التعلق المؤذي بين الصديقات  .. ما أسبابه وكيف نعالجه؟

السؤال: تعلق قلبي بصديقة،  تعرفت عليها عن طريق القرآن ثم استمرت صحبتنا، كانت تهتم يي كثيرًا وتفقدني حال مغيبي، وحتى إذا تعبت ومرضت، كنت استغرب من هذا .!!

وأوعدتني الوعود، ومن بعد فترة حتى بادلتها المشاعر نفسها، أصبحت بعد اهتمامها بي تنسحب وتغيب، وإذا وجدت مني عدم اهتمام فيها، ترجع لي وترسل وتتصل وتهتم، وإذا أرسل لها واسأل عنها تختفي وتغيب، كنت أسألها النصيحة وأن تتعاهدني بها، لكن لم أجد منها في هذا إلا إجابات مبهمة غير مفهومة.

تغير حالي قلّت عبادتي وقل تواصلي مع صديقاتي وجلوسي مع أهلي والمشاركة معهم وكأن روحي منهكة، قلّ اهتمامي بنفسي، وقلّ شغفي، كنت أقرأ القران بروح وتدبر، والآن أقرأه فقط حروف تُقرأ إلا ما رحمني الله به وفتح عليّ بتدبر الآيات. 

وأصبحت جسدا بلا روح! وقلبا تائه بلا شعور! وأنا أعاني من نفص قيتامين دال وألم في العدة، والقولون، فماذا تنصحينني؟

حياك الله وأحسن إليك.

بداية دعينا نشخص هذه الحال، كيف بدأت وأين وصلت، وكيف تحول معها نموذج قدوة رائع في رياض القرآن لضعف الهمة والانتكاس والتراجع، هذا مثال مهم جدا طرحه في زماننا، مع العلم ليست الحالة الأولى ولا الوحيدة ولا الأخيرة التي تعاني، في هذه الأثناء العديد من الفتيات تعلقن بصديقاتهن تعلقا مرضيا هداما، وأصبحت العلاقة معول هدم لهممهن وعلو غاياتهن، ولم تسلم من ذلك المسابقات فكيف بالمقتصدات والظالمات لأنفسهن!

فراغ القلب

أول أسباب هذا التعلق، هو فراغ القلب بغض النظر عن مستوى الالتزام والتدين، القلب الذي لم يعمره حب الله تعالى بكل ما تعنيه الكلمة من معاني، فارغ! ولذلك يسهل أن يميل ويتعلق وينشغل عن الله جل جلاله. فإذا كان هذا القلب مشغولاً مملوءً بمحبة الله تعالى مشغولاً بذكره مشغولاً بالإقبال على ما ينفعه، فإن هذا النوع من التعلق لن يجد له محلاً في هذا القلب، كما لخص ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.

ونحن نعاني من فقدان جوهر المعاني وقيمتها الحقيقية في زماننا، فحتى الالتزام يغلب عليه التفاصيل الشكلية على حساب تقوى القلوب ونقائها، يغلب علينا السعي لكيف نظهر وليس كيف هي قلوبنا حين نظهر. نحن بحاجة لانتفاضة كبيرة على طريقة التزامنا المبتذل! على طريقة تعاطينا مع الالتزام والاستقامة، والعودة للعبادات القلبية، فليس المهم أن نحفظ القرآن ونكون من نخبة الحفاظ، بل الأهم بشدة كيف يكون حال قلوبنا مع هذا القرآن، كيف نحن مع أوامره ونواهيه، كيف نعيش معانيه ونستجيب لهديه، كيف هو وقع القرآن في قلوبنا وأعمالنا وكل حياتنا.

قال الله جل جلاله (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر: 21)

ولا بد لنا هنا من التذكير بأثر عظيم الشأن ذكره الصحابي الجليل، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: “إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سؤاله كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤاله قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل، اعلموا أن حسن الهدي – في آخر الزمان- خير من بعض العمل” صحيح (الأدب المفرد)

يصف ابن مسعود رضي الله عنه زمانهم كيف يزدان بكثرة الفقهاء في الدين، مع أن خطباءه قليل وخطبهم قصيرة، فهم يهتمون للعمل بالقرآن أكثر من حفظه، أعمالهم جليلة، يكثر فيه المحسنون ويقل فيه السائلون يقودهم العلم للعمل وليس الأهواء، ثم سيأتي زمان فيه الفقهاء قليل والخطباء كثير، يطيلون الخطبة وأعمالهم قليلة يتبعون الأهواء. وذلك لدرجة بعدهم عن هدي القرآن وانشغالهم بالتفاصيل الشكلية بقلوب غافلة.

فما نحن بحاجة ماسة له هو العودة لفهم دين الله تعالى بفهم السلف الصالح، بإعادة تأثير القرآن والسنة في قلوبنا وأعمالنا والتخلص من تأثير الاهتمام بالإنجازات لأسمائها لا لغاياتها ومقاصدها في قلوبنا وأعمالنا.

