الإسلام في جنوب آسيا: شبه القارة الهندية منذ الثورة إلى التقسيم

عاش المسلمون سادة في شبه القارة الهندية خلال فترة الفتوحات ودولة بني أمية، لكن بعد ذلك ضعفت الدولة الإسلامية، ومع ضعفها ضعف تطبيق الشريعة، وتساهل الناس في الأحكام واعتمدوا في تسيير شؤون الدولة على ما تقتضيه مصالحهم فأوكلهم الله تعالى لأنفسهم، ودفع المسلمون ثمن استسلامهم للوثنيين من الهندوس عباد براهما والبوذيين عباد بوذا وما تفرع من هاتين الديانتين.

ثمن التفريط بالشريعة

ولعل أحد أهم أسباب هذا التهاون في تطبيق شريعة الله يرجع إلى أن معظم المسلمين الذين استقروا في الهند كانوا من حديثي العهد بالإسلام، فلم يعرفوا دينهم حق المعرفة، ولم يعملوا على تطبيقه بل لم يكن الأمر بأيديهم. ففاقد الشيء لا يعطيه فقد كانوا بحاجة لتربية إسلامية صحيحة، ليتخلصوا من عاداتهم وتقاليدهم الوثنية.

وأدى هذا التفريط في الإسلام كحكم ومنهج حياة إلى غلبة التفكير المصلحي والنفعي الذي دفع أكثر حكام الهند إلى إرضاء رعيتهم الهندوس وبلغ الأمر ببعضهم أن عمل على إيجاد دين من الإسلام والهندوسية، فذهب إلى تحريم ذبح البقرة والسماح بزواج المسلمين من الهندوسيات والهندوس بالزواج من المسلمات، وأباح الخمر في سبيل إرضاء أكثرية الرعية من الهندوس ويضمن استقرار الوضع في سيطرته.

وهو ما فعله الحاكم المغولي “أكبر شاه” وغيره من حكام المقاطعات، وكان من تداعيات ذلك إيجاد ديانات من هذا النوع كالسيخ في منطقة البنجاب، والقاديانية التي قامت تحت تأثير الحكام الإنجليز وغيرها من ديانات لا تزال إلى اليوم وتحظى بدعم بريطاني، داخل الهند وخارجها.

ومما يجب الإشارة إليه إلى تأثير هجرة العلماء والدعاة القادمين من بلاد وراء النهر، المولعين بفلسفة اليونان وعلومها أكثر من اهتمامهم بدراسة القرآن والسنة وعلومهما، فأحدث ذلك ضعفا كبيرا في فهم الإسلام والعناية بجوهره، بل وأدى إلى تحريف الفهم الصحيح لنصوص الدين.

وجلبت حركة الهجرة إلى الهند المتصوفة الذين يقولون بالحلول ووحدة الوجود والذين قدموا بأعداد كبيرة، واتفقوا مع متصوفة الهندوس الذين يقولون بالحلول أيضا، فشجعهم ذلك على اعتناق الإسلام على أساس هذا الفهم الفاسد وحسبوا أنفسهم مسلمين وهم على الكفر!

وانتشرت الفرق الضالة بالتوازي كالإسماعيلية والرافضة، ووصل تأثيرهم إلى الحكام حيث اعتق بعض الحكام في الهند الرفض وعمل على نشره والترويج له فكثر أتباعه.

ومما ساهم في تعقيد الوضع وصعوبة الإصلاح، جهل أكثر الناس باللغة العربية، لأصولهم غير العربية، كالترك والمغول والفرس، وبتضييعهم لغة القرآن والسنة أضاعوا الكثير من العلم الواجب بدين الله تعالى.

وبدل التشجيع على تعلم العربية لقراءة كتاب الله كانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية في الهند، وكانت ألفاظ القرآن تترجم لها فضعف الفهم والتأثير القوي للقرآن.

وضيع الحكام وقتهم في الاقتتال على السلطان والنفوذ وفرض الضرائب وإرضاء الرعية على حساب الدين والدعوة ونشر الإسلام، فكان لذلك تداعيات كارثية على حركة الإسلام في شبه القارة الهندية.

صورة

سيف السلطان تيبو

ومن كان يحاول أن يتمرد على هذه الطريقة كان له الإنجليز بالمرصاد، كما حصل مع  السلطان “تيبو” الذي رغم بطولاته التي يشهد لها تاريخ الهند، أجبر –بسوء فهم وتقدير منه- رعيته من الهندوس على الإسلام بالقوة، فتربص به الإنجليز حتى قضوا على قوته وقتلوه في مستهل عام 1214هـ. وارتدت الجموع التي أجبرت على الإسلام بالجملة.

