لا يتخلّف عنه مؤمن ولا مؤمنة في سلم أو في حرب
الحمد لله الذي بلّغنا رمضان، وفتح لنا فيه أبواب رحمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل في الأيام مواسم، وفي المواسم نفحات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان إذا دخلت العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، صلوات ربي وسلامه عليه.
أما بعد،
فإن العاقل إذا اقترب من محطة عظيمة في طريقه، ازداد انتباهًا، وشدّ رحاله، وراجع عدّته. والعشر الأواخر من رمضان ليست أيامًا عادية تُضاف إلى بقية الشهر، بل هي ذروة الموسم، وخلاصة السباق، وميدان التتويج الأرجى لمن أحسن المسير.
لا ريب أن كل واحد منا أعرف بحاله، وأدرى بنفسه من جهة الاستعداد والتأهب. لقد مضت أيام من رمضان، وخلّفت في القلب آثارًا، فمن الناس من وجد في نفسه إقبالًا، وخفة في الطاعة، وشوقًا إلى القيام والقرآن، فهنيئًا له هذه النعمة، وليعلم أنها علامة خير، فليزدد شكرًا ومثابرة.
ومنهم من شعر بفتور، أو غفلة، أو تراجع بعد بدايات طيبة، لكنه ما زال يتمنى أن يستدرك، ويرغب أن ينهض، فهذه – والله – بشارة، لأن حياة القلب تظهر في هذا القلق، وفي هذا الحرص على اللحاق.
ونحن اليوم على مشارف العشر الأواخر، علينا أن ندرك أنها ليست مجرد أيام نختم بها الشهر، بل هي فرصة لإعادة ترتيب القلب، وتصحيح المسار، ومصالحة النفس مع ربها. خاصة وأن فيها ليلة هي خير من ألف شهر، العبادة فيها، بعبادة عقود من السنوات والله يضاعف لمن يشاء، ولذلك كان النبي ﷺ يغيّر برنامجه في هذه العشر، فيعلن حالة الطوارئ الإيمانية، ويتغير جدول أولوياته تماما، وساعات نومه ومشاغله تباعًا ﷺ.
فكيف يكون الحال حين تطرق هذه العشر أبوابنا، ونحن نعيش في عالمٍ يضجّ بالحروب والفتن، ويكتنف المسلمين فيه شعورُ الغربة في دينهم، والاستضعاف والقهر؟ في زمنٍ يموت فيه المؤمن كمَدًا لما يرى من جرأة الفاجر، وعجز الصالح، وهوان الدين في النفوس، وضياع أمانة الرسالة، وانتشار المنكر، وقلّة المصلحين.
كيف يكون شأننا في عالمٍ كثر فيه الهرج والقتل، وتتابعت فيه أشراط الساعة، وتسارعت عجلة الأيام تسارعًا مدهشًا، حتى كأننا نُساق إلى آجالنا سوقًا، لا نكاد نحسن إحصاء الساعات ولا عدّ الأيام من شدّة سرعتها؟
إنها خواتيم الشهر العظيمة التي تستدعي يقظةً لا غفلة بعدها، وثباتًا لا تردد فيه، وصدقًا مع الله يعيد للقلب بوصلته، وللحياة معناها.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرق قلوبنا:
كيف نستقبل هذه المحطة؟
كيف نتهيأ لها ونحن نعلم أنها قد تكون آخر عشر نعيشها؟
كيف نجعلها فاصلة بين حالٍ مضى وحالٍ يُرجى أن يكون أقرب إلى الله وأصدق معه؟
إنها أيام تحتاج إلى استعدادٍ واعٍ؛ إلى نيةٍ مجددة؛ إلى خطةٍ واضحة، إلى واقعية وصدق إقبال، لا أمنيات مستعظمة أو معلّقة.
فلنجلس اليوم مع أنفسنا جلسة صدق، نُقيِّم ما مضى، ونشحذ العزائم لما بقي، لعل الله أن يكتب لنا في هذه العشر عتقًا من النار، وقبولًا للعمل نرجوه، واستدراكًا لكل ما فات من غفلة وتقصير وتفريط، وبدايةً جديدةً لا تنتهي بانتهاء رمضان، بل تمتد أثرًا في العمر كله.
