الجزء الثاني: كيف نحصل على الحصانة ونصل إلى التعافي؟
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:
نواصل الحديث عن “العلاقات غير الشرعية” ونتناول اليوم الجزء الثاني من هذه القضية المهمة، التي لا تزال تشكل عائقا كبيرًا أمام الكثير من القلوب، وسبب انهزام وتراجع يجب معالجته بلا فتور، وربما أكثر، لأنها أضحت حالة إدمان تسقط فيها همم واعدة، ونفوس طيبة، هي بحاجة لفهم ما يجري معها وانتشال نفسها من وسط يوجب الحرمان ويُضعف البصيرة ويُضيّع فرصها في الارتقاء المهيب.
علاقات تتشكل بعد إعجاب عابر، بالسر ليس بالعلن، تجمع القلبين على “نحن نفهم بعضنا البعض”، ويطيل أمدها -في اضطراب- الوعد المؤجل، على مسكّنات من نوع “سنتزوج”، وكما يحدث في الواقع أو العالم الافتراضي، تتواصل الرسائل والمكالمات والفضفضات واللقطات، لتهدر في غير مكانها الصحيح. وحتى لو اختلفت الأشكال والتفاصيل، تبقى الحقيقة الجوهرية واحدة. إنها علاقات غير شرعية تسنتزف القلوب لا تحييها. وتبقيها في مستنقع من الانتظار والتيه والعبث، لا ترتقي بها لمعارج القبول والفلاح.
مع التنبيه إلى أن هناك اليوم الكثير من النفوس مستعدة للانغماس في هذه العلاقات غير الشرعية وتترقبها، لحاجة ماسة للزواج الذي طال انتظاره، من نفس تشبه النفس في القيم والأهداف، ولوجود بذور الضعف في النفوس التي صنعت تصورات مسبقة وتعلّقت بخيال شخص “هو الحلم”، حتى من قبل أن يحصل حديث أو تواصل، وهذه القلوب منغمسة بشدة في عالم من التصورات والأوهام قد يكون نهايته مأساوية، لذلك يجب أن نتحدث عن خطورة الانجرار للتصورات والأماني المغلفة بالقيم النبيلة والأهدافة السامقة!
لأنها حقا من أخطر ما يستغله إبليس في تلبيس المفاهيم واستدراج النفوس للمعصية والزنا عبر بوابة “البحث عن نبيل”. وحتى وإن لم يصل الأمر لهذا الحدّ، فهو يحقق نجاحات من حيث إحزان نفس مؤمنة، وكسر همة مشرقة، وصناعة الارتياب والشك والتخلف عن ميادين العزة والسبق.
ولو تأملنا فيما يصنعه الاستمرار في هذه العلاقات التي ينكرها الضمير الحي، نجده اعتقاد الطرفين أنهما يختلفان عن الآخرين، وأنهما متفردان بقيمهما وأهدافهما وإنما مضطران لهذه الطريقة لتعقيدات الغربة وتكاليف الوحشة، لكنها في الحقيقة البداية التي لا تُشبه النهاية، فمدخل اللطف والاهتمام الذي يصل لحدّ استشعار الخصوصية،والفضفضة التي تولّد العشق والتعلّق،والسقطات التي تحدث عند لحظة ضعف بغض النظر عن مبرراتها: وحدة كانت، أم فراغ، احتياج أم بحث عن الذات، خيبة سابقة أم سذاجة لاحقة، كل هذا يعني تدرج الخطوات وكسر الحدود بلا شعور. ويرافقه تلاشي قوة القلب وسلامته، وخسارة صفاء إخلاصه وعزة أهدافه. ويزيد الطين بلة، وسط يزدحم بالفتن و”رومانسية” مزيّفة تحاصر العقول والاختيارات على واجهات الإعلانات وصفحات التداول الإعلامي.
وهذا ما يفسر لماذا يقع فيها أناس يحملون وعيا بفساد طريقتها، ولكن بدافع هذه التأثيرات التي تتربص بهم ليل نهار ودافع سطوة اللحظة الراهنة والتصورات الحالمة، والتعرض لمضعفات القلوب، تخضع النفوس لأهوائها.
لماذا الأمر خطير؟
الأمر خطير لأنه يحدث في سبيل البحث عن الجد لا التسلية، في سبيل البحث عن زوج حقيقي يقرب من الله تعالى، لا عن صاحب لتمضية الوقت في لا مبالاة بمعصية الله تعالى، لكنها وسيلة غير آمنة ولا منضبطة بعهد ومسؤولية، فتهدر أجمل المشاعر وأطيب المعاني في غير مكانها وتكون النتائج موجعة. ولأن من يدخلها في هذه الحال، نفوس تبحث عن حلم حياة لا عن شهوة لحظة في واقع مجحف ومعاند وغربة دين وخذلان محيط. لذلك يحدث عبر ثغور تستغل هيبة الإخلاص فيها، في ساحات من المفترض أنها الأتقى، في العلم والدعوة والجهاد. ومن يحضرها هو بالأساس ممن يستدعي إحسان الظن به واستئمانه، كيف لا؟ وهو يتحدث بمبادئ وشعارات إسلامية عالية نفيسة! ومع ذلك تتجلى أمراض القلوب في تجاربها بأوضح ما يكون، وتحصل الصدمة والفجيعة! والبدايات الخاطئة موجبة للخسارة والهزيمة.
ولأن هناك صديد يتشكل، وآلام تتكرر، فإن هذه الظاهرة أضحت بحاجة لتعرية جرحها، وتفريغ صديدها، ووضع العلاجات عليها، هي بحاجة لزاجر وصوت “حسبة” يخرجها من غفلتها، ويذكرها أن الله تعالى لا يصلح عمل المفسدين ولا يرضى لعباده الخداع بالدين.
منذ سنوات عديدة أرصد هذه الحالة، وأرصد فصولها ونتائجها، تتكرر في صمت، وتضمد الجراحات النازفة أيضا في صمت آخر. ولو كان الأمر مجرد مشاعر تنطفئ في لحظة وتستمر الحياة وكأن شيئا لم يحدث، كما يحصل مع أهل الفساد والانحلال، لما كان الأمر طارئا، لكن في الواقع، ما يحدث يؤثر جدا في تشكيل العقائد، والأخلاق، والنهايات في سيرة الإنسان. ولا أبالغ إن قلت أن الكثير من الارتياب والانهيار والمخالفة لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، صنعته هذه التجارب المسيئة باسم الإسلام، وكم من الجهل بالدين، وكم من التعالم، أورثته سطوة العشق والانجذاب لجاهل متعالم ومتسلق خبيث.
فتيات يتعلمن على أيدي من عشقن! فالمفتونة تراه شيخها، وتعتقده المصدر الأول لتعلم الإسلام الذي تبحث عن نوره! وهو في حقيقته مجرد دعيّ مغرور! وفي أحسن الأحوال عبد لله يصيب ويخطئ. وتطغى الرغبات والأهواء على جوهر الحقائق، فيزيد الأمر تعقيدا.
اليوم أسجلها هنا لله جل جلاله، ثم لصناعة وعي بشأن ظاهرة مفجعة، تتستر فيها الأهواء والطباع اللئيمة، بشريعة الله تعالى لمخالفة شريعة الله تعالى. هي خطيرة جدا لأنها في جوهرها، نفاق وخبث أو احتيال والتفاف على دين الله تعالى، باسم دين الله تعالى! وهذا أقبح خداع تعيشه النفس وأفجع نهاية تصطدم بها نفس تواقة!
أتحدث عن قصص واقعية حصلت وانتهت حقا بفجيعة، وهي كثيرة ومختلفة، وأنا على ثقة أن أمثالهن ممن يعشن هذه الفجيعة، يتوارين في خجل، ولا يستطعن البوح، ويكتمن أنفاسهن، في انتظار فرج من الله يتنزل ولا يشمت فيهن أحد.
إنها تحدث بين من يعتقدون أنفسهم من أهل الصلاح والتميز بنصرة الدين، ممن يدعون لشريعة الله تعالى وتعظيم دين الله عز وجل، نجدهم في ساحات العلم والدعوة وحتى الجهاد، لكنهم في باب النساء، قد فشلوا فشلا ذريعا، وهذا ما يجعل الحديث في هذا الباب أولوية قصوى.
فيا أخية، يا من تحبين العلم والدعوة والتوحيد والجهاد، يا من يطرب قلبها لنصوص السلف والفوائد وأخبار القتال، يا من يعنيها جدًا خطاب الاستعلاء بالإيمان والتمرد على جاهلية العصر والمراغمة، اتق الله في نفسك! ما هكذا تورد الإبل وما هكذا تبلغين المنى وتحققين الأحلام!
الرجل الذي يجذبك حديثه وأسلوبه في عرض أفكاره، وهو يحمل ظاهرًا، شيئا أو كل شيء مما تحبين وتنشدين، يبقى رجلا أجنبيا، لا يختلف حكمه عن كل الرجال الأجانب، والافتتان به، تحصيل حاصل لإطلاق بصرك وقلبك يتحسس “البطولة” في عناوين الرجال المتصدرين في الساحات، ثم بحث طريقة لوصاله بالخاص، بحجة سؤاله، والاستفسار، بحجة التأكد من معلومة والاستبانة، كلها من تلبيسات إبليس. ودعك من التبريرات -التي يعلم الله الذي يرى قلبك ومقاصدك- أنها مجرد تبريرات!
وحتى تبرير نبل مقصدك، بدخول الخاص باسم مموه، يعتقده الرجل لرجل، ثم ما يلبث أن يسقط اللثام في لحظة ضعف، ليكتشف المرأة الملثّمة العاشقة عن بعد! وتنكشف معها حقيقة أن إعجابك وانجذابك لهذا الرجل اللامع هو الذي يخضعك للحديث معه في خلوة الخاص، تكرارًا ومرارًا، فتواصلينه باستمرار، بحجة الدين والقيم! بالكذب على نفسك، وتنتهي قصتك ككل قصص العلاقات غير الشرعية، بخيبة عاطفية جارحة أو بنهاية لم تكن أبدًا في الحسبان، تقطر ندما وحسرة.
القصص كثيرة جدا يصعب أن أذكرها كلها، لكنني أرى من الواجب أن أورد هنا بعض نماذجها للاتعاظ والعبرة ولتستيقظ من تستهين بعواقب هذه الطريق، احذري يا أمة الله! التصورات التي تنتج عن الأماني والاحتياجات موهمة جدا، وما أسهل تقمّص النبل في الواقع والعالم الافتراضي! فلا تعيشي على ملاحقة السراب، وضعي نفسك في قلب الحقيقة!
- فتاة تفتن بشاب على التواصل، فتراسله لتتلمذ على يده، وضعي خطا أحمر تحت تتلمذ على يده، فهذا من البلاء الذي عمّ، شاب أعزب يعلم شابة عزباء في الخاص، دينها وشريعة ربها، ولله في خلقه شؤون! ومن خوّله تعليمك؟ إنها تزكيتك له، ونظرتك المعجبة به، فأي نية هذه التي دخلت بها لنيل فضل الله تعالى في العلم؟ إنها نية التقرب من شاب يجذبك! فكيف ستنتظرين بركات العلم؟ وكيف لو أنه فتن هو الآخر وزلّ، كيف ستكون النتيجة: علاقة غير شرعية متسترة بطلب العلم تطول فصولها أو تقصر، تعتريها المخالفات والسقطات، لكنها تتكرر ولا تنتهي بزواج في أغلب الحالات.
- فتاة تفتن بداعية مجاهد، كما يتصدر ويزعم ويدعي، فتراسله لتستفتي لأمر دينها والشبهات حول ساحات الجهاد، ويتجاذبان الأخبار والأحاديث حتى تدمن عليه ويدمن عليها، ولأجل التوحيد والجهاد، لنكتب قصة حبنا جهادية! وكم من هذه القصص انتهت بخيبات عاطفية عميقة، أو في حالات، تنتقل معه لحد التفكير في الهروب من بيتها والارتماء في أحضانه أيا كانت الظروف والتفاصيل الخطيرة المرافقة والمسافات الدولية الممتدة، أما ما تشترطه الشريعة في هذه الحال فهو بمثابة عائق لرغبتهما، لذلك يفكران كيف يتخلصان منه بطريقة ما ولكن بحجة الشريعة رفعا للعتب! فللضرورة أحكامها، ولو كان الثمن تكفير أسرتها، وإطلاق حكم الردة عليهم بناء على شهادة “المناضلة المظلومة”. وبالفعل تحصل قصص تهرب فيها الفتاة للرجل الغريب، والذي تستأمنه على دينها وعرضها لمجرد أن يبدو صاحب دين محب للجهاد في نظرها، ثم تنتهي القصة بفجيعة، فهناك من اصطدمت بمجرد متسلق يدعي شرفا لم يبلغه، فتطلب الطلاق وتعيش المأساة، فإن نجت بجلدها لابد أن تخرج بكدمات وربما حتى كسور، أتحدث عن كسور حقيقية تتطلب قسم الطوارئ لجبرها! وأخرى تجده معددا، وله زوجة أو عدة زوجات، فيضعها أمام الأمر الواقع، وقد يخبرها قبل ذلك لكنه لن يخبرها عن حقيقة وضع زوجاته اللاتي ينشدن النفقة الواجبة وكلمة طيبة لازمة، في الوقت الذي كان يغدق عليها الأحاديث الطويلة عن الحب والاشتياق! ذلك الحب الذي تفتقده بيوته التي يحيطها جليد فتصطك بداخلها قلوب أضناها التعب والخذلان. وتستلم هذه “الحالمة” لواقعها أو تهرب من جديد لقدر جديد وهي تسب على لحظة السخف التي أوقعتها في هذه الورطة!
- فتاة تريد أن تتعلم العقيدة والدين، فتطرق باب رجل تحسبه الإمام والعالم، وتتعلم منه كل ما صح ولم يصح، فهي لا تستطيع أن تقدر دقة تفسيراته ولا تعرف ميزان حق وعدل ولا جرح وتعديل، لا تمتلك القدرة على التمييز فكيف والتعلق به يتشكل بالتدريج! فتتشكل عقيدتها بالموازاة، وفق ما هو يريد، ثم يديرها تماما كما يريد! وقد يتخلص منها حين يشعر أنها قد أصبحت عبئا. فتخرج مكسورة تنزف. تراقبه عن بعد، هل يحن! وتنتقل بفكر مضطرب تنشد النجاة وتجادل باحتدام بغير علم!