وهذا لا يعني عدم وجود أثر للدعوة الصحيحة والجهود العلمية الحثيثة، بكل كانت حاضرة بلا شك، بفضل تفاني عمال لله مخلصين قدموا النصيحة والموعظة ونشروا الإسلام بما توفر لهم من طاقات وأسباب، لكن قلة عددهم لم تسمح لهم بالتأثير مقابل غلبة الباطل.(1)

تيبو سلطان

طابع بريد يخلد ذكرى تيبو سلطان (مواقع التواصل)

عادت سيرة الحاكم المسلم تيبو إلى الواجهة حديثا بعد ما أعلنته حكومة ولاية كارناتاكا من عزمها على تغيير اسم خط القطار الذي يربط بين مدينتي مايسور وبنجلور ليحمل اسم “ووديار”، بعد أن كان يسمى على اسم هذا الحاكم الشهير.

واعترض البرلماني الهندي الشهير أسد الدين عويسي على القرار -عبر حسابه على تويتر- قائلا “أعلنت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا تغيير اسم القطار من تيبو إلى ووديار، وذلك لأن تيبو يزعج الحزب الحاكم لأنه شن 3 حروب ضد أسيادهم البريطانيين”.

وأضاف عويسي “لن يتمكن حزب بهاراتيا جاناتا أبدا من محو إرث تيبو، لقد أخاف البريطانيين عندما كان على قيد الحياة، وحتى الآن يخيف عبيدهم”.(2)

وقال الصحفي الهندي سانجاي كابور “كان تيبو سلطان شهيدًا في قضية مكافحة المستعمرين البريطانيين، وأولئك الذين يعارضون ذاكرة تيبو يساعدون الأعمال البريطانية غير المكتملة في الهند”.

وأعلن البريطانيون الحرب ضد مايسور، وحشدوا مع حلفائهم أكثر من 50 ألف مقاتل مزودين بمدفعية متقدمة، وفرضوا حصارًا مشددًا على معقل تيبو سلطان في سريرانجاباتانا، وطلبوا منه الاستسلام التام غير المشروط. (3)

لكن تيبو سلطان رفض الاستسلام واختار المقاومة حتى آخر رمق، وشن بعض الهجمات المضادة القوية ضد القوات الإنجليزية، وكبَّدها بعض الخسائر، لكنه رغم الصمود عامًا كاملًا، فإنَّه عجز عن إلحاق الهزيمة بخصومه، ليستشهد في ميدان المعركة ويتحول لرمز بطولي في تاريخ الهند.

من مقولاته الشهيرة:””أن تعيش مثل أسد ليوم أفضل من أن تعيش مثل ابن آوى لمدة 100 عام”.

وسيرته سيرة بطل تستحق البحث والدراسة لما أظهره من نبوغ وتفوق وقدرات قيادية فذة.

 اشتداد العداء الهندوسي

استغل الهندوس ضعف المسلمين ودعم المحتل الصليبي الإنجليزي وتقريبه لهم، فأعلنوا الحرب على المسلمين، ولخص الهندوس أهدافهم المعادية للمسلمين بخطوط عريضة فيما نشره أحد الثوريين الهندوس المدعو “هارديال” في جريدة “بارتاب” التي كانت تصدر في لاهور أيام الحكم البريطاني، وقال “هارديال” إن مستقبل الجنس الهندي وهندستان وبنجاب يقوم على أربع دعائم وهي :

  • 1-  مالكانان أي الوحدة،
  • 2 – الراجا أي الإله الهندي رام راجاه ومعناه وحدة العقيدة وإجبار السكان كلهم عليها .
  • 3 – شوني: أي إرجاع المسلمين الهنود إلى عقيدة الهندوس.
  • 4- دخول أفغانستان ومناطق الحدود وردة أهلها عن الإسلام.

وتابع “هارديال”: وما لم يقم الهندوس بتحقيق هذه الاعتبارات الأربعة فسيجابه أولادنا وأحفادنا خطراً دائماً، ولن تكون سلامة الجنس الهندي مضمونة”.

ومع اشتعال الأحقاد اللئيمة في صدور غلاة الهندوس وجمعهم ضد المسلمين إلا أن بعض قادتهم ومنهم غاندي، كانوا يعلمون أن هؤلاء المسلمين لم يكونوا فريسة سهلة، فكانوا يخشون قوة يعلمون أنها فيهم وشجاعة عرفوا بها، والأهم من ذلك قدرة على التضحية لما يحبون ويعتقدون، فأدركوا أن إحياء حب الشهادة في سبيل الله تعالى، ووجود رابطة الأمة الواحدة والدعم من المسلمين في كل مكان في العالم، سيكون له تداعياته السيئة على الحركة الهندوسية، ولذا كان غاندي يظهر بالمظهر المعتدل، ويبدي أنه مؤيد لبعض مطالب المسلمين ليكسب بعض عناصرهم، وليحصل على تأييدهم ويكون مركزه على شيء من القوة.