لماذا أستعدّ للعشر الأواخر من رمضان؟
لأنني لا أتعامل مع أيام عادية، بل مع ذروة الموسم، وخلاصة الشهر، وأعظم محطة في عامي كله. لأنني أعلم أن العمر يمضي، وأن الفرص لا تتكرر كثيرًا، وأن من فاته خير هذه العشر فقد فاته خيرٌ عظيم.
أستعدّ لها لأن فيها أعظم ليلة عرفتها الدنيا: ليلة القدر، التي أقسم الله بفضلها، وقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
ليلة واحدة تعدل في ميزان الله أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة من العبادة المتواصلة! أي تجارة هذه التي يعرضها الله عليك؟ وأي حرمان أعظم من أن تمر بك ولا تُكتَب لك؟
وقد حذّر النبي ﷺ فقال: «من حُرمها فقد حُرم الخير كله».
فهل أرضى لنفسي أن أكون من المحرومين؟
أستعدّ لها لأن فيها نزل القرآن العظيم، الكتاب الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
فكيف لا أُحيي الليالي التي اختارها الله لتنـزّل كلامه؟ كيف لا أُجدد العهد مع القرآن العظيم في الأيام التي شهدت إشراق نوره في الأرض؟
أستعدّ لها لأنها ليالٍ مباركة، تتنزل فيها الرحمات، وتُكتب فيها المقادير، وتغشاها السكينة.
و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾.
فالملائكة تملأ الأرض، تؤمّن على الدعاء، وتحفّ الذاكرين، وتكتب القائمين. فأي خسارة أن أنشغل عنها بسفاسف الأمور؟ وأي غبن أن تضجّ السماء بالملائكة وقلبي غافل؟
أستعدّ لها لأنها ليلة سلام ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
سلام من العقوبة، سلام من الشيطان، سلام يفيض على القلوب الطائعة. كأنها رسالة ربانية تقول: تعالوا إليّ، هذا باب الأمان مفتوح.
أستعدّ لها طمعًا في المغفرة. قال ﷺ: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه”.
فأي قلب مثقل لا يشتاق لهذه اللحظة؟ أي عبد لا يتمنى أن يبدأ صفحة جديدة بلا ذنوب، بلا أوزار، بلا ماضٍ يؤرقه ويُثقل كاهله وخطواته؟
أستعدّ لها لأن الله يعتق في رمضان رقابًا من النار كل ليلة، فكيف بالعشر الأواخر؟!
ربما يُكتب اسمي في ديوان العتقاء، ربما تُغلق صحيفتي على خير، ربما تكون هذه آخر عشر أعيشها، ربما أخرج منها بلا أي ذنب ولا خطيئة، كيوم ولدتني أمي!
أستعدّ لها لأن الخواتيم هي الميزان. “إنما الأعمال بالخواتيم”. فليس المهم كيف بدأنا بقصورنا، بأخطائنا، بذنوبنا، بحرماننا لأنفسنا الخير، بل كيف ننهي الشهر وموسم الفتح والفضل والخير. قد يكون في أول الشهر فتور، أو تقصير، أو غفلة، قد يكون هناك ما يشغلنا ما يلهينا وما يحرمنا، لكن العبرة بالخاتمة.
والعشر الأواخر فرصة ذهبية لتدارك ما فات، وجبر ما انكسر، وتصحيح ما اعوجّ.
ومن أصلح خواتيمه، أصلح بها أداء عمره كله.
فيا من أدركتِ العشر، لا تدخليها وأنتِ كما كنت. بل جدّدي نيتك، شدّي عزمك، أطفئي ضجيج الدنيا، وأعلني في قلبك حالة الطوارئ الإيمانية.
لعل سجدة صادقة ترفعك، ودمعة خفية تغسلك، ودعوة في جوف الليل تغيّر قدرك كله. لعل بثّ الله تعالى حزنك وشكواك، وضعفك وانكسارك، يرفعك مقاما هو الأرجى عند الله عز وجل.