- وأخرى، راسلها لأنه داعية، وبثها شروطه ودوافعه النبيلة، لكنه شغلها بعلاقة غير شرعية تتستر بالدين، وقد ينتقل من هذه لتلك وبين الحسابات والمواقع، يعمل باسم الإسلام لإشباع شغفه بحديث النساء. وبالفعل قد يتزوجها، ولكنها ما أن تصل بيته تفجع بكونه المطلاق، طلق الكثير قبلها، ومع أنها لا تزال جديدة تمني نفسها كعروس لها مكانتها، فإذا بها تراه أمامها وبدون أدنى خجل، يبدأ قصة حب جديدة، مع عروس مرشحة جديدة، لكنه يدعوها لله أولا، إنه بارع في الدعوة، هكذا تراه هي! إلا أنه في معاملته لها، يحتقر جهلها بالشريعة، فإن أنكرت عليه منكرا بيّنا، يصيح: كيف تجرؤ على انتقاد أخطائه الشرعية، كيف تجرؤ على إنكار علاقته غير الشرعية الجديدة، وهو من دعاها وهو من علمها، هذا الصنف يذهل العقل من وقاحته!
- ثم فتاة مدركة لأهمية الابتعاد عن خلطة الرجال، لكنها مشتركة في غرف مختلطة لطلب العلم والدعوة والجهاد! أو أن معرفها يسهل الوصول إليه، فيتسلل لها شاب “يتمسكن” على الخاص يطلب مساعدة “بريئة” كما يدعي، وبعد فترة، وبدون كثير شرح، تتشكل علاقة غير شرعية وتعلقا ممتدا، تشتاق له ويشتاق لها، ويتبادلان عبارات الحب! إلى هذا الحد الأمور تبدو مثل كل العلاقات يمكن التحكم فيها بقطع أو نهاية انسحاب، لكن الحقيقة أن بعض الحالات تنتهي لموعد في خلوة حقيقية، ولأن النفوس مهيأة لطول الانتظار، والتصورات الحالمة رسمت المشاهد الوردية للحظة الاحتضان، فالفتاة الملتزمة التي لم يسبق أن لمسها رجل، وكانت تعد نفسها بالإخلاص لزوج لم يظهر بعد! تقع في فاحشة الزنا، وتسلم نفسها لمن يقسم على أنه يحبها! وتكتشف أنه محترف علاقات يزني بلا خشية، فتتوسله أن يستر عليها ولا يتركها، لكن هيهات أن يرحم قلبه من سلمته جسدها في لحظة سكرة! بل يريد المزيد بدون اعتراض ومنّة! نعم لأن خطوات الشيطان خطيرة جدا، ومن استهان بها وقع!
- ورجل يراسل النساء لجذبهن بحجة “وحرض المؤمنات حصرا لا المؤمنين” بالتسلل للخاص! فيوقع المترقبة للحظة اهتمام، في شباك حبه والتعلق به، كي تلبي دعوته للتوحيد ونبذ بدعة أو تصحيح اعتقادها من خلال رد رآه أو سبب يختلقه للحديث معها عبر الخاص! أو لتناصر جماعته بشدة وتفديه بمحبة وإخلاص تدنس بحظوظ الشهوة! وتنتهي لعلاقة غير شرعية بالنهايات المأساوية. كحال ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [ الكهف: 104]
- فكيف حين يتسلل لامرأة متزوجة! ويخببها عن زوجها ويقنعها بصفاقة أن زوجها لا يليق بها ولا يستحقها، وأن خلعه والهرب إليه هو تمام النصرة لدينها وعزة نفسها، يفتح لها أحضان قلبه، لتفضفض له وتشتكي! لقد رأيت متزوجة تستشير بشأن كيف تخلع زوجا تراه بنظرها قاعدا وليس كمن يراسلها وتنجذب له! وتضرب المقارنات لتجد حجة وتهرب مع من يعدها بالزواج وهي على ذمة رجل مسلم آخر! امرأة تخون زوجها مع رجل يلبي طموحات أحلامها بحجة الدين والشريعة وهي في ضلال مبين بمعصية عظيمة! نعوذ بالله من هذا الصنف الخبيث المجرم. الذي يتخذ من الدين ذريعة لاستحلال الأعراض، وفي مرات يتصيد زوجات الأسرى، فتسهل عليه المهمة! قاتله الله أنى يؤفك. يتستر بالشريعة وهو يتعدى حدود الشريعة، والمغفلة تتبع لخبث في النفوس يتستر!
- ثم البعض الآخر، أينما استشارته فتاة طلب منها بحث نساء له، ليتفرج على “كاتالوج” السير والصور، وكأن المسلمات لا أولياء لهن ولا أبواب لبيوتهن تطرق؟ ويحك يا رجل، ألا تسأل محارمك يبحثن لك، أو من الرجال، يبحثون لك عبر محارمهم، ولم التلطف والتودد في خاص مع نساء عازبات يبحثن لك عن عروس؟ ولا يفوته – بأزّ الشيطان- أن يلمح لهذه الخطابة الشابة التي وظفها، أنها لو تقبل به لكان أفضل لها ويُعرّض برغبته فيها بخضوع بالقول قبيح! نعوذ بالله من قلة الحياء. ثم يتساءلون لم لا يوفقنا الله لزوجات صالحات؟!!
- وانظر لذلك الذي أجاز لنفسه علاقة “مواعدة إسلامية”، لصعوبة إيجاد فتاة أحلامه النبيلة، نعم هو يرى أن من حقه أن يقيم علاقة، تشبه الخطوبة لكنها ليست خطوبة رسمية، لأن أهل الفتاة لا يعلمون، فيتقرب منها، يخبرها أنه معجب بها وبدينها وأخلاقها ويرى فيها زوجة المستقبل، ولكن قبل أن يتقدم خطوة واحدة، يجب أن يتعرف عليها، ويبدأ بعلاقة خاصة، يتعرف فيها على كل شيء، ينظر صورها، يسمع مشاعرها أحاسيسها مخاوفها، يحدثها عن المستقبل عن رؤيته للزواج، يتخيلان معا كيف ستكون أسرتهما والأولاد، كيف ستتقسم الأدوار، بدأ كل شيء يتشكل، والفتاة الآن أصبحت مستعدة للزواج فهي متفقة معه على كل تفصيل، وقد لبّت جميع شروطه وإملاءاته حتى التي كانت تستعصي عليها، لكنه لا يتقدم؟ تطول الأيام ويتأخر أكثر فأكثر، فإن ناقشته في الأمر، متى سنتحرك بشكل رسمي؟ ينتفض ويغضب ويستنكر ويرفض، أو يختلق أي سبب ليلقيها باردة في وجهها: لا يمكننا الزواج!!! هكذا بكل صفاقة بعد أن وضع يده على قلبها وتقرب منها كحالة المواعدة في الغرب، يتعرف عليها بقصد الزواج وإقامة علاقة، وبعد أن يتقدم حقا وينال من قلبها صدقا، لم تعد تعجبه، سيذهب لأخرى، يتقرب من جديد ويرى هل هي أنسب؟! وقد تكون خطوات التقرب من الأخرى قد بدأت بالفعل في الوقت الذي كانت تنام فيه الأولى تحلم بنبل خطيبها المزعوم! تأملوا كم من ضحية تتعلق بهذه الحال، وهي تعتقد أنه سيتزوجها..! ونعم هناك من يتزوج في نهاية المطاف – فتاة تناسبه- لكن بعد أن كسر قلوبا وترك أثرا مؤلما في النفوس التي أحسنت الظن به!
- وهناك من يقبلن بهذا الواقع، لأنه الوسيلة الوحيدة لبحث زوج، وهن في وسط لا يرفض ذلك بل يشجعه، وقد ترمقها أمها بنظرة، هل هو الرجل؟ وتعطيها مساحتها للحديث المطول وتبادل الضحكات والاستمتاع بحياتهما، حتى يحين وقت التفكير ربما، في لحظة جد، قد لا تأتي أبدا. ويصبح هذا الرجل الأجنبي يعرف عنها أكثر من الخاطب الذي يطرق الباب رسميا! يا للمفارقة.
هذه ليست قصة تحدث مرة واحدة، انتبهن! هذا سيناريو تكرر – ببعض التفاصيل المختلفة والحالات التي لم أذكر – لكن بنهايات بشعة ومأساوية! والله لا يخفى عليه شيء أبدًا. والمعاذير لا تنجي الظالم عن المساءلة. فأعراض المسلمين محرمة كحرمة دمائهم وأموالهم! ومن يهتك الأستار وإذا خلا بمحارم الله انتهكها، فليترقب عدل الله تعالى! ولا يقل جرمه عن جرم المستهترة التي تفتن الرجل في هذا المقام، فكما أن للعفيف أجرا فللعفيفة أجر أيضا والعكس صحيح كذلك.
وحتى قصص الزواج التي تحققت، كانت محفوفة بالفشل، وأكثرهن تصطدم بحقيقة مفجعة: إنه ليس كما كنت أراه أول مرة! ليس كما توقعت! وتصيح في لحظة يقظة صادمة: “أنا نادمة، ليتني لم أتزوجه!”، بل يصل الأمر لوصمه بالجهل بعد أن فُتنت بعلمه كما زعمت، فتقول:”إنه جاهل وكاذب ومخادع! لقد رأيته يعصي الله بعيني، ولكنه يهددني ويضربني ويتوعدني!”. وكم من فتاة تجرّعت الذلة صبرا، لأنها لن تستطيع العودة لتصحيح ما حصل، فقد خسرت أهلها ولم تخرج إلا كلص يركض خلف سراب، فكيف تعالج هذه الفجيعة، فإما أن تخلع وتهيم في الأرض تبحث رزقا تتكسب منه أو تبقى تتجرع غصص الإهانة وسوء الاختيار الخادع..!
نماذج هذه القصص خطيرة جدًا، لأن المرأة تختار رجلا دون معرفة أحد من محارمها، ولا ولي أمر ولا حتى أهل الثقة، وغالبا هي تتبع عواطفها واهتمامه بها، بلا عقل، وفي كثير من الأحيان لا تعلم صدق ما يدعيه، فالعالم مليئ بالمضطربين النفسيين، والمتقمصين لدور البطولة، الذين يجدون في وسائل الاتصال والتواصل وسيلة للظهور بشخصية ليست شخصيتهم في واقعهم، أو يدّعونها لمآربهم، وتلبية احتياج ضعف أنفسهم، وإشباع شهوة!
وكم من متصدر يدّعي أنه عالم وهو المتعالم، ويدعي أنه المجاهد وهو المتسلق الجبان التافه، ويدعي أنه الداعية لله، وهو الداعية لشهوة نفسه والنساء!
ومع كونه شخصية تظهر لم نتحقق من صدق باطنها ولا خفليتها، إلا أننا في كل يوم نرى فتيات ونساء شديدات التعلق بشخصية هذا أو ذاك، ممن يظهرون ويتصدرون المشاهد، وفي حالة عشق ووله حتى من قبل أن يحصل الالتقاء! وسبحان الله، كلما رأيت هذه الحال، تذكرت آخر الزمان كيف أن أكثر من يتبع الدجال من النساء. فما أسرع فتنتهن وما أكثر اشتعالهن!
وإن قال قائل في الأخير، الرجل يفتن فهو أعزب وليس له زوجة، والمغريات كثيرة اليوم، فأقول، كثيرا ما يكون الرجل المعني بالقضية، بالأساس متزوجا بل وحتى معددا، ومع ذلك يقنع فتاة أجنبية عنه أنه “حب حياتها”، وليسهل الوصول إليها، يبحث كيف يتخلص من عبء أي حاجز شرعي بالاحتيال عليه بطريقة لئيمة ليستغلها في علاقة غير شرعية غير مكلفة له!
ووالله لو قصصت هنا بعض القصص التي عرفت، لأبكيت القلوب ولتمزق ستار النبل الخادع الذي يتستر به بعض الرجال من هذا الصنف وحتى النساء المتفلتات، والذي لله الحمد، سلم منه رجال ونساء أتقياء – صمدوا في الامتحان- فلم يقبلوا لأنفسهم تدنيس إخلاصهم ولا إفساد نور ثغورهم، وهيبة غاياتهم بالأهواء وحظوظ النفس والشهوة، نسأل الله لهم الثبات والفتح والتمكين. ليس كأولئك الذين يتذرعون بالشريعة وإذا خلو بمحارم الله انتهكوها، ممن لا يستأمن على شاة، فكيف يستأمن على عرض وحياة مسلمة. كما لا تصلح من تستدرج الرجال لفتنتها، زوجة صالحة لمسلم!
وليت عبد شهوته يذهب لمن تحمل لافتة الانحلال ولم يتربص بالملتزمات المتسترات، ليته لم يترصد القلوب المغلقة، فيتحين فرصة ضعف ليفتك بها، فهذا الصنف يعد أشد جرما، لأن من يريد الحرام والعبث بأعراض النساء، من المفترض أن يذهب لمن لا تعز عليها نفسها وترخص لشهواتها، من المتاحة بدون حاجة لطرق باب، بما أنه يريدون الحرام والتسلية، لكنه يصر على النيل من المتسترة، بمن تجاهد نفسها على الثبات ترجو زوجا صالحا في زمن يقل فيه الصالحون! فيخدعها في الله فتنخدع له، وكانت جريمته أشنع.
ومع كل هذا، ومن فضل الله تعالى، لا نزال نرى قصصا، بارك الله صدق الإقبال فيها على التقوى، كتلك التي نجت في آخر لحظة واكتشفت حقيقة الجنة التي كانت ترتسم في مخيلتها على لسانه، بلطف الله تعالى، وبعد أن استفتت، ووجدت أن مشكلتها تحل بالفرار لله تعالى والإلحاح بالدعاء، والتقوى! فإذا برحمة الله تتنزل، وتنفرج الكربة، بدون أي تدخل منها، وتتيسر لها حلول لم تكن في ذهنها لحظة سطوة القلب “العشقان”! بل يرزقها الله بخير مما كانت تنشد: قال الله عز وجل ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، وعايشت هذه الآية الجليلة من تابت واستدركت وعرفت سبيل التقوى حقا لا سبيل التفلت شكا وارتيابا.
البيوت المهدمة
ثم هل تبقى سكينة في بيت تصدعت جدرانه بالعلاقات غير الشرعية؟ فكم من البيوت تصدعت اليوم بسبب خيانات العلاقات غير الشرعية، رجال متزوجون، بأسر وزوجة وزوجات ولا يزال الرجل فيها يعيش مراهقاته مع امرأة أجنبية في الخاص وفي الهاتف، ويقابلها سرا أو على انفراد، فيبثها مشاعر “روميو وجولييت” بزي إسلامي!
صور اللقطات لمحادثات يندى لها الجبين، وتسجيلات صوتية مثيرة للشفقة، توثٌقها الزوجة وأكثر من زوجة بقلب يبكي دما! لايدري عنها الزوج الذي فضح الله ستره، لإصراره على المعصية في سر!
