الإسلام في جنوب آسيا: باكستان

تقع باكستان في الجزء الغربي من شبه القارة الهندية، ويتألف اسمها من كلمتين فارسيتين: “باك” تعني الطهارة و”ستان” بمعنى أرض، وبذلك يشير اسمها إلى “الأرض الطاهرة”، وهي الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، قد حظيت بتاريخ من التدخل العسكري.

موقعها الجغرافي

تقع باكستان في جنوب قارة آسيا، ويحدها من الجنوب بحر العرب وخليج سلطنة عمان، ومن الشرق والجنوب الشرقي شبه القارة الهندية، والصين من جهة الشمال الشرقي، وتشترك في حدودها من الغرب والجنوب الغربي مع أفغانستان وإيران.

وتتألف باكستان من أربعة أقاليم تحكم بطريقة فيدرالية، وهي: بنجاب، السند، خیبر بختونخوا، بلوشستان، أما عاصمتها فهي إسلام آباد. وأكبر مدنها كراتشي.

في باكستان أقاليم إدارية خاصة هي: جلجت بلتستان وآزاد جامو كشمير، ولها برلمان محلي وحكومة إقليمية.

تبلغ مساحة باكستان 796 ألف كيلومتر مربع. وتقسم إلى 4 مناطق جغرافية: المنطقة الشمالية الجبلية التي تمر بها سلسلة جبال الهيمالايا وكاراكورام، وهضبة بلوشستان، وسهل السند، والمناطق الصحراوية.

السكان واللغات

يبلغ عدد السكان في باكستان 235 مليونا ونصف مليون نسمة حسب إحصائيات موسوعة “بريتانيكا” (Britannica)  لعام 1443هـ (2022م)، ويجعلون منها الدولة السادسة من حيث عدد السكان في عام 1441هـ (2020م).

يشمل تعداد السكان في هذه البلاد 48% بنجابيون، 15.42% بشتون، 14.1% سنديون، إضافة إلى أعراق أخرى. وهناك حوالي 7 ملايين من الشعب الباكستاني يعيشون اليوم في خارج بلدهم، والغالبية العظمى منهم يقيمون في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية.

يوجد بباكستان 96.4% من المسلمين، حيث أن الإسلم هو الديانة الرئيسة في البلاد، و3.6% ممن يدينون بديانات أخرى تتمثل في النصرانية والهندوسية والسيخية واليهودية وغيرها.

ولكن الإحصائيات تدخل ضمن هذه الغالبية أتباع الديانة الأحمدية بنسبة 2.2%، مع أن البرلمان الباكستاني ناقش سابقاً أحد زعماء القاديانيين، وبعد أن تبين عجزه أصدر البرلمان قراراً باعتبار القاديانية أقلية غير مسلمة، والقاديانية والأحمدية فرقتان متطابقتان في الباطن، ضالتان مخالفتان للإسلام.

وتشمل الإحصائيات كذلك الشيعة بنسبة غير دقيقة وهي 5-20% في بعض المصادر، وفي مصادر شيعية تصل نسبتهم إلى 25%.

وتعدّ اللغة الأردية الأكثر انتشارا في البلاد، ولها قاعدة مشتركة مع اللغة الأردية في الهند، لكنها متأثرة بخليط فارسي عربي وتكتب بالفارسية، على عكس الهندية المتأثرة بالسنسكريتية وتكتب بالديفاناغارية، أما اللغة الرسمية فهي الإنجليزية، وتوجد لغات محلية أخرى كالبنجابية والسندية والبشتو والسرايكية والهندكو.

تاريخ الإسلام في باكستان

تشترك باكستان في تاريخ دخول الإسلام إليها مع الهند، باعتبارها جزء من شبه القارة الهندية، حيث وصل الإسلام إلى شبه القارة الهندية الباكستانية منذ القرن الهجري الأول، على أيدي الصحابة المجاهدين رضي الله عنهم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك عن طريق التجار المسلمين الذين تركوا الأثر الحسن في تعاملاتهم مع أهالي تلك المناطق، وفي أيام معاوية رضي الله عنه استمر المسلمون في حركة الفتح بلداً بعد بلدٍ حتى وصلوا إلى بلوشستان ثم قندهار وكابل.
وفي عهد الوليد بن عبدالملك تحرك جيش المسلمين إلى بلاد السند تحت قيادة محمد بن القاسم الثقفي، وكان هذا القائد المسلم وقتها دون العشرين من عمره، وتحت قيادته 15 ألف فارس. وسطر بطولات يفخر بهيبتها التاريخ.

واستمرت حركة الإسلام كذلك فى عهود الملوك والسلاطين الذين دخلوا الهند فاتحين، كالغزنويين والغَوريين والمماليك وغيرهم. حيث كانت حركة الإسلام نشطة في المنطقة. وبرز على إثر ذلك حركات إصلاحية كان لها أثر في خدمة الدعوة الإسلامية في باكستان وما جاورها من مناطق.

تاريخ من الحرب على الإسلام

مما يسجله التاريخ في الصفحات الدامية جرائم الاحتلال الإنجليزي في شبه القارة الهندية حيث مارس هذا المحتل الصليبي أشد أنواع العداء والكيد تجاه المسلمين، بعد أن ضعف سلطانهم ونفوذهم بعد حقبة الإمبراطور أورنغزيب عالمكير، وتلاشت قوتهم وتفككت وحدتهم، واستغل الإنجليز ذلك فعملوا على إذلال المسلمين والإساءة إليهم وتسخير الهندوس في منع المسلمين من حياة كريمة آمنة، خوفاً من أن يجمعوا أمرهم لاسترداد بلادهم وسلطانهم، فكان الهنادكة يتربصون بالمسلمين الدوائر ويكيدون لهم.. وأوجب ذلك ظهور حركات إسلامية مقاومة ومجاهدة لحفظ الإسلام وحقوق المسلمين.

إنشاء دولة باكستان

ظهرت دولة باكستان كدولة شبه مستقلة ذات سيادة في 27 رمضان 1366هـ الموافق لـ 14 آب 1947م وهو التاريخ ذاته لتقسيم شبه القارة الهندية والانفصال عن الهند. وكما حدث مع كل بلاد في المنطقة، خرجت باكستان من حقبة الاحتلال البريطاني بشبه استقلال يبقيها مرتبطة ببريطانيا التي كانت تحدد حكام باكستان في كل فترة، وتفرض عليهم لقاءات برئاسة رئيس الوزراء البريطاني.

وعينت إنجلترا على باكستان محمد علي جناح حاكماً عاماً، في حين سلمت لياقت علي خان رئاسة الوزراء، وتوالى على باكستان في هذا العهد الذي امتد تسع سنوات ثلاثة حكام، وكذلك تعاقب ثلاثة رؤساء للوزارة.