هذه العشر فرصة العمر! من فاته خيرها، فمتى يدرك الخير وهل يضمن عمره؟ ومن لم يربح في سوقها، ففي أي سوقٍ سيربح، وهل ينفعه الندم؟
لتغتسل فيها الروح وليسجد القلب ويقترب، لعله ينال من نفحات الخواتيم ومراتب الرضوان والقبول المرتجى.
متى أستعدّ للعشر الأواخر من رمضان؟
السؤال في ظاهره مؤجَّل، لكن جوابه عاجل:
استعدّ لها من الآن. من هذه اللحظة. قبل أن تدهمك الليالي وتفجأك الخواتيم.
العشر الأواخر موسم الحسم، ومضمار الاستدراك الأقوى، ومحطة القرب التي تُبذل لها الأنفاس والدقائق. فمن أراد الفوز، فلا ينتظر حتى تُغلق الأبواب، بل يتهيأ مبكرًا، ويضع لنفسه خطة واضحة، معقولة، متقنة.
لا تُثقلي نفسك بما لا تطيق، ولا تفتحي على قلبك أبواب الحماس المنقطع؛ فـقليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع. اجعلي لك وردًا ثابتًا، وقيامًا صادقًا، ودعاءً حاضر القلب، واصدقي مع الله يصدقك.
واعتمدي في استعدادك على الهدي النبوي؛ فقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدَّ واجتهد ما لا يجتهد في غيرها. لأن في هذه الليالي سرًّا عظيمًا، فيها ليلة القدر، الليلة التي هي خيرٌ من ألف شهر. وليس من المعقول بل من الفجيعة، أن نقضي هذه الليالي كما اعتدنا أن نقضي باقي الليالي في حياتنا، بل يجب أن تكون مختلفة جدًا، بذلا واجتهادًا وانكسارًا وصدقًا مع الله عز وجل.
بالنسبة لك، وليس بالنسبة لغيرك. ركزي جيدًا على حالة التغيير في نفسك أنتِ ولا تنشغلي بمراقبة الناس في هذا السباق، فهو أرجى أثرًا وأنفع لك إخلاصًا وبذلًا..! لتذوقي لذة القرب وجماله!
فإن أكثر ما يحرمك لذة هذا القرب وجماله، الانشغال بمراقبة الناس أو جلد الذات، أو الإحباط واليأس والتسويف، فاقطعي طريق قطاع الطريق، تسلم لك الطريق!
واعلمي أن لكل عبد وأمة لله تعالى، فتوحاته الخاصة، وفضله المتفرد! فالله جل جلاله عظيم الفضل واسع الرحمة، يؤتي فضله من يشاء من عباده، فلا داعي لأن تنشغلي عن أسباب القبول، بالآخرين، فتحرمين فرصك في الارتقاء، لا تكثري من لوم نفسك ولا من احتقار بذْلك وإن كانت بضاعتك مزجاة، فكل بضاعة العبيد مزجاة، ولكننا نطمع في رحمة ربنا ومغفرته ولطفه وهو أكرم الأكرمين جل جلاله، فأنت تقفين أمام الله العزيز الحكيم، ذي الجلال والإكرام، الذي لا يعجزه شيء، وهذه فرصتك، فقدمي لنفسك، بكل استطاعتك واخرجي من سجن المقارنات والحسد الخفي! فإن لحظة قبول واحدة لهي بالدنيا وبكل ما فيها. ولحظة تعايشين فيها محبة الله جل جلاله، لا يصف مبلغ وقعها، إلا الفداء بالنفس والنفيس، مرارًا وتكرارًا حتى يرضى ربنا عز وجل.