هكذا تصفه المفجوعة: “لم أقصر معه في حاجته أخدمه كل يوم وفعلت كل ما يريده مني، لكنه جاف جدا معي ولا يقدر شيئا أفعله، ويذمني وقد يضربني! ويعايرني بغيرتي أو بضعفي، وفي يده شعار شريعة الله يلوح به، ليجلدني بجهلي بها، أو بتجاوزي لحدودها كما يزعم، ولكنني أراه في الخاص شخصية أخرى تماما، غير التي عهدت في بيتي، إنه حنون ورفيق جدا، يعشقها لحد الموت، ويتودد لها ويسترضيها كما لم يفعل قط معي، مع أنها ليست بمقام زوجة إنما عشيقة، يكرمها بكلام لابد أن يترك الأثر العميق في النفس! وأنا أقرأ وأبكي، بل أجهش بالبكاء وأتمنى الموت”.
وفي حالات تقول أخرى: “لقد رأيتها تشترط عليه تطليقي ويقول لها، أبشري سأطلقها، عن أم أبنائه يتحدث! بعد أن نتزوج”! نعم في بعض القصص كان هذا مشهد من مشاهدها القبيحة، ثم بعد أن ينهي محادثته مع حبيبة عمره التي يعشقها في سر، يتوجه ليعظ ويأمر وينهى عن الحرام! ويشتكي تصدع جدران بيته وفقدان السكينة فيه! فسبحان الله كيف يقسو القلب وتستقوي فيه الوقاحة.
الأمثلة كثيرة جدا، وواقعنا مفجع جدا، وخاصة تلك العلاقات غير الشرعية التي أفسدت صفاء بيت ودمرت علاقة زوجية، ونافست زوجة في بيتها فحرمتها السكينة والاستقرار. وكم من امرأة كانت سبب تعاسة امرأة أخرى، وكم من علاقة غير شرعية، نزفت لها الجيوب، وأفلست لها الخزائن وكم من الحرام يجلب الحرام! ويمحق البركة.
وهكذا تسير أغلب العلاقات غير الشرعية، تحت أي ستار كان، إسلامي، أو اجتماعي، تسير في حالة تعلق مرضي يُعتقد أنه “الحب الأبدي”، وخوف من الفقد، يُعتقد أنه “الإخلاص الوفي”، ووهم “أنا استنثاء”. يُعتقد أنه دليل الصدق والاختلاف عن الدارج، وتقديم قرابين وأدلة الصدق، وهي في حقيقتها، تعدٍ صريح لحدود الله تعالى ومعاصٍ وذنوب تتراكم وتجتمع، وكل ذلك يكبح صحوة العقل والضمير، ويتشكل لنا مشهد الإدمان العاطفي في أسوأ درجاته.
ومع وسط محيط محبط، ونفوس ألفت التطبيع مع الخطأ وتعسير الحلال، وسهولة الوصول للحرام، وإلزامات ما أنزل الله بها من سلطان، تثقل كاهل الرجال والنساء، تسقط كل يوم نفوس في وحل العلاقات غير الشرعية لتهدر أجمل أيامها ولحظات حياتها وأرجى فرصها، فيما يضرها لا ينفع.
وإن كان حديثي في الجزأ الأول، بدأ من البدايات الخادعة، فحديثي اليوم يبدأ من النهايات المتشابهة، مهما اختلفت هذه البدايات.
والنهايات جزء لا يتجزأ من دورة الحياة، فكما أن لكل بداية نهاية، فإن لكل علاقة أو مرحلة في حياتنا نقطة تحول قد تكون مؤلمة أو محفزة، تدفعنا للإمام أو نتراجع منها للخلف. والوعي النفسي بكيفية التعامل مع هذه النهايات، خاصة في العلاقات العاطفية، يمثل حجر الزاوية في تجاوز الأزمات والانتقال لمرحلة أكثر صحة واستقرارًا.
سيكولوجية النهايات: كيف تنتهي هذه العلاقات؟
على الرغم من اختلاف بداياتها، إلا أن أنماط انتهاء العلاقات غير الشرعية، غالبًا ما تتشابه في تأثيرها النفسي. ويمكنني تلخيص هذه النهايات كما يلي:
1. الانسحاب
فالانسحاب يحدث عادة في أي لحظة، وهو أحد أكثر أشكال النهايات إيلامًا، حيث يختار أحد الطرفين الابتعاد تدريجيًا دون مواجهة أو تفسير واضح. ويترك هذا النمط الطرف الآخر في حالة من الحيرة والبحث عن إجابات، مما يعيق عملية الإغلاق النفسي ويصنع “جروحًا مفتوحة” قد تستغرق وقتًا طويلاً للشفاء بحسب طبيعة النفس وقدرتها على التجاوز. وغالبًا ما يكون الانسحاب نتيجة للخوف من المواجهة أو عدم القدرة على التعبير عن المشاعر والمواقف المستجدة بوضوح.
2. الفتور
الفتور في هذا المقام هو الموت البطيء للعلاقة، حيث تتلاشى المشاعر وتبرد تدريجيًا ويتحول الشغف إلى روتين ممل. يصبح الحوار سطحيًا وبلا روح، وتفقد العلاقة بريقها وحيويتها الأولى. وهذه النهاية قد تكون أقل صدمة من الخيانة أو الانسحاب المفاجئ، لكنها تترك شعورًا بالفراغ والضياع، وتتطلب وعيًا لتقبل أن العلاقة قد استنفدت طاقتها. وكثيرا ما يكون سببها وجود علاقة جديدة وهدف أكثر جاذبية.
3. الخيانة
الخيانة هي من أشد أنواع النهايات قسوة، فهي لا تكسر الثقة فحسب، بل تهز تقدير الذات لدى الطرف المتضرر. وقد تؤدي إلى صدمة نفسية عميقة تتطلب دعمًا كبيرًا للتعافي منها. غالبًا ما تكون الخيانة طبيعة في الطرف الآخر لم تكن مكشوفة، أو حادثة، فتكسر العلاقة غير الشرعية، لوجود بديل أكثر إغراء وجاذبية لطموحات “الخائن”.
4. زواج أحد الطرفين
في بعض الأحيان، تنتهي العلاقة بسبب زواج أحد الطرفين من شخص آخر، خاصة في العلاقات التي واجهت عوائق اجتماعية. هذه النهاية قد تكون بدون قصد بسبب الضغوطات الأسرية، أو نتيجة لقرارات شخصية، فتصنع صراعًا بين الواقع والمشاعر. وقد تشكل مواجهة الحقيقة: صدمة وصراعا يطول أمده للنفوس المتعلقة بوهم.
5. الصمت المؤلم
الصمت المؤلم هو شكل من غياب التواصل العاطفي داخل الحضور الجسدي. ويُستخدم الصمت عادة كأداة للهروب أو العقاب، مما يؤدي إلى انفصال عاطفي يسبق الانفصال الفعلي. هذه النهاية تدل على تدهور عميق في العلاقة حيث يفقد الطرفان القدرة على التعبير كما تعودا على ذلك من قبل، مما يجعل العلاقة أشبه بكيان فارغ من الداخل. وهي تحصل كثيرا مع المندفعين بحماسة شديدة، المتهورين في الانغماس بلا تريث وقبل معرفة طبيعة النفوس وحقيقة جديتها.
6. التوبة النصوح
وهذه أفضل النهايات بنظري للعلاقات غير الشرعية التي تعجز عن الزواج، يقرر طرف أو الطرفان معا التوبة والتخلص من عبء الذنوب والكفّ عن الاستمرار في طريق مسدود، خاصة عند استحالة اللقاء ووجود الظروف المانعة للزواج، فالعقل يتصدر والضمير ينتفض، والواقعية تفرض نفسها، ويقرر أحدهما أو كلاهما التوبة النصوح بتقبل الحقيقة والتنازل لها، والاعتبار من كل ما مضى. وعادة هذه النهاية تكون مؤيّدة من الله تعالى للصادقين، ولكن مع ذلك، سيعاني طرف أو كلاهما من أعراض إنهاء العلاقة غير الشرعية. تتطلب استيعابا لتجاوزها.
7- الزواج
نعم يحصل الزواج في بعض العلاقات غير الشرعية وإن كان بنسبة قليلة في واقعنا اليوم الذي يعج بالعلاقات غير الشرعية، وقد تنجح علاقات لكنها نماذج قليلة، ويبقى ما نراه بعد الزواج يستحق وقفة جادة لفهم النفوس البشرية، فأكثر العلاقات تفشل بعد الزواج، ولا يصمد منها إلا من رحم ربي، حيث تبرد العلاقة عاطفيا، وتتحول لنموذج من الجمود وإلقاء التهم، نموذج يشبه أي زواج بلا روح بلا هدف بلا معنى، يطغى عليه التنصل من المسؤوليات وصراع يطيل فصول العذاب والتعب. لقد رأيت حالات ندم شديد على سوء الاختيار، لأن الاختيار كان على أساس عاطفي بحت لم يحتكم لعقل، ورأيت حالات من الجلد للذات، والكثير من الخيانات! وهذه هي الأفتك. نعم! هي تكتشف في لحظة ما أن “حب حياتها”، و”توأم روحها”، يخونها مع أخرى، وفي مجتمع يحارب التعدد، نصبح أمام معضلة! ويتكرر سيناريو علاقية غير شرعية بين رجل متزوج، وامرأة حالمة!
وكم من الزواج تحقق وتأسست أسر لكنها نسخة طبق الأصل عن أسر جوفاء، تعيش للدنيا لا للإسلام، لا تعرف من الحياة إلا المظاهر واللهث خلف تحقيق أحلام دنيوية قاصرة، وأما ما يخدم الدين ويربي الجيل الواعد، فهذا أبعد من أفكارها بكثير. فما قيمة هكذا علاقات!! وإن تزينت بمشاعر الحب والعشق الأبدي! علاقات لا تقرب من الله تعالى، هي قبر هي الخسران المبين!
وكخلاصة أولى، إن الناظر في قصص العلاقات غير الشرعية يجد أكثر هذه العلاقات تنتهي، بانسحاب مفاجئ صادم، ببرود تدريجي مفزع، بخيانة وقحة علنا أو بالسر، باستنزاف طويل، ينتهي بالفراق والترك، بزواج أحد الطرفين وترك الآخر مع الألم يبحث عن الإجابات الشافية. وفي أحسن الأحوال بالتوبة أو الزواج، لكن كثيرا ما يرافق ذلك، جلد للذات لا يتوقف يجهش له القلب وينزف له الفؤاد. والنجاحات قليلة جدا، تعد استثناءات لا تذكر. والاستثناء لا يقاس عليه.
والملاحظ أن أكثر من ينهي العلاقة غير الشرعية هو الرجل عادة. ذلك أن المرأة أسرع وأكثر تعلقا بالرجل لغلبة العاطفة عليها. لهذا تنتهي القصة برحيله لأخرى! لتبقى هي في حسرة وندم تبكي عند كل لحظة ذكرى، ندما أو حرقة! لا يهم فقد دفعت ثمن الانجرار الأعمى.
والآن، لننتقل لشرح ما يجري بعد ذلك؟ لنفهم كيف تسير الأمور بعد انتهاء العلاقة غير الشرعية.
مرحلة: تفريغ الألم
مباشرة بعد قطع العلاقة غير الشرعية، تواجه النفس حاجتها لتفريغ الألم، والذي قد يكون بطريقة مريضة أو بطريقة صحية، بحسب درجة نضوج المرأة أو الرجل. ويمكن فهم هذه المرحلة من خلال مراحل الحداد العاطفي، والتي تشمل:
1.الإنكار: رفض تصديق ما حدث، والشعور بالصدمة. فأول ما يحدث للنفس ترفض أن تتقبل الحقيقة تحاول أن تجد لها تفسيرا، لا تقدر أن تستوعب ما يجري والاختلاف الكبير الذي حدث، لقد انتهى التواصل والاستئناس والثقة وكل وعد وعهد، تبخر كأنه لم يكن قط. وبقيت أمام الأطلال، تتأمل غير مصدقة والعين تجري بدمع حار لا يتوقف عند كل ذكرى وملامح الأثر!
2.الغضب: الشعور بالغضب تجاه الطرف الآخر، أو الذات، أو الظروف. وهذا الغضب يكون كبيرا وعميقا، وفيه نوع تذمر وسخط من كل شيء! ويفقد النفس الثقة في أي شيء! وقد تكره النفس نفسها، وقد تفقد أي طعم للحياة.
3.المساومة: بعض النفوس تلجأ إلى محاولة إيجاد حلول أو طرق لإعادة العلاقة. وقد تستخدم أساليب مساومة أو ابتزاز أو الفضيحة والمصادمة، لإجبار الطرف الآخر على الخضوع والتراجع. وليس كل النفوس تلجأ لذلك، فأكثرها تنزوي في ندم وجلد للذات. لكن بعضها يصيبها الجنون حقا وتخرج عن طور العقل فكل شيء متوقع منها للانتقام أو إجبار الآخر على الزواج بها أو الاستمرار معها.
4.الاكتئاب: الشعور بالحزن العميق والفراغ. وهو خطير على النفسيات الضعيفة جدا إيمانيا، وقد يصل لحد التفكير في الانتحار كلما أهملت أسباب معالجته وضعف الإيمان في القلب. وفي الواقع أكثر النفوس تمر بمرحلة الاكتئاب بعد انقطاع علاقة غير شرعية، حتى التي قطعتها بمحض إرادتها، يكون لديها شعور حزن، حزن على حالها كيف وصلت لهذه الحال، وندم وجلد للذات والكثير مما يوغر شعور الحزن في القلب.
5.القبول: تقبل الواقع والمضي قدمًا. غالبا يصل الأكثرية لهذه المرحلة، التي يتباين الناس في سرعة الوصول إليها، بعضهم يصل إليها في ظرف قصير وبعضهم تطول لتصل لسنوات! فالأمر يعتمد على طبيعة النفوس والظروف وعمق تأثير العلاقات وعزة النفوس.
وفي هذه المقام، مقام تفريغ الألم، أنصح كل من ابتليت بعلاقة غير شرعية ووصلت لحالة الانقطاع سواء، بقرار منها للتوبة أو بدون إرادة منها بسبب انسحاب الطرف الآخر، أن تعتني بالتفريغ الصحي للألم، وأفضل وسيلة لذلك الكتابة العلاجية، لتعبر عن مشاعرها، لتكون صادقة في المصارحة لنفسها، لتواجه هواجسها ومخاوفها مباشرة كي تفهم أين أخطأت وتتعلم الدرس فلا تكرره.
كما أنصح بالحذر من الانعزال والانطواء، بل ببحث الدعم من الأصدقاء أو العائلة أو الاستشاريين النفسيين، للوصول إلى استقرار النفس، وهي عملية داخلية لتقبل النهاية وفهمها والمضي قدمًا.
ولتكن البداية الواعدة: توبة نصوح لا تقبل المساومة وعبرة حفرت في القلب لا تُنسى أبدا.