فحكم محمد علي جناح باكستان منذ 28 رمضان 1366هـ (15 آب 1947م) حتى توفي في ذي القعدة 1367هـ (أيلول 1948م).
وعرفت حكومته معاناة كبيرة. بسبب وضع باكستان الجيوسياسي حيث تألفت يوم تأسست من جناحين: الجناح الغربي ويشمل ولايات السند والبنجاب الغربية وبلوشستان ومقاطعة الحدود الشمالية الغربية، ويعرف هذا الجناح باسم باكستان الغربية، ثم الجناح الشرقي الذي يضم البنغال الشرقية، ومقاطعة سهلت ويعرف باسم «باكستان الشرقية». وبين الجناحين مسافات بعيدة تزيد على ألف وخمسمائة كيلومتر، تشغلها دولة الهند المعادية، ولا يمكن الاتصال بين الجناحين إلا عن طريق الجو، وهو اتصال حياتي حيث أن اختلاف طبيعة الجناحين الجغرافية وجاجة كل جناح إلى الآخر لتصريف بضائعه فيه، واستيراد ما يحتاج إليه منه جعلت من ربط الجناحين بهذه الطريقة مكلفًا.

كما واجهت باكستان آنذاك أزمة ملايين اللاجئين الفارين من الظلم الهندوسي من غير مأوى إضافة إلى معالجة أسر مليون آخرين قتلوا أثناء سيرهم إلى باكستان، ثم مواجهة مشكلة كشمير واللاجئين منها ويزيدون على المليون، فضلا عن مشكلة تأمين المأوى والطعام لخمسة عشر مليوناً زيادة على معاناتهم وما ينجم من مشكلات مع كل ذلك.

وزاد من تأزيم هذا الوضع حقيقة أن التقسيم لم يكن عادلاً فيما يخص الموارد الاقتصادية، حيث حصلت الهند على الأفضل في كل ما يدعم الاقتصاد ويدعم النفوذ الهندوسي. وفي ظل هذه المعطيات كانت بداية دولة باكستان متعثرة.

إحباط من الحكومة الباكستانية بعد التقسيم

تسبب تنصل حكومة باكستان لمطالب الشعب المسلم بالحكم بشريعة الإسلام في إحباط كبير بين المسلمين الباكستانيين، فقد كانت رغبة السكان أن تعمل حكومتهم بمقتضى المنهج الإسلامي فتطبق الشريعة على مختلف جوانب الحياة، لكنهم لم يكونوا يدركون أن زعماء باكستان الذين تولوا أمرهم بتبعية لبريطانيا، لم يكن هذا تفكيرهم أبداً ولم يكن يهمهم المنهج الإسلامي البتة ولا يدخل في اعتباراتهم أو اهتماماتهم، فقد كان انتماؤهم إلى الإسلام شكليا، لا ينعكس على سلوكهم، أو على منهج حياتهم وحكمهم، بل من هؤلاء الحكام ومن كان في مقام زعامة وقيادة، من كان من الفرق الضالة التي تحارب الإسلام وأهله، ولم يكن يدفعهم في طريق إقامة دولة باكستان وتلبية الدعوة إلى وحدة المسلمين وانفصالهم من الهندوس سوى ارتقاء زعامة المسلمين والسيطرة على مفاصل قيادتهم وحكمهم، وتحقيق مصالحهم، والحقيقة أن هذا كان ما أملته السياسة الإنجليزية التي عملت على أن يتولى قيادة المسلمين العلمانيين ورجال الفرق الضالة من قاديانيين وإسماعيليين فهم الذين تستطيع أن تتفاهم معهم وتضمن ولاءهم وعمالتهم، ما داموا يلتقون معها على محاربة الإسلام، ويضمن ذلك لبريطانيا التخلص من خطر قيادة المسلمين العلماء والقادة المخلصين لباكستان بشريعة الله تعالى فيعملون على تعزيز عوامل قوة باكستان وتحررها من كل تبعية وهيمنة والرقي بها في ميادين السيادة الحقيقية، فضلا عن إعلاء راية الجهاد التي ستحبط أطماع المحتلين الصليبيين وتفشل مخططاتهم ومكائدهم.

وبالفعل تحقق لبريطانيا مكرها فقد حكم باكستان هؤلاء الزعماء الذين تسلموا القيادة من السياسة البريطانية التي أبرزتهم وعملت على رفع مكانتهم، ونتيجة جهل المسلمين وسذاجتهم، كان سهلا أن ينجروا وراء هؤلاء الزعماء وهم يحسنون الظن بهم كزعماء للمسلمين منخدعين بدعوتهم للانفصال وتأسيس باكستان. لكن بعد أن بدأت مرحلة الجد والوفاء للشعب المسلم تنصل هؤلاء القادة وأصابت المسلمين في باكستان خيبة كبيرة حيث وجدوا أنفسهم يتعاملون بالقوانين الوضعية، والحكم بغير ما أنزل الله وأصبحت كل تضحيات المسلمين وما تكبدوه من تسلط الهندوس في مهب الرياح!

بل تسلطت الفرق الضالة في باكستان على المسلمين وتحكمت فيهم  باسم حزب الرابطة الإسلامية، وباسم الانتماء للإسلام دون أن يكون مدلول أو مؤشر لهذا الإسلام. وأدرك المسلمون بعد كل ذلك حقيقة ما يجري، وقام العلماء يطالبون بحكم الإسلام، وينشطون بالدعوة لذلك، وبدأت الجماعة الإسلامية تطالب بإعلان إسلام الدولة. وأعلن أبو الأعلى المودودي في كلية الحقوق في لاهور في شهر ربيع الأول 1367 هـ (شباط 1948م) ولأول مرة: أن الحاكمية في باكستان الله العلي الأحد، وما لحكومة باكستان من الأمر من شيء غير إنجاز أمر مالكها الحقيقي في أرضه. وأن الشريعة الإسلامية هي القانون الأساسي لباكستان وأن كل ما يعارض الشريعة الإسلامية من قوانين البلاد الجارية يلغى ويبطل، وأنه لا ينفذ بعد ذلك أي قانون يخالف الشريعة. وأن حكومة باكستان لا تتصرف في شؤون الملك إلا ضمن الحدود التي رسمتها الشريعة. وهو ما أيده عليه المسلمون الباكستانيون بشدة.

حكم الخوجا نظام الدين

بعد وفاة محمد علي جناح في ذي القعدة 1367هـ ( 11 أيلول 1948 م) خلفه بعد وفاته بثلاثة أيام الخوجا نظام الدين، حاكماً عاماً لباكستان وبقي لياقت علي خان رئيساً للوزارة. وبقي وضع البلاد على ما هو عليه من تطبيق القوانين الوضعية وتهميش مطالب الشريعة الإسلامية، فاستمر أبو الأعلى المودودي بدعوته لتطبيق الشريعة في باكستان، فأدى ذلك إلى سجنه مع بعض رفاقه ومنهم ميان طفيل محمد، وحسن إصلاحي، وعطلت جرائد ومجلات الجماعة الإسلامية، ومع ذلك لم يخمد مطلب إعلان إسلام الدولة لأن ذلك من مطالب المسلمين جميعاً وليس الجماعة الإسلامية وحدها، وهو ما اضطر الحكومة إلى أن تعلن إسلام باكستان رسميا، وذلك في 13 جمادى الأولى 1368هـ (12 آذار 1949م).