قال الله جل جلاله (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)
ومن الحكمة، تحرِّي ليلة القدر في هذه العشر، وهو يبدأ من ليلة الحادي والعشرين، ويمتدّ إلى آخر ليلة من رمضان. فإن أردت حقًا أن تُدركيها، فاجتهدي في العشر كلِّها، وكأن كل ليلة منها هي ليلة القدر. لا تقولي: لعلها ليلة كذا، فتفترين في غيرها؛ بل عاملي كل ليلة على أنها الفرصة التي قد لا تتكرر. وكم نحن بحاجة للتطهير والتقرب من رب العالمين، فكيف حين يكون في أعظم ليالي السنة! لا تزهدي في حصد أكبر قدر من الحسنات، فما عند الله خير وأبقى. ونحن فقراء جدًا، مقصرون منذبون بأمس الحاجة لعفور بنا ورضوانه تعالى.
نعم، أخبر النبي ﷺ أن تحرِّيها في السبع الأواخر أقرب، وفي أوتار العشر أرجى. وجاء في كثير من الآثار أن ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، حتى إن بعض الصحابة كانوا يحلفون على ذلك. لكن ذلك في الغالب، لا على سبيل الجزم الدائم؛ فقد ثبت أنها كانت ليلة إحدى وعشرين في عام، وليلة ثلاث وعشرين في عام آخر.
وهنا تظهر الحكمة العظيمة: أن يظل القلب معلقًا، والعبد مجتهدًا، لا يتكئ على ليلة بعينها، بل يظل ساهر الروح، حاضر القلب، طامعًا في فضل ربه.
ولا حرج في تحري أماراتها، فإن في ذلك دليل مسابقة على أن لا تفتر الهمة في حال استشعر القلب أن ليلة القدر كانت في ليلة من الليالي، ذلك أن الشكر والحمد يكون بالقول والعمل، ودلالته المداومة على العبادة والصالحات. فكيف تفتر نفس بعد أن منّ الله عليها باستشعار الليلة العظيمة! ثم لأن الجزم بكونها الليلة يصعب ويستعصي، والمؤمن وجل، يرجو رحمة الله تعالى في كل حين وحال.
ومما يجدر التنبيه إليه أن تحري أمارات ليلة القدر، ليس لكل الناس، فقد يستشعرها البعض ولا يستشعرها الآخرون، قد يختلف الناس في ذلك خاصة وأن الناس يختلفون في بداية الشهر ورؤية الهلال، ولذلك على المؤمن أن يتأهب في كل الليالي، فهي فرصة العمر، فكيف تضيع منه لتسويف أو اتكالية أو خطأ حساب! بل البدار البدار، وليكن بدار المدرك لمعنى الزمان وحقيقة الواقع!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا” صحيح مسلم.
فالزمن زمن فتن تتوالى، كقطع الليل المظلم، والسبيل للثبات فيها، هو إخلاص الدين لله عز وجل، والمبادرة بلا كلل ولا ملل بالأعمال الصالحة، واللبيب من كان له سهم في كل عمل صالح قدر المستطاع، في هذه الليالي العشر، فالله الله في المبادرة والمسابقة، تجبر قلبك أيها المؤمن، وتجبر قلوبا من حولك! ولتكن أول الأعمال: توبة لله صادقة..!
فيا من أدركت رمضان، ويا من بلغت العشر، لا تؤجّل التوبة، ولا تؤخّر النية، ولا تقل: ما زال في الوقت متسع. فالعشر الأواخر تُكتب فيها الخواتيم، وتُرفع فيها الدرجات، وتُعتق فيها الرقاب. استعدّ لها بقلبٍ منكسر، ونيةٍ صادقة، وعزمٍ لا يتراجع. فلعلّها تكون الليالي التي يتغيّر بها عمرك كله، وتُكتب لك بها حياةٌ جديدة.
لماذا أخفى الله تعالى ليلة القدر؟
أخفى الله تعالى هذه الليلة لحِكَمٍ بالغة، وأسرارٍ عظيمة، تربي القلوب وتوقظ الأرواح:
أولها:
أنه سبحانه أخفاها كما أخفى أشياء كثيرة في حياتنا؛ أخفى رضاه في الطاعات حتى نقبل عليها كلِّها، وأخفى غضبه في المعاصي حتى نجتنبها كلَّها، وأخفى وليَّه بين الناس حتى نُحسن الظن بالجميع، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء لنُكثر من الدعاء في كل حين، وأخفى الاسم الأعظم بين أسمائه ليُعظَّم كل اسم، وأخفى الصلاة الوسطى بين الصلوات لنحافظ عليها جميعًا، وأخفى قبول التوبة ليداوم العبد على التوبة أبدًا،
وأخفى وقت الموت ليبقى القلب على وجلٍ واستعداد. فكذلك أخفى ليلة القدر ليُعظِّم المؤمن كل ليالي رمضان، فلا يفرّط في واحدة منها.