وعمد الإنجليز إلى دعمه وتقوية مكانته في البلاد وحظي كذلك بدعم بعض المسلمين السذج، وساهم في مشهد الدعم، العلمانيون الذين ينتسبون للإسلام، وجعلوا من غاندي قدوة لهم، ودعاية لمعتقداتهم في زعم أن الدين لا يؤثر على العلاقات مع الهندوس.

وقد أدرك الإنجليز أهمية هذا الصنف ممن ينتسبون للإسلام إسميا، فقربوهم وسلموهم زمام قيادة المؤسسات الإسلامية،  ليبقى الإسلام مقصوص الجناح في الهند، ويذكر اسمه دون العمل به وله.

وكما رفع الإنجليز غاندي عمدوا لرفع محمد علي جناح، كممثل عن المسلمين لا يطبق الإسلام، وترأس حزب الرابطة الإسلامية، وأطلقت عليه وسائل الإعلام اسم “سفير الوحدة الهندية”، واشتهر بتصريحاته الوطنية التي كانت تدغدغ مشاعر المسلمين.

تأثر المسلمين بالهند بما يجري بالعالم الإسلامي

بالتوازي مع ما كان يجري في الهند تأثر المسلمون بالحركات العلمية والإسلامية خارج بلادهم، ووصلت الدعوات المؤثرة إلى الهنود المسلمين مثل دعوة  الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية، ودعوة المهدي في السودان اللتان كان لهما الأثر في الهند وسار على نهجهما كثير من المسلمين.

وعندما نفى الإنجليز أحمد عرابي من مصر إلى جزيرة سرنديب (ميلان) هرع المسلمون الهنود إلى منفاه يسألونه عن مصر وأوضاعها، وعن المهدية وأوضاع السودان و قام المسلمون بمظاهرات عنيفة عام 1330هـ ينددون بموقف إيطاليا، واحتلالها لليبيا، وجمعوا التبرعات رغم فقرهم وأرسلوا البعثات الطبية، وبدأت دعوة التطوع للذهاب إلى ليبيا لمجاهدة الطليان.

واستمرت مواقف المسلمين في الهند على مستوى أحداث العالم، كما احتجوا على موقف بريطانيا ضد الدولة العثمانية في حرب البلقان ونددوا بمعاملة هولندا الوحشية للمسلمين في إندونيسيا. وكانوا يرفضون فكرة الوطن اليهودي في فلسطين، ويؤكدون على ضرورة بقاء فلسطين مسلمة.

وقامت لأجل ذلك مظاهرات عارمة في كل أنحاء الهند على نقض بريطانيا لعهودها التي قطعتها للعرب أثناء الحرب العالمية الأولى وقامت مظاهرات أشد منها عندما ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية في 27 رجب 1342 هـ ( ٣ آذار 1924 م) وبرز خلال هذه التحركات، محمد إقبال الشاعر المعروف، وأبو الكلام آزاد، ومحمد علي جناح، وتشكل حزب الخلافة الذي عمل على إقناع الأتراك بالإبقاء على الخلافة، والحث على عدم تقسيم تركيا.

لكن هذه التحركات لم تكن بعيدة عن أنظار الهندوس الذين كانوا يراقبونها بقلق وببغض وكراهية.

خاصة أن هذه الأحداث وحدت المسلمين وبثت فيهم شعور الأمة الواحدة، وواجب نصرة دينهم، وبالفعل شجع ذلك المسلمين على الدعوة إلى الوحدة الوطنية والوقوف وجه المحتلين الدخلاء من الإنجليز، والمطالبة بتأسيس دولة واحدة تضم جميع المسلمين، وقد رأى هؤلاء أنه من المصلحة الانضمام إلى حزب المؤتمر الوطني لتوحيد الجهود لتحقيق ذلك.