تحسنت الأمور في باكستان بعد ذلك من حيث الهدوء والاستقرار، وشاركت الدولة في ساحة الأحداث العالمية، وفي اللقاءات الإسلامية فعقد المؤتمر الإسلامي في مدينة كراتشي في باكستان، وافتتحه رئيس الوزراء لياقت علي خان في جمادى الأولى 1370هـ (شباط 1951م). إلى أن اغتيل رئيس الوزراء لياقت.

حكم غلام محمد

اغتيل رئيس الوزراء لياقت علي خان في 16 محرم 1371هـ (16 تشرين الأول 1951م) فعين غلام محمد حاكماً عاماً على باكستان، وكان من قبل يشغل منصب وزير المالية، وكلف الحاكم السابق الخوجا نظام الدين برئاسة الوزارة.

وعلى إثر ذلك، بدأ الخلاف بين الحاكم العام الذي هو من إقليم البنجاب من جناح باکستان الغربي وبين رئيس وزرائه الخوجا نظام الدين الذي هو من البنغال، وأخذ هذا الصراع يتسع ليتشكل في صراع بين جناحي پاکستان. فالبنغاليون يشعرون أن الجناح الغربي قد سيطر على الجيش، وخاصة أهل البنجاب منهم، كما سيطر هذا الجناح أيضاً على المؤسسات المدنية، ولم يحصل البتغاليون على التمثيل النسبي الصحيح في المؤسسات الإدارية على الرغم من أنهم كانوا يشكلون 53٪ من مجموع السكان.

وحمل رئيس الوزراء فكرة أهل البنغال بالمطالبة بأن تكون اللغة البنغالية إحدى اللغتين الرسميتين في البلاد، بينما يرى أهل باكستان الغربية بأن تكون لغة رسمية واحدة للبلاد هي لغة (الأردو) التي يعرفها أكثرية السكان في الجناحين إضافة إلى خشيتهم من أن يتسبب تعدد اللغة في إطالة المسافة بين جناحي البلاد. ولم تكن مشكلة اللغة الوحيدة آنذاك بل برز معها الخلاف الديني في الجناح الغربي أثناء إعداد مسودة الدستور.

وفي 3 شعبان 1372هـ (17 نيسان 1953م) أقيل الخوجا نظام الدين من رئاسة الوزارة، وخلفه محمد علي بوغرا وهو من الجناح الشرقي أيضاً. وتألفت جمعية تأسيسية لوضع الدستور، وكان أهم عمل لها أن وحدت باكستان الغربية بعد أن كانت عدداً من المقاطعات.

لكن غلام محمد كان يعاني شللاً أفقده القدرة على العمل فترك منصبه في 17 ذي الحجة 1474هـ (5 آب 1955م) وصعد إلى السلطة الجنرال إسكندر مرزا الذي حكم البلاد بقبضة من حديد.

حكم الجنرال إسكندر مرزا

بعد أن ترك غلام محمد منصبه تسلّم السلطة الجنرال إسكندر مرزا، بقبضة من حديد. وقاد شودري محمد علي وزارته، وأصبح اسم البلاد حسبما نص الدستور الأول جمهورية باكستان الإسلامية.  حتى استقال شودري في 6 ربيع الأول 1376 هـ (10 تشرين الأول 1956م).

وتوالى على هذا العهد ثلاثة رؤساء للجمهورية وهم:

إسکندر مرزا

وقد اضطربت الأمور في حقبته، واختلت الأوضاع الاقتصادية، فاتجه الباكستانيون نحو البلدان العربية. وفرض اسکندر مرزا الأحكام العرفية، وحل الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية، والأحزاب كافة، وعين أيوب خان القائد العام للجيش والقوات المسلحة حاكماً عاماً في الرابع من ربيع الثاني 1378 هـ (17 تشرين الأول 1958م). وبعد عشرة أيام غادر الرئيس اسکندر مرزا البلاد، وتسلّم أيوب خان السلطة مكانه ولا شك أن هذه التحركات كانت بأوامر خارجية لأصحابها مصالح في باكستان وفي أولويتها أن يكون الحكم عسكرياً على البلاد حتى لا يرتفع صوت يعارض السياسة المفروضة عليهم. وكان ذلك تاريخ أول انقلاب عسكري في الدولة وإن لم يكن يخفى دور الجيش في دهاليز الحكم، وليتربع العسكر بشكل علني على كرسي الحكم لسنوات طويلة، والذريعة المتكررة، ضعف كفاءة السلطة المدنية – السياسية- وكثرة تنازعها، وضروة تدخل الجيش لحفظ أمن البلاد وقد رحب الشعب بذلك.

محمد أيوب خان

استلم الحكم بعد اسكندر مرزا محمد أيوب خان، وبعد ثلاثة أيام فقط من استلامه منصب الحاكم العام صدر مرسوم يتضمن تغيير اسم البلاد من جمهورية باكستان الإسلامية إلى الجمهورية الباكستانية،  وأعلن أيوب خان تحديد الملكية، ونقل العاصمة الاتحادية من كراتشي إلى روالبندي، بحجة أن العاصمة يجب أن تكون قريبة من منطقة العمليات المتوقعة في كشمير.

وفي شهر رمضان من عام 1384هـ (كانون الثاني 1964 م) صدرت أوامر بحل الجماعة الإسلامية ومصادرة أموالها، وكانت الحكومة من قبل شهر قد صادرت مجلة ترجمان القرآن التي كان يصدرها أبو الأعلى المودودي، وزجت به مع أعضاء جماعته البارزين في السجون.

حزب المعارضة المتحد

انفراد أيوب خان بالسلطة وساعده في ظهور زعامته موت زعيم الهند البارز “جواهر لال نهرو” في مطلع عام 1384هـ (أيار 1964م)، فخلي الجو لأيوب خان لظهوره كزعيم في شبه القارة الهندية، ورغم حجم الدعاية التي حصل عليها أيوب خان إلا أن معارضة صعدت في وجهه، وحمل لواءها في بداية الأمر الخوجا نظام الدين الذي كان حاکم باکستان ثم رئيس وزرائها وذلك في العهد السابق. وتوحدت جهود المعارضة في 12 ربيع الأول 1384هـ (21 تموز 1964م) حيث التلقت خمسة أحزاب، فيما سمي حزب المعارضة المتحد.

وتضمن الحزب الذي كان يطالب بدستور ديمقراطي:

  • الرابطة الإسلامية برئاسة الخوجا نظام الدين.
  • الجماعة الإسلامية برئاسة أبو الأعلى المودودي.
  • حزب نظام الإسلام برئاسة شودري محمد علي.
  • حزب عوامي الوطني برئاسة عبدالحمید خان بها شاني.
  • عصية عوامي برئاسة نواب زاده نصر وأمانة سر مجيب الرحمن.