كيف نفهم النفس وما يجري معنا؟
ستخرج الفتاة والمرأة بقلب ينزف، سواء خرجت من هذه العلاقة بقرار حازم مع نفسها أو غصبا عنها، وستخرج بقائمة من الأسئلة التي تفزعها وتفقدها الأمان والفهم الصحيح للحياة، لذلك يجب عليها أن تتريث قليلا ولا تنجرف لمستنقع الانحدار، بل عليها أن تتعلم مما جرى وتفهم النهايات جيدا، لبناء بديل صحيح.
ولتحقيق ذلك يجب النظر إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:
أول بُعد: نفسية هذه المرأة والفتاة، كيف كانت طفولتها، كيف عاشت حياتها، كيف هو وسطها، فهذا مؤثر جدا في اختياراتها، لأن أنماط التعلق، تحكمكيفية تفاعلنا مع نهايات العلاقات. وفهم هذه الأنماط يساعد في تحديد السلوكيات المتكررة وتجنب الوقوع في الأخطاء نفسها في المستقبل. فالتعلق الذي ينجم عن حالة جوع عاطفي يجب أن يعالج، كي لا يتكرر من جديد، والتعلق الذي يسببه الحاجة الماسة للزواج، يجب أن يعالج، ولا يترك لحاله يقود النفس للمهالك. والقلق من الفقد أيضا يجب أن يعالج كي لا يصبح نقطة ضعف تقود النفس لاختيارات سيئة، تتقبلها فقط خشية الفقد. وبفهم كل ذلك، ستحسن التعامل مع نقاط ضعفها لمعالجتها معالجة صحيحة لا خاطئة.
البُعد الثاني: الضغوط الاجتماعية، حيث تلعب هذه الضغوط تأثيرا مستمرا على النفس وعلى الاختيارات، كالتوقعات حول الزواج، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي ترسم قوالب محددة للعلاقات وتعممها. أيضا المقارنات المستمرة وسهولة استبدال “الطرف الآخر” وكثرة العلاقات السطحية وغير المستقرة، وهو أمر متفشٍ جدا في زماننا. والوعي بهذه التأثيرات يساعد في فهم العلاقات وبناء بدايات أكثر أصالة. فلن تصدق بعد اليوم أن كل طارق صادق.
أما البُعد الثالث: فالواقعية، وأراها أفضل ما يريح القلب، فيجب تقبل أن ليس كل ما نبدأه يجب أن ينتهي بالبقاء. بعض العلاقات إنهاؤها أفضل بكثير من استمرارها، وهي “دروس” تعلمنا شيئًا عن أنفسنا أو عن الحياة، وليست “وجهات نهائية”. والواقعية تساعد في التعامل مع النهايات بمرونة وتقبل. وفي الواقع، بعض العلاقات كانت تجارب مهمة للنفس كي تتأدب وتنضج وتخرج من أفكارها الحالمة، وتضبط أحلامها بواقعية، فتكفّ عن التفكير الساذج والسطحي. وتصون أحلامها بمسؤولية وحكمة. فالعلاقات لا تقوم على “الانجذاب العاطفي” بل على “الوعي المسؤول”.
وأعتقد أن الفتاة أو المرأة التي خرجت من علاقة غير شرعية عليها أن تعي أول شيء، أن النفس تضعف، والواقع مجحف لا يساعد، لكن الواقعية تقتضي أن نطور المناعة والحصانة التي تمنعنا من الانحدار مرة أخرى ونستدرك ونعوض ما فاتنا في لحظات الغفلة والخطأ، فلا حجة لك يا أمة الله.
ومع أن عوامل الانحراف كثيرة في زماننا، لكن فضل الله يؤتى بالمجاهدة والصبر والتقوى والعفة. وبداية كل ذلك تبدأ من إيجاد البديل الصحيح لنقاط الضعف فينا.
فحالة الفقد وحالة الاحتياج لن تتوقف، خاصة مع صعوبة الزواج أو تأخيره في مجتمعاتنا، ولا يمكننا إهمال احتياجات النفس وأمانيها وضرورة توفير سكن لها، تسكن له فتستقر وتأمن. ولا يمكن أن نقدم حلولا بدون أن نقدم بدائل صحية، ونعالج الأسباب الأولى التي تدفع للعلاقات غير الشرعية، والعوامل التي تؤدي للضعف، كي لا تتكرر المأساة مرة أخرى.
وفي الواقع تتباين درجات التعافي بين امرأة وأخرى، وفتاة وأخرى بحسب قدرتها على إيجاد البديل الصحيح لتنطلق بقوة، إلى حياة أكثر أمانا وإشراقا وأملا.
بناء البديل الصحيح
مما يجب أن يكون واضحا، أن “البديل الصحيح” بعد انتهاء العلاقة ليس بالضرورة شخصًا آخر، بل هو “النسخة الأفضل من الذات”، منك أنتِ. لا تبحثي عن بديل في علاقة، أو رجل أو خيار خاطئ آخر، بل البديل يبدأ منك أنتِ، بما ستعملين عليه بعد لحظة الخروج من النفق المظلم: ويمكن أن ألخص وصفة بناء هذا البديل كما يلي:
- إعادة بناء الذات: يجب على التائبة من علاقة غير شرعية التركيز على تصحيح حالة الذات، لتصحيح قواعدها الفكرية التي تبني عليها المفاهيم فتجعل البداية والغاية “إرضاء الله عز وجل”، ويصبح تطوير المهارات، الاهتمام بالنفس والجسد، لغاية الاستدراك وتحقيق العبودية لله تعالى، وتوظيف الطاقات الشخصية في هذه السبيل دوما: “إرضاء الله تعالى”، وهذا أكثر ما يسمح بتقدير الذات ويجعل الشخص أكثر اكتمالًا بذاته. فلا أشرف من مرتبة العبودية لله تعالى. ولا محبة تناجز محبة الله جل جلاله، فهي تمام الحاجة والاستغناء، لتسعى المسلمة لجمع أسبابها بلا توانٍ، كي تصمد في عواصف الفتن ولا تؤتى من ضعف أو احتياج. ومن امتلأ قلبها بحب الله تعالى اكتفت، ورضيت بأقدارها مهما كانت مؤلمة، مدركة هي غايتها الأسمى، ولم يعد يعنيها فقد!
- وضع حدود صحية: أكثر النساء والفتيات حين أسألها كيف وصلت لهذا الوضع المؤلم، خاصة وأنك تعين خطورته، تقول: لم أعرف كيف أكف نفسي عن التمادي، فأقول، ولتحقيق البديل الصحيح، عليك أن تتعلمي قول “لا” وتحديد ما هو مقبول وغير مقبول في تحركاتك المقبلة. عليك أن تتعلمي النأي بنفسك عن الطرق المنحرفة والدعوات الخادعة، وامتلاك الشجاعة لقول “لا أريد لنفسي الحرام أو الدنية”. مهما طرق الرجل بابك ومهما تمسكن وناشدك. وستكونين بحاجة لهذا في كل علاقاتك، لأن الأمر لا يعتمد فقط على علاقتك مع الرجل بل مع كل صديقاتك وأقاربك، يجب أن يكون “ما يقبله الشرع” مقياس قبولك و”ما يرفضه الشرع” مقياس رفضك. وهذا سيساعدك لاحقا في اختيار زوج صالح، بناء على مقاييس الإسلام لا سلطة الثقافة الغالبة المحاربة.
- تحويل الألم إلى عامل علو همة: فالحرة تضع بين عينيها كبوتها، وأخطاءها وذنوبها، لتكون محفزا لها للتقدم بعلو همة لا يعرف الانهزام أو التهاون، لذلك الكثير من الفتيات والنساء اللاتي تبن توبة نصوحا، خرجن من تجربتهن المؤلمة أقوى وأكثر حكمة وفهما للحياة وللنفس ولكيف نحقق الأحلام العزيزة! وهذا يعني ضرورة تحديد أهداف سامية في الحياة والسعي لتحقيقها، وجمع الأسباب المساعدة للثبات في ثغور الهمم العالية كالصحبة الصالحة الملهمة، والمشاريع المحفّزة والجادة الموجبة للشغف.
- رصيد تجربة يسعفك: فلن تكون اختياراتك ساذجة بعد اليوم، لن يخدعك بريق رجل يخدعك بالله، لن تكوني فريسة سهلة لأي محتال أو مريض قلب مضطرب، لن تكوني ضحية نزوة أو فتنة. بل ستحسنين الاختيار وستدركين أن العلاقة لا تنجح للانجذاب الفطري بين الذكر والأنثى، بل لاشتراك القيم والمبادئ والأهداف وحسن التعامل وفق ما تأمر الشريعة وتجيز. فحتى لو توفرت المبادئ المشتركة لا قيمة لها بدون العمل بها حقا على أرض الواقع.
وهكذا أخية، نحن حين ننجح في تفريغ الألم بطريقة صحية ونفهم أن هذه النهاية ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لرحلة جديدة نحو بناء بديل صحيح. نخرج من دائرة التيه إلى دائرة العمل الجاد. ونمنع ما يريده لنا الشيطان من الدخول في قاع سحيق من الظلام.
وهذه المرحلة تتطلب شجاعة، ووعيًا وإرادة وعزيمة، وتقبلًا للواقع وتواضعا للحقائق. فمن خلال فهم أنفسنا، وتجاربنا، وتأثير المجتمع فينا، يمكننا التوازن وتحويل الألم إلى قوة دافعة نحو حياة أكثر استقرار وتوازنا، وبناء علاقات أكثر صحة وسعادة، وبناء حياة مكتملة بذاتها، لا تعتمد على وجود الآخر فحسب، بل تستمد قوتها من الداخل.
فالقدرة على التجدد والبدء من جديد والانبعاث بتوبة وخشية، هي أسمى أشكال القوة الإنسانية. وكذلك كانت قصص التوبة في حياة المسلمين الصادقين، وكم من بطل بدأت قصته من توبة! لهذا كانت هذه القصص قدوة تستمد منها النفس البشرية القوة على المواصلة والثبات والتحصن مما هو آت في عالم تتوعده الفتن. وبفضل ما أصلحته هذه التوبة تستمر النفس التائبة مثابرة مجاهدة ترجو رحمة الله ومراتب العلا. وما أعظم ما يصنعه حياء التائبة من الله عز وجل!
لكن يجب أن نتحدث بصراحة، الخروج من علاقة غير شرعية لن يكون بدون ثمن، هذا ما يجب أن تعيه كل فتاة لم تدخل علاقة غير شرعية أو دخلتها ولا تزال تتأمل! فبعد كل علاقة شرعية هناك آثار وأثمان تدفع وإن لم تظهر للعلن! ومعرفة ما يمكن أن تسببه آثار العلاقات غير الشرعية في النفوس مهم، لتفاديها والتصدي لها.
الندوب غير المرئية: ما الذي تتركه العلاقات غير الشرعية بعد انتهائها؟
عندما نتحدث عن ضرورة احترام الأطر الشرعية والأخلاقية في العلاقات، فهذا ليس من ترف الفكر أو الوعظ القصصي الإنشائي، ولا التشدد في الدين! بل هو حقيقة علمية في حياة الإنسان، نحاول أن نصنع لك وعيا جديرا بها.
فالعلاقات غير الشرعية، غالبًا ما تترك وراءها آثارًا عميقة تتجاوز الألم العاطفي الظاهر.
هذه الآثار، التي يمكن وصفها بـ”الندوب غير المرئية”، تؤثر على الإنسان، رجلا كان أو امرأة، وإن كان في المرأة أعمق، فهي تؤثر على مستويات نفسية، وعاطفية، وحتى روحية. ويمكنني تلخيصها كما يلي:
1. كسر الثقة
تُبنى العلاقات الصحية عادة على أساس الثقة المتبادلة. لكن في العلاقات غير الشرعية، غالبًا ما تكون الثقة مهزوزة منذ البداية، أو تتعرض للكسر المتكرر بسبب طبيعة العلاقة السرية أو غير المستقرة واضطراب النفوس فيها. وعندما تنتهي هذه العلاقات، يجد الفرد نفسه وقد فقد الثقة ليس فقط في الشريك السابق، بل في قدرته على الحكم على الآخرين، وفي إمكانية بناء علاقة مبنية على الصدق والشفافية. وهذا الكسر في الثقة قد يمتد ليشمل الثقة بالذات، مما يجعل الشخص يشكك في قراراته وقدرته على حماية نفسه عاطفيًا. وهذه النقطة من المهم جدا فهمها واستيعابها لأنها عميقة في النفس.
2. الخوف من الارتباط أو “فوبيا الزواج”
بعد تجربة علاقة غير شرعية، قد يتطور لدى الفرد خوف عميق من الارتباط الجاد والشرعي. ودوافع هذا الخوف تنبع عادة من عدة عوامل؛ فمن جهة، قد يكون نتيجة للألم والمعاناة التي عاشها في العلاقة السابقة، ومن جهة أخرى، قد يكون بسبب الشعور بالذنب أو عدم الاستحقاق لعلاقة صحية ومستقرة.
ويصبح الشخص أكثر حذرًا، وقد يفضل البقاء وحيدًا أو الدخول في علاقات سطحية لتجنب تكرار الألم أو مواجهة التزامات قد لا يشعر بالجاهزية لها. وكم من حالات عزوف عن الزواج كان سببها الخوف من الفشل وفقدان الثقة بالنفس وفقدان الثقة بالآخرين أيضا.
3. خسارة النفس
تتسبب الكثير من العلاقات غير الشرعية في تآكل تدريجي لتقدير الذات. قد يشعر الفرد بأنه يستحق فقط العلاقات التي تفتقر إلى الشرعية أو الاحترام، أو قد يلوم نفسه على الدخول في مثل هذه العلاقات من الأساس. فهو بين تحقير للنفس، وجلد للذات. هذا الشعور بالذنب والعار، بالإضافة إلى الشعور بالاستغلال أو عدم القيمة، يؤدي إلى ضعف شديد في تقدير الذات وخسارة للنفس، مما يؤثر على جميع جوانب حياته، من العمل إلى العلاقات الاجتماعية.
4. قسوة القلب أو هشاشته
تترك العلاقات غير الشرعية عادة أثرًا مزدوجًا على القلب؛ فمن ناحية، قد تؤدي إلى قسوة القلب، حيث يبني الفرد جدرانًا عاطفية سميكة لحماية نفسه من المزيد من الألم. فيصبح غير مبالٍ بظلم الآخرين، أو يتجنب الاهتمام أو التعاطف في مقامه اللازم. ومن ناحية أخرى، قد يصبح القلب أكثر هشاشة، حيث يصبح الشخص شديد الحساسية لأي نقد أو رفض، ويشعر بالألم العميق حتى من أبسط المواقف. كلا الحالتين تعكسان ندبة تمنع الفرد من عيش حياة متوازنة وصحية.