وثانيها: كأن الله تعالى يقول لعباده: لو عيّنتُ لكم ليلة القدر، وأنا أعلم ضعفكم وتجرؤ بعضكم على المعصية، لربما غلبتك الشهوة فيها، فوقعت في الذنب وأنت تعلم قدرها، فكان جرْمُك أعظم، لأن المعصية مع العلم أشد من المعصية مع الجهل.
فإخفاؤها رحمةٌ بك، وصيانةٌ لقلبك، وستْرٌ عليك. كأن المعنى: إن علمتها فأطعت، نلت ثواب ألف شهر، وإن علمتها فعصيت، حملت وِزرًا عظيمًا؛ ودفع العقوبة أولى من طلب الثواب.
وثالثها: أنه أخفاها ليجتهد العبد في طلبها، فينال أجر السعي كما ينال أجر الإصابة.
فالطريق إلى ليلة القدر عبادةٌ بحدّ ذاته، والبحث عنها يورث القلب حضورًا، والروح صفاءً، والعزم قوةً. وفي ذلك تربية مهيبة على الاستقامة وتعظيم الله عز وجل.
ورابعها: أن العبد إذا لم يتيقنها، اجتهد في الطاعة في كل الليالي، راجيًا أن تكون إحداها هي ليلة القدر، فيقوم، ويدعو، ويبكي، ويتضرع. فيباهي الله به ملائكته، كأن المعنى يتجلى: أنظروا إلى عبدي.. هذا اجتهاده في ليلةٍ يظنها، فكيف لو كانت معلومةً له؟
ومن هذا كله وأكثر، يظهر سر قوله تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون).
فيا مؤمن.. ويا مؤمنة، ليلة القدر لم تُخفَ لتحرِمك، بل أُخفيت لتُحييك وتحيي همّتك،
ولم تُستَر لتُبعدك، بل لتقربك من كل ليلة، ولتجعلك في عبادةٍ دائمة، وشوقٍ مستمر، وترقبٍ لا ينطفئ.
ولهذا ينبغي لكل مسلم ومسلمة الاجتهاد في جميع أيام وليالي العشر، طلبًا لهذه الليلة المباركة، اقتداءً بنبينا ﷺ، الذي كان إذا دخلت العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدّ واجتهد.
ويبقى السؤال الأهم.
كيف أستعدّ للعشر الأواخر من رمضان؟
الاستعداد الحقيقي المثمر لا يقوم على حماسة مؤقتة، بل يقوم على أركانٍ راسخة، إن اجتمعت في قلب عبدٍ صدق مع الله عز وجل، حملته إلى مواسم الخير حملاً، ورفعته إلى مقامات القبول رفعًا.
الركن الأول: رغبة كالجبل
أن تمتلكي إرادة صادقة، قوية، لا يزعزعها الفتور، ولا تصرفها الشواغل. رغبة تنبع من أعماقك أنك لا تريدين أن تخرجي من العشر كما دخلت، ولا أن يطوى رمضان وصحيفتك كما كانت. رغبة ترى فيها ليلة القدر كنز العمر، وفرصة قد لا تتكرر، فتشتعل في قلبك عزيمة لا تعرف التردد.
الركن الثاني: تخطيط وعمل
فالمحبة وحدها لا تكفي، والنيات بلا خطوات تبقى أحلامًا وأمانيّ. حدّدي هدفك: ماذا تريدين من هذه العشر؟ مغفرة كاملة؟ عتقًا من النار؟ بداية جديدة؟ استجابة دعاء؟!
