إن عقد مقارنة سريعة بين تعليم الرجل والمرأة في عصور قوة الإسلام مع عصر الاستضعاف الذي نعيشه اليوم، يكشف نقطة ارتكاز مصيرية في مناهج التربية والتعليم، كانت سبب تخلف الرجال والنساء عن ثغورهم ووظائفهم الأولى، وهو تخلف أدى إلى تداعيات لا تُجبر بسهولة بحق الأسرة والمجتمع، بل وظهر أثره في اللحظات الحرجة، بتعميق الوهن وأسباب التبعية والانهزامية. واستمر رغم كل المآسي والنوازل التي تزلزل القلوب وتفجعها، مسلسل صناعة الاضطراب مع كل أسرة جديدة تولد، قد أسستها ذهنيات تابعة لا رائدة، مستهلكة لا متفردة. فكيف لمثلها أن تتحرر أو تصنع تغييرا وسيادة؟!
اليوم يجبر الشاب والفتاة على دراسة كل ما هو ليس واجبا عليهما ويُقدم على الواجب الذي يقوم عليه استقرارهما النفسي والأسري والمجتمعي، وأضحى كل طالب وطالبة يُسخِران أكثر أيامهما وجهودهما وقدراتهما فيما لا يضر لو تخلفا عنه!
ومع ذلك لا يزال يُصور للرجل والمرأة على أنه منتهى النجاح ومبلغ المراتب الأرجى لتحقيق الأمن والاستقرار في حياتهما. ويقصدون بذلك الاستقرار المادي الذي تحول للأولوية القصوى على حساب أمانة الدين وصحة النفس.
لنلقي نظرة على تعليم الرجال والنساء منذ طفولتهم في عصر الاستضعاف والهيمنة الغربية، نجدهم يتعلمون بتركيز مضاعف على العلوم الحياتية والدنيوية بجودة محدودة، يكون الهدف منها أن يتخرجوا عمالا مخلصين للمنظومة الرأسمالية، وكل ذلك بحجة تأمين مستقبلهم.
ولو نظرنا لتداعيات هذا التركيز المجحف غير المتوازن ولا المدروس بحكمة، سنجد الرجل يكبر وهو يحمل هم العمل والرزق أكثر من أي هم آخر، بل لا يملك الوقت للتفكير في غير تحسين مستواه المعيشي وصورته في المجتمع، ويبذل لأجل ذلك عمره وكل ما يمكنه في حدود الخيارات الرائجة، ولو نظرنا لمكانة الإسلام في حياته، ولو كان طبيبا أو مهندسا أو في أي مهنة أخرى مبجلة! لن نجده يقدم للإسلام شيئا من البذل والعمل لسيادة دين الله تعالى، وفي أحسن الأحوال يهتم بعباداته الفردية، والتي لا تأخذ من حياته سوى 10 بالمئة، والأغلبية لا تزال مسخرة لحياة أكثر رفاهية وإرضاء لمتطلبات وإلزامات سلطة الثقافة الغالبة المحاربة!
أما النظام التعليمي الرأسمالي فأخرج لنا نساء أقل استيعابا لأولويات واجباتهن في الحياة فيدخلن للحياة الزوجية ببضاعة مزجاة ونفسيات هشة مضطربة، قد استنزفت في سنوات طويلة من الكد على مقاعد الدراسة ولم تنل المرأة خلال كل ذلك من العلوم الواجبة إلا نسبة قليلة لا تكاد توجهها لكيف تعبد ربها كما أمر سبحانه ولا كيف تدير أسرتها وتربي أبناءها. إلا من رحم ربي فاجتهدت في الطلب لإنقاذ نفسها. وهكذا تتخرج المرأة تحمل هما مثلها مثل الرجل، وهو تحسين الوضع المعيشي وسداد فواتير الديون لوالديها اللذين ينتظران منها أن تفي لهم وتجلب لهم المدح والثناء. فإن تزوجت أضحت مثل زوجها، يدخلان لمبنى الأسرة بطموحات قاصرة وذهنيات متقاعسة!