5. اضطراب العلاقة مع الله تعالى
غالبُا ما يصاحب العلاقات غير الشرعية شعور بالذنب وتجاوز لحدود الله والقيم الأخلاقية. لذلك بعد انتهاء هذه العلاقات، قد يجد الفرد نفسه في صراع روحي عميق. قد يشعر بالبعد عن الله، أو بالخجل من التقرب إليه، أو قد تتزعزع ثقته في رحمة الله ومغفرته. هذا الاضطراب في العلاقة مع الله عز وجل يزيد من الشعور بالوحدة والعزلة، ويحرم الفرد من مصدر الترميم للقلب، والإقبال على الله تعالى، الذي هو سر سرعة تعافيه وقوة هذا التعافي. وهذا أخطر ما يقع فيه الإنسان، أن يحرم نفسه رحمة الله تعالى ويسيء الظن بربه العظيم الكريم، ذي الجلال والإكرام. ولذلك فإن إعادة بناء هذه العلاقة يتطلب توبة صادقة، وسعيًا حثيثًا للتقرب إلى الله، وفهمًا عميقًا لمفاهيم الرحمة والمغفرة، والعمل على تصحيح المسار بميزان “الحسنات يذهبن السيئات” و”ما عند الله خير وأبقى”. قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).
لابد أن تعي يا أمة الله أن الندوب غير المرئية التي تتركها العلاقات غير الشرعية هي شهادة على عمق تأثير هذه التجارب على الروح والنفس. ودليل على خطورة العبث بإقحام النفس في هذه المسالك غير الآمنة. كما أن فهم هذه الندوب والاعتراف بها هو الخطوة الأولى نحو الشفاء.
ولا يمكن أن يتحقق التعافي بدون البداية من التوبة والندم، والتحلل من عبء المخالفة والمعصية، وإعادة بناء الثقة، والتقرب إلى الله تعالى، والسعي لبناء علاقات صحية ومستقرة ضمن الأطر الشرعية والأخلاقية.
فبداية العلاج هي باختصار: دعوة للعودة إلى الفطرة السليمة، والبحث عن السكينة الحقيقية التي لا تتحقق إلا بالالتزام بالقيم والمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وسلامته الروحية والنفسية. وكلها نجدها في الفرار إلى الله تعالى وتقواه سبحانه.
والآن لابد أن تدرك المبتلاة بعد هذه التجربة المريرة، لماذا حرّم الله تعالى العلاقات غير الشرعية خارج إطار الزواج بكل قناعة لا مجرد تنظير. وهذه القناعة مهم جدا لتوليد حصانة من الوقوع مرة أخرى في حفر العلاقات غير الشرعية.
فقد تتصور بعض النساء أن الإسلام يحارب العلاقات العاطفية، أو لا يستوعب الحاجة إليها في زماننا، ولكن على العكس من ذلك، الإسلام أكثر إحاطة بأهمية ودور هذه العلاقات في تحقيق سعادة الإنسان لذلك هو يحيطها بالحماية اللازمة، بالتأمين الواجب لكثرة ما يجري من ابتذال لها وتسلق على حسابها وتحريف لجمالها، فوضع لها الشارع الحكيم أطرًا وضوابط تضمن صلاح الفرد والمجتمع. ومن أبرز هذه الضوابط تحريم العلاقات خارج إطار الزواج الشرعي.
قد يتساءل البعض عن الحكمة من هذا التحريم، وهل هو مجرد قيد على الحريات الشخصية؟ ولم لا تكون هناك مواعدة ولكن “إسلامية” بوصف البعض لها، لأن الواقع صعب جدا وإيجاد شريك مناسب ليس رحلة سياحة!
لكن لعبة المصطلحات لن تغير شيئا من حقيقة ما يجري في إطار غير شرعي، وأن الإنسان بارع في التفلت والتحايل، وأن أعراض المسلمين ليست للاستهتار. فالتحريم صريح لحكمة عظيمة، وصيانة للمشاعر مهيبة! فما أعظم الإسلام الذي يصون مشاعر الإنسان لتوضع في مكانها الآمن والصحيح لا المبتذل والمذلّ، بحقها وبتمام المسؤولية.
ويكفي النظر لما يجري في الخطوبة المعلنة، بدون عقد زواج، تجاوزات كثيرة واستهانة بحدود الله متفشية، كم من الخطاب يعتقدون أنهم سلموا بمجرد إعلان الخطبة، فيجيزون لأنفسهم التعامل كأزواج، يخرجان معا، يتسامران معا، يخططان معا، يلمسان بعضهما البعض، يكشفان قلبيهما بكل ارتياح، ولا يعلمان أن لو أحدهما توفي الآن، لما كان زوجا له حقوق الزواج بعد الموت وواجباته، بل كان أجنبيا عن الآخر وبالتالي سيحاسبان على كل تجاوز في علاقة غير شرعية تسير تحت اسم الخطبة.
نعم الخطبة إن لم تحترم فيها الحدود ولم تغشاها التقوى، ستكون مجرد علاقة غير شرعية، وحديثنا اليوم يناسب من فسخت خطوبتها ولا تزال تعاني آثار التعلق نتيجة التجاوزات. بل هناك حالات نساء حملن خلال الخطبة، بسبب هذه التجاوزات، فتخلى عنها الخاطب وتركها في حالة من الندم لا توصف، وتورطت في حسن ظن وسذاجة وانجرار أحمق!
وهناك الكثير من حالات الخطبة لم تكتمل وتفرق الخطيبان، فلم المجازفة مع رجل قد يرحل بدون عقد شرعي يصون حقوقك وكرامتك ؟! وفي الواقع إن كان هذا الخاطب سيحصل على حقوق زوج كاملة قبل العقد، ما فائدة أن ينتظر العقد إذا؟ وهل سيعني له شيئا، فالفتاة مستباحة ومتوفرة له، لحد قد يبعث في نفسه بالملل! لذلك المخطوبات تحديدا، احذرن بشدة من تعدي حدود الله تعالى، فتسليم نفسك لخطيبك جريمة بحق دينك ونفسك، اتق الله ولا تتبعي خطوات الشيطان. وإن ضعفتما فعجلا العقد الشرعي ولا داعي للتفلت والتنصل بالمعاذير الكاذبة.
- التحريم وقاية وسياج حماية للقلب والمجتمع
فتحريم العلاقات خارج إطار الزواج لم يأت ليكون قيدًا تعسفيًا كما يعتقد البعض، بل هو في جوهره وقاية للفرد والمجتمع من مفاسد جمة. فالشريعة الإسلامية تهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وتحريم الزنا وما يؤدي إليه من مقدمات وهو تطبيق لمبدأ سد الذرائع.
الإسلام يطلب منك أيها الباحث عن علاقة غير شرعية إلى تحمل مسؤوليتك والزواج شرعا في إطار يحفظ حقوق الطرفين، بلا حاجة للتخفي وفي ذلك منافع جمة:
في مقدمتها سد الطريق أمام الوقوع في الزنا، فيضمن الزواج الشرعي حفظ الأنساب وتحديد الوالدين، ويحمي بذلك حقوق الأطفال ويضمن استقرار الأسرة، وهي اللبنة الأساسية للمجتمع. فلو تركنا العلاقات غير الشرعية على حالها سترتفع نسبة الزنا، إذ كثيرا ما تضعف القلوب وتنكسر الإرادة أمام لحظة خلوة وسطوة شهوة، فيحدث المحذور، ويقع الطرفان في الزنا، بغض النظر عن مبرراته، لنا أن نتخيل، ما أول سبب للزنا؟ هو العلاقات غير الشرعية. وهل تطول هذه العلاقات إلا لأجل مقدمات الزنا؟ فمنع هذه العلاقات هو صيانة للأعراض والأنساب بلا شك. وصيانة للمجتمع.
ثم تحصين المجتمعات من الأمراض الاجتماعية بالموازاة، فالعلاقات غير الشرعية من أكثر الأسباب التي تؤدي لتفكك الأسر، وانجذاب طرف إلى عالم من السرية والتخفي، وأحيانا مع رجل متزوج، تتحطم أسرته بدون أن يشعر، ويحرمها فرصها من العيش السوي، بعلاقة مسؤولة أمام الله تعالى، مما يهدد الأمن الاجتماعي والأخلاقي. وهنا نفهم كيف جعل الله التعدد حجة، وجعل حد الزاني المحصن الرجم حتى القتل! فسعة الشريعة عظيمة ولا يصح التنصل من المسؤوليات للوصول للحرام في ديننا، ونلاحظ كم يراعي هذا الدين الحقوق ويحفظ شرف النفوس وكرامتها.
والعلاقات غير الشرعية تمنع صيانة القيم والأخلاق وتحارب قيم العفة والطهارة والحياء في المجتمع، وتفتح الباب أمام شيوع الفاحشة وانحلال الأخلاق وتدهور القيم. وهي خسارة لا تُجبر وتطيل من أمد الضعف والتخلف.
- التحريم: حماية القلب وصيانة له من الألم والاضطراب
فالقلب هو مركز المشاعر والعواطف والأحاسيس التي تكون في أحيان كثيرة صادقة ومرهفة، والعلاقات غير الشرعية غالبًا ما تترك فيه ندوبًا عميقة وآلامًا لا تُمحى، لذلك فإن تحريم هذه العلاقات هو حماية للقلب من خطر محقق:
كالتعلق المؤقت والزائف: لأن العلاقات غير الشرعية غالبًا ما تكون عابرة ومبنية على أهواء لحظية، مما يؤدي إلى تعلق عاطفي ينتهي بخيبة أمل وألم نفسي شديد عند الفراق. وما أكثر خيباتها العاطفية الدامية..!
وكالاضطراب العاطفي: حيث يعيش أطراف هذه العلاقات في حالة من القلق والتوتر والخوف من انكشاف أمرهم، أو خسارة بعضهم البعض، مما يحرمهم من السكينة والطمأنينة التي هي أساس العلاقات الزوجية الشرعية.
وكالندم والذنب: فكثيرا ما يتبع هذه العلاقات شعور عميق بالندم والذنب، مما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية والروحية للفرد، ويجعله في صراع داخلي مستمر.
- التحريم: يحفظ الكرامة ويصون النفس من الابتذال
فالإسلام يولي كرامة الإنسان وعزته أهمية كبيرة، وتحريم العلاقات غير الشرعية هو حفظ لهذه الكرامة وصيانة لعزة النفس من الإهانة والاستغلال.
فبصيانة المرأة وجعل الوصول إليها يتطلب مسؤولية وعهدا: يحمي المرأة من أن تكون مجرد أداة للمتعة كما يفعل ذلك الغرب، ويضمن لها حقوقها وكرامتها كشريكة حياة وأم ومربية أجيال، ويصون شرفها وعفتها. لا مجرد لعبة وتسلية لتلقى! ثم تخسر نفسها أو تموت كمدا لعزة نفسها..!
كما أن صيانة الرجل تحميه من الانغماس في الشهوات العابرة التي تفقده رجولته ومسؤوليته، وتجعله أسيرًا لأهوائه، وتحثه على تحمل مسؤولية بناء الأسرة ورعايتها.
وبناء علاقات مبنية على الاحترام يكون فقط بالزواج الشرعي على أساس المودة والرحمة والاحترام المتبادل والحقوق والواجبات المثبتة والميثاق الغليظ، بينما العلاقات غير الشرعية غالبًا ما تكون مبنية على “مراهقة” واستغلال أو مصالح شخصية وشهوة تتلبس لبوس “الحب”، وما أسرع التفلت فيها، مما يهدر كرامة الطرفين.
وخذيها قاعدة يا أمة الله: لا يجتمع الحرام مع الطمأنينة والسكينة والأمان، مهما حاولت التملص أو التذاكي!
فمن الحقائق الكونية التي يؤكدها الشرع والتجربة الإنسانية أن الحرام لا يجتمع مع الطمأنينة. فالطمأنينة هي حالة من السكينة والاستقرار النفسي والروحي، وهي ثمرة للالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه. أما الحرام، فهو كل ما يخالف شرع الله، ويؤدي إلى القلق والخوف. ومرتكب الحرام يعيش في خوف دائم من انكشاف أمره، ومن عواقب فعله في الدنيا والآخرة، مما يفقده الطمأنينة.
ثم الشعور بالذنب الذي يلاحق النفس والتقصير الذي يستنفز ضمير الإنسان، ويحرمه من راحة البال وصفاء النفس.
ثم البركة المنزوعة، فالبركة تُنزع من حياة من يرتكب الحرام، فلا يجد السعادة الحقيقية ولا الرضا، حتى لو امتلك كل أسباب السعادة الظاهرية.
ثم القاتلة: البعد عن الله: فالابتعاد عن أوامر الله يؤدي إلى البعد عن رحمته وعنايته، ويحرم المحبة والمعية، مما يزيد من الشعور بالوحدة والضياع، ويحرم القلب من الطمأنينة التي لا تتحقق إلا بذكره والعودة لله جل جلاله عبدا وأمة طائعين.
وهكذا، نجد أن تحريم العلاقات خارج إطار الزواج في الإسلام ليس مجرد قيد صلب، بل هو رحمة وحكمة إلهية تضمن بناء مجتمع سليم، وحماية النفوس من الألم والاضطراب، وصيانة كرامتها، وضمان سعادتها الحقيقية في الدنيا والآخرة.
إن فهم هذه الأبعاد مهم جدا لترسيخ القناعة بأن ما حرّمه الله هو محض خير وكل الخير، وأن الطمأنينة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل الالتزام بمنهجه القويم، الذي يضمن للإنسان حياة كريمة وهادئة ومباركة.
فالإسلام، بتشريعاته السمحة، يدعو إلى علاقات مبنية على المودة والرحمة والاحترام، ويضع الزواج الشرعي كإطار مقدس لتحقيق هذه الغايات النبيلة، بعيدًا عن كل ما يشوبها من شوائب أو يخدش كرامتها. وهذا أكثر ما يصونك يا أمة الله، فصوني نفسك بشرع ربك.
كيف يتحقق التعافي؟
بعد تجربة العلاقات المؤلمة، سواء كانت شرعية وانتهت بشكل قاسٍ، أو غير شرعية وتركت ندوبًا عميقة، تبدأ رحلة التعافي. وهذه الرحلة ليست سهلة، وغالبًا ما يميل البعض إلى إنكار الألم أو تجاهله، ظنًا منهم أن ذلك سيساعدهم على المضي قدمًا. إلا أن التعافي الحقيقي يكمن في الترميم لا الإنكار؛ أي مواجهة الألم وهواجس النفس والتعامل معها بوعي لبناء ذات أقوى وأكثر صحة.