فطالبات القرآن عليكن بتفقد قلوبكن عند كل آية واستشعار عظم كلام الله تعالى وإقامة أنفسكن على معانيه، ليكن القرآن أحب إليكن من أنفسكن وكل صديقة، ليكن القرآن ملاذكن في العسر واليسر، ليكن كل ما يقطع عليكن طريق القرآن عدوا يعامل معاملة الحزم بلا تسويف.

لذلك كل علاقة تؤدي للتراجع ولو كانت مع أكثر الطالبات حفظا للقرآن وأكثرهن شهرة بالصلاح، فالحزم معها ووضع مسافة أمان واجب، ليسلم القلب وتسلم الأعمال.

والخلاصة في هذا الباب هي في أهمية إقامة النفس على التوحيد الخالص لله عز وجل، قال ابن القيم رحمه الله:” التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22].، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الأنعام: 125].

 فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه”.[1]

“ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله – عز وجل – وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]. فإن من أحب شيئًا غير الله عذب، وسجن قلبه في محبته ذلك الغير”.[2]

الحاجة للاهتمام

إذا انتهينا من حقيقة انتكاس مفهوم الالتزام القلبي ومحبة الله تعالى، ننتقل إلى حاجة النفس البشرية للاهتمام، وهذا مطلب طبيعي جدا، فكل نفس بحاجة للمحبة والعناية والتفقد وإحساس القيمة عند الآخرين ممن يعنون لها، لكننا في زمن غلب فيه الجفاء على العلاقات الأسرية، وأصبحت علاقة الآباء والأمهات بأبنائهم سطحية ومتغيرة، وكثيرا ما يكون هناك مسافة من عدم الفهم والاستيعاب والاحتضان لحاجات الأبناء في البيت بعد سن البلوغ، فتكثر التصادمات والاختلافات وتتسع مع كل ذلك الفجوات في العلاقات، ومع الزمان يصعب الإصلاح والتنازل والاستدراك، ولذلك كثير من الفتيات اللاتي يعانين التعلق هن في وسط أسرة قليلة الاهتمام ببناتها، وقليلة التفقد لحاجاتهن، وبعضهن يعانين تداعيات الأخطأء الكبيرة في أساليب التربية فينشدن الاهتمام خارج البيت!

وللأسف ليس هذا فقط ما يسبب الضعف والهشاشة النفسية وضعف الشخصية، بل تأخير الزواج أيضا لأسباب ما أنزل الله بها من سلطان، من مطالبات بإنهاء الدراسة النظامية وتحصيل شهادة والعمل، ومن اشتراط شروط لقبول الزوج أحيانا كثيرة لا علاقة لها بقلب الخاطب وتقواه واستقامته، بل هي شكلية مادية بحتة أو لأجل إرضاء أهواء الناس، وكلما تأخر الزواج، كان لذلك حاجات نفسية تبحث عن تنفيس، فالفتيات غير الملتزمات يقمن علاقات محرمة بالسر ويدفعن ثمن جهلهن بنتيجة هذه العلاقات ويرمين بأنفسهن لسبيل من الامتهان لقيمتهن، فيصبحن تسلية لرجل ينشد الإشباع العاطفي إلى حين! والقصص في ذلك من واقعنا لا تخفى وأغلبها فاشلة، انتهت بخيبات عاطفية مؤذية جدا.

أما الفتيات الملتزمات فيتقاربن بينهن، ويحدث نوع من الاهتمام المحبب بين بعضهن البعض، فيتطور لنوع من الإدمان خاصة من ضعيفات الشخصية، ومع أن الوازع الديني حاضر لزجرهن في حال التمادي إلا أن النفوس أصابتها هشاشة وتعلقت! وأصبح الانفكاك صعبا. فينعكس ذلك على مردود نشاطهن وعلو همتهن. فيقع التقصير والتراجع، وتبدأ مرحلة صراع لا تحسم تحفها المعاناة والانشغال عن الطاعات والغايات السماوية، ويصبح استلام مجرد رسالة من الأخت الحبيبة! أهم من أداء فروض الدين.

بالطبع لا يحدث ذلك بين يوم وليلة لكنه يحدث بالتدريج فتتربى النفس على التعلق حتى تعتاده ويصعب عليها الانفكاك منه.

ولو سارع الآباء لتزويج الفتيات وإعدادهن المبكر لهذا الزواج لتخلصنا من الكثير من المشاكل التي نعيشها اليوم في مجتمعاتنا، وقد رأينا نماذح لفتيات تزوجن صغيرا لكنهن ناضجات وبتربية واعية، أعدتهن مبكرا لتحمل مسؤولية الزواج كن أكثر استقرارا عاطفيا وإنتاجية من فتيات تجاوزن الثلاثين ولم يتمكن من الزواج، بسبب كم الشروط المجحفة التي ما أنزل الله بها من سلطان. ولو ألقينا نظرة لنظام التعليم في التاريخ الإسلامي سنجد عناية كبيرة للأمم السابقة بتعليم الفتيات كل العلوم والفنون التي تنفعهن في حياتهن الزوجية منذ سن مبكرة، فتكون بذلك مؤهلة لأن تكون زوجة وأما صالحة، بينما في زماننا، يتم إعدادها بقسوة لتتحول ليد عاملة في خدمة أرباب الرأسمالية! وتفتقد بذلك لما ينفعها في إدارة حياتها الزوجية، لذلك رأينا نتائج هذا الإفساد في وسط البيوت وبين المجتمعات، تقصير في دور المرأة وإهمال لأهم ثغورها وبالتالي خروج أجيال هشة، أشد ضعفا من سابقاتها.