حركة الخلافة

يحدثنا أحد أشهر أعلام الهند، أبي الحسن الندوي في كتابه “المسلمون في الهند” صفحة 193، عن حركة الخلافة التي عرفتها الهند قبيل التقسيم فيقول:” وكان رئيس أساتذة دار العلوم ديوبند مولانا محمود حسن (الذي اشتهر بعد بلقب «شيخ الهند») من كبار الحاقدين على الحكومة الإنجليزية، ولا نعرف أحداً بعد السلطان تيبو من يبلغ مبلغه في عداء الإنجليز والاهتمام بأمرهم، ومن كبار أنصار الدولة العثمانية التي كانت زعيمة العالم الإسلامي، وحاملة لواء الخلافة، وكان من كبار الدعاة إلى استقلال الهند، وتأسيس الحكومة الوطنية الحرة، وكان من الذين ملكتهم هذه القضية وتفانى فيها، وحاول الاتصال بحكومة أفغانستان ورجال الدولة العثمانية كأنور باشا وغيره، وقد أسرته حكومة الشريف حسن سنة 1916م في المدينة المنورة، وسلمته إلى الحكومة الإنجليزية التي نفته وزملاءه وتلاميذه (مولانا حسين أحمد المدني، ومولانا عزير كل، والحكیم نصرت حسين، والأستاذ وحيد أحمد) إلى جزيرة مالطا سنة 1335 هـ ـ 1917م، مكثوا هنالك إلى سنة 1338 هـ – 1920م وكان مولانا عبد الباري الفرنجي محلي مؤسس جمعية العلماء من كبار المتحمسين للقضية الوطنية، ومن كبار قادة حركة الخلافة . وفي سنة 1918م صدر تقرير رولت (Rowlatt Report) وهوجم فيه المسلمون بصفة خاصة مهاجمة عنيفة، واتهموا بالثورة، وكان رد الفعل عنيفاً ضد هذا التقرير في طول الهند وعرضها . وفي سنة 1919م أطلق سراح محمد علي وشوكت علي وتجلى اتحاد المسلمين والهنادك في أروع مظاهره، واتحدوا في مهاجمة الحكومة الإنجليزية وسياسة حلفائها في قضية الحكومة العثمانية، والنداء إلى تحرير الوطن وتأسيس الحكومة الاستقلالية، وأصبحت الهند كمرجل ثائر يغلي حماسة وثورة” .

المكر الإنجليزي

كان يسمح للناس في الهند البريطانية بأن يجوعوا حتى الموت من منطلق أيديولوجي وكل ذلك باسم السوق الحرة – جيتي

وكانت حركة مقاطعة البضائع الأجنبية ومقاطعة الحكومة الإنجليزية والإضراب عن التعاون معها في دوائرها وفي جيوشها، أمضى سلاح استعمل في حرب التحرير والكفاح الوطني في أي بلد حسبت له الحكومة الإنجليزية كل حساب، وكاد يشل الجهاز الإداري، وينشر الثورة العامة، وكان كل ذلك ينذر بانتهاء الحكومة الإنجليزية، ويحرج جهاز الحكومة البريطانية في هذه البلاد البعيدة، إلا أن السياسة الإنجليزية أطلقت سهمها الأخير الذي لا يطيش عادة في البلاد الشرقية، وهو سهم “فرق تسد”، حيث أقنع الحاكم العام ورجال الحكومة أحد الزعماء الوطنيين الهنادك بضرورة الدعوة إلى الديانة الهندوكية، وإرجاع من دخل من أهل البلاد في الدين الإسلامي إلى ديانتهم القديمة، وتنظيم الشعب الهندوكي على أساس ديني قومي حربي، فقد ظهر تفوق المسلمين وحماستهم وحسن نظامهم في حركة الخلافة والتحرير، وكانت القيادة السياسية في أيديهم، لأن القضية التي كانت تثير الجماهير قضية إسلامية تتصل بمركز الخلافة كما أشار لذلك أبو الحسن الندوي في كتابه.


الدعوة والتبشير بديانة البرهمية والآرية


ومن هنا ظهرت الدعوة والتبشير بالديانة البرهمية والآرية وتنظيم الهنادك على طراز حربي، وانتشر دعاتها في الهند، وظهرت إزاء ذلك حركة الدعوة إلى الإسلام وتنظيم المسلمين على أساس مستقل، وبدأت المناظرات الدينية والخطب العاطفية والحماسية.

وانفجرت الاضطرابات بين المسلمين والهندوس من جديد في شبه القارة الهندية .واستمرت حتى كانت في سنة 1927م في بضعة شهور فقط خمسة وعشرون اضطراباً، واستمرت الفجوة بين المسلمين والهنادك، تتسع وتتعمق، والاتجاه إلى الانفصال في الزعماء يزداد قوة حتى أصبح واقعاً عملياً.