وطالبت المعارضة تشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات، واقترب موعد هذه الانتخابات وأخذت المعارضة تبحث عن مرشح
للرئاسة، واستمر البحث شهرين، ولم تعثر على منافس لأيوب خان، وفي 13 جمادى الأولى 1384هـ (19 أيلول 1964م) استقر الرأي على ترشيح فاطمة جناح شقيقة محمد علي جناح بعد تمنع وتودد، وكان صفحة سوداء في تاريخ لجماعة الإسلامية حيث أثار تأييدها لترشيح فاطمة حالة تعجب حيث كان معلوما أنه ترشح لا يصح شرعاً، وأبو الأعلى المودودي من أهل العلم في البلاد، وجماعته تطالب بتطبيق الشريعة ما صنع تناقضا فجا استغله معارضوه.

وقد فاز أيوب خان على منافسته فاطمة جناح فوزاً ساحقاً إذ حصل على 63% من مجموع الأصوات في حين لم تحصل هي إلا على 36% من مجموع الأصوات، وبدت المعارضة ضعيفة، ولكن كانت البلاد على موعد مع الحرب بينها وبين الهند، فانصرف الناس إليها.

الحرب مع الهند

وفي عام 1385 هـ (1965م) اندلعت الحرب بين باکستان والهند بشأن كشمير، حيث نشطت حركة الجهاد الكشميرية وأحرزت انتصارات كثيرة على الحكومة الهندية المسيطرة على كشمير بالقوة فلجأت الهند إلى توسيع نطاق الحرب على باكستان لتكون حرباً نظامية، فتحفظ ماء وجهها بهزيمتها أمام المجاهدين الكشميريين، وفي هذه الحرب أثبت الجيش الباكستاني أنه أكثر تدريباً، وأكثر انسجاماً، وروحه المعنوية أكثر ارتفاعاً، في وقت تسبب فيه نظام الطبقات في الديانة الهندوسية في إظهار جيش مُفكّك، وجند لا يبالون بالنصر كثيراً، حماستهم ضعيفة وتضحيتهم معدومة، على عكس المسلمين الذين يسعون وراء النصر ويطلبون الشهادة في سبيل الله فعادة ما تكون حماستهم قوية وروحهم المعنوية عالية والتضحية واجبة، ولذلك أبدى الباكستانيون في هذه الحرب أنواعاً من الفداء والتضحية كبيرة. وتمكنوا من تحقيق نصر على الهندوس الذين اغتروا بكثرتهم واستهانوا بخصومهم.

ولكن على الرغم من أهمية الانتصار الذي حققه الجيش الباكستاني على أرض المعركة إلا أن أيوب خان قلبه لهزيمة بتوقيعه لاتفاقية سلام مع الهند عرفت باتفاقية “طقشند”، والتي لقيت انتقادات شديدة لما قدمه من تنازلات للهند وهو في موقع المنتصر، وبلغ استياء الشعب منه ذروته مما اضطره للاستقالة، واستلم السلطة بعده، قائد أركان الجيش، آغا محمد يحيى خان.

اشتداد المعارضة

اشتدت المعارضة بعد الحرب وشكلت الجماعة الإسلامية مع بعض الأحزاب والجماعات ما عرف باسم “حركة باكستان الديمقراطية”.

وعرفت البلاد الاضطراب والاعتقالات والفوضى ثم أعلن أيوب خان في 4 ذي الحجة 1388هـ (21شباط 1969 م) أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية هذه المرة وقال في الخطاب الذي أعلن فيه هذا القرار:”هذه هي المرة الأخيرة التي أخاطبكم فيها بصفتي رئيساً للجمهورية، إن الموقف في باكستان يتدهور بسرعة، وباستثناء الدور الذي يمكن أن تقوم به القوات المسلحة، فإنه ليست هناك طريقة دستورية أو عملية لمجابهة الموقف الراهن. إن الأمة كلها تطلب من الجنرال یحيى خان رئيس هيئة أركان حرب الجيش الباكستاني أن يمارس صلاحياته الدستورية. إن أمن وسلامة بلدنا يتطلبان ألا يكون هناك عائق في طريق القوات المسلحة التي يجب أن تمكن بكل الطرق من ممارسة واجباتها الشرعية وبالنظر إلى ذلك فقد قررت اليوم اعتزال منصي كرئيس للجمهورية لأسـاعـد إخوتكم في القوات المسلحة بكل ما أستطيع تمكيناً للنظام وحكم القانون”». وهكذا اعتزل أيوب خان وتسلم السلطة الجنرال یحيى خان.

الجنرال یحيى خان

استلم يحيى خان السلطة في 7 محرم 1389 إلى غاية 3 ذي القعدة 1391 هـ (25 آذار 1969 – 20 كانون الثاني 1971م) فشكل حكومة عسكرية، وفرض الأحكام العرفية على باكستان كلها، وحل الهيئات النيابية في إقليمي باكستان، ومنع الإضرابات، والمظاهرات، والاجتماعات، وأعطى العسكريين سلطات استثنائية.

وعادت الحياة في البلاد شبه طبيعية . وأخذ يحيى خان يجري حواراً ومناقشات مع السياسيين، ورأى أن باكستان الشرقية – ذات الأغلبية البنغالية- لم تحصل في الماضي على حظها العادل من الرعاية الحكومية، فأخذ لذلك يزيد من استثمارات الحكومة فيها، ويعطي تسهيلات في الضرائب للمستثمرين، وهذا العمل شجع أهل ذلك الإقليم على المطالبة بما يحقق العدالة.

ولكن الأوضاع تأزمت وفشلت خطط يحيى خان في تلبية مطالب الناس وتحقيق الاستقرار، وبرز مجيب الرحمن وكان يطالب بالاستقلال الذاتي الكامل لباكستان الشرقية، وتمثيلها في المجلس النيابي الاتحادي على أنها تمثل أغلبية السكان، ونقل العاصمة الاتحادية إلى الجناح الشرقي، ولكن هذه المطالب وجدت معارضة شديدة.

من جانبها أوعزت الهند إلى أعوانها الهندوس في باكستان الشرقية وعددهم عشرة ملايين ليقفوا إلى جانب مجيب الرحمن، وقد دعم بالمال والأعوان ليفوز في الانتخابات. وكذلك أيد الشيعة ذو الفقار علي بوتو، وقد أوعز لهم رئيس الدولة يحيى خان بذلك، وهو منهم، وإن انفصال پاکستان إنما هو لمصلحتهم.

ولم يكن هدف تقسيم باكستان يخدم الهند والشيعة فقط بل يخدم كذلك القاديانيين الذين بدورهم أيدوا ذو الفقار علي يوتو، وقد أظهروا في البداية العمل ضده، ثم تحولوا إلى جانبه ويبدو أن هذا التحول كان بإيحاء من الإنجليز، والقاديانيون منظمون في الجيش، وأجهزة الدولة المختلفة.

وحظي ذو الفقار كذلك بدعم أصحاب المصالح من الأثرياء في باكستان الغربية الذين كانوا يشجعون الانقسام.