ولايقف الأمر على تقديم كل علم على العلم الواجب، بل تستثقل هذه المرأة مهماتها الأولى، وتزدري القرار في البيت وما يتعلق به من مهارات ومعارف، وتبحث أكثر وقتها عما يعجب الناس ويثنون عليه من شعارات “تحقيق الذات” على مقاسات النسويات المسترجلات. فاستمرت حلقة التيه والعبث، وتضييع البوصلة والهدف! وليتها بدون خسائر متعدية، فقد تعلق هذا الدوران بخسارة الأجيال وإطالة حقبة الاستعباد لسلطة الثقافة الغالبة المحاربة.
إن النظام التربوي التعليمي في العالم الإسلامي يُخرج أجيالا مستهلكة، تؤطر طموحاتها تأطيرا على مقاسات الهيمنة وكأنها في سجن كبير، لا يمكنها تجاوز حدوده ولا الخروج عن قوانينه وإلزاماته.
وإن تفكيك منظومة الهيمنة يوثّق بشكل دقيق، أدواتها وآلياتها واستراتيجياتها الممتدة التي تعمل في تناغم وانسجام لتحقيق هدف مهم جدا، يتلخص في إبقاء المسلمين في دائرة التابع، برضاه وإخلاصه وتفانيه!
وهذا أقبح وأخبث احتلال واستعباد عرفته البشرية، لكونه يقتل الروح ويبقي الجسد معلقا! ولكون ضحاياه ومن في مرمى أهدافه يرتمون في أحضان شباكه بإرادتهم الغافلة.
إن كسر أغلال الهيمنة يستوجب انتفاضة شاملة على مناهج التربية والتعليم المخصصة للذكور كما الإناث، لتصاغ بهدف صناعة رجال ونساء أتقياء أقوياء، يعرفون ما هو الأوجب ويؤدون وظائفهم في هذه الحياة بتكامل. لا يجعل غاية إعلاء كلمة الله تعالى آخر همومهم بل أولها وأهمها ولأجلها تسخر الطاقات والنفوس والأجيال.
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [ الأنعام]
وهذا يعني أن يتلقى الرجال تعليما يصنع فيهم القوة في القلب والعقل والجسد، تعليما ينطلق من ترسيخ العقيدة والإيمان والعلم بالإسلام والقرآن قبل أي علم، يرافقه العلوم الأساسية الواجبة للتطور العلمي واللازمة للنهضة والاستقلالية وكذلك العلوم العسكرية والأمنية والاستراتيجية، وكل ما يدخل في الإعداد وصناعة الفرسان العلماء أهل الاختصاص والخبرة الأتقياء. لا يركعون لغير الله جل جلاله. قادرين على الوفاء لولاياتهم ومهمات الرجال ومعاني الإحسان والرجولة.
أما الفتيات فيجب أن يدرسن كل ما يقوي قلوبهن وتصفو معه رؤاهن وتستقر به حياتهن، من العقيدة والقرآن والفقه والسير والأخلاق وما يتعلق بذلك، ثم كل العلوم التي تخص وظيفتهن كزوجة وأم، قبل أي علم آخر، فيتعلمن بأولوية ما يصنع الاستقرار والسعادة النفسية والأسرية.
ويمكن بعد ذلك للفتاة أن تتعلم العلوم الكفاية، لا أن تصبح هذه العلوم على حساب أولوياتها ووظائفها في الحياة.
نعم فقبل أن تفكر أن تصبح طبيبة، لغاية تطبيب النساء، لابد أن تتعلم عقيدتها وسنة نبيها والفقه والتربية الإيمانية السوية. ثم علوم ربّة البيت التي تُزدرى وهي موسوعة معرفية كبيرة ومتكاملة وسر من أهم أسرار السعادة، يدخل فيها فقه العلاقات مع الزوج والأسرة، وتربية الأبناء وصناعة وعيهم وتقوية استقامتهم، والتزين والعناية بالنفس وحسن تدبير المال والبيت، وكل مهارة تصنع المودة والرحمة والسكينة والأمان في الممالك والمصانع المهملة. وتسمح للأسرة أن تؤدي وظيفتها باتزان ونجاح. فتخرج لنا الأجيال العالمة والمجاهدة الممكّنة والمنتصرة!
