التخبيب في العصر الحديث

من المتعارف عليه بين المسلمين منذ زمن بعيد جدًا، أن التخبيب هو الإفساد بين الزوجين بنية التفريق بينهما، وقد يكون المخبب فردًا من أفراد العائلة يدفعه الحسد والغيرة أو الطمع بالزواج من الزوجة أو الزوج وقد يكون مجرد مفسد يمشي في الأرض بالتفريق بين الأزواج كشيطان إنس.

وكان التخبيب يقع بمجرد حديث مباشر يقبّح الزوج أو الزوجة، وتنتهي القضية بظلم عظيم وذنب عدّه العلماء من الذنوب الكبيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”ليسَ منَّا من خبَّبَ امرأةً علَى زوجِها أو عبدًا علَى سيِّدِه”.[1] وجاء في مسند الإمام أحمد عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خَبّب على رجل زوجته أو مملوكه فليس منا”.

ومعنى خبّبها: خدعها وأفسدها عليه في زواج قائم وتسبب في نشوزها عن زوجها.

ولأنها جريمة بحق الأسرة ودمار يلحق بها فقد كان القضاة في ذلك الزمان يعاقبون على التخبيب، بالتضييق على المخبب وزجره، ومن الفقهاء من أبطل زواج المخبب من المرأة التي خببها، مع أن جمهور الفقهاء لا يبطله ويحسبه نكاحا صحيحا ما دام قد استوفى شروط العقد كاملة.

جاء في الموسوعة الفقهية: فمن أفسد زوجة امرئ، أي: أغراها بطلب الطلاق، أو التسبب فيه، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الكبائر. وقد صرح الفقهاء بالتضييق عليه، وزجره، حتى قال المالكية بتأبيد تحريم المرأة المخَبَّبة على من أفسدها على زوجها؛ معاملة له بنقيض قصده؛ ولئلا يتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إفساد الزوجات. والذي ينبغي هو السعي في الإصلاح، وإزالة الخصام وأسبابه، قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (النساء: 35)، وقال سبحانه: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).

ولا يشترط في التخبيب أن يكون القصد الزواج من الزوجة المتزوجة، ولكنه من جنس عمل الساحر، كما قال تعالى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (البقرة: 102).

وكثيرا ما يتولى مهمة التخبيب أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الجيران ممن يطلع على أحوال الزوجين، من طرف الزوج أو الزوجة، وإن كان التخبيب يحدث أكثر ما يحدث من طرف الزوجة التي غالبا ما تنصت للمخبب وتتأثر بكلماته سريعا، دون تفكير في العواقب تحت ضغط الحزن أو الغضب أو الغيرة أو الحسد!. فتقع فريسة ضعف التقوى والجرأة على الظلم والاعتداء وكفران العشير.

فرحة الشيطان بالتخبيب

قال النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم:«إِنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي النَّاسِ فَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدَهُمْ فَيَقُولُ مَا زِلْتُ بِفُلاَنٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولَ إِبْلِيسُ لاَ وَاللَّهِ مَا صَنَعْتُ شَيْئاً. وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَـيْنَهُ وَبَـيْنَ أَهْلِهِ. قَالَ فَيُقَرِّبُهُ وَيُدْنِيهِ ويلتزمه وَيَقُولُ نِعَمَ أَنْتَ!».

إن التخبيب إفساد يأز عليه الشيطان ويسعى إليه ويفرح له! وهذه الحقيقة يجب أن تبقى راسخة في أذهان كل الأزواج واستحضارها أولوية وقت الخصام و”الشيطنة” وعد المساوئ والأذية!

من صور التخبيب في زماننا

للتخبيب صور كثيرة في زماننا ومنها التي قد نغفل على حقيقة أنها من جنس التخبيب، فلم يقتصر التخبيب اليوم على المشي بالنميمة والكذب والافتراء والوقيعة بالسوء بين الزوجين بشكل مباشر.

ولم يتوقف على إيغار صدر المرأة بالتلميح الخبيث أو بعد مساوئ الزوج وتحريضها على طلب الطلاق والخلع، أو حثها على النشوز وتحويل حياة زوجها إلى جحيم!

