الخسائر الصامتة للمنظومة التعليمية الحديثة

مؤسسات تبني الشهادات الدراسية وتهدم الروح البشرية.


حين نتحدث عن التعليم، تنصرف الأذهان غالبًا إلى ما نراه ونقيسه: جودة المناهج الدراسية، مستوى التحصيل، قوة التخصص والشهادة، فرص العمل، مكانة الجامعة، ونسبة الخريجين إلى الوظائف.

لكن ثمّة سؤالًا آخر قلّما يُطرح: ماذا يحدث للإنسان نفسه وهو يعبر هذه السنوات؟
ماذا خسر في قلبه ودينه وحيائه وفطرته وعلاقاته؟

وكم من إنسان خرج من المؤسسة التعليمية بشهادةٍ عالية، لكنه خرج كذلك بجراحٍ لا تظهر في ملفه الأكاديمي، وذنوبٍ لا تُكتب في سجله الجامعي، وذكرياتٍ يتمنى لو استطاع محوها من عمره؟

هذه خسائر التعليم التي لا تدخل في الإحصاءات، لكننا نرصدها في الاستشارات حتى على بعد سنوات من التخرج!

إن من أخطر ما في المنظومة التعليمية التي شاعت في كثير من مجتمعات المسلمين أنها لم تُبنَ ـ في كثير من صورها ـ على تصورٍ إسلامي متكامل للإنسان، ولا على الضوابط الشرعية التي تحكم العلاقة بين الرجال والنساء، وتحفظ القلوب والأعراض، وتصون الفطرة، وتسد أبواب الفتنة قبل أن تستحكم.

فصار الطالب والطالبات يقضون سنوات طويلة في بيئاتٍ مختلطة، في مراحل عمرية يغلب فيها ضعف التجربة وشدة التأثر، وتكثر فيها دواعي التعلق والانجذاب، ثم يُطلب منهم أن يخرجوا من هذه البيئة كما دخلوها: بلا أثر، ولا فتنة، ولا خسارة.

وهذا تصور لا ينسجم مع طبيعة الإنسان التي جاءت الشريعة بحمايتها.

فالإنسان ليس عقلًا يتلقى المعلومات فحسب؛ إنه قلبٌ تتعلق به الأشياء، وعينٌ تنظر، ونفسٌ تتأثر، وشهوةٌ تضعف وتقوى، وفطرةٌ يمكن أن تُصان ويمكن أن تُستنزف.

ولهذا لم تأت الشريعة بمجرد النهي عن الحرام بعد وقوعه، بل جاءت بمنظومةٍ واسعة من الوقاية: غض البصر، ومنع الاختلاط، وفرض الستر والحجاب، وتحريم الخلوة، وضبط الكلام، وإبعاد أسباب الفتنة، والترهيب بحد الزنا، والتحذير من مقدماته، وصيانة العلاقة بين الجنسين عن أن تتحول إلى مجالٍ مفتوح للتعلق والانجراف والفساد.

وكل ذلك لصيانة القلوب والأرواح مما يهدمها ويستنزفها. فتستقبل مهماتها ووظائفها في الحياة بقوة وصفاء واستعداد هو الأوفى للحقوق والواجبات.

وحين تُغيب هذه الضوابط عن البيئة التعليمية، ثم نتصور أن الأمر لن يتجاوز حدود “التعليم” وأن الأهم هو تحصيل الشهادة، فإننا نتجاهل جانبًا أساسيًا من طبيعة البشر.

كم من فتاة دخلت الجامعة بقلبٍ سليم، ثم خرجت منها بعلاقةٍ لم تكن تتصور يومًا أنها ستدخلها! وكم من شاب بدأ حياته الدراسية ملتزمًا محافظًا، ثم جرّه الاختلاط المتكرر والنظر والمخالطة والمحادثات إلى أبوابٍ من الفتنة، حتى أصبح ما كان يستنكره بالأمس أمرًا مألوفًا في حياته!