ومن يتأمل في زمن الصحابيات رضي الله عنهن، يجد أن ما تهدر له الأعمار اليوم كان ثانويا! فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت زوجة صالحة تخدم زوجها وتصون بيتها، ثم فقيهة عالمة، متبحرة في العلم، ثم بعد ذلك طبيبة عارفة بأمراض الجسد وطرق تطبيبه، ولم يكن الأمر يحتاج لإذن من أحد كي تتعلم الطب، كان يكفيها شغفها وإقبالها على مصادر العلم في هذا الفن. والحقيقة أن كل امرأة يمكنها أن تتعلم نصاب الطب الذي يعينها على العناية بأسرتها والاكتفاء والتصرف بحكمة وقت الحاجة والمرض. وتعلم نصاب من الطب ممكن بدون ارتياد الجامعات، ويسد احتياج المرأة في مملكتها على الكفاية. ولكن لا يكون على حساب أولوياتها في الحياة.
نعم لقد كانت عائشة رضي الله عنها طبيبة وكذلك أسماء بنت عميس، رضي الله عنهما وهن من أهل العلم ومن القامات السامقة من السابقين الأولين، وكان الشافعي الإمام العالم الفقيه رحمه الله طبيبا وصيدلانيا، ولم يتعارض ذلك مع الفقه والعلم بالإسلام الذي يحيي القلوب ويصنع الأجيال المؤمنة.
وتعليم يحترم الأولويات جدير بتحقيق التمكين والسيادة!
والقصد أن تعليم الرجال والنساء وتربيتهم يجب أن يرتكز على كل علم يصنع القوة في القلوب والجوارح كقاعدة صلبة أساسية يقوم عليها بعد ذلك طلب العلوم التي تنصر وتكفي المسلمين. وهذا علم كبير وإهماله كارثي!
فيجب أن نبني النفوس المؤمنة ثم نبني بها!
اليوم نرى شبانا تخرجوا من الجامعات ويعانون العجز، ويفشلون في الوفاء للقوامة، وفتيات يحملن شهادات علمية كبيرة ولكنهن فاشلات في إدارة شؤون البيت وتدبير أمر أسرة وتربية طفل!
فكيف يمكن لمثل هذه الخامات الهشة أن تتابع وتصقل شخصيات ذخائر المستقبل على غاية حمل أمانة الإسلام، لا حمل مهانة العدى!!
كيف يمكنها أن تحقق تغييرا وهي غير قادرة على الخروج من دائرة الذهنيات العاجزة المتصالحة والمتعايشة مع الاستضعاف والتخلف!
ولا يعني ذلك الإصرار على تعلم كل شيء وفق القوالب المستهلكة اليوم، بل إن التعامل مع العلوم بكثير تكلف أضاع الكثير من الفرص، ولو أعدنا تقييم طول السنوات الدراسية التي يقضيها الأبناء في فصول الدراسة في كل مراحلها لوجدنا فيها الكثير من الهدر والحشو الذي لا فائدة ولامنفعة حقيقية منه.
ولو بدلا من ذلك وُجّه التركيز على الأهم والأنفع، لاختزلنا الكثير من السنوات التي تهدر من عمر الإنسان، ولاستغلت في الممارسة والتجربة والتطوير ولكان أثر ذلك السبق والإتقان.
لقد آن الأوان أن نعيد ترتيب أولوياتنا ونكسر أغلال الهيمنة التي صاغت ذهنيات عاجزة فاشلة تابعة منهزمة، ونتمرد على هذه الجاهلية المزمنة!
كيف يكون ذلك؟
الأمر يعتمد على قاعدتين: التمرد الشامل، أو “ما لا يدرك كله لا يترك جله”.
فأما الأولى، فيعني الاستقلالية التامة والكاملة بنظام تعليمي منفصل تماما عن النظام التعليمي الحكومي، نظام مدروس بعناية ومنظم بشكل يستوعب احتياجات الرجال والنساء لصناعة التغيير وحمل أمانة الإسلام بكفاءة. ولا شك أن حمل أمانة الإسلام توجب عمارة الأرض وتوجب الإتقان والتطوير لكل ما فيه عزة المسلمين واستقلاليتهم.
وهذا يعني تشييد مؤسسات تعليمية مستقلة بهويتها وبرامجها وأهدافها.
وهذا ممكن لشريحة من الناس وقد يستعصي على غيرهم لظروفهم غير المساعدة.