سألخص فيما يلي خطوات عملية للشفاء من تبعات العلاقات غير الشرعية، لأن عملية التعافي تتطلب شجاعة ومواجهة صادقة للذات وللواقع. ولمن تجهل ذلك سيطول تخبطها وقد تقع في أقبح من علاقة غير شرعية، ستقع في خسارة للدين والنفس لا تجبر.
وأول خطوة للعلاج تبدأ من:
1. الاعتراف بالألم
فإنكار وجود الألم أو محاولة قمعه لن يؤدي إلا إلى تفاقمه وتأخير عملية الشفاء. يجب على المبتلاة أن تسمح لنفسها بالشعور بالحزن، بالغضب، بالخيبة، أو أي مشاعر سلبية أخرى ناتجة عن التجربة. لا داعي لتكذيبه أو إنكاره، فهذا الاعتراف ليس ضعفًا، بل هو قوة وشجاعة لمواجهة الواقع. ويمكن أن يتم ذلك من خلال التحدث مع شخص موثوق به، أو عن طريق الكتابة، أو حتى البكاء. فتفريغ هذه المشاعر بطريقة صحية يمهد الطريق لتقبل العلاج التالي.
2. قطع العلاقة بوعي
وهذه النقطة مهمة جدا، فسواء كانت العلاقة قد انتهت بالفعل أو لا تزال هناك بقايا منها، يجب قطع العلاقة بوعي كأمر حاسم للتعافي. وهذا يعني إنهاء جميع أشكال التواصل مع الطرف الآخر، سواء كان ذلك عبر الرسائل، المكالمات، أو حتى متابعة أخباره عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقطع العلاقة بوعي لا يعني الانتقام، بل هو حماية للذات ومنحها الفرصة للشفاء دون مؤثرات خارجية تعيد فتح الجروح.
في بعض الحالات، قد يتطلب الأمر تغيير الأرقام أو حظر الحسابات لضمان عدم وجود أي ثغرات يمكن أن تعيد الشخص إلى دائرة الألم. أخرجي هذا الشخص من حياتك تماما، وليس تحايلا.
3. الكفّ عن شيطنة الذات
بعد انتهاء العلاقة، خاصة إذا كانت غير شرعية أو مؤلمة، قد تميل النفس إلى شيطنة الذات وجلدها، أي إلقاء اللوم الكامل على نفسها، واعتبار نفسها سيئة أو غير مستحقة للحب للزواج للحياة الكريمة. هذا التفكير السلبي يعيق التعافي ويؤدي إلى ضعف تقدير الذات. لذلك من الضروري أن تتذكر المبتلاة، أن الأخطاء جزء من التجربة الإنسانية، وأن كل شخص معرض للوقوع فيها. فيجب التركيز على التعلم من التجربة بدلاً من جلد الذات، وممارسة التعاطف مع الذات، وتذكر أن القيمة الذاتية لا تتحدد بعلاقة فاشلة أو خاطئة. والطريق لله تعالى لا يزال مفتوحا للصادقة.
4. إعادة بناء الحدود
العلاقات المؤلمة غالبًا ما تكون قد انتهكت الحدود الشخصية للفرد، سواء كانت حدودًا عاطفية، جسدية، أو نفسية. لذا، فإن إعادة بناء الحدود أمر حيوي للتعافي. وهذا يعني تحديد ما هو مقبول وما هو غير مقبول في التعاملات المستقبلية، وتعلم قول “لا” بوضوح وثقة. يتضمن ذلك أيضًا فهم الاحتياجات الشخصية، وتحديد القيم الأساسية التي يجب أن تقوم عليها أي علاقة صحية. ذكري نفسك دائما، هل هذا حلال أم حرام؟ هل هذه خطوات الشيطان أم سد للذرائع؟ تحركي وفق بوصلة التقوى وما يرضي الله تعالى.
5. شفاء العلاقة مع الله
وهذا هو أساس العلاج وجوهر العلاج بدونه لا أمل في التعافي، فلابد من استدراك أي شعور بالبعد عن الله، فإن شفاء العلاقة مع الله عز وجل ركيزة أساسية للتعافي الشامل. وهذا يتطلب التوبة الصادقة، والعودة إلى الله بالدعاء والعبادة، وطلب المغفرة. والإكثار من العمل الصالح، “ما دام قلبي ينبض وما دمت لا أزال حية، لن أسمح للشيطان أن يحرمني فرصة المسابقة والاستدراك”، لتردد المبتلاة هذا كثيرا على نفسها.
والاطمئنان إلى حقيقة أن الله غفور رحيم، وأنه يفتح باب التوبة دائمًا، يمنح القلب الطمأنينة والسكينة التي لا يمكن أن تجدها المبتلاة إلا في ركن التوبة والعبادة والانكسار لله تعالى وحسن الظن به جل جلاله. وكلما كان القلب صدقا حاضرا والإخلاص مرجوا، فإن النتائج ستكون الشافية.
وهذه الخطوة لا تقتصر على الجانب الروحي فقط، باسترجاع طمأنينة القلب بل هي تضمن تجاوز الألم وبناء حياة روحية ونفسية متوازنة وسوية لا تتأثر سلبا بتجربة فاشلة أو خاطئة.
نعم قد تبدو للبعض رحلة التعافي من العلاقات المؤلمة رحلة شاقة ولكنها ضرورية للخروج من مستنقع الأذية النفسية. إنها رحلة ترميم يكون للقرآن فيها مكانته التي لا تبارى، فهو الشفاء الذي لا يناجزه شفاء لقلب المبتلاة، لذلك يعد الإقبال على التلاوة والصلاة من أرجى علاجات القلب وحصاناته.
ليخرج القلب أكثر نضجا وقدرة على خوض تجارب حياتية وعلاقات مستقبلية صحية ومباركة. دون إبقاء أي عُقد أو تراكمات تفسد صفاء الحياة وعلو الهمة.
ولا يفوتني التنبيه هنا إلى أن بعض النفوس تخرج وهي لا تزال متعلقة، فهي لا تزال ترى الرجل الذي انقطعت عنه حلم حياتها، ولا تزال تدعو الله أن يجمعهما، فأقول لها: انتبهي التوبة يعني أن تكرهي العودة لما كنت عليه من حرام، وللتخلص من سطوة الفكرة التي أوقعتك في الحرام، عودي نفسك كره هذا الرجل، كيف ذلك؟
بطريقة ابن القيم رحمه الله تعالى: الأولى: استحضار كل عيوبه وتخيل عيوبه لتعتدل صورته في عينيك وتكفي عن النظرة الحالمة له، والثانية: باستحضار استحالة وصاله، والمستحيل لم إجهاد النفس بالتفكير فيه، وما ليس لك، ليس لك، اطوي هذه الصفحة وابحثي عن رضا ربك! وكوني الواقعية التقية ثم تأكدي أن:
ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
عليك أن تعي يا أمة الله أن ما خرج من حياتك لأنه حرام لم يكن خسارة أبدا بل نجاة، ومن لطف الله تعالى بك. عليك أن ترسخي أن ما خرج من حياتك لأنه بدأ بطريقة خاطئة، لم يكن حرمانا أبدا، بل كان عطاء ومنحة ربانية حقيقية، وفرصة للاستدراك والارتقاء بالنفس والروح بمعرفة هي الأعقل مع نقاط ضعفها والأكثر تقديرا لحكمة الشرع.
وفي الحديث:” إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه” رواه الإمام أحمد وابن حبان، وحسنه الأرناؤوط والألباني.
وفي حديث آخر:” إنك لن تدع شيئا لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه” رواه الإمام أحمد وصححه الألباني والأرناؤوط.
لا شك أن تجارب العلاقات الفاشلة أو المؤلمة، خاصة تلك التي تخرج عن إطار الشرع، تترك وراءها خيبات أمل عميقة. هذه الخيبات قد تبدو في لحظتها نهاية العالم، وقد تسبب ألمًا شديدًا. وقد ينكأ الجرح في لحظة حقيقة أو ذكرى أو خبر جديد. ولكن، بنظرة أعمق ووعي أكبر، ندرك أن هذه الخيبات في حقيقتها حملت الدروس اللازمة لحياة أفضل. إنها فرص للتعلم، لإعادة تقييم الذات، لفهم الأخطاء التي ارتكبناها، ولتقدير عظمة شريعة ربنا وحقيقة الأخطار في واقعنا، ولتحديد ما نريده حقًا وما لا نريده في حياتنا وعلاقاتنا المستقبلية.
كل خيبة أمل تحمل في طياتها بذرة حكمة، تنتظر أن نرويها بالتوبة الصادقة والإقبال على الله المخلص، لتنمو وتزهر توفيقا ومرضاة وسعادة.
إنها تعلمنا الصبر، والعقلانية، وأهمية الاختيار الصحيح، وتجعلنا أكثر قدرة على تمييز الغث من السمين في العلاقات والتعاملات.
ولعل من أهم ما تمنحه لنا هذه التجارب، بعد التعافي منها، هو الوعي. والوعي ليس مجرد معرفة الشيء، بل هو إدراك عميق للذات، للحدود، للقيم، وللمبادئ التي يجب أن تحكم حياتنا بقناعة راسخة وتسليم تام لأمر الله تعالى.
وعندما نمر بتجربة مؤلمة، ثم نتعافى منها بوعي، فإننا نكتسب:
وعيًا بالذات: إذ نفهم نقاط قوتنا وضعفنا، واحتياجاتنا الحقيقية، وما الذي يجعلنا سعداء حقًا.
ووعيًا بالعلاقات: إذ ندرك أن العلاقات ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي مسؤولية، التزام، وشراكة مبنية على أسس قوية بعيدا عن فتن العصر وابتذال المعاني وتضييع المهام.
ووعيًا بالحدود: نتعلم كيف نضع حدودًا صحية لأنفسنا وللآخرين، وكيف نحمي كرامتنا وقيمنا.وندرك قيمة المسافات الآمنة وسد الذرائع في ديننا ونقدر أكثر أحكام شريعتنا.
ووعيًا بالنجاة: ندرك أن الابتعاد عن الحرام، حتى لو كان مؤلمًا في البداية، هو في حقيقته نجاة من عواقب وخيمة قد تدمر حياتنا وسعادتنا على المدى الطويل. هذا الوعي هو مكسب لا يُقدر بثمن، لأنه يمنحنا البصيرة لاتخاذ قرارات أفضل في المستقبل.
ولذة العفة أولى من غصص الذنب.
والقلب حين يعود لله يطمئن ويستدرك وينبعث من جديد قويا.
نعم قد يضل القلب طريقه، ويبحث عن الطمأنينة في غير مظانها. ولكن الحقيقة الكبرى التي لا يدركها الإنسان إلا بعد رحلة من التجارب والألم، هي أن القلب بحاجة لانكسار ليكسر أي غرور أو كبر، ويعود لله، بالتوبة الصادقة، والتقرب إليه بالعبادات، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، فهي من أجل مقامات العبودية وهي المصدر الوحيد والأساسي للطمأنينة الحقيقية والسكينة الدائمة.
فالله هو خالق القلوب، وهو أعلم بما يصلحها ويسعدها. عندما يمتلئ القلب بحب الله، والخوف منه، والرجاء فيه، فإنه يجد راحة لا تضاهيها راحة، وأمانًا لا يزعزعه شيء. ومن اكتوى بنار المخالفة وعاين عواقبها بنفسه، تمسك بقوة بحبل الله المتين، فتتحقق لديه حالة استقرار روحي ونفسي، تجعل الإنسان قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بصبر وثبات، وتمنحه القوة للمضي قدمًا نحو حياة أفضل.
وفي هذا المقام، أقول لكل من مرت بتجربة مؤلمة أو علاقة غير صحيحة، أن ما خرج من حياتك لأنه حرام، لم يكن خسارة، بل كان نجاة. نجاة من الألم، من الندم، من الضياع من سوء الاختيار من تبعات الضعف ونظرة الأماني القاصرة. إنها فرصة لتحويل الخيبات إلى دروس، واكتساب الوعي ككنز لا يفنى، والأهم من ذلك، فرصة لعودة القلب إلى خالقه، ليجد فيه الطمأنينة والسكينة التي لا يمكن لأي علاقة بشرية أن تمنحها. فالحياة الحقيقية تبدأ عندما نختار الاستقامة ومرضاة الله تعالى، ونبني ذواتنا على أسس قوية من الإيمان والوعي، لنسير في دروب الحياة بكرامة، وعزة، وقلب مطمئن بذكر الله فتشرق النفس العزيزة في مكانها الصحيح لا المهان.
ستكون هناك تساؤلات لمن لا تزال تتمسك بأمل، بشيء من حسن الظن بقصتها، فأقول، امتحني صدقها، إن كان حقا يحبك ويريدك، فليتقدم أيا كانت التكلفة، والله جل جلاله إذا أراد هذا الأمر فسيمضيه، فليتقدم ويثبت صدقه، ويكفي أن يخطب حقا، ليثبت ذلك حتى لو تأخر الزواج قليلا ريثما يجمع أسبابه. كي لا تبقى حجة لأحد. أما البقاء في خلسة، فلا يليق بما تنشدين!
ثم عليك أن تتأكدي أنه حقا اختيار سليم، وينفع أن يكون أبا لأولادك يوما ما، ينفع أن يكون زوجا صالحا، فليس كل رجل “ينال إعجابك” هو حقا يصلح لمهمة تأسيس بيت وأسرة سوية. فكري جيدا ولا تسمحي لنفسك بالتأخر عن ميادين الحرية والعزة.
وبعد هذه التجربة الأليمة يجب أن تصححي مفهوم الحب في عقلك، وتفرقي جيدا بين التعلق المرضي وبين الحب الصحي الذي لا يذل! وهذا التصحيح مهم جدا، فالدخول في علاقة غير شرعية وإدمانها، لحاجة في النفس ولنقص تفتقدينه، خطأ يجلب المذلة، وأنت به تعيشين حقيقة مشوهة عن الحب، أنت لا تحبين أنت تدمنين! لذلك تعجزين ولا ترتقين، وتتألمين ولا تشرقين! ولكن بتصحيح هذا الفهم الخاطئ ستدريكن أن الدخول في علاقة زواج صحية، لا تأتي لتعوضك ما فقدته، إنما لتكتملي معها بتقديم الإضافة من نفسك المكتفية المستغنية بربها إلى هذا الزوج وهو كذلك، لتدخلي هذه العلاقة على أساس محبة في الله لا مع الله، والنتائج تختلف تماما، وصلابة هذه العلاقة تكون واعدة!
الحب الذي لا يُذل
بعد رحلة التعافي من العلاقات المؤلمة أو غير الشرعية، والتعامل مع ندوبها غير المرئية، يأتي وقت التفكير في بناء “العلاقة الصحيحة”، وهذا البناء لا يعني مجرد إيجاد شريك جديد، بل هو بناء علاقة تقوم على أسس متينة للوصول إلى “الحب الذي لا يُذل”.