وقدمت الولايات المتحدة الأمريكية مائة مليون روبية لكل من مجيب الرحمن، وذو الفقار علي بوتو، وقد نقل هذا الخبر وزير الإعلام الباكستاني السابق حيث ذكر بأن السفارة الأمريكية قد سحبت أربعة وثمانين مليون روبية بمعدل أربعة عشر مليوناً شهرياً ولمدة ستة أشهر من البنك المركزي لصالح مجيب الرحمن، وعلي بوتو، كما انخفض سعر الدولار بمقدار الخمس نتيجة تدفقه بواسطة السفارة الأمريكية، وهذا ما صرح به رئيس الدولة يحيى خان نفسه، حيث أشار إلى الأموال التي تدفقت من الخارج، ولكن لم يفصح أكثر من ذلك، وقد طلبت منه الجماعة الإسلامية أن يذكر الأحزاب التي تلقت المعونة، ولكنه صمت.

وأرادت أمريكا من وراء هذا الموقف إضعاف باكستان أمام الهند وإقلاعها من التفكير بالبحث النووي، والمفاعل الذري، والقنبلة النووية وانصرافها إلى شؤونها الخاصة، ومشكلاتها التي تنتج عن هذا الموقف من انقسام وتجزئة وضعف، ثم الوقوف في وجه التيار الإسلامي الصاعد ومحاولة خنفه، وتقوية التيار العلماني المعادي للإسلام والملحد أيضاً.

وفي الواقع، انفصال شرق باكستان كان نتيجة لحكم العسكر، حيث ارتفعت مظالم البنغاليين واستنكارهم لإقصائهم من مراكز القرار والتأثير، فلم يكن لهم نسبة ممثلين عادلة في الجيش ومفاصل القيادة، وذلك لسياسات الحكم العسكري الذي عمّق مظالم البنغاليين. وانتهت الأزمة باستقلالهم عن باكستان.

زعيم لكل قسم من باكستان

مجيب الرحمن وذو الفقار علي بوتو

جرت الانتخابات العامة في الموعد الذي حدد لها في شوال 1390هـ (كانون الأول 1970م)، واشترك فيها أكثر من خمسة وعشرين حزباً، وتنظيماً سياسياً، وقد عملت الحكومة علنا لصالح ذو الفقار علي بوتو، وضد الجماعة الإسلامية، حتى استبدلت بعض الصناديق الانتخابية ، وقدمت الطعون في ذلك من غير فائدة، وانتهت الانتخابات وفاز حزب عصبة عوامي الذي يرأسه مجيب الرحمن بأكثرية مقاعد باكستان الشرقية وكذلك فاز حزب الشعب الذي يرأسه ذو الفقار علي يوتو، وتفوق على بقية الأحزاب والجماعات في باكستان الغربية.

أما الصف الإسلامي فكان مفرقا قبل الانتخابات وظهر تصدمه أثناءها حيث بذلت الأحزاب والحكومة والدول الكـبرى (الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا ـ الصين – الهند ـ إنجلترا) المال ومارست الضعط للوقوف في وجه مرشحي الجماعة الإسلامية، وتأييد أصحاب الاتجاه العلماني، لمنع أي فرصة لصعود إسلامي في باكستان.

وبرز على إثر الانتخابات زعيمان: مجيب الرحمن في باكستان الشرقية وذو الفقار على يوتو، في باكستان الغربية، لكن الصراع بينهما اشتد.

كان مجيب الرحمن يريد الانفصال بالإقليم الشرقي وذو الفقار علي بوتو برید تقويم علاقات باکستان مع الدول الخارجية على أساس موقفها من قضية كشمير، فهو من هذا المنطلق أقرب إلى الصين منه إلى الولايات المتحدة، وهذا ما أعطاه تأييداً واسعاً في منطقة البنجاب، وكذلك أخذ يدعو إلى صنع القنبلة النووية، ويدعو إلى إعلان الحرب مع الهند مدة ألف عام، ولكن كلا الزعيمين كان يدعو إلى تطبيق النظام الاشتراكي، هذا لوضع شعبهما البائس لإغرائه وجره وراءه، وذاك لإخفاء ارتباطاته والفلك الذي يدور فيه. والشعب المسلم لا يعرف الصدق من الكذب، ومدى إخلاص قادته.

حاول ذوالفقار علي بوتو أن يقتسم السلطة بينه وبين  مجيب الرحمن ولكن لم يحصل التفاهم بينهما، إذ كان مجيب الرحمن متمسكا ببرنامجه وفي نيته التأكيد على الانفصال، ولذا كان يطالب بعقد جلسات المجلس النيابي بأقرب فرصة ليتمكن من إقرار دستور يرتضيه بناء على أغلبيته المطلقة في المجلس، بينما يرى ذو الفقار علي بوتو تأجيل موعد انعقاد المجلس النيابي إلى أن يتم التفاهم مع مجيب الرحمن حول توزيع السلطة، وهكذا وقعت البلاد بين شقي الرحى.

باكستان الشرقية وباكستان الغربية

وانتهى صراع السلطة إلى انفجار العصيان المسلح في باكستان الشرقية، وارتكبت أشنع الجرائم، وهتكت الأعراض. وسلبت المحلات التجارية، ووقعت حوادث حرق والناس أحياء، وأمام هذه الفوضى الدامية سافر يحيى خان إلى “دكا” قاعدة باكستان الشرقية، والتقى بمجيب الرحمن واعتقل الأخير يوم 29 محرم 1391هـ (26 آذار 1971م).

وعرفت المنطقة كوارث طبيعية وفيضانات مدمرة، شغلت الناس بهمومهم ثم بدأت العناصر الانفصالية، وأغلبها من الهندوس بمغادرة مناطقها والتوجه نحو الهند، وقد وصل عدد هؤلاء المغادرين إلى أكثر من تسعة ملايين شخص، وقد قرروا العمل من داخل الهند ضد باكستان، وكان يدعي أكثرهم أن ضغط الجيش الباكستاني والأهالي المؤيدين له هو الذي ألزمهم على الخروج، وذلك من أجل إثارة النقمة، والعمل ضد الباكستانيين.

ونشطوا بعد ذلك في العمل السياسي، فأرسل هؤلاء الهاربون وفوداً إلى كل الدول التي تعادي باكستان لطلب المساعدة، فوصل إلى كيان اليهود في منتصف رجب من عام 1391 هـ (أوائل أيلول 1971 م) محمود قاسم باسم (مندوب بنغلاديش)، ليطلب العتاد الحربي، وقد لقي تجاوياً لدى المسؤولين اليهود بشرط موافقة الهند، وكان طلبه يشمل مليوني قذيفة من مختلف العيارات، ومدافع ميدان، ومدافع مضادة للطائرات، ومدافع رشاشة، وصواريخ أرض أرض لتدمير الطائرات الباكستانية على أراضي المطارات، وقال هذا المندوب: إننا لا نريد طائرات لأننا لا نملك لها مطارات، وذكر وزير خارجية كيان اليهود بأن بلاده تؤيد كفاح بنغلاديش ضد باکستان المؤيدة للعرب، ولكن هذه الوفود إن وجدت الدعم والتأييد من كيان اليهود لكنها لم تجد مثل ذلك من بقية الدول التي ذهبت إليها، لأنها وإن كان بعضها يقف ضد پاکستان غير أنه لا يريد أن يورط نفسه، فاللعبة يجب أن تكون محكمة وخيوطها كلها بأيدي الدول الكبرى المشرفة على إخراج اللعبة وتنفيذها.