وكم من علاقة بدأت برسالةٍ في شأن الدراسة، أو تعاونٍ في مشروع، أو زمالةٍ عابرة، ثم تحولت شيئًا فشيئًا إلى تعلق، ثم إلى علاقة محرمة، ثم انتهت بانكسارٍ وندمٍ وربما ابتزازٍ أو فضيحة أو آثارٍ نفسية تظل سنواتٍ طويلة.

وهناك خسائر لا تقل ألمًا عن ذلك: أن يعتاد القلب ما كان يستحي منه، وأن تتراجع حساسية الإنسان تجاه الحرام، وأن تصبح المخالطة التي كانت تثير في النفس إنكارًا واستغرابًا شيئًا طبيعيًا لا يكاد القلب يتوقف عنده. فتخسر المرأة شيئًا فشيئًا حياءها، ويخسر الرجل شيئًا فشيئًا رجولته، حتى يألف القلب ما كان يستنكره، فكثرةُ المساس تُذهب الإحساس، وتكرارُ المخالطة يُميت وحشةَ الحرام.

وهذه إحدى أخطر صور الهدم؛ لأن الإنسان قد يخسر شيئًا من قلبه دون أن يشعر أنه خسره.
ثم تأتي الشهادة في النهاية فتغطي على كل شيء.

يخرج الطالب طبيبًا أو مهندسًا أو صيدليًا أو أكاديميًا، يحمل لقبًا محترمًا، وتُعلق صورته في حفل التخرج، ويفرح به أهله، ويُقال: لقد نجح.

لكن من يسأل: ماذا حدث لدينه في هذه السنوات؟ ماذا حدث لحيائه؟ ماذا حدث لقلبه؟
ما الذي رآه؟ وما الذي اعتاده؟ وما الأبواب التي دخلها ثم خرج منها مثقلًا بالندم وغصص الذنب؟

ليس كل ما يُكتسب في التعليم شهادة، وليس كل ما يُفقد فيه يُرى عيانًا.

والأخطر من ذلك أن البناء التعليمي في كثير من البيئات قد منح العلوم المادية مساحةً هائلة من التكوين، بينما لم يمنح العقيدة والدين والتزكية والآداب ما يكفي لتهذيب الإنسان الذي يحمل هذه العلوم.

فيتعلم الطالب كيف يعالج الجسد، لكنه قد لا يتعلم كيف يحفظ قلبه.
ويتعلم كيف يبني المباني، لكنه قد لا يتعلم كيف يبني نفسه.
ويتقن قوانين المادة، لكنه لا يملك من العلم الشرعي ما يهذب استخدام هذه المعرفة، ويضع لها حدودها، ويذكره بمراقبة الله تعالى حين لا يراه أحد.

وهنا يظهر الخلل في هذه المنظومة: أي تعليم نريد؟
فالتعليم ليس مجرد نقل للمعارف؛ بل هو أيضًا صناعة للإنسان الذي سيحمل هذه المعارف ويستخدمها.
وإذا انفصل العلم عن الدين والأخلاق، أمكن أن يتخرج إنسانٌ شديد الكفاءة في مهنته، لكنه ضعيف أمام شهوته، أو مضطرب في مبادئه، أو عاجز عن ضبط نفسه، أو يستعمل علمه دون ميزانٍ أخلاقي راسخ.

ثم إن هذه الخسائر ليست محصورة في الطلبة وحدهم!

فالمؤسسات التعليمية تجمع أعدادًا كبيرة من الرجال والنساء، وتطيل زمن الاحتكاك بينهم، وتضعهم في مساحاتٍ واسعة من التعامل اليومي، وتفتح أبوابًا متعددة للتأثر والتعلق والتجاوز.

ومن هنا يمكن أن تتسرب الخسارة إلى المعلم أيضًا، وإلى الموظف، وإلى الإدارة، وإلى الأسرة التي تنتظر ابنها أو ابنتها سنواتٍ حتى يعود إليها.

