هل تأملتَ يومًا نعمة الماء؟
ذلك الذي تفتح له الصنبور فينساب بين يديك، فلا تكاد تلتفت إلى وجوده، ولا تستحضر كم من حاجاتك متوقف عليه، وكم من مظاهر الحياة التي ألفتها ما كانت لتكون لولاه!
تأمّل الماء نفسه؛ هذا المخلوق العجيب الذي جعله الله أصلًا لحياة الأحياء، وجعل له من الخصائص ما يدهش العقل إذا أمعن النظر: يجري في الأنهار، ويتسرّب في التربة، ويتصاعد بخارًا، ثم يعود مطرًا بإذن الله تعالى؛ يتشكل في صور شتى، ويسري إلى مواضع لا تبلغها يدك، ويحمل الحياة إلى أرض يابسة، فتتشقق عن نبات أخضر بعد أن كانت هامدة. وما تراه من جريانه ولين مادته وقدرته على الانسياب والتسرّب، وما تعرفه من أحواله وتحولاته، كل ذلك باب من أبواب التفكر في إحكام خلق الله وتدبيره.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
تأمّل هذه الآية، ثم انظر إلى يومك!
تستيقظ فتغسل وجهك بالماء، وتتوضأ به للصلاة، وتغتسل به، وتطهّر به بدنك وثيابك. وتغسل به ما اتّسخ من بيتك، وتطبخ به طعامك، وتسقي به زرعك، وتسقي به عطشك. به تنمو المحاصيل، وتُسقى الأشجار، وتعيش الأحياء، وتُهيَّأ أسباب النظافة والصحة. نعمة واحدة تتشعّب منافعها حتى يصعب أن تحصي مواضع حاجتك إليها في يوم واحد!
ثم انظر إلى الماء حين يجري على الأوساخ فيزيلها، وإلى قطرة منه تبلّل تربةً جافة فتوقظ فيها أسباب الإنبات، وإلى غيث ينزل على أرض مجدبة فيردّ إليها الخضرة بعد اليبس. كم من مشهد مألوف يحمل في داخله آيةً لو وقفت عندها بقلب حاضر، لازداد يقينك بعظمة الخالق، وشعورك بفضله وإحسانه!
ومن نِعَمِ الماء التي قد نغفل عن شكرها أن جعله الله متنفَّسًا للأبدان في شدّة الحر؛ فيستمتع الناس بالسباحة، ويجدون في ملامسته انتعاشًا وراحةً، ويخففون به عن أنفسهم وطأة القيظ. حتى لحظات اللهو المباح والمرح التي يقضيها الناس في الماء هي من جملة المنافع التي أنعم الله بها علينا.
وللماء صوتٌ يألفه القلب وتأنس به النفس؛ فهذا خريرُ جدولٍ يتسلّل بين الصخور، وتلك رقرقةُ نهرٍ يمضي في مجراه، وذلك هديرُ موجٍ يتعاقب على الشاطئ، وذاك انهمارُ المطر حين يطرق النوافذ والأسطح. أصواتٌ تتباين في نبراتها وإيقاعها، ويجد كثيرٌ من الناس في الإصغاء إليها سكينةً وراحةً وانشراحًا.
فتأمّل كيف لم يجعل الله الماء قوامًا للحياة فحسب، بل جعل في مشاهد جريانه وأصواته وجمال حضوره أبوابًا للأنس والتفكّر؛ حتى إنك قد تجلس إلى نهرٍ لا تريد منه شيئًا، سوى أن تنظر إلى جريانه وتُصغي إلى خريره، فتجد في ذلك متعةً تذكّرك بسعة نعم الله ولطف تدبيره. فسبحان من أحسن كلَّ شيءٍ خلقه، وأودع في هذا المخلوق الواحد من المنافع والمشاهد ما تتجدّد به حاجات الأبدان، وتأنس به النفوس، وتجد القلوب فيه مجالًا للتأمّل والحمد.
وكم من نعمةٍ نعيشها في تفاصيل يومنا، ونحسبها أمرًا عاديًّا، وهي في حقيقتها فضلٌ يستحق الحمد! فاحمد الله على ما أباح لك من المتعة والراحة، واستحضر فضله في النعمة قبل أن تألفها نفسك وتغفل عن شكرها.
