مما يجدر التنبيه عليه ..
إن من أخطر مواطن الضعف لدى كثير من المنظّرين والجماعات الإسلامية اليوم، الاندفاع نحو استنساخ تجارب بشرية قاصرة لدول مضت في التاريخ، والاعتقاد بأنها النموذج الذي يجب بلوغه لمجرّد ما حققته من قوة وتمكين وسيادة في زمانها. وهذا خطأ فادح.
فنحن – وقد وصلنا إلى مرحلة عميقة من استضعاف المسلمين وتخلّفهم عن دين الله تعالى وميادين السيادة والريادة – مكلّفون بالعودة إلى المنهج النبوي الخالص، لا بالتشبّث بأنماط دول وأقوام زال سلطانهم، وانطوت صفحاتهم بحسناتهم وسيئاتهم ومخالفاتهم، ولم يبق منها إلا عبرة لمن اعتبر.
وما لم يدركه بعض الناس أن الغاية اليوم ليست إقامة دول لرفاهية معيشية فحسب، بل إن مهمتنا أعظم وأدق: إنها لعودة الكاملة إلى دين الله على منهاج النبوة وتبليغ الرسالة كما جاء بها نبينا ﷺ، بعيدًا عن تحريفات المتأولين وتلبيسات المبتدعين وانحرافات أصحاب الأهواء، لأن السيادة في آخر الزمان مرهونة بهذا المنهج وحده.
وفي هذا حكم جليلة، في مقدمتها، أداء الأمانة كما أنزلها الله نقية من الانحرافات التي طرأت على لا إله إلا الله على امتداد محور الزمن، ليعيش الناس عظمة الدين حين يُصان من محاولات إخضاعه للأهواء وحظوظ النفوس والانحرافات البشرية.
ولذلك يجب أن تُبنى الخطط والاستراتيجيات على هذا الأساس:
– بالتأدب مع التجارب التاريخية دون أن تُتخذ قوالب جاهزة للتقليد العاجز.
– وباستقراء المستقبل على ضوء أحاديث آخر الزمان ونبوءات النبي ﷺ.
وهذا كله يستلزم مراجعة صادقة واعية للأخطاء الماضية، واستثمار معطيات الواقع بذكاء وحكمة، للوصول إلى الهدف الأسمى وهو ترسيخ منهج النبوة وجعله غاية كل مشروع؛ فالدول تُسخّر لنصرته وحفظه، لأنها وسائل لا غايات، بينما الغاية الحقيقية هي إقامة الدين كما أراده الله، لا كما تمليه أهواء البشر ومصالحهم وغريزة حب البقاء والتفوق.
وبهذا تتجلّى آية من آيات الله الكبرى…
إذ يقود عباده عبر السنن والابتلاءات والآيات الجليلة إلى قضاء كان مفعولا، يتحقق به عمران بيت المقدس، وتتوج به كل الاستراتيجيات الصادقة التي جعلت من تحكيم منهج النبوة في الأرض غاية تُفدى، وتُسخَّر لها كل وسيلة وطاقة ونَفَس وحِسّ.
لقد ولّى زمن الملك العضوض! وما ينتظر هذه الأمة هو العودة المهيبة لمنهاج النبوة. فلن نرجع للخلف! بل نرتقي بأمانة وصدق..