لذلك يأتي الحل الثاني: ويتلخص في أن يتوفر تعليم موازٍ لمن لا يقدرون على هجر المدارس النظامية، بما يستدرك الضعف والنقص ويصحح المفاهيم ويصنع حصانة، بتأمين تعليم ينقذ الأجيال من التيه والعبث والاستهلاك والعجز. فيدرس الأبناء بشكل موازٍ واستدراكي، وفق مناهج مدروسة ومخصصة. منزلية أو مؤسساتية.
وكل مشروع من هذه المشاريع، يحتاج لهمم مخلصة وطاقات عاملة بلا كلل ولا ملل، وبقدر ما تكثر هذه المؤسسات المستقلة ستتسع بقعة النور، لصياغة ذهنيات واعية وعزيزة بإيمانها وأهدافها .. وسنخفف من خسائرنا المثخنة في ميدان التربية والتعليم.
وهذا ما يؤمن تأسيس الأسر السوية، التي تخرج لنا الأجيال السوية القادرة على تحمل أعباء التحرر والإصلاح والانبعاث وإقامة بنيان الإسلام في الأرض، بقوة وبصيرة.
فالطاقة البشرية السليمة هي أول أركان صناعة التمكين والريادة.
مع الحذر من استنساخ الأخطاء التي رافقت منظومة التربية والتعليم خلال مرحلة الحكم الجبري والهيمنة الغربية، وخاصة البرامج الإصلاحية التي تسعى لتغيير الوضع وتصحيح الأفكار والمناهج، فإن كل إهمال منها لأدوار الرجل والمرأة الوظيفية في الحياة، وكل تقديم لما ليس واجبا على الواجب موجب لفشل وتضييع الفرص والجهود في ما يفسد لا يصلح. فالله الله في التناصح والاستدراك والحذر من الاندفاع بمقاييس ونماذج مخالفة ومفلسة، ولنتفرد بهويتنا وديننا واستعلائنا بديننا. فلدينا كل المقومات والمنهجية الفاخرة!
ثم إن العمل بدون الأخذ بعين الاعتبار هذه الفجوة الكبيرة ونقطة الضعف الخطيرة من إهمال خطورة استمرار إنتاج خامات الذهنيات الهشة، على سلامة بنيان الأسر والمجتمعات وغاياتهما، في استراتيجيات الانبعاث، فيعني أن المدة المرتقبة لرؤية نتائج التغيير ستطول جدا، والنتائج ستكون مهددة كثيرا، وسنجد مع ما يكيده أعداء الإسلام للأمة المسلمة، أجيالا تحارب دينها من داخل ديارها، وتعلن الحرب على الإسلام بمسميات أعدائها وقناعات ومعتقدات الكافرين!
وكل مشروع تغيير وتحرر في هذه الأمة لإعادة شريعة الله تعالى حاكمة في الأرض، سيفشل بدون تحصين الخط الخلفي للمشاريع، بحفظ سلامة الأسر والأجيال التي تحمل أمانة الإسلام وتفي لمتطلبات المرحلة المقبلة.
ومن لا يملك الذخيرة أنى له الاستمرار .. وما قيمة ما يبذل له إن لم يكن هناك من يخلفه!
فلتتلاحم الجهود ولتتكامل، لتوفر التعليم الذي يُبلّغ الأمانة ويتحمل المسؤولية ويدرك عظمة الثغر، وعلى قدر الاستطاعة لا الاستهانة أو الاستعظام! فالله سبحانه ينظر لقلوبنا ويعلم درجات ضعفنا، لعلنا نعذر عنده سبحانه، ونستعد لأيام الله جل جلاله، فلا تدوسنا حوافر خيل اليهود الزاحفين ولا الصليبيين المعاندين كما يستحق ذلك المتخاذلون والخونة!
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ التوبة: 105]
Masha Allah. May Allah azzawajal bless you sister. Your writings are always awe inspiring.
One more thing I would like to add is that the education system itself irrespective of the content is poisonous for the young generation of muslims.
The very fact that I have to spend 25 years in rigorous secular education to become a sophisticated slave _ sitting on desk 9 to 5 or what the West and those who worship West call career _ is enough for any concerned muslim to know that his role of خليفة علي الأرض has been systematically changed into the role of a compound slave _ The slave who is unaware of his slavery or conisders his slavery to be the highest echelon on perfection.
No nation in the history of world can dream of glory while leaving their children at the doorstep of their enemies!
الله المستعان