وبشكل عام فإن الأسر التي أهملت التربية الإسلامية المستوعبة لاحتياجات أبنائها ووفرت لهم الوسط المتوازن لصناعة نفس سوية، يعاني أبناؤها من النفور والهشاشة النفسية والانتكاس والارتماء في أحضان أي علاقة تلبي لهم حاجاتهم والنقص والفقد الذي يعيشون، وهذا يسلط الضوء على أهمية ثغر التربية في بناء شخصيات سوية قوية، وأهمية تركيز الجهود على تقوية هذا الثغر ليسلم الأبناء وتسلم الأسرة وتسلم الأمة!

المحبة في غير الله

حين تبنى العلاقات في سبيل الله ومحبة في الله تختلف المعادلة تماما، فيصبح البناء متينا ومنتجا وفعالا وقدوة، فالعلاقات التي قامت لغاية سماوية، تنشغل بالمسابقة في سبيل الله تدفعها الغاية منها وهي محبة الله وإرضائه جل جلاله، لذلك يكون منهجها التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فلا يحصل التعلق المرضي، وتدوم ما شاء الله لها أن تدوم بل يقول بعض العلماء أن المتحابين في الله لا يفرقهم إلا الموت!

وذلك أن علاقتهم قائمة على التوحيد والسنة وخدمة دين الله تعالى فلا يأتيهم العدوان من أنفسهم، بل يبارك الله لهم ويحفظ لهم علاقتهم إن أخلصت النوايا واستقامت الأعمال.

ولذلك النصوص في فضل المتحابين في الله مهيبة عظيمة،

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: وذكر منهم .. ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» . متفق عليه.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا … » وذكر الحديث إلى قوله: «إن الله قد أحبك كما أحببته فيه» . رواه مسلم.


وعن معاذ – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، يقول: «قال الله – عز وجل -: المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) .

و عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله، قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء، أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل – رضي الله عنه -. فلما كان من الغد، هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت: الله، فقال: آلله؟ فقلت: الله، فأخذني بحبوة ردائي، فجبذني إليه، فقال: أبشر! فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، يقول: «قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في» . حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح.

وعن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا أحب الرجل أخاه، فليخبره أنه يحبه» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح غريب» .

وعن أنس – رضي الله عنه – أن رجلا كان عند النبي – صلى الله عليه وسلم – فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، أني لأحب هذا، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أأعلمته؟» قال: لا. قال: «أعلمه» فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له. رواه أبو داود بإسناد صحيح.

ومن فوائد كتاب الروح لابن القيم رحمه الله:”الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهذا من أهم الفروق، وكلٌّ محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا؛  فالحب في الله هو من كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك”. فتأملي تعظيم الله جلّ جلاله.

تهميش حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

ولذلك لا يصح حب في الله تعالى حتى يحقق شرط المحبة له جل جلاله ولنبيه صلى الله عليه وسلم، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثٌ من كُنَّ فيه، وجَد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يَكرهَ أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يَكرهُ أن يُقذَف في النار”؛ متفق عليه.

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين”.

وعن عبدالله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك”، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الآن يا عمر”؛ رواه البخاري.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجلِّ قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدِّين”.[3]،

 قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]،

وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك مقدم على كل محبوب.

لكن العلاقات التي لم تكن في سبيل الله ولا محبة لله، يطغى فيها عامل “الأنا” وتصبح النفس مقدمة على العقيدة، ويكثر فيها الاصطدام والخلاف وكأنها منزوعة البركة تقلب الحياة كدرا لمن جعل النفس أهم من عبادة الله تعالى، والأصل في المسلمين (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162).

ونبصر في ذلك كيف يعذب الله تعالى من شغله حب العباد لذواتهم لا في الله عز وجل!

قال ابن القيم رحمه الله: “من أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلّق القلب بغيره، والغفله عن ذكره، ومحبة سواه، فإن من أحبّ شيئًا غير الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه ولا أكسف بالًا، ولا أنكد عيشًا، ولا أتعب قلبًا”[4] .

قال الله عز وجل (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه: 124)

عن ابن عباس، قوله ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) يقول: الشقاء. (تفسير الطبري)

نحن بحاجة ماسة للعودة لما كان عليه السلف الصالح من فهم للقرآن وعمل به، قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:” فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلا إذا تولته بالفهم عقول كعقول السلف”.[5]

والحب في الله يعني زجر النفس عن كل ما يصدر من صديق أو محبوب يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التقوى، لذلك لا يضل ولا يشقى من قدم حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على كل البشر وعلى نفسه!