وكم من قصصٍ تحدث في المؤسسات التعليمية الكبرى يندى لها الجبين، لكنها لا تتحول إلى قضية عامة؛ لأن الجميع يخشى الثمن.

يخشى الطالب أن يخسر مستقبله. وتخشى الفتاة أن تخسر شهادتها أو سمعتها. ويخشى الموظف أن يخسر وظيفته. ويخشى المعلم أن يخسر مكانته. ويخشى أهل الضحية من الفضيحة.

فتُدفن القصص، ويُدفن معها الألم، ويستمر النظام كما هو.

وهكذا لا يعني غياب الحديث عن المشكلة غيابها. بل قد يكون الصمت نفسه جزءًا من المشكلة.

فكم من فتاة تحمل في نفسها تجربةً لا تستطيع الحديث عنها، وكم من شاب يحمل ذنبًا يتمنى لو لم يقع فيه، وكم من إنسان تخرج بشهادةٍ ثم أمضى سنواتٍ يحاول أن يتعافى من آثار مرحلةٍ كان يفترض أنها مرحلة بناء!

إننا حين نقيس نجاح المؤسسة التعليمية بعدد خريجيها، ونسبة نجاحهم، وقوة شهاداتهم، ونغفل عما أصاب دينهم وأخلاقهم وقلوبهم، فإننا نقيس جانبًا واحدًا من العملية، ونترك جانبًا هو الأعظم أثرًا في الدنيا والآخرة.

فما قيمة أن نبني عقلًا ونخسر قلبًا؟

وما قيمة أن نرفع مستوى التحصيل العلمي، ثم نترك أبناءنا وبناتنا في بيئاتٍ تستهلك حياءهم، وتفتح عليهم أبواب الفتن، وتعرضهم لعلاقاتٍ لم تضع الشريعة لهذه الأعمار وهذه النفوس إلا ضوابطها حمايةً لهم؟

وبعد كل ذلك، لا نقدّم لهم حلولًا تقيهم هذه الفتن، بل نطالبهم بالصبر على تأخير الزواج، الذي أصبح في واقع كثير من المجتمعات أمرًا يكاد يكون مفروضًا إلى ما بعد التخرج، ثم بالصبر على متطلبات الزواج وأعبائه، التي قد تمتد سنواتٍ طويلة أخرى!

نؤخر عنهم الحلال، ونفتح أمامهم أبواب الفتن، ثم نطلب منهم أن يصبروا!

إن الإسلام لا يعادي العلم، ولا يخاصم الطب والهندسة والعلوم النافعة، وإنما يريد لهذه العلوم أن تُبنى في الإنسان الصحيح، وأن تسير تحت سلطان الإيمان والأخلاق، لا أن تُنتزع من سياق العبودية لله تعالى ولا أن تتجاوز طبيعة الروح البشرية!

واستيرادُ منظومةٍ تعليميةٍ غربية، نشأت في بيئةٍ ينتشر فيها الزنا والعلاقات غير الشرعية، إلى مجتمعاتٍ مسلمةٍ تحرّم شريعة ربها هذه الممارسات وتوجب لها من الضوابط ما يصون الناس منها؛ ليس أمرًا محايدًا في آثاره، بل يعني ـ حين تُنقل المنظومة بغير نظرٍ في أصولها وبيئتها وآثارها ـ أننا قد نُسهم في هدم الإنسان بدل بنائه.

فهناك أرواحٌ تنزف في صمت، وقلوبٌ تتكبد خسائر لا يراها الناس، بينما تنصرف الأنظار إلى بريق الشهادات، ورفعة الألقاب، وفخامة حفلات التخرج!