ولم يقف على فعل الشيء نفسه مع الرجل بعد سيئات زوجه وإغفال حسناتها، أو ذم أهلها وأخذها بجريرتهم.

ولم يتوقف على أن يتعلق رجل بامرأة متزوجة فيسعى لإقناعها بالطلاق والزواج منه والعكس كذلك، أن تشترط الزوجة الثانية طلاق الأولى بحجة إتمام سعادتها!

بل اليوم يتولى مهمة التخبيب الإعلام نفسه! فهو أكبر مخبب في زماننا، نشاهد التخبيب ينتشر في المسلسلات والأفلام فتفتن النساء بقصة تجذبها وتصبح كحلم لديها فتقارن زوجها بذلك الممثل الذي هو بالأصل يتقاضى أجرا على تمثيله وحياته الزوجية قد تكون أفشل مما يصورها، ولكنها تتعلق بهذا النموذج التمثيلي وتحاسب زوجها عليه ويزيد الطين بلة أن تحمل القصص المصورة تهوينا من حالة النشوز وتحريضا عليها، فتعتقد المرأة أنها بطولة! وأنها مجرد مطالبة بحقها وتفضل الطلاق على الاستمرار، بسبب مشاهد تمثيلية!

ونرى التخبيب اليوم في مواقع التواصل، ومن حسابات يزعم أصحابها أنها لدعوة الناس للخير والإصلاح، بينما يعمل صاحب الحساب كل وقته على إيغار صدر الرجل على زوجه فيعدد السيئات ويشجعه على الطلاق منها لأنها ليست النموذج المثالي الذي يصوره لزوجها، فترى المنشورات تسير بوصف نوع محدد من النساء فتعظمها وتذم أخرى يُغفل عن كل خير فيها في مخالفة صريحة لما كان عليه السلف، من عدل وتقوى، ثم ينظر الرجل في بيته ولا يجد تلك المواصفات التي يتم تعظيمها ويجد أمامه ما اعتاده وكان راضٍ عنه، وهكذا حتى لو كانت حياته مستقرة ولا ينقصه فيها خير، يحاصره الوسواس فيضيق صدره ويصبح يرى الجميل بشعا ويتحول حسن الظن لسوء الظن.

وبنفس الطريقة تنتشر حسابات نساء مخببات، تصور حياة المرأة التي لا يتوفر لها شروطا معينة بالججيم فتقرأ ذلك المرأة الضعيفة، فتصبح تنظر لزوجها كأنه الجلاد في البيت! وتنسى كل خير ومودة ويصبح حلمها النموذج المذكور في المنشورات! وكثيرة هي نماذج النساء المخببات في زماننا تنتشر كالنار في الهشيم بلا تقوى ولا أدنى خشية. تجمع النساء على مقاسات معوجة ومفاهيم هدامة قد تشربن من سموم النسويات!

وهناك صنف آخر يصنع التخبيب وهو لا يدري، من يتحدث بصيغة الأنا في طريقة تعامله مع المرأة فتجده يتحدث على أساس التباهي والإعلان، سأعامل زوجتي هكذا وأخرى تنافسه في نفس الفضاء سأعامل زوجي هكذا، ويدخل ضعيف وضعيفة فتقع في نفسيهما الكلمات موضع السوء، فيكفران بالنعمة التي بين أيديهما ويفكران في ذاك أو تلك!

إن التخبيب اليوم وصل لدقائق المشاهد فقد يحصل بدون نية أو قصد أو حتى بمجرد تلميح، مثل أن ترتسم في ذهن المرأة الصورة المثالية لصاحب حساب لا تعرف عنه إلا ما ينشره ويكتبه للناس فتعجب به وتحسب أن زوجها أقل منه مكانة ولا يلبي طموحاتها وهي تمضي في تقييم زوجها على أساس المقارنة بذلك الشيخ وبذلك الطالب وبذلك الناشط!

وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ · وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا

وهذه كارثة لا ينتبه لها الكثير من الناس، لأن النساء فيهن ضعف وقد تتعلق بحساب وهمي! وهي تحسب أنه فتى أحلامها ولا تدري المسكينة أن خلف المعرفات حقائق لا يظهرها الإعلام وقد يكون صاحب الحساب له زوجة أو زوجات يعانين سوء المعاملة وقسوة الطباع.

