلًا عن أن يُجزم بمصير رجالٍ لقوا ربهم قبل قرون، وقد انقطع عملهم، وصار أمرهم إلى الله تعالى.

وإنما الواجب على طالب العلم أن يشتغل بما ينفعه، فيناقش الأقوال والمناهج والموروث العلمي بميزان الكتاب والسنة، فيقبل الحق ويبين الخطأ بالحجة والبرهان، بعيدًا عن التعصب الأعمى للرجال، أو البخس المجحف والجزم بخواتيمهم، فإن ذلك ليس من العلم النافع الذي ينفع المسلمين اليوم، ولا يسأل العبد عنه يوم القيامة، وإنما يسأل عن علمه وعدله وإنصافه.

أما أن يتحول الأمر إلى منازعات ومباهلات تدور على الحكم على الأعيان الذين ماتوا منذ قرون، فهذا لا يُعرف عن السلف فيما اشتهر من آثارهم، بل كان اهتمامهم الأكبر ببيان الحق في الأقوال والأصول، وعلى ما يمس الشريعة يباهلون. وليس الحكم على الأعيان.

ولم يجعل أهل العلم المباهلة وسيلة للحكم على كل نزاع تاريخي أو على أعيان العلماء.

والحكم على الأقوال أسهل من الحكم على الأشخاص، فالشخص المعين قد يختلف العلماء في إنزال الحكم بالبدعة أو الكفر عليه، بخلاف الحكم على القول نفسه إذا كان مخالفًا للدليل. وهذا الأهم في كل خلاف. وليس النزاع على خواتيم الرجال التي لا تضرنا ولا تنفعنا!

لذلك فإن المباهلة في مثل هذه المسائل ليست مما جرى عليه عمل السلف، والأولى تركها، والرجوع إلى التحقيق العلمي في ثبوت الأقوال وفهمها في سياقها والتنبيه للغلط فيها والمخالفة بلا خجل ولا مواراة، ودون المجازفة بالدعاء باللعنة في أمر قد لا تكون جميع أسبابه وملابساته معلومة.

والذي يظهر – بعد استقراء كلام أهل العلم – أن المباهلة على أعيان رجال ماتوا منذ قرون لإثبات أنهم مبتدعة أو ليسوا مبتدعة لا يُعرف لها أصل في عمل السلف.

ومع كثرة الخلافات العقدية في تاريخ الإسلام. ما رأينا السلف يباهلون على الحكم في أعيان الرجال! ولو كان هذا مشروعًا لكان أولى الناس به أئمة السنة، لأنهم حاججوا الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكرامية وغيرهم، ومع ذلك لم يجعلوا المباهلة وسيلة لإثبات حال الأعيان إنما حال المسائل الشرعية وما يحملونه من أقوال وأحكام.

الحل المنصف والنافع

وقد قدم الإمام ابن القيم الحل لهذه الإشكالية من الدوران حول شخوص الأعيان: حين قال:
“فلو كان كل من أخطأ أو غَلِطَ، تُرك جملةً، وأُهْدِرَتْ محاسنه؛ لفسدتِ العلوم والصناعات والحِكَم، وتَعَطَّلَتْ معالِمُها…”. مدارج السالكين (2/39-40). وهذا قول حكيم وبصير لفارس المناظرات والردود في زمانه، ولا يزال خيره ممتدا لقرون.

وقال رحمه الله أيضا:
“إن العالم قد يزل ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل منزلة المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله”. (إعلام الموقعين 173).

ولو تأملنا في القولين البصيرين لابن القيم لوجدنا أزمة الساحة الإسلامية اليوم تدور حولهما: فإما تعظيم للرجال يصل لحد العصمة، والتعصب الأعمى، وعدم قبول أي نقد لأقوالهم ولو كان بالدليل والحجة، بل يصل الأمر إلى التهوين منه ولو كان يمس أصول الدين، ويقابله بخس وإنكار لكل خير أو فضل أو إصابة وهدر لكل قيمة أو فائدة من ميراث الرجل. وهكذا تدور مواقف الرجال على مواقفهم من أسماء الرجال. وفي الأثناء تتعطل حركة العلم ويُنحر الإنصاف على عتبات التعالم والخصومة والأهواء. وهذه من أخطر فتن هذا الزمان، تُنصب الخصومات على الأسماء .. وتحشد الأحلاف على الرموز، ويخذل الحق والعدل في المنتصف! نعوذ بالله من علم لا ينفع.