افتقاد الغاية والهدف والعمل في العلاقة

الكثير من العلاقات تقوم لمجرد الأنس والتسلية، لشغل الأوقات في أي شيء، للحديث لمجرد الحديث، لتمضية الأوقات هدرا! وفي ذلك تداعيات لا يبصرها إلا العاقلون، فتفقد العلاقة بركاتها، وينقلب ذللك على انسجامها فيشقى أصحابها. والنفس إن لم تشغلها بالحق، شغلها الباطل، هذه قاعدة مهمة جدا في حياة الإنسان.

لذلك حين يجتمع المسلمون في علاقة فمن الفقه أن يتشاركوا عملا صالحا يكون حجة لهم ودلالة على صدق اجتماعهم في الله، فيتشاركون الصدقات والعمل الصالح ويتناصحون في الله ويتجردون من حظوظ النفس عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما من علاقة قامت لأجل أهداف سماوية فيعمل أصحابها لأجل مرضاة الله في مشاريع خيرية ودعوية وعلمية، إلا وكان لذلك أثرا على أنفسهم وحياتهم، وكأننا نشاهد في ذلك قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم: “من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”. رواه الترمذي.

وفي مسند أحمد بسند صحيح عن علي رضي الله عنه أنه قال:”من انشغل بالله كفاه الله كل الهموم وكل الأمور”.

فأفضل طارد للهم والغم .. العمل في سبيل الله. حرمان نعمة الاستعمال أشد وأنكى حرمان للمؤمن. قال الإبراهيمي رحمه الله:” “ما زال للهِ جندٌ ميسَّرٌ لنَصرِ دِينِه، تجهِّزُه العنايةُ الإلهيةُ لحينِ الحاجةِ إليه”.[6]

يقول ابن تيمية رحمه الله

“فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه”. “العبودية” ص113.

الحاجة للواقعية وتداعيات فتنة الانبهار

ذلك أن النفس بحاجة لرؤية الجمال والقدوة وأفضل الصفات في من تحب وتميل إليه، لذلك تشاهد الصديقة صديقتها كأنها النموذج المثالي الأجمل الذي لطالما تاقت إليه، لا يقبل الخدش، تبرر لها كل تقصير وتحمل كل خطأ منها على أفضل محمل حتى يتحول ظلمها لمنقبة، وتجاوزها لمكرمة، تبصر بعين الإعجاب لا الواقعية والصدق،

وصدق الشاعر حين قال:

وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا.

من هنا وجب معالجة هذا الغلو في الإعجاب مبكرا، وحين تعجبين بفتاة، كوني واقعية ولا تحمليها أكثر مما هي عليه حقيقة، وزني عيوبها في ميزان الإنصاف والعدل بدون حاجة لإخبارها، فأنت تتعاملين مع بشر، ولا أحد معصوم، ليس لتعاديها أو تعايريها إنما لتوطني نفسك حسن الاستيعاب لعيوبها وكلنا ذوو عيوب وخطأ، ولحماية نفسك من الانبهار بها والغلو فيها الذي يصنع التعلق والتراجع.

لا تنظري لها نظرة تتمنينها، بل انظري لها بواقعية تسلمي وتحسني التصرف.

ولذلك كثيرا ما تعاني الفتيات المتعلقات من قضية عدم فهم الصديقة أو الحيرة في استيعاب ردودها وتصرفاتها المؤذية لأنها تنظر لها بعين التفضيل والمثالية فتبقى أسيرة الدهشة حين يصدر ما يعكر صفو هذا المشهد! وتعالج ذلك بالتبرير وجلد الذات وتحميل نفسها التقصير الذي لم يصدر منها أساسا، والكارثة حين تستغل ذلك الأخرى، فتتلاعب بمشاعرها بطريقة بشعة وتغذي غرورا فيها وتجد في ذلك اهتماما وتسلية وتضخيما للأنا وعجبا بالنفس، وهكذا تستمر هذه في فتنة تلك ولا نخرج من دائرة مغلقة!  وهو عين التيه والعبث.

التركيز في متعة الصحبة على حساب خلوة النفس والمحاسبة

يحدث التعلق بل يعاقب القلب بالتعلق حين يحرم المرء نفسه أسباب الثبات والتقوى، حين يهمش المحاسبة والمراقبة، حين يفتقد لساعات الخلوة مع الله تعالى، حين يمضي اليوم كله في صحبة محبوب من البشر وينسى رب البشر جميعا، من بيده ملكوت السماوات والأرض ومن بيده القلوب!

لذلك من المهم جدا في أي علاقة بل في كل برنامج يومي أن يخصص المرء ساعة خلوة يبث فيها الله تعالى ضعفه وشكواه وحزنه ومحبته! إنها لحظات مهيبة ينطرح فيها العبد على عتبات الربوبية يرجو ربه أن لا يكله لنفسه طرفة عين، يستغثيه بأسمائه وصفاته الجليلة وبإخلاص التوحيد له جل جلاله، ليكون له وليا وسندا ومعينا، فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله، ومن نسي الله تعالى، أنساه نفسه! قال عز وجل (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر: 19).