والتحرك العسكري كان يجب أن يكون عن طريق الهند، وقد طلب اللاجئون إليها المساعدة منها، فلبت الطلب، واستجابت مباشرة، واتخذت من وجود اللاجئين في أرضها حجة للضغط على باكستان بقبول واقع أمر بنغلاديش، ولتبرير موقفها، ولكسب الرأي العام العالمي إلى جانبها.

وقبل القيام بالعدوان على باكستان أعلنت أنها لا تستطيع احتواء هذه العناصر اللاجئة إليها. ثم أعلنت الهند أن ثوار بنغلاديش قد شنوا هجوماً على باكستان الشرقية، وقد أسسوا دولة لهم، ولكن الهند هي التي قامت بالهجوم فعلا وبقوتها كلها باسم اللاجئين إليها من سكان باكستان الشرقية، ولما تضايقت باكستان من هذا الاعتداء السافر، والذي يفوق حجمه ستة أضعاف حجم قواتها اضطرت إلى أن تتحرك في باكستان الغربية لتخفف ضغط ووطأة الهجوم الهندي على باكستان الشرقية، ولأنها لا تستطيع أن تتحرك في جناحها الشرقي لقلة قواتها هناك، ولأن الهند تحيط بها من جهاتها الثلاث، أما الجهة الرابعة فهي بحرية، ولا تستطيع القطع البحرية الباكستانية إمداد الشرق منها للطريق الطويلة، وسيطرة الهند على باکستان الشرقية، وبدأت الإبادة والقتل الجماعي حيث قتل مائتان من العلماء، وتبع ذلك مذابح رهيبة رافق أثناءها القتل بالمقاصل والتمثيل بالجثث، وتشير تقارير لمقتل أكثر من مليون شخص في هذه الحرب، وسيطرت شريعة الغاب.

أما العالم كما يصف ذلك محمود شاكر، فوقف موقف المستمع المتفرج، وكأن شيئا لم يقع، فالإبادة لا تصيب سوى المسلمين، وقتلهم أمر مرغوب فيه، لأنهم وقفوا في وجه الاحتلال الصليبي، ويكفيهم هذا جرماً ليحل قتلهم، ويضاف إلى الجرائم السابقة أنهم لا يستمعون إلى الإرساليات التنصيرية، ولا يقبلون الارتداد عن الإسلام، ويدعون فوق كل هذا إلى الفضيلة إذ يأبون الزنا ويرفضون شرب الخمر، ويحرمون الربا، ويمنعون الاختلاط، ويحاربون السـفـور والتكشف والتحلل، وهذا ما يعيق ركب الحضارة ألا يكفيهم هذا كي يُبادوا؟!

هزمت باكستان في عام 1391هـ ( 1971م ) ورضخت للتقسيم وخسرت نصف مساحتها، وأعلن عن قيام دولة بنغلاديش. فاستلم رئاسة الدولة مجيب الرحمن، وتسلم رئاسة الحكومة تاج الدين أحمد. واستولت الحكومة على مزارع الشاي الواسعة، والمؤسسات الصناعية، وعدت الجيش الباكستاني في الجناح الباكستاني الشرقي كله أسيراً، ووقع قائده الجنرال “نيازي” وثيقة الاستسلام، وأعلن مندوب بنغلاديش “جلال الدين أحمد” أن دولته ستقوم على أساس علماني.

ويجدر الذكر أن القوات الهندية المدسوسة في بنغلاديش قاتلت لهزيمة باكستان وكذلك الروس اشتركوا بالحرب مباشرة ونصروا أتباعهم، وساعدوا على انفصال شطر من دولة، وذلك بقيادة خبرائهم ومدربيهم في الجيش الهندي للطائرات الروسية التي تملكها الهند، والتي زودت روسيا بها الهند وخاصة بعد المعاهدية الهندية – الروسية التي سبق توقيعها قبل المعركة بمدة قصيرة.

وكذلك اشترك كيان اليهود في هذه الحرب ضد باكستان عن طريق ضباط دخلوا ساحة المعركة، وتسلموا قيادات فيها مثل: العقيد جاكوب الذي كان معاون قائد القوات الهندية التي اجتاحت باكستان الشرقية، وقد رفع التمثيل السياسي بين الهند وكيان اليهود بعد هذه الحرب مباشرة إلى درجة سفارة بعد أن كان على درجة قنصلية.

وإذا كانت باكستان الشرقية قد استسلمت للواقع، ووقعت فيها مجازر رهيية جداً وخاصة ما تم منها على أيدي ما عرف باسم ثوار «موكتي بهيني». إلا أنه في باكستان الغربية قد ابتدأت المظاهرات بعد وقف إطلاق النار، وكانت تطالب باستمرار القتال، والعمل على إحراز النصر، فإن الهزيمة في باكستان الشرقية ليس معناها نهاية الحرب وخسارتها، وهذا يدل على ارتفاع معنويات الباكستانيين، وخاصة بعد الانتصارات التي حققوها على الهند في المعارك الطاحنة التي دارت رحاها عام 1385 هـ (1965 م)، كما تدل هذه المظاهرات على استعداد الباكستانين للتضحية.

وخرج المتظاهرون يطالبون بمحاكمة يحيى خان، واعتباره مسؤولاً عن الهزيمة التي لحقت بالبلاد، إذ لم يقم بالدور السياسي المطلوب، ولم يستفد من العواطف الإسلامية الكامنة، ولم يتحرك سياسيا فيتصل بالدول التي ترتبط بمعاهدات مع بلاده، أو بروابط أخرى، إضافة إلى التقصير بالاستعداد الذي كان يلزم المعركة.

سقوط یحيى خان


استدعى الرئيس يحيى خان من نيويورك ذوالفقار على بوتو الذي كان قد سافر قبل مدة إلى الأمم المتحدة ليعرض وضع بلاده عليها، وما أن وصل إلى باكستان حتى سلمه يحيى خان أمر البلاد، وغادرها متوجها إلى طهران، بصفته من فرقة الشيعة، ثم عاد بعد مدة لتفرض عليه الإقامة الإجبارية في المنزل، وكانت قد شكلت لجنة من أجل النظر في إمكانية تقدیم یحيى خان إلى المحاكمة غير أن ذلك لم يكن إلا امتصاص نقمة الشعب عليه.

تجزأت باكستان إلى قسمين فحملت باكستان الشرقية اسماً جديداً هو “بنغلاديش”، بينما بقي الجناح الغربي، وهو باكستان الغربية يحمل اسم “باکستان”، وغدت دولة وحدها، وقد توالى على حكمها منذ انفصال الجناح الشرقي منها عنها حتى الآن عدد من الرؤساء.