ثم ضعي خطة واقعية واضحة: أوقات قيامك، ووردك من القرآن ومن الذكر، وساعات خلواتك، وأعمال برّك وصدقاتك، وضبط لسانك وجوارحك، وقائمة أدعيتك!
ثم الأهم: نفّذي! وحققي كل ما قررتي من عبادات وقربات واجتهادات، عملا في صفحات مسابقتك.
فالدين عمل، والبركة والمعية، تنزل بالتحرّك والسعى المخلص!
الركن الثالث: صبر ورجاء
ستواجهك عقبات مثل: تعب الجسد، وسوسة النفس، توجس وخيفة أو ملل وانجذاب للمغريات، أشغال البيت والارتباطات والعمل. هنا يظهر الصدق. وجدوى الصبر على نفسك، ذكريها بجائزة العمر. وتحلَّي بأملٍ مشرق، فإن الكريم لا يخيّب من أقبل عليه، ولا يرد من وقف ببابه. فكيف وهي مجرد أيام تعد على أصابع اليد؟ هل يعقل تضيع منك! وأنت أحوج ما يكون للقرب من الله ورجاء رحمته ورضوانه؟ في زمن يزدحم بالفتن، كل ما تسعين له الآن، هو ذخائر ثباتك غدًا! فإياك والكسل!
ومن هنا، فإن الاستعداد للعشر الأواخر ينقسم إلى قسمين:
أولًا: الاستعداد الواجب
وهو الأساس الذي لا قيام لبناء بدونه. ويتضمن:
- أداء الفرائض بإتقان
بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، وصيام رمضان كما أمر الله، وإخراج الزكاة وزكاة الفطر. بحضور قلب واستشعار مقام العبودية الخالصة لله عز وجل. فلا معنى لاجتهادٍ في نوافل مع تضييع فرائض، ولا يُطلب القرب مع التفريط في الأساس وما أمر الله تعالى به. - ترك المحرمات ظاهرًا وباطنًا
كيف نترك الطعام والشراب لله، ثم لا نترك الغيبة والنظر الحرام والكذب والظلم؟ قال النبي ﷺ: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”. ورب صائمٍ ما له من صيامه إلا الجوع، ورب قائمٍ ما له من قيامه إلا السهر. والصيام جُنّة.. فاحفظي لسانك، واضبطي أعصابك، وأكثري الاستغفار، وقولي إذا أُوذيت: إني صائم. فالواجب قبل الزيادة: ترسيخ قواعدك والعناية بسلامتها.
ثانيًا: الاستعداد المستحب
وهو زاد السائرين، وميدان المتنافسين، وهدي النبي ﷺ في هذه الليالي العظيمة.
- الاجتهاد في جميع العشر ليلًا ونهارًا
كان النبي ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها، فإذا دخلت شدّ مئزره، وجدّ واجتهد.
ليس المقصود ليلة واحدة، بل موسم كامل.
لياليها ونهاراتها ميادين سباق، ومن أراد ليلة القدر فليعامل العشر كلها على أنها ليلة القدر. - إحياء الليل بالقيام
قيام رمضان مغفرة، وقيام ليلة القدر مغفرة أضعافا مضاعفة. وإن صلى المصلون مع الإمام حتى ينصرف، كُتب لهم قيام ليلة كاملة. وفي محاريب البيت، فرص ارتقاء جليلة، فلا تحرمي نفسك الأجر الكامل لأجل استعجال أو كسل. - الإكثار من القرآن
كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن كل ليلة من رمضان. والسلف كانوا يضاعفون ختماتهم في هذا الشهر، اغتنامًا لفضل الزمان. فالقرآن في العشر ليس تلاوة فحسب، بل تدبر، وبكاء، ومناجاة وحياة قلب! - الاعتكاف ولو بالقليل
حقيقة الاعتكاف: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بالخالق. ولو ساعة بنية صادقة، فإن النية تحوّل المكث عبادة، والخلوة قربة. فاعتزلي في ركن في زاوية، في جوف ليل مظلم، وتقربي لله تعالى بأرجى ما في قلبك! - الجود بكل أنواعه
كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان. والجود ليس مالًا فقط، بل خلق حسن، وكلمة طيبة، وقضاء حاجة، وإفطار صائم، ومواساة مهموم. فالخير في هذه الأيام يتضاعف، والصدقة فيها حياة للقلب قبل أن تكون عطاء لليد. - كثرة الدعاء والاستغفار
والصائم له دعوة لا تُرد، فاسأل أيها المسلم أيتها المسلمة، لدينك ودنياك وآخرتك، واذكر والديك وأهلك وإخوانك وأهل الثغور والأسرى والمستضعفين وموتى المسلمين، فرب دعوة في جوف الليل تغيّر قدرك كله وتجبر ضعف مسلم ومسلمة.