وبدأ الزعماء الوطنيون المسلمون يشعرون ويقتنعون بأن الزعماء الوطنيين الهنادك وعلى رأسهم الزعيم غاندي – لم يستعملوا كل نفوذهم في وقف هذه الاضطرابات وفي محاسبة شعبهم وأصحاب ديانتهم الذين يكونون الأكثرية في البلاد – وأظهر تعاملهم مع هذه الاضطرابات زيف الشعارات الفارغة عن الوطنية التي كانوا يطلقونها في زمن قريب.

تنامي الرغبة في الانفصال

واشتدت مطالب المسلمين الذين يرون ضرورة الانفصال عن الهندوس، وتأسيس دولة واحدة من المقاطعات التي يشكل فيها المسلمون أكثرية. وعرفت هذه الدولة باسم “باكستان” وأول من دعا إلى ذلك الشاعر الفيلسوف محمد إقبال، ونادى بها الطلاب المسلمون الذين يدرسون في إنجلترا.

 وانقسم أصحاب هذا الرأي إلى اتجاهين: أحدهما يرى الاستقلال ضمن باكستان والارتباط مع الإسلامي، على اعتبار أن باكستان جزء من الأمة الإسلامية وذلك في ظل الخلافة الإسلامية، ويُمثل هذا الجناح محمد إقبال.

ثانيهما ويرى الاستقلال ضمن باکستان والدعوة إلى إسلامية باكستانية محلية، وقد قوي هذا الاتجاه بعد أن أقدم مصطفى كمال أتاتورك على إلغاء الخلافة الإسلامية.

وقد خف ضغط الإنجليز عن المسلمين عندما بدأوا ينادون بالعصبية الإسلامية المحلية، ويبتعدون عن قضية الخلافة والوحدة الإسلامية، ولعلّ من أبرز من كان يمثل هذا الجناح محمد علي جناح.

كما برز المسلمون الذين يرون بقاء المسلمين والهندوس ضمن دولة واحدة مع ضرورة تشكيل جمعية إسلامية قوية تعمل على نشر الإسلام بين الهندوس كما تعمل للحكم حسب الشريعة الإسلامية، وقد كان الخوف على مستقبل المسلمين في الهند، وعلى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في پاکستان، ولعل من أبرز أصحاب هذا الرأي أبا الأعلى المودودي.

المطالبة باستقلال المسلمين

طالب المسلمون أن تكون لهم السيادة في المقاطعات ذات الأكثرية المسلمة فرفض حزب المؤتمر ذلك رفضاً بشعاً، وتكلم غاندي وأتباعه كلاماً غير مقبول، وأصدر حزب المؤتمر قراراً يقضي بشرك لغة الأوردو التي هي لغة المسلمين في المنطقة، واللغة الرسمية في البلاد، وجعل اللغة الهندوسية لغة رسمية على حين أن أكثرية السكان لا يفهمونها، ومن المفارقات أن الهندوس الذين أخذوا يهاجمون لغة الأوردو لم يكن لديهم من لغة يهاجمونها بها وأسلحة يُشهرونها في وجهها إلا لغة الأوردو، ذاتها، ولكنه العداء المحض للمسلمين!

دفعت مواقف الهندوس العدائية المسلمين للعودة إلى فكرة باكستان وتقسيم بلاد الهند. وطالبوا الحكومة الإنجليزية بالبقاء في الهند حتى يتم التقسيم كي لا يستأثر الهندوس بالحكم، ويطبقوا ما يريدون والغريب أن المسلمين كأنهم قد غفلوا عن موقف الإنجليز منهم، ووقوفهم إلى جانب الهندوس علناً ونسوا جرائمهم أثناء الثورة، والمجازر التي سطروها بحقهم.

وهو ما شهده المسلمون بوضوح أثناء التقسيم، فقد برز ” ونهرو ” وهو تلميذ غاندي المتعصب الهندوسي، الذي رفض فكرة التقسيم لأجل إبقاء المسلمين تحت نفوذ الهندوس حتى يبقى بإمكانهم التحكم بهم وإذلالهم واستعبادهم، وكان يخالف أستاذه غاندي، في مجاملة المسلمين أحياناً،  وطالب الهندوس أيضا بالاستقلال، وعددهم مائة مليون، وهددوا باعتناق الإسلام، فأغراهم غاندي وطلب منهم السكوت في هذه الظروف، وأن لهم ما يريدون في المستقبل وشكل الهندوس سبع وزارات كانت تسيء بشكل كبير للمسلمين.