إن ما يجب أن يترسخ في ذهن كل امرأة ورجل، أن الصور التي نشاهدها في مواقع التواصل والإعلام للرجال والنساء، للمشاهير والمشتهرين، ليست هي الحقيقة الكاملة لما نرى، بل هناك جانب لا يظهره أحد لأنه يعيبه وهنالك حقائق النفس البشرية التي لا مناص منها، ولذلك كثيرا ما كانت تظهر النهايات المأساوية لزوجين اعتادا على إيغار صدور الأزواج بعرض حياتهما “المثالية” ثم تنتهي قصتهما بطلاق واعتداء أو بجريمة قتل!

وتكرر ذلك كثيرا في الغرب، فقد تصل شهرة الزوجين الآفاق ويضرب المثل بعلاقتهما المتينة وحبهما “الأسطوري”! ثم ما تلبث أن نسمع خبر خيانة أحدهما أو جريمة قتل يتخلص بها أحدهما من الآخر! وتتلاشى كل مشاهد الجمال والانسجام والحب التي كانا يروجان لها أمام الجماهير!

واليوم تضاعفت ظاهرة تصوير الأزواج لحياتهم الخاصة بكل وقاحة وبلا خجل، يعرض الرجل زوجه أمام الملايين ويحاولان رسم صورة الزواج السعيد المثالي، بينما يخفي هذا العرض حقيقة العلاقة بينهما ودوافع ذلك التي قد يكون من بينها المال! أو حتى نقص شديد وحاجة لما يروجان له في حياتهما الواقعية! ولله في خلقه شؤون!

كلمة أخيرة

العالم ليس شاشة الأنترنت ولا التلفاز، العالم الحقيقي هو الذي تعيشه داخل بيتك في ما حباك الله من نعم، انظري أيتها المرأة في زوجك واستخلصي منه كل خير وغضي الطرف عن كل نقص وقصور، والرجل كذلك احمد الله على نعمة الزوجة وأصلح ما استطعت إلى ذلك سبيلا،

أديموا نعمة الستر بالشكر والامتنان، وبالرضا والقناعة ومحاولة إخراج أفضل ما عند الطرف الآخر.

إن الحياة ليست مثاليات خالية من المثالب بل هي ملحمة من الابتلاءات والصبر والتجلد! لا يهونها إلا فقه “العشرة بالمعروف” و”الاحتساب” والرغبة فيما عند الله جل جلاله.

كوني طيبة وكن طيبا وترفعا عن مشاهد التضليل، فإن في البيوت أسرارا كثيرة وأفضل البيوت هي تلك التي أدامت نعمة الشكر وحفظ المعروف، وتقدير العشير فبارك الله لأصحابها وأقر أعينهم.

إننا في عالم يزدحم بالفتن وهي تسير بيننا حتى في دقائق الأمور، ولا ننتبه لها. وكم من مريد للخير لا يبلغه وكم من رامٍ للإصلاح يفسد بيديه ما لا يمكن جبره.

فعلى كل داعية وكل صاحب حساب أن يضع هذه الحقيقة بين عينيه حين يكتب، فيتق الله في الحرف يخطه ويعلم أن النفوس ضعيفة ولسنا في عصر من النبل والفضيلة، تواجه فيه القلوب الشبهات فتثبت بل اليوم يكفي أن تمر شبه شبهة! لتقع القلوب فريسة الهوى والضلال والعياذ بالله.

أيها الناس إن القلوب اليوم ضعيفة لانشغالها بالدنيا وتعلقها المزمن بملذاتها وشهواتها وأهداف يحسبها الناس عظيمة، بينما الدنيا كلها بما حملت وجمعت وازدانت من زخرف ومتاع ولذائذ، لا تساوي عند الله جل جلاله جناح بعوضة. فتعسا لمن سار فيها بالظلم والأذية.

اللهم ألف بين قلوب الأزواج وأصلح ذات بينهم، واكفهم شرور المخببين والمخببات وقيض لهذه الأمة أسباب الثبات والانبعاث.


[1]  (أخرجه أبو داود، صححه الألباني)

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
أحمد الغريب

نعم بارك الله فيكم ونسأل الله العافية اللهم آمين.

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x