وكلف تزوير انتخابات 1397هـ ( 1977م ) بوتو ثمنا باهظا، حيث تمرد الشعب عليها وكذلك تمرد الجيش على بوتو ورفض قمع المظاهرات ضده وإطلاق النار على المنددين بفساد الانتخابات وتلاعب بوتو، وظهر ضياء الحق في هذه الظروف في انقلاب عسكري أبيض وانتهت حياة علي بوتو بالإعدام في عام 1399هـ ( 1979م)، بعد محاكمته.

وتدخل الجيش من جديد لحسم فساد السياسيين. ووعد ضياء الحق بتسليم الحكم لسلطة مدنية، بعد إجراء الانتخابات خلال 3 أشهر مؤكدًا على أن الجيش لا يطمع بالسلطة، لكن ضياء الحق سيطر على الحكم لمدة 11 سنة. شهدت الكثير من التقلبات والأحداث السياسية الكبيرة.

ضياء الحق والسياسة الأمريكية

خلال فترة حكم ضياء الحق وجدت الولايات المتحدة في حكومة ضياء الحق واسطة بينها وبين المجاهدين الأفغان الذين دعمتهم واشنطن بشكل غير مباشر عن طريق الجيش الباكستاني والاستخبارات الباكستانية في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

وفي المقابل وجد ضياء الحق في الأمريكيين الحليف القوي ضد الهند والملتزم بتسليح الجيش الباكستاني بأحدث العتاد الحربي. وفي الواقع لم يحصل ضياء الحق على أي دعم من أي دولة حتى وقعت الحرب في أفغانستان واشتعلت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي وسعت واشنطن لمصالحها. فحدث التقارب الأمريكي الباكستاني. وتحولت باكستان كدولة خط في مواجهة مع الروس. وحصل ضياء الحق بذلك على شرعية دولية.

وبعد هزيمة الروس في أفغانستان في العام 1408هـ ( 1988م)، أيقنت أميركا أنّ ورقة الجنرال ضياء الحق قد انتهت صلاحيتها فأوقفت دعمها العسكري له، ولكنها عرضت عليه شراء بعض الدبابات الأمريكية، وأحضرت بعضها إلى باكستان ليعاينها بنفسه واتفق الطرفان على الاجتماع في يوم 5 محرم 1409هـ ( 17 أغسطس 1988م) لمعاينة هذه الدبابات. ولكن بعد موعد الدبابات، انتقل الرئيس ومرافقيه إلى مطار بهاوالبور لينتقلوا منه إلى مطار راولبندي واستقلوا طائرة خاصة. وما إن أقلعت الطائرة، حتى سقطت محترقة بعدما انفجرت قنبلة بها وتناثرت أشلاء الجميع محترقة.

بناظير بوتو

وباغتيال الرئيس الباكستاني تدافعت القوى السياسية في البلاد بما فيها الجماعة الإسلامية إلى انتخابات العام 1409هـ ( 1988 م) والتي فاز فيها حزب الشعب بأغلبية قليلة بزعامة بيناظير بوتو التي ترأست الحكومة فكانت بذلك أول امرأة تستلم هكذا منصب في العالم الإسلامي.

وولدت بناظیر بوتو في كراتشي عام 1373 هـ (1953 م)، وتلقت دراستها باللغة الإنجليزية في مدرسة القواعد في مدينة كرانشي، ثم التحقت بكلية “كليف” في الولايات المتحدة، وكانت رئيسة اتحاد الطلبة الباكستانين في الجامعة، وبعدها انتقلت إلى جامعة أكسفورد في بريطانيا، وكانت انموذجاً للطالبة غير المستقيمة، وكانت مرافقة لأبيها، سجنت بعد اعتقاله، ونفيت إلى بريطانيا عام 1404 هـ (1984 م)، ولما ألغيت الأحكام العرفية عادت إلى باكستان عام 1406 هـ (1986 م)، ورحب بها الكثيرون، واستقبلت الزوار، وتزوجت شاباً باكستانيا من منطقة السند. وكانت في القنصلية الأمريكية في كراتشي بعد ساعات من مقتل ضياء الحق، عارضها الجناح اليساري في حزب الشعب لأنها سارت في فلك السياسة الأمريكية، واستغلت النسب الشيعي فتقربت من أبناء هذه الطائفة.

حاولت بناظیر بوتو استغلال الفتنة في البلاد، فبدأت تصدر التصريحات، وتهاجم قطاع الطرق، وتجار المخدرات، وتغمز من المجاهدين في أوج جهادهم في أفغانستان، ودعت إلى قيام المظاهرات لشجب أعمال اللصوصية وقطع الطرق وتقصـد المجاهدين، ولكن لم تجد تجاوباً معها من قبل الشعب.


أخذت بناظیر بوتو تنشط بالدعاية، وتقربت من الشيعة بصفتها أحد بنات الطائفة، وأظهرت إيمانها بمعتقداتهم، وهي لا تؤمن بشيء، ونشط الشعب بالدعاية أيضاً، وجاء موعد الانتخابات، وحصل الحزب على الأكثرية وكلف رئيس الدولة غلام إسحاق خان بتشكيل الوزارة بناظير بوتو بصفتها زعيمة حزب الشعب الذي حصل على الأكثرية بالانتخابات.

وعزلت بناظير بوتو عندما استلمت الحكومة رئيس المخابرات الجنرال حميد غول، وعينت مكانه الجنرال شمس الرحمن كالو.
وفي يوم الاثنين 15 محرم 1411 هـ (6 آب 1990 م) أقال الرئيس إسحاق خان حكومة بناظير بوتو، وعين غلام مصطفى جاتوي زعيم الائتلاف المعارض لحكم بناظير بوتو، وكانت الوزارة الجديدة حكومة موقتة، كما حل الرئيس الباكستاني الجمعية الوطنية، والجمعيات الإقليمية الأربعة، وحكام الأقاليم الأربع، بما فيهم حاكم البنجاب نواز شريف الخصم الرئيسي السياسي لبناظير بوتو.

وأعلن الرئيس الباكستاني عن إجراء انتخابات عامة جديدة في 5 ربيع الثاني 1411هـ (٢٤ تشرين الأول 1990 م) وأعلنت فـوراً كـل من نصرت بوتو، وابنتها بناظير يوتو عن ترشيح نفسيهما للانتخابات، وكذلك زردري، زوج بناظير بوتو

وصرح الرئيس الباكستاني أنه اضطر إلى هذا الإجراء اضطراراً، حيث أن الحكومة أصبحت في نظره غير قادرة على الاضطلاع بأعباء الأمور وفقاً للدستور، وكان لا بد من الرجوع إلى القاعدة الانتخابية، واتهم الرئيس حكومة بناظير بوتو بالفساد، وانتهاك الدستور، ومحاباة أولي القربى.

وأنشئت محاكم خاصة، وتقرر أن تحال أسرة بناظير بوتو وطائفة من المقربين إليها إلى تلك المحاكم. وأعلن القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال أسلم باغ، أن الجيش لا دخل له في السياسة، ولم ينو في وقت من الأوقات، ولم يزمع الاشتراك فيها أبدًا .