الحرب العالمية الثانية

اندلعت الحرب العالمية الثانية في 17 رجب 1358 هـ (الأول من أيلول 1939 م) ودخلت حكومة الهند الحرب دون أخذ رأي وزارة حزب المؤتمر التي تحكم الهند محلياً، فاستقالت الوزارة وتعقدت الأوضاع، خاصة عندما دخلت اليابان الحرب واحتلت أندونيسيا والهند الصينية وبورما، واقتربت من حدود الهند فأعلنت إنجلترا أنها ستعطي الهند الاستقلال بعد الحرب مباشرة، ورحب حزب المؤتمر بهذا الإعلان، وطالب باستلام الحكم.

يقول أبو الحسن الندوي في “كتابه المسلمون في الهند” صفحة 200:”وفي عهد رئاسة مولانا أبو الكلام آزاد رئيس المؤتمر الوطني، وتحت إشرافه وتوجيهه نالت الهند الاستقلال، ويدل كتابه الهند تنال الاستقلال Freedom India Wins على أنه كان العقل المفكر الموجه في جهاز المؤتمر الوطني، وكان يسيطر على زملائه وعلى الجهاز الإداري وسياسة البلاد بعقله النابغ ونظره البعيد، وشخصيته القوية . وله في حركة استقلال الهند والكفاح الوطني أوفر نصيب يمكن أن يكون لزعيم وطني” .

واقتنع المسلمون تماما من استحالة الاتحاد مع الهندوس في دولة واحدة، وأنه لا ضمان لهم على لغتهم وثقافتهم ودينهم، بل وحتى على حقوقهم الأولية إن بقي الحكم بيد الهندوس، وأصبح واضحا لديهم موقف الإنجليز، وظلمهم، ما عز مطالب الانفصال عنهم، وكان هذا رأي حزب الرابطة الإسلامية، وكثير من أعيان الهند وعامتهم، على حين رأى بعض العلماء ضرورة البقاء مع الهندوس في إطار واحد لمصلحة الدعوة والأقلية المسلمة التي ستبقى تحت حكم الهندوس.

وقد كثرت الاقتراحات حول مستقبل المسلمين في الهند وكثرت المشروعات المتقدمة، وكانت كلها تدور حول الاتحاد أو الانفصال التام، ويكاد يكون عام 1358 هـ (1939 م) هو عام هذه الاقتراحات والمشروعات والمناقشات وخاصة النصف الثاني منه بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان بعض هذه المشروعات والاقتراحات يقتصر على انفصال المقاطعات التي يتألف سكانها من أكثرية مسلمة على حين أن بعضها الآخر يضيف إليها شريطاً على نهر الغانج ليتصل غربي الهند بالبنغال في الشرق.

مؤتمر لاهور

لجنة العمل للرابطة الإسلامية في جلسة لاهور

كان محمد إقبال قد دعا إلى تشكيل دولة باكستان والانفصال عن الهندوس، وذلك في رسالته إلى محمد علي جناح المؤرخة في 18 ربيع الأول 1356 هـ (28) أيار 1837م، وتوفي محمد إقبال في 21 صفر 1357 هـ (21) نيسان 1938 م)، وعقد مؤتمر السند الإقليمي للرابطة الإسلامية في كراتشي برئاسة محمد علي جناح وقرر في 16 شعبان 1357 هـ (10) تشرين الأول (1938م) القرار الآتي: “وإن مؤتمر السند الإقليمي للرابطة الإسلامية يعتبر أن من الضروري كلية من أجل سلام دائم في القارة الهندية الشاسعة، ومن أجل تطور ثقافي ليس له ما يعوقه، ومن أجل الرقي الاقتصادي والاجتماعي وتقرير المصير السياسي للأمتين المعروفتين باسمي الهندوس والمسلمين، أن تقسم الهند إلى اتحادين على أن يكون ثمة اتحاد الدول الإسلامية، واتحاد للدول غير الإسلامية وعلى هذا فإن المؤتمر يتقدم بتوصية إلى الرابطة الإسلامية العموم الهند أن تعد مشروع دستور يمكن بموجبه للأقاليم ذات الأغلبية الإسلامية وللدول الإسلامية الوطنية، وللمناطق التي تقطنها أغلبية إسلامية، أن تحصل على الاستقلال الكامل في صورة اتحاد قاصر عليها مع إمكانية انضمام أية دولة إسلامية خارج حدود الهند إلى هذا الاتحاد وأن يكفل الدستور ضمانات للأقليات غير المسلمة مماثلة للضمانات التي يقر بها للأقليات الإسلامية في الاتحاد الهندي غير الإسلامي”. (4)

وهكذا دعا القرار إلى تأسيس مجموعة ولايات مستقلة كما في البيان. لكنه تطور القرار كمطلب لدولة إسلامية منفصلة تسمى پاكستان. (5)