وإن دعاء ليلة القدر مقبولٌ مسموعٌ مستجابٌ، فعلى العبد أن يكثر من الدعاء والتضرع وسؤال خير الدنيا والآخرة، وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه أحمد وغيره. - إيقاظ الأهل ومشاركتهم
كان ﷺ يوقظ أهله في العشر. فصلاح البيوت أساس صلاح المجتمعات، وبركة الجماعة أعظم من بركة الفرد. ورب دعوة للخير تنقذ نفسًا من الانفلات والانحراف وخسارة الفضل والأجر.
وما فتح الله على العبد فيه بالعبادات فليكثر، سواء كان من الذكر أو القرآن أو القيام أو الاستغفار أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو الصدقات أو أي نوع من أنواع البر والدعاء والعمل الصالح يهدي الله له القلوب، ليبادر ما دام الباب قد فتح فذاك فتح يُرتجى.
وقد لخّص الإمام ابن رجب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر، تلخيصًا بديعًا حين قال: “وقد كان النبي ﷺ يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها، والله أعلم “.
فالسعيد – والله – من استعد لهذه العشر استعداد مودّع، ومن أحياها بقلبٍ حاضر، ومن اغتنم أثمن لحظات العمر، موحدًا مخلصًا في مقامات العبودية الجليلة، ففاز بجائزة ليلة القدر، وربح صفقة المغفرة والعتق.
السعيد من لم يلتفت للخلف ولا لمن حوله، وجعل خشوعه ورجاء رحمة ربه، أولى أولوياته. وردد ما ردد موسى عليه السلام من قبل، “لا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ”، ” وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى”.
الزبدة!
وزبدة إحياء ليالي العشر الأواخر من رمضان أن يجعلها المسلم محطة اجتهادٍ قصوى في صلته بربه، فليستحضر بداية أنه موعد مع الله جل جلاله! موعد لقاء مع رب السماوات والأرض!! فكيف يستعد لهذا اللقاء، كيف يلقى ربه؟!
ولذلك يجب بداية أن يفرغ قلبه من حظوظه، وينقيه ويعده سليمًا مخلصا لله وسليمًا على المسلمين، ليجدد نواياه ومقاصده ويستحضر أنه عبد لله الواحد الأحد.
ثم ليحافظ على الفرائض ويعمرها بالسنن، ويطيل القيام في التراويح والتهجد، ويكثر من الدعاء في أوقاته الشريفة، ويتزوّد من القرآن تلاوةً وتدبرًا وعملاً، ويُحيي قلبه بالذكر، ويتحرّى ليلة القدر طمعًا في عفو الله ومغفرته.
ولا يقتصر إحياؤها على العبادة الفردية، بل يمتد إلى الصدقة، وتفطير الصائمين، وصلة الأرحام، وخدمة الناس، وبذل الخير للمحتاجين والعفو وما أدراك ما العفو قال عز وجل (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:134]؛
يرافق كل ذلك، الحرص على العبادات القلبية والاحتساب الأرجى، وانعكاس ذلك في حياته أثرًا ومعنى، فالدين عبادةٌ وخُلُقٌ وعطاء. ومع كل ذلك يستحضر العبد أن الفضل كلَّه من الله جل جلاله، وأن العمل سببٌ لرحمته لا ثمنٌ لجنته، فيجتهد بقلبٍ خاشع، ونفسٍ منكسرة، ورجاءٍ عظيم في عفو الكريم.