نعم سيمكنك الزواج ولكن هذه المرة أنت أعقل بكثير مما سبق، أنت تحسنين الاختيار بعقلك لا بهوى غلاب وشهوة تفنى وقصور نظر وقلة وعي!
والحب الحقيقي الذي يحفظ كرامة الإنسان ويسعده لا ينشأ صدفة كما يعتقد البعض، فهذا مجرد انجذاب فطري بين الرجل والمرأة، لكن الحب الحقيقي يأتي بالعشرة، بتداول الأيام ومعايشة الأفراح والأتراح معا، وهو ثمرة اختيارات واعية ومدروسة، تسترشد بالقيم والمبادئ. وتتقوى بمعية الله ولطفه ورضوانه. وللوصول للحب المنشود الذي يعز ولا يذل، الذي يصون الكرامة ولا يهينها، الذي يجلب السعادة لا يهدمها، الذي يحقق الأمان لا الخسران، ألخص سبيله في نقاط:
1. التعارف في حدود الشريعة
لا تتحدثي مع رجل لا يطرق باب أهلك للزواج، لا تتحدثي مع رجل لا يعلن نيته صريحة في خطبتك أمام الناس، في أي أمور عاطفية أو شخصية أو في خلوة أو سرية. فكل خاطب يتقدم، يجب أن يتقدم من الباب لا من النوافذ والثغرات، ليكون التعارف بضوابط واضحة. لضمان الوضوح والجدية: وضوح الهدف: الزواج وتحمل مسؤوليته حقا، وليس مجرد تمضية وقت أو علاقة عابرة. فنحمي النفس من التعلق العاطفي غير المجدي.
يجب أن يكون بمعرفة الأهل: لا تتصلي الرجل بدون معرفة ولي أمرك، ولا تتحدثي معه خفية عن أهلك ولو كان خاطبا، هذا يضفي شرعية على العلاقة ويوفر بيئة آمنة ومراقبة، ويحمي الطرفين من الانجراف في علاقات غير مسؤولة. ولا تقبلي رجلا لا يعرفه الرجل، فالمرأة لا تحسن التفكير عند الاختيار وتغلب عليها عاطفتها، لذلك إن لم يكن لديك ولي أمر فانظري في أقاربك أو أهل الفضل، لا تكوني كمن أوكلها الله لحظ نفسها!
كما يجب الالتزام بالحدود الشرعية والأخلاقية: بتجنب الخلوة، والابتعاد عن كل ما يثير الشهوات أو يؤدي إلى الوقوع في المحرمات. فالهدف هو بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وليس على الإغراءات العابرة.
حاولي أن تفكري في هذه المرحلة بعقلك لا بقلبك، تعرفي على طباع الرجل ومبادئه وقيمه، ما يحب وما يكره، وكلما كان التوافق الفكري، النفسي، والاجتماعي بين الطرفين كبيرا، كان فهم طباع كل منهما أسهل والتجاوب معها أيسر.
إذا تبين لك عدم التوافق خلال فترة التعارف هذه والتي يجب أن لا تطول، يمكنك الانسحاب بكرامة ودون عواقب اجتماعية أو نفسية كبيرة، على عكس العلاقات غير الشرعية التي غالبًا ما تترك ندوبًا عميقة.
2. تقديم العقل مع العاطفة
الحب الذي لا يذل هو الحب الذي يوازن بين العقل والعاطفة. فالعاطفة وحدها قد تكون عمياء ومندفعة، بينما العقل وحده قد يكون جافًا ومفتقرًا للدفء. الجمع بينهما هو سر العلاقة الناجحة ولتحقيق ذلك:
عليك بالعقلانية في الاختيار: يجب أن يتدخل العقل في تقييم الخاطب بناءً على معايير موضوعية واضحة: الدين، الأخلاق، التوافق الاجتماعي، القدرة على تحمل المسؤولية، والقدرة على توفير الاستقرار. هذه المعايير هي أساس متين للعلاقة. فالاختيار لا يبدأ من لون بشرته وسيارته، انتبهي! بل من حقيقة مبادئه وتوجهاته وأخلاقه.
عليك أن تجعلي العاطفة تتحرك بعد أن يقر العقل بصلاحية الزوج، حيث تأتي العاطفة لتكون وقودًا للعلاقة، تمنحها الدفء، المودة، والرحمة. فالحب ليس مجرد قرار عقلي، بل هو شعور عميق ينمو ويتطور مع الوقت. وأينما وجد الأمان سيزهر ويرتقي.
واحذري من الاندفاع: فالعلاقات المبنية على العاطفة وحدها غالبًا ما تكون سريعة الانهيار، لأنها تتجاهل الجوانب العملية والحياتية التي تضمن استمرارية العلاقة.
ولذلك عليك أن تتعلمي: اختيار الشريك لا اختيار الشعور.
فالخطأ الشائع في العلاقات هو اختيار الشعور بالحب أو الانجذاب، بدلاً من اختيار الشريك بناءً على أسس قوية. فالشعور قد يكون عابرًا ومتقلبًا، بينما الشريك هو من سيشاركك الحياة بكل تفاصيلها. لذا، يجب أن يكون التركيز على: القيم المشتركة: والبحث عن شريك يتشارك معك العقيدة والأخلاق، والأهداف والرؤى، وطريقة التعامل مع التحديات. هذه القيم هي التي تبني أساسًا صلبًا للعلاقة.
ثم الشخصية المتكامل عامل آخر مهم، لجودة العلاقات واستمرارايتها، فاختيار شخصية متكاملة، لديها القدرة على الاستدراك والاستقواء، وتتحلى بالصبر، التفاهم، والقدرة على التواصل الفعال. هذه الصفات هي التي تضمن استمرارية العلاقة وتجاوز الصعاب. ليس المهم أن يكون ألمعيا، بل المهم أن يكون متواضعا للحق.
عليك عند اختيار الشريك النظر إلى المستقبل: انظري له كأب لأبنائك، وكشريك في بناء أسرة ومستقبل. لقرارات أكثر نضجًا وعقلانية.
“البديل الصحيح” و”الحب الذي لا يذل” هو هدف نبيل يستحقه كل إنسان سوي. لكنه يتطلب وعيًا، ونضجًا، والتزامًا بالضوابط التي وضعها الخالق لحماية العبد والأمة وسعادتهما.
من خلال التعارف بضوابط الخطبة، وتقديم العقل على العاطفة، واختيار الشريك بناءً على القيم لا مجرد المشاعر، يمكن لك أن تبني علاقة زوجية مستقرة، مباركة، ومليئة بالمودة والرحمة، علاقة تحفظ الكرامة وتجلب الطمأنينة الحقيقية، وتكون سندًا لك في الدنيا والآخرة. هذا هو الحب الذي يستحق السعي إليه، لأنه الحب الذي يرفع الإنسان ولا يُذله أبدًا. فما بدأ بمرضاة الله لا يجلب إلا الخير والعزة!
فإن لم تجديه! رددي بيقين وبأدب مع الله جل جلاله ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾[ النور: 33]
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته”. صحيح الترغيب.
ولا تشغلنك حاجة أو فقد عن غايتك الكبرى والأسمى .. أمة لله عز وجل تبتغي رضوانه والقبول.
والآن تبقى لنا أمر مهم جدا، لنصنع حصانة، لكي لا تقع فتيات ونساء أخريات في شباك الغفلة، ويتجرعن ألم الخيبات العاطفية، لكي لا تكتوى أرواح أخرى بحريق الندم والعلاقات الفاشلة.
أختم درسنا اليوم: بكيف نصنع حصانة دون الحاجة للمرور بالتجربة الأليمة؟
بعد إحاطتنا بما تصنعه الخيبات العاطفية من كسور وتتركه من ندوب، وبعد إدراكنا لسبل العلاج والتعافي، وكيف نصنع وعيا بالطرق الصحيحة للاختيارات المُعزّة التي لا تجلب لنا الذلة والانكسار. يبرز تساؤل جوهري: هل يمكننا بناء حصانة نفسية وروحية تحمينا من الوقوع في هذه التجارب الأليمة من الأساس؟ هل يمكننا تفادي الخيبات دون الحاجة للمرور بها؟
الإجابة: نعم بالتأكيد، بما يوفر علينا كل فجيعة، وهي تكمن في الوعي الاستباقي، وبناء الذات، والالتزام بسد الذرائع وبضوابط تضمن لنا استمرارية صحية ومباركة.
وبناء الحصانة النفسية والروحية ليس رد فعل على الألم، بل هو فعل استباقي يمنع حدوثه. يتطلب فهمًا عميقًا للذات ولطبيعة العلاقات، والعناية بما يلي:
1. الوعي الاستباقي وفهم طبيعة العلاقات
فالجهل بطبيعة العلاقات الصحية وغير الصحية هو البوابة الأولى للخيبات. وصناعة الحصانة تبدأ بـالوعي الاستباقي، والذي يتضمن:
- الدراية بمضعفات النفوس: كل ما يصنع الضعف والهشاشة في قلبك، كل ما يسهل انجرارك للمعصية، والمواطن والعوامل التي تجلب الفتن، فإدمان الموسيقى والغناء والمسلسلات من أكثر ما يضعف القلوب، ويجعلها سهلة الانجرار للعلاقات غير الشرعية، وكذلك التهاون في الفروض والعبادات، والفراغ الذي لا يملأه العلم والعمل.
- فهم علامات العلاقات السامة: والتعرف على المؤشرات المبكرة للعلاقات التي قد تسبب الأذى، مثل التلاعب، والنرجسية والاضطرابات النفسية. هذا الفهم يأتي من القراءة، والاستماع للخبراء، ومراقبة تجارب الآخرين.
- تمييز الحب الحقيقي عن الوهم: إدراك أن الحب ليس مجرد مشاعر عابرة أو انجذاب جسدي، بل هو التزام، احترام، مودة، ورحمة. هو مسؤولية وخشية من الله وميثاق غليظ، والعلاقات التي تفتقر إلى هذه الأسس هي غالبًا ما تكون مصدرًا للألم.
- التعلم من تجارب الآخرين: لا يجب أن نمر بكل تجربة لنتعلم منها. يمكننا الاستفادة من قصص وخبرات من سبقونا، سواء كانت ناجحة أو فاشلة، لبناء رؤيتنا التي تحصننا وتجنب الأخطاء الشائعة.
2. بناء الذات وتقديرها للتحصن من الانجرار للضعف والفراغ
فالشخص الذي لا يقدر ذاته جيدًا، غالبًا ما ينجذب إلى علاقات لا تقدره. لذا، فإن بناء الذات وتقديرها هو حجر الزاوية في صناعة الحصانة، ويكون ذلك بشغل القلب بالحق كي لا يشغله الباطل، وسد احتياجاته بالصحيح كي لا ينشدها في الخاطئ ويكون ذلك بـ:
- الاستثمار في صناعة الهمة: برفع المستوى المعرفي والشرعي، وتطوير المهارات، وسعة الإحاطة، والسعي لتحقيق الأهداف النبيلة وسد الثغور وإيجاد موطئ قدم جاد بإخلاص لله وحده لا شريك له لا يشوبه دخن. هذا يعزز الثقة بالنفس ويجعل الفرد مكتملًا بذاته، لا يبحث عن من يكمل نقصه في الآخر.
- فهم قيمة النفس: ويكون بإدراك أن قيمة الإنسان لا تتحدد بوجود شريك أو علاقة، بل هي قيمة متأصلة فيه كعبد وأمة لله تعالى. هذا الفهم يمنع الفرد من التشبث بعلاقات مؤذية خوفًا من الوحدة أو فقدان القيمة. فأنت مؤمنة وهذا الشرف الذي يجب أن يصان. والمؤمنة تسير لله أيا كانت الظروف وتعطي كل زوج تتزوجه حقه تماما بلا انهيار أو اضطراب، هي تسير إلى الله مستعينة بالله، تعتبر كل ما تمر به امتحانات صدق لا نشوة نصر أو نهاية الحياة!
- الاستقلالية العاطفية: ويكون بتحصين النفس بالعلم النافع والعمل الصالح والقرآن والأذكار والعلاقات الأسرية الجيدة والصداقات الآمنة، لاكتساب القدرة على الشعور بالسعادة والرضا دون الاعتماد الكلي على شخص واحد. فالشخص المستقل عاطفيًا لا يقع فريسة للابتزاز العاطفي أو التلاعب ولا يتعلق بشكل مرضي.
3. وضع الحدود الصحية: سدّ الذرائع
صناعة الحصانة تتطلب القدرة على وضع الحدود الصحية والحفاظ عليها وهذا معنى العناية القصوى بسد الذرائع والذي يكون بـ:
- تحديد الخطوط الحمراء: معرفة ما هو مقبول وما هو غير مقبول شرعا في التعاملات والعلاقات. هذه الخطوط يجب أن تكون واضحة وغير قابلة للتفاوض، فكشف سترك وإرسال صورك الشخصية لرجل أجنبي ليس من الأمور التي يجب التساهل معها.
- القدرة على الرفض: تعلم قول “لا” بثقة عندما تتعارض طلبات الآخرين مع قيمك، وأمانك، أو كرامتك. فمن يطلب منك محادثة في السر، كتابية، مرئية أو صوتية، تعلمي الرفض وسد الذرائع.
ولا بد لنا هنا من وقفة مع سد الذرائع
قال الله عز وجل: ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [ النور: 21]
إن سدّ الذرائع، سياج القلوب وحصنها من الانزلاق في العلاقات غير الشرعيةفي زمنٍ تهاوت فيه الحدود، وتزيّنت فيه المعاصي بأسماء ناعمة، فغدا القلب أكثر عرضة للانتهاك من أي وقت مضى. لم تعد العلاقات غير الشرعية تبدأ بخطيئة صريحة، بل بخطوات صغيرة متدرجة، تُسوَّق تحت مسميات بريئة:إعجاب، فضفضة، صداقة، دعم نفسي. ومن هنا تتجلى حكمة الشريعة الإسلامية في مبدأٍ عظيم طالما أسيء فهمه أو اختُزل في صورة التشدد، وهو سدّ الذرائع؛ ذلك السياج الوقائي الذي يحمي القلوب قبل أن تقع، ويصون الأرواح قبل أن تُستنزف.
وسدّ الذرائع هو منع الوسائل التي تؤدي إلى الحرام، وإن كانت في ظاهرها مباحة. فالشريعة لا تكتفي بتحريم الفاحشة، بل تحرّم الطريق المؤدي إليها، قال تعالى:﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾[ الإسراء: 32]
لم يقل “ولا تزنوا”، بل “ولا تقربوا”، في دلالة واضحة على أن الاقتراب ذاته خطر، وأن الانزلاق غالبًا يبدأ بخطوة لا يُلقى لها بال.