وقال سبحانه (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (السجدة: 14)

ولا يقع في هذا الفخ – فخ إهمال المحاسبة وإكرام النفس بالخلوة  – إلا محروم.

الحلول العملية للتخلص من التعلق المؤذي

سألخصها في نقاط لتكون بإذن الله كدليل تسترشد به كل مبتلاة بهذا التعلق المرضي الذي أفسد عليها سكينة قلبها وحياتها وأدائها وأهدافها.

  • لابد من تصحيح العلاقة مع الله تعالى بالتركيز على الكيف لا الكم، بالتعلم من جديد والبحث في علم العبادات القلبية ومحبة الله تعالى والخوف والرجاء، بمعرفة الله عزو وجل ومعرفة عظم مرتبة “إياك نعبد وإياك نستعين”، وأنصح في هذا الباب بقراءة كتب العقيدة والتوحيد وإعادة الفهم الصحيح لمعاني “لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم” بفهم السلف كما جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو منهج أهل السنة. وهنا ملاحظة أولى، لابد من العلم لتصحيح الأداء. والعلم للعمل به، ليس للتباهي به!
  • لابد من فهم النفس البشرية – بعد معرفة الله تعالى- واستلام قيادتها بقوة، وهذا يتطلب معرفة بهذه النفس والأسباب الموصلة لأحسن قيادة لها، كي لا تنفلت وتقود الأهواء المسلم والمسلمة، لذلك أنصح بشدة بكتب ابن القيم رحمه الله في هذا الشأن، ومنها كتاب الداء والدواء، لنتعرف كيف نقود أنفسنا بوعي فنكون قادة لا نساس بأهوائنا ونقاط ضعفنا. والسبيل لذلك العلم والعمل به مرة أخرى.
  • تسطير أهداف أولية صغرى وأخرى كبرى في حياة المرء، ويدخل في الأهداف الصغرى تحصيل المهارات المعينة على تحقيق الأهداف الكبرى التي تكون في سبيل الله خالصة، ويتعلق الأمر هنا بالأعمال الخيرية والتطوعية ومشاريع الدعوة والعلم والصدقات وكل ما يدخل في مفهوم الخبيئة، وكذلك البحث عن موطئ قدم لنصرة دين الله تعالى ونصرة المسلمين ونشر رسالة الإسلام العظيمة، والثغور كثيرة جدا ولكن العاملين قليل! وطوبى لمن سبق.
  • لا أقول للفتاة التي ابتليت بهذا التعلق اقطعي علاقتك مع هذه الفتاة بل أقول صلحيها بإصلاح نفسك وإصلاح الصاحبة نفسها، وهذا دليل على أنك استرجعت قيادة نفسك فلم تعودي ترهبين هجرانها ولا تعبئين بتمثيلياتها ولا أساليب انتزاع اهتمامك بها، ستكونين قاسية حين يتطلب الأمر قسوة، وحليمة حين يتطلب الموقف حلما، ستكونين أكثر شجاعة في نصيحتها وأكثر واقعية في رؤيتها، ستتقنين فن إدارة علاقاتك، لا تنهزمين لها، ولا تضعفين لأحد من البشر يشغلك عن طريق الله تعالى، ستصلحين من نفسك ونفسها بهذه العودة المهيبة للعقل والحق والعدل. وإن رأيت أنها عامل ضعف لا يزال، فلا مناص من مقاطعة بالهجران الجميل، بحيث تضعين مسافة بينكما، دون أن تتأذي منها أو تظلميها.
  • كل علاقة نقيمها يجب حفظ مسافة من الخصوصية فيها، وهي مساحة الأمان، فلا يجب أن نقترب حتى نفسد على أنفسنا خصوصيتنا ولا خصوصية الآخرين، وكذلك لا نبتعد حتى نخسر الخير الذي في هذه العلاقة، بل نديرها بسرعة مناسبة، تحصننا من الأذى الذي ينتج حتما من عيوب فينا وفي غيرنا لا مناص منها، وتحفظ لنا نصيبا من الخير بسبب غاية للخير فينا واجبة ولازمة، وهكذا هي العلاقات الناجحة، تحفظ مستوى الاحترام اللازم بين اثنين، لأن كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده وإذا ما فقد الاحترام في علاقة، فلا قيمة لها، فلا داعي للتدخل في كل تفصيل في حياة الآخر ولتحفظ مساحة حريته، ولتحترم اختياراته وليحذر من التدخل الذي يصنع الملل والنفور ويشعر بالمطاردة والتضييق، وليكن حبا في الله يكتمل به نقصنا بما في يد الآخرين من خير، ولا يمتلك الآخرين لحد ظلمهم وأذيتهم وظلم أنفسنا بذلك، وتعهد العلاقات بحفظها من الإفراط والتفريط حكمة وبصيرة ولا يندم من فعل ذلك. وهي أكثر العلاقات ديمومة ونفعا. والخلطة التي لا تحفظ حقوق الآخرين من مساحة خصوصياتهم واحترامهم عمرها قصير.