فاستدركوا في آخر شهركم ما فاتكم من أوله، وأحسنوا خاتمته فإنما الأعمال بالخواتيم، ومن أحسن فيما بقي غفر له ما قد مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. وأروا الله من أنفسكم الجدّ في تحري الخير في هذا الثلث الأخير، واغتنموا ما فيه من الخير الوفير، وتعرضوا لنفحات الغفور الحليم، الرحيم القدير.. فإن المغبون حقًا من صرف عن طاعة الرب، والمحروم من حرم العفو، والمأسوف عليه من فاتته نفحات الشهر، ومن خاب رجاؤه في ليلة القدر.
أقبلي أيتها النفس على العشر الأواخر، مستحضرة أن الله تعالى ينظر إليك! فكوني حيث أمرك الله، كوني حيث يُستجلب رضاه وعفوه ومغفرته وعتقه من النار، وابتعدي عما فيه سخطه وطردك من أبواب رحمته! كوني المخلصة لله، المسابقة لمرضاته، المجاهدة في سبيله، المرابطة لنيل فضله، الموقنة برضا كامل، أن أقداره هي الأحب لقلبك والأفضل في حياتك. سلمي أمرك لله، مطمئنة، فلك ربّ لا يُذلّ من أعزّه ولا يستوحش من آنسه، ولا يفقر من أغناه، ولا يُهزم من أيّده، هو مولاك، جعلك الله دوما من أوليائه!
عن مجاهد عن أبي هريرة: أنه كان في الرباط، ففزعوا إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناس، وأبو هريرة واقف، فمرَّ به إنسان، فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود». صحيح الجامع.
وأمام معاني هذا الحديث نستحضر عبادة عظيمة، هي سنام الإسلام وعزة المسلمين، فكيف حين تكون في خواتيم الشهر الفضيل وتوافق ليلة القدر! إنها عبادة الرباط والجهاد والمراغمة في سبيل الله عز وجل، التي يجب على المسلمين في زماننا خاصة، استحضارها وسؤال الله تعالى من فضلها، استعمالًا وقبولًا.
فلا تفوتن مسلم ولا مسلمة، في سلم أو في حرب، رجاء هذا الفضل. حدثوا أنفسكم بنصرة دين الله تعالى وإعلاء كلمته وحب الشهادة في سبيله، بصدق وإخلاص لا يشوبه ظلم ولا ارتياب!
وإنه لمقام رجاء عظيم، لهدي الحديث: “مَنْ سألَ اللَّهَ الشَّهادةَ صادقًا بلَّغَه اللَّهُ منازلَ الشُّهداءِ وإن ماتَ علَى فراشِه” (رواه مسلم)
فأنت تتعامل مع الله جل جلاله! وما أعظم عطاء الله وكرمه وإحسانه عز وجل.
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : يقول الله تعالى:”أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة” رواه البخاري ومسلم .
ليكن نور هذا الحديث المهيب، دليلك في العشر الأواخر، واستعيني بالله ولا تعجزي..! فإن شعرت بارتباك، بخلل في برانامج، بتشتت، بضياع، ففري إلى أول عبادة أمامك، ذكر أو تلاوة أو صلاة أو صدقة أو دعاء، بقلب يتخشع، ولا تكثري التفكير، فكلها ميادين خير!
اللهم بلغنا برحمتك رضاك، ليلة القدر، واجعلنا فيها من عتقائك من النار. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك كما تحب وترضى.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المقبولين، ويكتب لنا مع ختام الشهر القبول والعفو والرضوان. ويتم علينا فضله بفرج يجبر كسر هذه الأمة، واستعمال يغبطنا عليه الأولون والآخرون، وتمكين لدينه، يطهر ما مضى من تداعيات الوهن والقعود، وفتوحات مهيبة، تنبعث لها القلوب مؤمنة، اللهم انصرنا على الكافرين واختم لنا بشهادة الصادقين واجمعنا بأحبتنا من السابقين الأولين!
وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، اللهم آمين.