وهذا الوصف يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة النفس البشرية، التي لا تنتقل من الطهر إلى المعصية فجأة، بل تنحدر تدريجيًا عبر مداخل صغيرة يستهين بها القلب في بداياتها.
والقلوب هي موطن النية، ومركز الميل، ومنبع القرار. وإذا فُتح عليها باب التعلّق، ضعفت إرادتها، حتى وإن بقي الظاهر منضبطًا مؤقتًا. فالعلاقة غير الشرعية لا تُفسد الجسد فحسب، بل تُنهك القلب، وتستنزف العاطفة، وتشوّه معنى الحب، وتُربك ميزان الحلال والحرام.
وسدّ الذرائع هنا ليس مصادرةً للمشاعر، بل حماية لها من الاستهلاك الرخيص، وصونٌ لها حتى تُسكب في وعائها الصحيح الذي أراده الله: الزواج.
كثير من القصص المؤلمة بدأت بحديث بريء، أو شكوى عابرة، أو مشاركة ألم. ومع تكرار الحديث، تنشأ الألفة، ثم الاعتياد، ثم التعلّق، حتى يجد الطرفان نفسيهما في علاقة محرّمة لم يخططا لها يومًا.
سدّ الذرائع يقطع هذا المسار من أوله؛ فلا خلوة، ولا محادثات خاصة، ولا تعلق عاطفي خارج الإطار المشروع. ليس لأن الطرفين سيئان، بل لأن الإنسان ضعيف إذا طال به الطريق دون ضابط.
فلا تجرب الحرة نفسها ولا تستعرض قدراتها في الثبات في واقع مستنقع يهتك حياءها. ولا تقولي أنا قوية أو هذا لن يحدث معي، فكل من حدث معهن كن يتحدثن بنفس نبرة الاغترار هذه!
قال الله الخبير البصير بعباده ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [ النساء: 27- 28]
يقول السعدي: (وقوله ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) أي: توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم. (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ) أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم، ويعبدون أهواءهم، من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء يريدون ( أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ) أي: أن تنحرفوا عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين.يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى مَنْ الشقاوةُ كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا لأنفسكم أوْلى الداعيين، وتخيّروا أحسن الطريقتين.
( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) أي: بسهولة ما أمركم به وما نهاكم عنه، ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع أباح لكم ما تقتضيه حاجتكم، كالميتة والدم ونحوهما للمضطر، وكتزوج الأمة للحر بتلك الشروط السابقة. وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته”.
ثم من أعظم المغالطات المعاصرة تصوير سدّ الذرائع على أنه قسوة وتشدد أو تقييد للحرية. والحقيقة أنه رحمة وقائية، تشبه منع الدواء الضار عن المريض، أو إقامة الحواجز على الطرق الخطرة.فمن يقول لك، أنت تبالغين، إما أنه خبيث مقصد يريد أن يكسر حواجزك لينال منك، أو جاهل مغفل، لم يستنر بنور علم ولا حكمة ولا بصيرة.
ومن رحمة الله تعالى أن الشريعة لا تعاقب القلوب على مشاعرها، لكنها لا تسمح بتغذيتها في بيئة ملوثة. ولذلك شرعت غضّ البصر، والاحتشام، وضبط الكلام، وتنظيم العلاقة بين الجنسين، ليس لقتل الحب، بل لحمايته من التشوّه.
وسدّ الذرائع لا يستهدف المرأة وحدها، ولا الرجل وحده، بل يحمي الطرفين من:الاستنزاف العاطفي والوعود المؤجلة والتعلّق دون التزام والألم النفسي بعد الانقطاع. فكم من قلبٍ تعلّق ثم تُرك، وكم من مشاعر صادقة وُضعت في موضع خاطئ فكانت وبالًا على صاحبها.
ثم إن المجتمعات لا تنهار فقط بسقوط القيم الكبرى، بل بتآكل الضوابط الصغيرة التي تحمي القلوب. وسدّ الذرائع ليس خطاب منع، بل منهج بناء، يحفظ القلب حتى يطرق بابه الحلال، ويصون المشاعر حتى تُثمر طمأنينة لا ندمًا.
فمن أراد قلبًا سليمًا، فليُغلق الأبواب التي لا تُفتح إلا على وجع، وليثق أن ما منعه الله إلا ليحميه، وما شرعه إلا ليكرمه.
والقلب الذي صانه صاحبه عن الحرام، كافأه الله بحبٍّ لا يُؤلم، وأمانٍ لا يزول.
وفي خضم تقلبات الحياة والعواطف، يعد التمسك بهذه القيم بوصلة لا تخطئ. الالتزام بها يضمن لنا مسارًا آمنًا بعيدًا عن الخيبات.
روى البخاري، ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلاَءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ.“
والمقصود برجل دعته امرأة؛ أي دعته إلى الزنا، وإنما نال هذا الأجر العظيم لأن الصبر على ذلك دليل على كمال تقواه وخشيته.
قال القرطبي: “وقول المدعو في مثل هذا: إني أخاف الله، وامتناعه لذلك [امنتاعه لأجل مخافة الله]: دليل على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى، وهذا هو المقام اليوسفيّ”.
ومثل المرأة مثل الرجل في هذا المقام، فمن ترفض الحرام هي في مقام من يظله الله يوم لا ظل له.
قال الصنعاني رحمه الله في “سبل السلام”: “واعلم أنه لا مفهوم يعمل به في قوله: “ورجل تصدق” فإن المرأة كذلك؛ إلا في الإمامة” انتهى.
أي: أن المرأة مثل الرجل في جميع الخصال المذكورة في الحديث-ومنها العفة عن الفاحشة- إلا خصلة الإمامة، أي قوله: “إمام عادل” لأن المرأة لا يصح أن تكون إمامة.
والقلب الذي يتعلق بالله حق التعلق، يجد فيه السكينة والأمان الذي لا يمكن لأي علاقة بشرية أن توفره. شفاء العلاقة مع الله هو الحصانة الكبرى، فلتتقربي لله تعالى يا أمة الله، بكل موجبات محبته والصدق! وثقي بتدبيره لك سبحانه، وإياك والارتياب والشك. واعلمي أن ما يصيبنا هو خير لنا، حتى لو بدا مؤلمًا في البداية. قال تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [ الحديد: 22]
فإياك أن تعايشي محنتك أو تقبلي على تجربة في الحياة منفصلة عن وصال القرآن العظيم، إياك أن تحرمي نفسك هذا النور، هذا الشفاء هذا الدليل!
وإن كان من بقية كلمة في هذا الباب، فتزوجي لا تتأخري لكثرة المتطلبات والتصورات المثالية، وخذي بأسباب الزواج الشرعية، وإن تقدم من ترضين دينه وخلقه فعفي نفسك، ولا تتخلفي، عن ميادين السبق والرضوان.
وفي الختام،
إن صناعة الحصانة النفسية والروحية لتفادي العلاقات المؤلمة والخيبات رحلة واعية تتطلب جهدًا والتزامًا. إنها حصانة تبدأ بالوعي الاستباقي، وبناء الذات وتقديرها، ووضع الحدود الصحية بسد الذرائع، والاسترشاد بالقيم والمبادئ، والأهم من ذلك، شفاء العلاقة مع الله عز وجل. وبهذه الأسس المتينة، يمكن تجنب الوقوع في فخ الألم والندم، والعيش في رياض السعادة والطمأنينة الحقيقية التي لا تزول بزوال الأشخاص، بل تدوم بدوام الإيمان والوعي. هذه هي النجاة الحقيقية، وهذه هي الحصانة التي تستحق أن نسعى إليها.
عن أبي عبد الله النعـمان بن بشير رضي الله عـنهما قـال: سمعـت رسـول الله صلي الله عـليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحـرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعـلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فـقـد استبرأ لديـنه وعـرضه ومن وقع في الشبهات وقـع في الحرام كـالراعي يـرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجـسد مضغة إذا صلحـت صلح الجسد كله وإذا فـسـدت فـسـد الجسـد كـلـه ألا وهي الـقـلب.
هذا علاجك وهذه حصانتك، يا أمة الله. فرابطي على القرآن والسنة وتزودي!
وإن كان من بقية كلمة فهي للرجال، ممن لا يزالون يطرقون قلوب النساء في سياق العلم والدعوة والجهاد، أقول، هذا وقت التحلل من هذه المعصية، فإما التقدم وإنهاء هذا التفلت بعقد شرعي وخطبة رسمية، أو كفاكم استهانة بحدود الله تعالى. فإني والله رأيت من تلعن وتدعو كل وقتها على من خدعها في الله! فاحذروا الدعوات التي تخرج في لحظة شعور ظلم يحرق الفؤاد، فهي من أسباب حرمان التوفيق والخذلان. وليتذكر الرجال أن لهم أعراضا أيضا، من أمهات وأخوات وأقارب من النساء، كلما صان الرجال أعراض المسلمات كان هذا أرجى لصيانة أعراضهم لمن تبصر!
أما من لا تزال في علاقة غير شرعية فقد آن الأوان لتصحيح كل شيء بتوبة وزواج أو قطع، ومن تنوي الدخول في هكذا علاقة، استغفري الله وتوبي إليه، ومن خرجت ولا تزال تتألم، لا تهدري عمرك مرتين، مرة في علاقة فشلت ومرة في التفكير فيها، تستحقين أفضل من هذا فلا تظلمي نفسك! اطوي هذا الماضي وتقدمي متأدبة، فمن تُقبل على الله بصدق وإخلاص، تذهلها معية ربها وجبره. فتزودن يا إماء الله بسورة النور وسورة يوسف وسور القرآن العظيم وتحصّن من نار الدنيا وجهنم الآخرة.
كان هذا ما تيسر ولا أخفيكن، لا يزال في جعبتي الكثير مما لم يتسنى لي إخراجه،لحجم المشاهدة وكمية الاستشارات المؤلمة،لكن حسبي أنها صيحة نذير ونصيحة طبيب، أسأل الله أن تصلح وتنفع وتنقذ قلوبا تسقط. فيبدل الله سيئاتها حسنات ويرفع عنها الكرب، ويجبرها جبرا عزيزا ويرضى عنها ويرضها جل جلاله رضا لا سخط بعده.
وأترك ها هنا كلمات سطرتها أخت لنا في الله، تحسن قراءة المعاني وتدرك عمق التجارب أين تفضي! حيث قالت أختنا الفاضلة أسماء ذات النطاقين:
“حبيبةَ قلبي لن يكون سوطي هُنا الحلال والحرام ولَن أجلدك بسوط الأهل وثقتهم … وإنّي والله أفهم كُنه القلب الذّي تحملي وكُلّ صِراعاته ..إليكِ..
لا تقبلِي بأيّ كلمة ولا حرف خارِج إطار الزّواج مع أيّ ذكر كان منْ كان..على أيّ سجيّة وأيّ مواصفات؛ لو كان مُبشّراً بالجنّة !حبيبة قلبي؛ قلبك الذّي تحملي أعزّ ما تملكي.. واللهِ واللهِ واللهِ لَو كُسِر هذا القلب لن يكون أمر إصلاحه وجبره هيّناً ..صدّقيني الصناديق مليئة بالرّسائل الواردة ..مليئة بالآهات والآلام والأنين الذّي يصعُب التّشافِي منه! صدّقيني قلّة منْ يكون على قدر الوفاء قلة ونادرين منْ يصدُقوا ..كل شيء قدْ ينقلب بثانية بِثانية يتغيّر كل شيء الهائم بك صاحب الوعود قد يتركك كسيرة القلب ويمضي .. وأنتِ وحدك منْ سَتبقين حبيسة الآهات والعَبرات. أنا أكيدة أن هذا الحرف يُعنِي ولو واحدة من الذين يقرأوا ..أكيدة لدرجة تُستغرَب!
رُبما تقولي لا؛ الأمر مختلف؛ لن يحدث هكذا..
لكني لا أقول لكِ هذا الحرف من وحي الفلسفة بلْ من ألم التجارب ولوعتها وحُرقتها في قلبِ كُل من خُذِلت بعدما وثقتْ صدّقيني ثُلة منهم لا تصدُق البتة ولا تعرِف للحب الجميل معنى ولا لوفاء العهد طريق ولا سبيل ! بكل بساطة يُمكن أن تُتركي ويذهب لغيرك اعتقاداً منه بأنها الأفضل العفيفة الطاهرة أو بعدما يستيقظ من غفلته يجد أنك تستحقي أفضل منه. هذه السيناريوهات بين يديكِ …يندُر أن نشهد سيناريو بَطل مُخلِص!
منْ كان له النّصيب فيكِ سينالك والرُّجل إن أحبّ لا يستطيع البُعد ويخاف أن تضيع محبوبته وتصير لغيره ! سيحاول لآخر رمق خُذيها وضعيها في أوسط دماغك وأبقهِا حاضرة بين عيونك
الرجل حقّا الصّادق لا يتحجج بالظروف ولا يضع الأعذار أو “ربما عذره أنه لا يُريدك! وزهدك!” أعلم تماماً؛ تخبطات القلب الذّي تحملي، أعلم أن حال كثير من الفتيات مُؤلم يفوق الوصف ومنهُنّ لا يأبه لهُنّ أحد؛ أعلم واللهِ تمام العلم.. لكنّي أُعيد وأكرر لكلّ أنثى مُسلمة أياً كان حالها قوّتك وسرّ ثباتك وحياة روحك ” في قلبك“ لا تُودِي به نحو الهلاك. وأقول كما قال قائل ” يا كلّ بنت ؛ غلّي نفسك ويا كلّ ذكر ؛كُن رجلاً“ نسأل الله أن يُجنبنا تكاثر مشاقّ الدُّنيا على قلوبنا الضعيفة ويرزق كل مُسلم و مسلمة الهُدى و التُّقى والعفاف وكُلّ ما يحفظ عليه أمر دينه ودُنياه”.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسألك سبحانه أن تصرف عنا سبل الحرام، وأن تربط على قلوبنا بالحق، وتثبت أقدامنا على الصراط المستقيم. نسألك جل جلالك، سترًا جميلًا لا ينكشف، وعفوًا كريمًا لا ينقطع، ورحمةً واسعةً تمحو الزلل، وتجبر الكسر، وتقي من مواطن السقوط.
اللهم اجعل لنا من تقواك حصنًا، ومن طاعتك نورًا، ومن ذكرك أنسًا، وامنحنا حسن الخاتمة، ولا تجعل آخر عهدنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنا، ولا تقبض أرواحنا إلا على توحيدك، وأنت أرحم الراحمين.
ثم نختم بما أقسم الله به على خسران من غفل، ونجاة من وعى وعمل، فقال سبحانه وتعالى:﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.فهي ميزان النجاة، وخلاصة الطريق، ودعوة مفتوحة للثبات حتى الممات. والله المستعان، وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم صلّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.