ولو فتح هذا الباب لم ينغلق سيقول شخص:

أباهلك أن فلانًا مبتدع.

ويرد الآخر:

أباهلك أنه من أهل السنة.

وثالث:

أباهلك أنه تاب.

ورابع:

أباهلك أنه لم يقل هذا أصلًا.

فتتحول المباهلة إلى وسيلة لحسم القضايا التاريخية التي أصلها قائم على الروايات والاجتهاد، وليس على العلم اليقيني.

ثم هل هذه الممارسة معروفة في التاريخ؟

بعد استقراء كتب السنة والتراجم والمناظرات المشهورة:

  • لا تُعرف مباهلة بين العلماء لإثبات أن فلانًا الميّت مبتدع أو ليس مبتدعًا.
  • المعروف هو المباهلة في مسائل عقدية مع الخصم الحاضر بعد إقامة الحجة.

ولذلك فإن من يدعو اليوم إلى المباهلة على الحكم في الأعيان، مطالب بأن يثبت لنا:

من فعل هذا من الصحابة؟ أو من التابعين؟ أو من أئمة الحديث؟ أو من المتقدمين والمتاخرين!

ولا يعرف – فيما اشتهر من المصادر – مثال صريح على ذلك.

نص المباهلة

ومما وجب التنبيه له، نص المباهلة الذي يتضمن لعن الزوجات بتخصيص ذكرهن، فالمباهلة التي شرعها الله في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ إنما كانت في قطعيات هذا الدين، وإنما توجه إلى الكاذب محل النزاع، ولم يجعلها الله بابًا لاستدعاء العقوبة على الزوجات بشكل مخصص، وقد نهى الله تعالى عن الاعتداء في الدعاء، وقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55].

واللعن بحضور أهل الطرفين كما في مباهلة وفد نجران، يكون على المُماريَ في قطعيَّات الشريعة ومُحكَماتها ليستحق أن يُدعى عليه بعقوبةٍ عاجلة تجعله عِبرةً لمَن يعتبر، باستحضار الأهل ومكانتهم في نفس من يدخل المباهلة، لعظمة المقام وهيبته. ونص اللعنة كما في الآية، على الكاذبين.

وأما أن تكون المباهلة على تعيين من هو أكثر كذبًا أو فجورًا في خصومةٍ طال أمدها، يعتقد كل طرف فيها أنه المظلوم وأن صاحبه هو المعتدي، فليس هذا من المقاصد التي شُرعت لها المباهلة، ولا من أصول الدين التي يُدعى فيها إلى استنزال لعنة الله للفصل بين المتخاصمين. بل يُخشى أن يكون باعث ذلك انتصار النفس، وطلب الغلبة، لا إرادة إظهار الحق.

والمؤمن إذا عمرت الخشية قلبه، استصغر حظوظ نفسه، وخاف أن يُدخلها في مقامٍ عظيمٍ كهذا، فلا يتعجل المباهلة لمجرد خصومة أو إساءة، بل يهاب الوقوف بين يدي الله عز وجل، ويخشى أن يكون قد ظلم أو أخطأ من حيث لا يشعر، وما أكثر ما يحدث ذلك في حلبات الخصومة الممتدة. ولهذا كانت الخشية من أعظم ما يصرف العبد عن التوسع في هذا الباب.

ولا ريب أن التاريخ قد حفظ وقائع وقعت فيها المباهلة بين بعض أهل العلم وغيرهم، لكن ذلك كان على وجه الجد، وبعد نظرٍ واجتهاد، مع استحضار عظمة هذا المقام، لا على سبيل التحدي أو الانفعال أو تصفية الخصومات. فالمباهلة ليست هزلًا، ولا وسيلةً لإحراج الخصوم أمام الناس، وإنما هي مقامٌ جليلٌ يستدعي استحضار هيبة الله والخوف من حكمه. وأما نتيجتها، فإما أن يفزع المدعو للمباهلة فيتراجع ويعزف عنها، خشية من عواقبها، وإما أن يتجرأ ببضاعته المزجاة، فيصيبه من اللعنة ما يجعله عبرة لمن يعتبر. ولا يجوز تحديد وقت لها، فلم يثبت ذلك بنص صريح، وإنما هي بمشيئة الله تعالى، وقد خاب من كسب ظلما.