ومن عظيم نعمة الماء أن جعله الله وسيلةً للطهارة والعبادة، فنغسل به أعضاءنا امتثالًا لأمره واستعدادًا للوقوف بين يديه. قال رسول الله ﷺ: «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» متفق عليه.
فتأمّل كيف تتحول هذه النعمة المألوفة إلى بابٍ للعبودية، وكيف أن شكرها لا يكون بالحمد وحده، بل بإحسان استعمالها، وإتمام الطهارة على الوجه المشروع، دون إسرافٍ أو تفريط.
ومن أعظم أبواب شكر نعمة الماء أن تبذله لمن يحتاج إليه؛ فربّ قطرةٍ تسقي عطشانًا، أو بئرٍ ينتفع به الناس، تكون سببًا في أجرٍ ممتدٍّ لا ينقطع بانتهاء لحظة العطاء. وقد قال النبي ﷺ حين سُئل عن أفضل الصدقة: «سَقْيُ الْمَاءِ»؛ رواه أبو داود والنسائي وأحمد، وحسّنه بعض أهل العلم.
فتأمّل كيف جعل الله في هذه النعمة بابًا للإحسان إلى خلقه، وكيف يمكن للماء الذي ترتوي به أنت أن يكون سببًا في حياة إنسان، وأجرًا يُرجى لك بقاؤه ما دام الناس ينتفعون به.
ولا شك أنك تعلم جيدًا ما يعني الارتواء بعد العطش!
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: 68-69].
إنها أسئلة توقظ القلب من غفلته: أأنت الذي أوجدت أسباب هذا الماء؟ أأنت الذي أنزلته من السحاب؟ أأنت الذي سخّر لك منافعه، وجعل حياتك متصلةً به على هذا النحو؟
إنك قد تملك الصنبور، وتشتري الماء، وتحفر البئر، وتبني السدّ؛ لكنك لا تخلق الماء من العدم، ولا تستقلّ بإنزال المطر، ولا تملك أن تستغني عن الأسباب التي جعل الله بها قوام الحياة.
فإذا أردت أن تعرف قدر هذه النعمة، فتخيّل أن ينقطع عنك الماء يومًا واحدًا! كيف ستتوضأ؟ كيف ستغتسل؟ كيف ستُعِدّ طعامك، وتنظّف بيتك، وتسقي زرعك، وتلبّي حاجات أهلك؟ كم من تفاصيل صغيرة ستتعطل، وكم من أعمال كنت تؤديها في دقائق ستتحول إلى مشقةٍ وبحثٍ وانتظار!
وليس المقصود أن تعيش أسير الخوف من فقد النعم، بل أن تستيقظ من غفلة الاعتياد قبل أن يوقظك فقدها؛ فكم من نعمة لا يشعر المرء بثقل غيابها إلا حين تُحجب عنه، وكان في وسعه أن يعرف قدرها وهي بين يديه. وكم ستختلف مشاعره لحظة التفكر في أثر النعمة عليه!
قف لحظةً، وتأمّل ما اعتدتَه.
تأمّل الماء الذي يجري بين يديك، واستحضر عظمة خلقه، وسعة منافعه، وشدة افتقارك إليه. لا تجعل ألفتك بالنعم حجابًا عن شهودها، ولا تجعل سهولة الوصول إليها سببًا لنسيان المنعم بها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].
ومن شكر النعمة أن تعرف قدرها، وتنسب الفضل إلى واهبها، وتستعملها فيما يرضيه، وألا تسرف فيها أو تفسدها أو تحرم منها من يحتاج إليها.
قال عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18].
وما أعظم أن تتحول قطرة الماء، في قلب المؤمن، من شيءٍ مألوف لا يكاد يلتفت إليه، إلى بابٍ من أبواب معرفة الله وشكره؛ فيرى في الماء نعمةً تستوجب الحمد، وآيةً تدعو إلى التفكر، وأمانةً تقتضي حسن الاستعمال.
فلا تألف النعمة حتى تغفل عنها، ولا تنتظر فقدها حتى تعرف قدرها؛ احمد الله على الماء، واستحضر فضله في كل مرةٍ تمتد فيها يدك إليه.
فسبحان الذي جعل من الماء الحياة .. والانبعاث .. والأمل!