بالرغم من أن اسم “پاكستان” كان قد اقترحه شودري رحمة علي في كتابه إعلان باكستان، في عام 1352هـ (1933م)، إلا أن محمد علي جناح وغيره من القادة تمسكوا باعتقادهم في الوحدة بين الهندوس والمسلمين. ولكن المناخ السياسي المتقلب أعطى دعما أقوى لفكرة قيام دولة للمسلمين. (6)

الحجر الأساس لتأسيس دولة باكستان

منارة باكستان أين جرى الاتفاق على قرار لاهور

لقد كان قرار لاهور الحجر الأساسي في تأسيس دولة باكستان بعد أن يئس المسلمون من إيجاد حل معقول للتعايش مع الهندوس، وبعد الحرب العالمية الثانية اجتمع المسلمون في دهلي في جلسة تشريعية وأبانوا فيها أسباب دعوتهم لاستقلالهم عن الهندوس، رغم المساعي التي بذلها زعماء الهندوس ليعدل المسلمون عن مطالبهم وكان المؤتمر في دهلي قد عقد في 7 جمادى الأولى 1365 هـ (نيسان 1946م)، وكان قرار هذا المؤتمر مبنياً على مؤتمر لاهور السابق الذي عقد قبل سنت سنوات. وقد جاء نص القرار كالأتي:

“بما أنه يوجد في شبه القارة الهندية الواسعة مائنا مليون مسلم ينتمون إلى عقيدة تنظم كل ناحية من نواحي حياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولا تقف عند حدود الأمور الروحية والعقدية والمناسك مما يختلف اختلافاً كلياً وجذرياً مع تعاليم الديانة الهندوسية وفلسفتها التي ما زالت منذ آلاف السنين تغذّي وتدعم نظاماً طبقياً قاسياً أدى إلى إنزال ستين مليون إنسان إلى منزلة المنبوذين، وجعل حواجز غير طبيعية بين إنسان وآخره وامتيازات اجتماعية واقتصادية، كما أدى إلى حرمان فريق كبير من أبناء هذه البلاد من العدالة، وهو يهدد المسلمين والنصارى وغيرهم من الأقليات بتردِّ اجتماعي واقتصادي لا يمكن النهوض ولما كان نظام الطبقية الهندوسية يتنافى صراحة مع الوطنية والعدالة والديمقراطية ومع جميع المثل النبيلة التي يقوم عليها الإسلام.

وبما أن الماضي التاريخي لكل من الفريقين المسلمين والهندوس، وما لكل منهما من عادات وثقافات ونظم اجتماعية واقتصادية، قد جعل من المستحيل دمجهما في وحدة وطنية مستوحاة من أمال ومثل مشتركة.

وبما أنهما ما زالا بعد مرور قرون على وجودهما معاً شعبين وبما أنه بعد أن أدخل البريطانيون إلى الهند نظام الأكثرية السياسي على غرار الديمقراطية الغربية القائمة على حكم الأكثرية بمعنى أن الأكثرية في قوم ما، أو في جماعة ما تستطيع أن تفرض إرادتها على أكثرية من قوم آخر أو جماعة أخرى على الرغم من معارضة هذه الفئة، كما حدث خلال سنتين ونصف من حكم حكومات المؤتمر الهندوكي التي تشكلت في العهد البريطاني في الولايات التي أكثرية أهلها هندوسية، حيث خضع المسلمون فيها إلى ما لا يوصف من مضايقات وضغوط، مما أدى إلى قناعة المسلمين ببطلان هذا النظام وعدم جدوى ما سمي بالحماية الدستورية، وما جاء في التعليمات المعطاة إلى الحكام، وانتهى بهم الأمر إلى النتيجة الحتمية، وهي أنه إذ أقيم اتحاد “فيدرالي” في الهند فإن المسلمين، حتى ولو كانوا أكثرية في بعض الولايات، لن يكونوا أحسن حظاً مع الهندوس، وأن حقوقهم لن تصان قط مع وجود أكثرية هندوكية دائمة في الحكومة المركزية.