فلينظر كل من يدعو إلى المباهلة في قلبه أولًا، وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره، وليحذر أن يحمله الغضب أو الانتصار للنفس على اقتحام مقامٍ قد أحجم عنه من هم أعلم منه وأشد خشية لله تعالى، فإن الاستهانة بالمباهلة والاستخفاف بعواقبها من أعظم ما ينبغي أن يُتقى ويُحذر منه.

ولا ينبغي أن يتخذها الناس اليوم سنة لكل ما لا يستحق المباهلة، فيتعهدونها مستهينين بهيبتها، بل ليكون التواصي بمقامات الصدق والتقوى والخشية والإنصاف والوجل والعلم النافع، أهم ما يتواصى به المسلمون، فهو من موجبات النصر والتمكين والكفاية من شر الأعداء والنجاة من الفتن. وما أحوجنا لهذه المعاني الإيمانية في زمن الجفاء والقسوة.

وخاتمة القول:

أن المباهلة ليست بابًا يُطرق عند كل خلاف، ولا وسيلةً لإثبات الغلبة أو إسكات الخصوم، وإنما هي مقامٌ عظيم من مقامات تعظيم الله جل جلاله، لا يليق أن يُقتحم إلا مع كمال الخشية، وصدق الافتقار إلى حكمه سبحانه. ومن استحضر عظمة الله، وخاف الوقوف بين يديه، هابه أن يتوسع في هذا الباب، أو أن يجعله وسيلةً لتحقيق انتصارٍ شخصي أو تصفية حسابات علمية.

ولا نعلم في سنة رسول الله ﷺ، ولا في عمل الصحابة والتابعين، أنهم جعلوا المباهلة سبيلًا للفصل في الخلاف حول تنزيل الأحكام على أعيان العلماء الذين مضوا إلى ربهم، وإنما كان سبيلهم التحقيق، والعدل، والإنصاف، ووزن الأقوال بميزان الكتاب والسنة، مع حفظ مقامات أهل العلم، واجتناب الظلم في الحكم عليهم. يحدوهم في ذلك الخشية والتقوى والوجل، والانكسار بين يدي الله تعالى، وهذا هو العلم النافع الذي تبقى آثاره، وتنتفع به الأمة.

وإن مما يؤسف له أن تُستنزف طاقات المسلمين في مثل هذه الخصومات، في زمنٍ تتكالب فيه الأمم على ديارهم، وتُستباح فيه دماؤهم، وتُحاصر عقيدتهم، وتتنازعهم الفتن والشبهات والشهوات. فليس من الفقه أن تُصرف الجهود إلى معارك لا تزيد الأمة إلا فرقة، ولا من الحكمة أن تتحول المنابر ووسائل التواصل إلى ساحاتٍ للمراء والخصومة وتجنيد الأحلاف والفجور في الخصومة.

ثم إن من رضي بالمباهلة، فقد فوَّض الأمر إلى الله تعالى، وجعل الحكم بينه وبين خصمه إلى رب العالمين، فليس بعد ذلك من الأدب مع الله أن يستمر في اللدد والخصومة، أو يجعل المباهلة بدايةً لجولة جديدة من الجدل. بل مقتضى تعظيم هذا المقام أن يفوض العبد أمره إلى الله، وينتظر حكمه، ويكف لسانه عما لا يزيده عند الله إلا تبعة.

و “أبغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألدُّ الخصِمُ”.

وكل ساحة علمية تخلو من مراقبة النفس، وتربي الأجيال على المعاني الإيمانية من إخلاص، وخشية وتقوى واستقامة وصدق، فهي هدم. وصناعة للجهل والانحراف. فلينصح الناصحون والمصلحون وليحفظوا هيبة هذه الساحة وحدود الله وليعظموا شريعته ومقامات الحق والعدل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا والمسلمين خشيةً صادقةً في السر والعلن، وأن يجعلنا ممن يعظمون حدوده، ويقفون عند أوامره، ويقولون الحق ويقصدون به وجهه، وأن يجنب الأمة الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع كلمتها على الهدى، ويرزقها العلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

هذا ما تيسر في هذا المقام، فالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
عمر عبد العزيز

بارك الله فيك دكتورة

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x