  • التزود، بالقراءات النافعة والرقائق وكل ما يشعل الهمة ويلهبها، والبحث عن أوساط أكثر إثمارا وجدية وعدم التقوقع في وسط واحد متاح، والحمد لله اليوم يتوفر مواقع التواصل فلنحسن استخدامها لإعلاء كلمة الله تعالى وليعلو صوت الإسلام على كل باطل، وهنا جهود ضخمة يمكننا تسخيرها لمن أبصر الوسيلة والغاية، وهذا سيشغل الفتاة عن التركيز الكبير في فتاة أخرى أو في دائرة مغلقة، أخرجي قليلا للفناء، هناك جمال بديع وميادين مسابقة آسرة، نوعي العبادات والنشاطات، اقتحمي غمار مياين المسابقة المختلفة، لا تكوني ضحية الركود! بل تحركي فإن في الحركة بركة. وفي النظر الواسع تخلص من الرؤى الضيقة والارتهان لشخص واحد يفسد عليك ذوقك ومقاييسك ويختزلها ويحرمها فضل الله تعالى، فأرض الله واسعة وعباد  الله كثير. لا تتعلقي بغير مرضاة الله والعمل في سبيله.
  • الزواج وأشدد هنا على أن الزواج حصانة حقيقية من الفحشاء والمنكر وصيانة للمرأة وحفظ لها من الفتن، وذلك حين يكون الزواج من زوج صالح تقي يعف زوجته قوام عليها يصونها في سبيل الله تعالى، ولا يعني أن تتزوج الفتاة أي رجل بل الرجل الصالح وإن لم تجد فلتصبر أفضل من الزواج من رجل يفسد عليها دينها وآخرتها، ولتتقي الله في نفسها وغيرها، وإلى حين يتوفر الزوج الصالح فلتعد المرأة نفسها لتكون زوجة صالحة، وهذه مهمة ومسؤولية تتطلب علما وإعدادا، وهذا الوقت المناسب للانشغال بذلك.
  • الوسطية، فلا إفراط ولا تفريط، لا تغلو في حب الناس ولا تحقرهم، هذه قاعدة في المعاملات بعدل وإنصاف، ومن تجاوز الحد بإفراط وتفريط تأذى وآذى، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الوابل الصيب: “ما أمر الله عز وجل بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان:
  • إما تقصيرٌ وتفريطٌ،
  • وإما إفراطٌ وغلوٌّ،
  • فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين”.
    ونحن نتعلم الوسطية من القرآن والسنة وهدي السلف ونقيم أنفسنا عليها بالاستعانة بالله تعالى ومعرفة السنة من البدعة والحق من الباطل، ويكون ذلك بالعلم النافع.
  • تعويد النفس على الاستغناء وهذه من أهم الصفات التي تصنع القيادية في النفس، ويصنع ذلك الزهد والورع والتذكرة بالآخرة ورجاء ما عند الله تعالى ورحمته سبحانه، فالنفس التي ارتهنت للعباد ونسيت رب العباد، تشقى، وهنا يأتي دور تعظيم التوكل على الله وتدريب النفس على هذا الاستغناء، فيكون بالابتعاد عمن يشغل النفس أكثر من دين الله تعالى والمسابقة فيه، يكون بتنويع العلاقات وعدم الارتهان لشخص واحد يديرها ويتحكم فيها، لا يعني ذلك أن نتخلى عن الوفاء والصدق والمحبة في الله، بل هذه حاجة نفسية وفضل ونعمة طوبى لمن صانها وحفظها مثالا يقتدى به بين الناس، وهي من شيم المروءة ومن مكارم الأخلاق التي يجب ألا تندثر وتهمل، ولكن القصد تعويد النفس على الاستغناء والعصامية كنوع من الإعداد للنوازل والملمات ولحظات المصائب والفقد، نوع من تعويد للنفس على تجاوز الصدمات والخذلان والتقصير. وحقيقة أن كل شيء ما خلا الله باطل وأن كل ما في هذه الدنيا ومن فيها زائل ولا يبقى إلا العمل الصالح، الذي يشمل حسن العهد والإحسان في العلاقات مع العباد. قال الله تعالى (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) (الحديد).