فأيُّ بناءٍ هذا الذي يرفع الشهادة، ثم يترك الإنسان يدفع من دينه وقلبه وحيائه ثمنًا لهذا الارتقاء؟

المشكلة ليست في أن يتعلم المسلم، وإنما في كيف يتعلم، وفي أي بيئة، وعلى أي تصور للإنسان، وإلى أي غاية يُوجَّه علمه.

لقد جاءت الشريعة لتبني الإنسان كله، لا عقله وحده.

تحفظ دينه، وعقله، ونفسه، ونسله، وماله، وعرضه، وتحفظ فطرته قبل أن تُفسد، وقلبه قبل أن يتلوث، وحياءه قبل أن يموت.

ومن هنا فإن إعادة النظر في التعليم لا ينبغي أن تبدأ ببحث كيف نرفع مستوى التحصيل؟ بل ينبغي أن يسبق ذلك سؤال أعمق: كيف نُخرج من مدارسنا وجامعاتنا إنسانًا أكثر علمًا بالله، وأقوى إيمانًا، وأحفظ لعفته، وأصدق أخلاقًا، وأنفع للناس؟

فإن عجزنا عن الإجابة عن هذا السؤال، فقد نكون منشغلين بتعبئة المؤسسات التعليمية على أمل أن نبني الإنسان، بينما يتهدم الإنسان داخلها.

وإن لم يُصلح النظام التعليمي، ويُطهَّر مما استشرى فيه من صور الفساد، وتُعاد صياغة بيئته بما يحفظ الدين والفطرة والحياء والعفاف، فستظل هناك خسائر لا تظهر في كشوف الدرجات، ولا في حفلات التخرج، ولا في أرقام الجامعات ولا في ألقاب الشهادات الفاخرة. ستظل أرواحٌ تدفع الثمن.

وستظل فتيات يحملن في قلوبهن آثار علاقاتٍ يتمنين لو لم تكن، وشبابٌ يصارعون آثار فتنٍ أضعفت قلوبهم، وأسرٌ تدفع ثمن أخطاء بدأت في سنوات الدراسة، ومعلمون وطلاب يحملون جراحًا لا يجرؤون على كشفها.

ثم نسأل بعد ذلك: لماذا تضعف القلوب؟ لماذا تتسع العلاقات المحرمة؟ لماذا تتفشى الهشاشة النفسية وتشتد الحسرة والندم؟ لماذا يفقد بعض الشباب والبنات شيئًا من حيائهم وإيمانهم بعد سنواتٍ من التعليم؟ ولماذا تفشل الأسر تبعا لذلك كله!

ربما لأننا كنا ننظر إلى التعليم بوصفه بناءً للعقل، ونسينا أنه بناءٌ للإنسان.

فإلى متى نستمر في هذه العملية الصامتة من الهدم؟ وإلى متى نهمل الحلول الممكنة وتَفَقّد تلك القلوب!

ومن ينتبه إلى الخسائر التي لا تظهر في الشهادات؟ لكنها تنهمر في الاستشارات الخاصة؟

ربما آن الأوان أن نعيد السؤال من جذره: هل نريد تعليمًا يُخرج لنا أصحاب ألقاب وشهادات فقط، أم تعليمًا يبني عبادًا لله، علماء في تخصصاتهم، أصحاء في فطرتهم، محفوظين في أعراضهم، أقوياء في دينهم، نافعِين لأنفسهم وأمتهم؟

فإن كان الثاني هو مرادنا، فلا بد أن نعيد النظر في الطريق الذي نسلكه إليه.

واللهُ المستعان على ما نرى من خللٍ وما لا نراه من خسائر، وحسبنا الله ونعم الوكيل. نسأله سبحانه أن يردّ إلى أمتنا رشدها، وأن يصلح تعليمها، ويحفظ أبناءها وبناتها في دينهم وقلوبهم وأعراضهم، وأن يجعل العلم سبيلًا إلى الهداية والصلاح، لا بابًا إلى الفتنة والهدم.

اللهم قد بلّغت ما استطعت، فاشهد.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x