وبما أن المسلمين مقتنعون بأن إنقاذ مسلمي الهند من السيطرة الهندوكية وإعطاءهم الإمكانية الكاملة لتطوير أنفسهم على قدر عبقريتهم لا تتم إلا بإنشاء دولة مستقلة ذات سيادة تضم البنغال وأسام في الشمال الشرقي، وتضم البنجاب وولاية الحدود الشمالية والسند وبلوجستان في الشمال الغربي لهذا يصرح المؤتمر الإسلامي لجميع الهند، مركزاً وملحقات، في جلسته التشريعية بعد أن أخذ بعين الاعتبار كل الأمور، بأن الأمة الإسلامية لن تخضع قط لأي دستور يقضي بوحدة هندية، ولن تشترك بأية هيئة دستورية ترمي إلى هذه الغاية، وأن أي حل تفرضه الحكومة البريطانية لتحويل السلطة من الإدارة البريطانية إلى الشعب الهندي لا يتفق مع المبادىء التالية العادلة المدروسة لحفظ السلام الداخلي وهدوء البلاد لن يساهم في حل القضية الهندية.

والحل هو أن تتشكل في المناطق المشتملة على البنغال وأسام في الشمال الشرقي ومن البنجاب ومنطقة الحدود الشمالية الغربية وولايتي السند وبلوجستان في الشمال الغربي من الهند أي مناطق (باکستان) حيث يُشكل المسلمون الأكثرية الساحقة، دولة مستقلة ذات سيادة وأن تتخذ التدابير الحاسمة لإقامة هذه الدولة دون تأخير”.

وفي نهاية المؤتمر ردد الجميع هذا الإعلان:

إني أعلن بصراحة في هذا المقام عن اعتقادي الجازم بأن أمن وسلامة ومستقبل المسلمين في شبه القارة الهندية منوط بقيام باكستان، وهو الحل الوحيد العادل للقضية الدستورية، وهو الذي يجلب السلام والحرية والرخاء لجميع الشعوب والجماعات الموجودة في شبه القارة الهندية العظيمة وأرى من واجبي أن أؤكد بصراحة بأني سأنقذ بطيبة خاطر ودون تلكؤ كل التوجيهات والتعليمات التي تصدر عن المؤتمر الإسلامي لعموم الهند. التحقيق أية حركة يتبناها لبلوغ الهدف الوطني العزيز لباكستان. وبما أني أؤمن بعدالة قضيتي وصدقها فإني أتعهد بأن أواجه أي خطر وأن أقدم أية تضحية يطلب مني تقديمها “.

تقسيم ممهور بالدماء

مدينة أمريتسار

وبعد سلسلة من الأحداث والخلافات والمد والجزر وتخبطات الاحتلال البريطاني، تم التقسيم ولكن لم يكن عملية سهلة، فقد عمل الهنادك على تفريغ شحنات من حقدهم في الوقت قبل أن يفلت المسلمون من أيديهم، وتقام الحدود كحواجز تمنعهم من الوصول إلى أهدافهم، فقد وقعت مذابح أشد من المذابح التي وقعت قبل التقسيم حيث أحرق الهندوس والسيخ القطارات التي تنقل المسلمين من المناطق التي ستخضع للحكومة الهندية إلى المناطق التي ستحمل اسم باکستان وقامت الفتنة في البنجاب الشرقية التي معظم سكانها من الهندوس والسيخ، وقد فصلت عن باقي البنجاب التي عرفت باسم البنجاب الغربية والتي أصبحت ضمن دولة باکستان.

واستمرت الفتن حتى خرج المسلمون جميعاً من هذه المقاطعة وبنجاب الشرقية وتعرض المسلمون أثناء ذلك للقتل والحرق وسبي النساء في المدن والقرى ومحطات السكك الحديدية، وربما يصعب تفصيل هذه الأحداث لكثرتها ولما فيها من مآسي تقشعر لها الأبدان ويندى لها جبين الإنسانية وعمت هذه الحوادث أكثر المناطق، وخاصة دهلي، وفي بنجاب الشرقية حيث قتل مائتا ألف مسلم خلال يومي 14 و 15 شوال 1366هـ في مدينة أمريتسار.

وبعد التقسيم بدأ مستقبل مختلف يرتسم للمسلمين في شبه القارة الهندية، مزدحم بالأحداث والمفاجآت والأخطاء والتفاصيل المهمة التي بقيت فيها أمجاد المسلمين الأولى ترجع للواجهة بهيبة وفخر، لقد كان الإسلام ولا يزال أهم معلم بارز في تاريخ هذه الأرض، يؤثر في واقع سكانها وفي سياسات أعدائه ونشاط المسلمين أنفسهم.

______________

(1) التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر الجزء 19.

(2) الجزيرة: تيبو سلطان.. لماذا تسعى الهند لمحو تاريخ القائد المسلم الذي قاوم الاستعمار البريطاني؟

(3) المصدر السابق

(4)التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر الجزء 19.

(5) قرار لاهور

(6) المصدر السابق

المسلمون في الهند لأبي الحسن الندوي

التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر الجزء 19.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x