  • إقامة النفس في كل ما يقويها ويعلي همتها والابتعاد عن كل ما يضعفها ويهدم همتها، فإن لاحظت الفتاة أن الاستماع للأناشيد أو قراءة النصوص العاطفية يجعلها هشة سريعة الانكسار للعلاقات لتقطع هذه الأناشيد ولتهجر هذه النصوص، وهكذا تتعلم أن تقوي شخصيتها ببحث ما يقويها، والتخلص مما يضعفها.
  • الكف عن جلد الذات واستبدال ذلك بالمسابقة للتوبة والاستدراك، فجلد الذات هدام، ويصنع الجبن والكسل، والمسلم والمسلمة مستعلون بإيمانهم يقودهم الإباء وعزة المؤمنين، لا يعرفون التراجع، لأن بأيديهم سلاح عظيم، إنه التوبة والاستدراك. ولا يفتح المسلم على نفسه بابا للشيطان فيحزنه ويخذله ويتفشى فيه، بل يقهره قهرا بالمسابقة للوضوء والطاعات والحسنات يذهبن السيئات، ليس لدينا وقت نضيعه في جلد الذات فكل لحظة جلد للذات خسارة في رصيد بناء النفس والأعمال الصالحة.
  • الإحساس بالمسؤولية، وهذا الإحساس يتطور تدريجيا بالانخراط في الأعمال الخيرية والصالحة، ويستشعره الإنسان في زماننا بشكل مضاعف، ولذلك أنصح كل فتاة أن تطلع على أخبار المستضعفين في الأرض من المسلمين المضطهدين في كل مكان، لتعيش هموم أمتها والمسلمين، لتنظر كيف تجري فصول الصراع بين الحق والباطل، فلا يليق بالمسلمين اليوم الانفصال عما يجري، بل يجب أن يعايشوا تفاصيل كل ما يجري! والإعداد لأخذ الدور وتحصيل سهم في صناعة نصر الأمة وتحقيق وعد الله حق، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، من عاش لأجل دينه وأمته، صغر في عينه كل تعلق بغير الله تعالى وتعلم من سنن الله في الأرض وآياته المهيبة، فأبصر ووعى.
  • تربية النفس على الحق وعلى الصلاح وعلى الاستقامة، من المفاهيم الخاطئة التي لا يدركها الكثير من الناس، أن تغير الحال يحصل لمجرد قررنا أن نغير من حالنا وشرعنا في ذلك، بل الحقيقة أنه يجب تربية النفس على الخير، فيكون ذلك بالتدرج، درجة درجة، يبدأ بكسر غفلتها وكبرها، ثم درجة العلم والعمل بما ينفعها ثم درجة الزهد والورع، ثم درجة المحاسبة والجهاد، وهكذا يتدرج المسلم حتى يصنع نفسه على أفضل نموذج وقدوة.
  • تصحيح العيوب والنقائص والصراحة في نقد النفس، فكل نفس فيها نقاط ضعف، ليكن الهدف معسكر تدريب لتحصيل الخصال والصفات الكريمة، فمن كان أنانيا بخيلا يربي نفسه على الإيثار والكرم، ومن كان جبانا يربي نفسه على الشجاعة ومن كان غضوبا يربي نفسه على الحلم ومن كان جاهلا يربي نفسه على العلم ومن كان ضعيفا يقوي نفسه على القوة، ومن كان في نفسه ذلة يربيها على العزة! وهكذا.
  • القرب من الناصح الأمين، فنحن بحاجة للمشورة والنصيحة ولكن على أن نطلبها من الصادق في نصحه، فيحدث أن تتوه النفس ويضيع لجامها من يدك، فلا تبتئس ولا تحزن ولا تفزع، بل استرشد من جديد بمعالم الحق التي منها الناصح الأمين، والله لا يضيع صادقا مهما أخطأ، فالله سبحانه رحيم رؤوف لطيف خبير بعباده، قال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28).
  • صناعة الوعي بخطر التعلق المرضي، وتقديم الأمثلة لصناعة مناعة من ذلك، خاصة مع ما تسببه من تراجع ونقص في الانتاجية والأداء المبشر والإحسان. وهذا يتطلب اطلاعا على تجارب الآخرين وشكاويهم والاستفادة من نصائح المصلحين وتوصياتهم. وسد الذرائع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ) (النور: 21) وإحسان الظن بالله تعالى في كل خطوة في الاستجابة تحصينا وعلاجا، فإن ما يلي ذلك من الفتوحات يستوجب الفرار إلى الله فورا بدون تسويف!


