تُعَدّ قاعدة “الحكم على الشيء فرع عن تصوّره” من القواعد الجليلة المتفق عليها بين العلماء على اختلاف مذاهبهم، ومقصودهم بـ”التصوّر” ليس مجرد المعرفة الذهنية السطحية بالشيء، ولا العاطفية المندفعة لهذا الشيء، بل الإدراك العلمي الدقيق لحقيقته وماهيّته؛ إذ به يُضبَط الفكر ويُتجنَّب الخطأ في الحكم.
وقد عرّف الجرجاني التصور بأنه “حصول صورة الشيء في العقل”،
وبيّن الكفوي أن التصوّر قد يكون علمًا أو لا يكون إن كان تصورًا باطلًا،
مما يدل على أن المقصود هنا هو التصور الصحيح المبني على العلم.
وأكد ابن عثيمين هذا المعنى بقوله: “الحكم على الشيء فرع عن تصوّره؛ فلا يُحكم على شيء حتى يُتصوّر تصورًا تامًّا، ليكون الحكم مطابقًا للواقع، وإلا وقع الخلل”، موضحًا أن التعريف يسبق الحكم، لأن إدراك حقيقة الشيء شرط لصحة الحكم عليه.
وهذه العبارة اليوم “الحكم على الشيء فرع عن تصوّره” تتردّد كثيرًا في تبرير اختلاف المواقف والأحكام الشرعية. ويلوّح بها البعض لتحقير المعارض أو تسفيه المنتقِد.
لكن من يتابع كيف يدير الإعلام الأمريكي المشهد برمته وبكامل تفاصيله، يلمح الابتسامات “الصفراء” خلف العدسات كلما خرجت معلومة تهدّم تصورًا بُني على غير إحاطة كاملة بالحقائق.
في كل مرة تخرج معلومات جديدة تصدم الناس، ويفزع لها المناصرون لصناعة تصور جديد! وبين تطفيف وتدليس وبين تهوين ومجاهرة بفحش القول، لا يغير ذلك أبدا من حقيقة خطورة ما يجري.
أستطيع أن أقول: إنّ أمريكا تنظر إلى ما يجري اليوم في بلاد الشام – بما فيها فلسطين وسوريا ولبنان – كانتصار استراتيجي لم تكن لتحلم به، في ظلّ تعقيدات المنطقة وتعدّد الجماعات المقاتلة والعقائد القتالية العنيدة التي تجتمع في هذه المساحة الاستراتيجية في خريطة الصراع والتي يتعلق مستقبل اليهود بها. فحق لأمريكا أن تطمع في تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” بأخف التكاليف التي كان يجب أن تتكبدها هذه العملية بمثل هذه الخطورة في مثل هذه المنطقة المحتقنة.
وفي الواقع، يبقى أخطر ما توظفه الإدارة الأمريكية في هذه المساحة، ليس فقط القوة العسكرية أو التفوق الجوي، بل حرب الأفكار ولعبة السياسة؛ فهي دولة أتقنت فن إدارة الحروب النفسية والفكرية. ومن لم يَدرِك عمق تمرّس الأمريكيين في هذا الميدان لم يَطّلع على دراساتهم وخططهم واستراتيجياتهم. بل لم يفقه كيف تمكن الأمريكيون من الهيمنة على العالم وهزيمة السوفييت والتدخل في كل زوايا العالم المهمة والمتداخلة على امتداد عقود من ممارسة السيادة.
لذلك أقول للمستعجلين: رَوّوا عواطفكم! الصراع في مرحلةٍ حرجة جداً في بلاد الشام الكبرى؛ والمندفِع المتحمّس لا يرى قسوة الواقع ولا فداحته ولا يبصر حقيقة عدوه ولا حقيقة نفسه!
ينبغي أن نترك هامش خطأ في كل تقييم ومناصرة، فقدرة المرء على التنبؤ محدودة، والحساب العلمي يحمل دائمًا هامش خطأ مهما بلغ دقّة المَعايير.
ففي كلِّ دراسةٍ علميّةٍ أو إحصائيّة، يبقى هناك دائمًا هامشُ خطأٍ مهما بلغت دقّةُ المقاييسِ وكفاءةُ الأدوات، وذلك هو التقييم الواقعيّ الذي يُدرك حدودَ المصداقيّة، ويُذكّر بحقيقةِ الضعفِ البشريِّ التي لا تُفارق الإنسان.
قال ابن القيم في النونية:
إن البِدار برد شيء لم تُحِطْ علمًا به سببٌ إلى الحرمانِ
ثم من درس فصول التاريخ، وبخاصة تاريخ الدول – ومنها الدولة الإسلامية – يرى خطّ التحول الذي يصاحب التمكين والسلطان وأثرهما في النفوس والسياسات. فيتأدب ولا يستعجل النتائج أبداً، بل يردد “اللهم سلم”!
فقد حفظ التاريخ صفحات سوداء من الخيانات والمآسي باسم المصلحة أو الطموح إلى الملك، دول قامت ببريق المجد ثم انهارت من داخلها، إخوة تحوّلوا إلى أعداء، قصص بطولات انتهت بدسائس غدر وقتل. ولئن بدت بدايات كثير من هذه القصص زاهية بشعارات البطولة والمجد، فإن نهاياتها كثيرًا ما كانت فواجع تكسوها الدماء والدموع.
فكيف إذا أضفنا لهذا الرصيد التاريخي المفزع، أحاديث آخر الزمان! كيف إذا أضفنا له حقيقة الفتن والملاحم التي تنتظر المسلمين بلا هوادة؟
العاقل اليوم يسأل الله تعالى أن يسلم المسلمين من مكائد عظيمة تحيط بهم؛ والثبات والبصيرة والنجاة من الفتن، فدون خشيةٍ ورجاءٍ راسخين، لا تنفعنا دِباجاتُ التزكيات ولا صيغ التهويل. ولا يضمن أحد نفسه غدًا حتى يضمن غيره.
هذه الأحداث، وإن كانت مؤلمة للنفوس المؤمنة، وإن كانت تجلب التوجس والأسى، لما فيها من مخالفة لفطرة المسلم السوية وحسّه العقدي والإنساني، وخيانة لدماء المسلمين التي سفكت ظلما ولا تزال تُسفك، ولأرواح عُذّبت ولا تزال تُعذّب عدوانا وسرا! فهي – مع ذلك – طريقٌ لتصفية القوى وصقل الهمم لما هو آت. ولحكمة الله في قوله جل في علاه ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [ الأنفال: 44]
وما أعظم بشارة النبي ﷺ: فإن الله -عز وجل- تَكفَّلَ، «وفي رواية: تَوكّلَ، لي بالشام وأهلِه».. فالحمد لله على كفالة الله لنا عزاءً ورجاءً.
فوالله لتشهدن هذه الأرض ملاحم العز والجهاد، والتمكين الذي به تٌضرب الأمثال، وخلافة بيت المقدس وهزيمة الروم والأحلاف! ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[ الروم: 60]
اللهم لا تُحقّق للكافرين أمنيةً في بلاد المسلمين، واجعل كيدهم في نحورهم، واشفِ صدور المؤمنين ولا تجعلنا مع الخوالف ولا تجعلنا من المفتونين والمبدلين، اللهم ثباتا حتى نلقاك، ولقاء يغبطنا عليه الأولون والآخرون. اللهم آمين.
اللهم آمين