علاقة نقص فيتامين “دال” بالحالة النفسية والسلوك

ولا يفوتني في هذا المقام التنبيه إلى ضرورة علاج نقص الفيتامين “دال” الذي تعانين منه، لأن له علاقة مباشرة بنفسيتك وسلوكاتك.

فهو فيتامين يلعب دورا مهما في نمو خلايا الدماغ، ووظائف المخ، والجهاز العصبي بشكل عام، حيث يعمل على تنشيط الجينات التي تطلق النواقل العصبية، مثل الدوبامين والسيروتونين، ولوجود مستقبلات لفيتامين “دال” في مناطق من الدماغ مسؤولة عن الاكتئاب، فإن من أعراض نقص هذا الفيتامين الاضطرابات النفسية كالاكتئاب، حيث وجد ارتباط بين انخفاض مستويات فيتامين “دال” في الجسم وزيادة فرصة إصابة الشخص بالاكتئاب.

فلفيتامين “دال” تأثير مشابه لتأثير الستيرويدات العصبية في الدماغ (Neurosteroids )، حيث تنتشر مستقبلات فيتامين “دال” في أنسجة الدماغ، الذي يمتلك القدرة على إفراز الهرمونات والمركبات الكيميائية المسؤولة عن نقل الإشارات بين الخلايا (Autocrine)، لذلك يتسبب نقص هذا الفيتامين عن مستوياته الطبيعية في ظهور الأعراض النفسية. فيعاني من لديه نقص في هذا الفيتامين من حدوث تغيرات في المزاج، يحفها شعور اليأس والحزن والضيق والقلق.

ومن أعراض نقص هذا الفيتامين، الشعور بالتعب والإرهاق بشكل عام والخمول والكسل. والنسيان والغفلة. والأرق وصعوبة النوم. وفقدان الشغف والاهتمام بما كان يشغله ويحبه من اهتمامات.

ومن أعراضه أيضا فقدان الشهية والرغبة في الطعام وفقدان الوزن أو زيادته.   

ومن الأمراض النفسية التي لها علاقة بنقص فيتامين “دال ” بحسب الدراسات الحديثة، انفصام الشخصية، (Schizophrenia)، وهو من الاضطرابات النفسية التي تؤدي إلى اضطراب في التفكير والمشاعر والسلوك.

وهو منتشر بشكل أكبر في المناطق الباردة، التي يزداد فيها خطر انخفاض مستويات فيتامين “دال” في الجسم.

ومن الأمراض النفسية التي لها علاقة أيضا بنقص فيتامين “دال”، الاضطراب العاطفي الموسمي (Seasonal Affective Disorder) وأعراضه تشبه أعراض الاكتئاب، إإلا أنها تحدث بشكل متكرر في وقت معين من العام، مثل  الخريف أو الشتاء؛ حيث يؤدي انخفاض مستويات فيتامين “دال” في هذه الفصول إلى خلل في مستوى السيروتونين في الدماغ، الناقل العصبي المسؤول عن تحسين المزاج. ويعاني المصاب بهذا الاضطراب من الخمول والنعاس في أوقات النهار، وصعوبة في الاستيقاظ صباحا.


من هنا تظهر لنا أهمية علاج نقص فيتامين “دال” حين تظهر أعراضه على النفسية والسلوك، دون إغفال العلاجات الأخرى بما يقتضيه التشخيص الطبي.

علاج نقص فيتامين “دال”

  • أول علاج هو تعريض الجسد يوميا لأشعة الشمس نهارا بين الضحى والظهر، لمدة نصف ساعة على الأقل. لأن فيتامين “دال” هو أحد الفيتامينات القليلة التي يمكن أن ينتجها جسمك بنفسه. لكنه يحتاج إلى بعض المساعدة من الشمس.
  • والحرص على تناول مصادر فيتامين “دال” من الأطعمة والمكملات الغذائية المساعدة، خاصة وقت الشتاء والخريف.
  • والعناية ببعض التمارين الرياضية المحفزة على إفراز الإندورفين في الدماغ، ولا يكون ذلك قبيل النوم والحرص على تنظيم أوقات النوم والنشاط خلال اليوم فيتجنب السهر الكثير وإرهاق الجسد.
  • ومعالجة أسباب نقص فيتامين “دال” في جسدك، إن وجدت.

ويظهر أن نقص الفيتامين “دال” ساهم في الحالة النفسية التي تعانين منها. لذلك علاجه مهم للاستمرار بقوة مع النصائح السابقة. ويمكنك مطالعة المزيد عن ذلك في المواقع الطبية، What to Know About Vitamin D and Mental Health

وبالنسبة لألم المعدة والقولون يظهر لي من خلال وصفك المختصر أنه على علاقة بالاضطراب النفسي الذي تمرين به، واسترجاع هدوئك وسكينة قلبك سيساهم بإذن الله في تخفيف كل أعراض جانبية في جسدك. ولا تنسي لتحقيق ذلك آيات السكينة فلها مفعول عظيم في النفس.

فسارعي لعلاج نقص فيتامين “دال” وليتك ترجعين لطبيبة لإكمال الفحوصات والتأكد من تصحيح مستوياته في الجسم، وللتشخيص الأدق لمشاكل المعدة والقولون، حفظك الله وشفاك وعافك، ووفقك لما يحب ويرضى وأقر عينك وأسعدك بمرتبة أهل القرآن وخاصته.


أراني مضطرة للتوقف هنا، كي لا يطول بنا المقام في النصح، وأرى فيما سبق كفاية لحل مشكلة التعلق وحماية النفس من الوقوع فيها. فما كان من صواب فهو من الله وحده سبحانه وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، نسأل الله أن يهدينا سبله ويكفينا شرور أنفسنا وكل الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ويحفظ أبناء المسلمين وبناتهم من كل ما يشغلهم عن ميادين الجد والمسابقة في سبيل الله عز وجل.

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.


[1] الجواب الكافي ص 171.

[2]  المصدر السابق.

[3]  التحفة العراقية ص57.

[4] زاد المعاد: (235/1)

[5]   آثار الإبراهيمي (249/2)

[6]  آثار الإبراهيمي (158/3).

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x