واتهمت بناظير بوتو الجيش والمخابرات السرية بأنهما لعبا دوراً في إقالة حكومتها، ووصفت الإجراء الذي اتخذ بحقها أنه غير قانوني .

كانت بوتو رئيسة وزراء باكستان لفترتين (1409 – 1411، 1414 – 1317هـ)، (1988-1990؛ 1993-1996م) وانتهت حياتها باغتيالها.

برويز مشرف

وصعد نواز شريف لرئاسة الحكومة في انتخابات 1318هـ (1997 م) وبقي في منصبه إلى أن أطاح قائد الجيش الجنرال برويز مشرف بحكومة شريف المدنية بعد خلاف بينهما فحلّ البرلمان وأعلن حالة الطوارئ في البلاد كما اتهمت حكومة نواز شريف بالخيانة العظمى فتمّ نفيه إلى السعودية في منفى إجباري.

وكان نواز شريف قد منع طائرة مشرف من الهبوط في مطار كراتشي بينما كان عائدا من سريلانكا في (الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2001م)، واستطاع مشرف التواصل مع قادته العسكريين من طائرته وأصدر أوامره لضباطه على الأرض بتنفيذ انقلاب، فكان أول انقلاب يحصل من الجو.

وكانت سمعة نواز شريف سيئة جدا حيث عرف بسرقته للأموال واستغلاله منصبه لتنامي مشاريعه الإقتصادية، حيث أصبح اسم نواز شريف في أعلى قائمة المسؤولين الذين سرقوا بلادهم ونقلوا ما نهبوه لخارج البلاد.

لكن انقلاب مشرّف أعاد حكم العسكر إلى سدة الحكم بعد غياب زاد عن عشر سنوات أي منذ مقتل الجنرال ضياء الحق في العام 1408هـ (1988م).

وحاول برويز مشرف إحكام قبضته على البلاد بنفوذه العسكري، ولعب الجيش دورا كبيرا في الإقتصاد الباكستاني، وتشير التقارير إلى أن الجيش الباكستاني يهيمن على أكثر من ثلث اقتصاد البلاد. وقد ساعد ذلك في تعزيز مصالح جنرالات الجيش وقادته وضباطه، وتمويل شراء الولاءات، فكان فساد الجيش لا يقل بشاعة عن فساد السياسيين الذين يعيب عليهم العسكر ويكمم كل وسائل تسعى لكشف فساده.

وجاء اغتيال بيناظير بوتو رئيسة حزب الشعب الباكستاني، حيث اتهمت الشرطة الباكستانية رسميا بيت الله محسود، وهو قائد حركة طالبان باكستان الموالية لطالبان أفغانستان، و4 آخرين، باغتيال زعيمة المعارضة بيناظير بوتو. ونظمت انتخابات عام 1429هـ (2008م) على إثر عملية الاغتيال ليفوز فيها حزب الشعب بأغلبية المقاعد، ويتولى يوسف رضا جيلاني عضو الحزب منصب رئيس الوزراء.

ثم استقال برويز مشرف من منصبه كرئيس للبلاد، بعد تهديده بتوجيه اتهامات بالفساد، وتولى بعده الرئيس آصف علي زرداري، زوج بيناظير بوتو.

بعد استقالته، وتراجع حلفائه في انتخابات 1428هـ (2007م)، غادر برويز إلى دبي، وبدأت تطارده المحاكمات حتى قضت عليه محكمة باكستانية عام 1440هـ (2019م) بالإعدام بسبب خيانته العظمى في تعليق الدستور، وفرض حالة الطوارئ، وقد اتهم بعدم توفير الحماية اللازمة لرئيسة الوزراء الباكستانية السابقة التي سمح لها بالعودة من المنفى الاختياري، وهو ما أدى إلى قتلها، وكان تقرير للجنة دولية خاصة تابعة للأمم المتحدة اتهم مشرف بالتعمد في عدم توفير الحماية الشخصية لبوتو وهو ما تسبب في قتلها.

مجزرة المسجد الأحمر

ولن ينسى الشعب الباكستاني خلال فترة حكم مشرف المجزرة التي ارتكبها خلال حكمه في المسجد الأحمر والتي قضى فيها -ضمن حملة قادتها الوحدات الخاصة الباكستانية- عشرات المدنيين من أطفال صغار.

شكل اقتحام قوات الأمن الباكستانية للمسجد الأحمر أزمة حقيقية في تاريخ باكستان نتيجة سقوط عدد كبير من القتلى، ما رفع من حدة سخط أنصار الجماعات الإسلامية وطلاب المدراس الدينية على رئيس السلطة الجنرال برويز مشرف المتحالف مع الولايات المتحدة في حربها على ما يسمى الإرهاب.

وتعود فصول المواجهة الدامية التي انتهت إليها أزمة “لال مسجد” -ويعني بالعربية المسجد الأحمر- في العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى مطلع عام 1428هـ (2007م)، عقب إعلان الحكومة الباكستانية عن خطط لهدم مساجد في العاصمة من بينها المسجد الأحمر، بدعوى بنائها بطريقة غير قانونية على أراض مملوكة للدولة. وقد هدمت البلدية مسجدين بالفعل، وكانت جامعة حفصة ولال مسجد من بين المدارس التي قررت بلدية إسلام آباد هدمها، لكن طلاب المدارس الدينية خرجوا في مظاهرات ومسيرات كبيرة واستطاعوا أن يوقفوا هدم المساجد، وشهدت هذه الحقبة نشاطا دعويا قويا من طلاب وطالبات المدارس.

لكن جذور الأزمة بين الحكومة الباكستانية والمسجد الأحمر تعود إلى سنوات قبل ذلك، فالمسجد -الذي بني عام 1389هـ (1969م) وكان يعد أكبر مسجد في إسلام آباد إلى ما قبل تشييد مسجد فيصل- دخل في مواجهة مع الحكومة بعد انضمام باكستان إلى ما يسمى الحرب الأمريكية على الإرهاب أواخر 1422هـ (2001م) والتي بدأت بإسقاط نظام حركة طالبان في أفغانستان المجاورة.

وبلغ التوتر ذروته عام 1426هـ (2005م) إثر طرد وزارة الأوقاف لإمام المسجد الأحمر مولانا عبد العزيز غازي -الذي اعتقل في المواجهات – بعد إصداره فتواه الشهيرة ضد الجيش الباكستاني الذي يقاتل حركة طالبان ورجال القبائل في المناطق الحدودية مع أفغانستان.

وقال غازي في فتواه تلك إن “ضباط الجيش الباكستاني الذين يقتلون في الاشتباكات مع طالبان ورجال القبائل ليسوا شهداء، ولا يجب تكفينهم شرعا”، مما أثار غضبا حكوميا وإعلان أحد المسؤولين حينها بأن مولانا عبد العزيز “يحتل” المسجد الأحمر بالقوة، وهو ما دفع غازي  إلى الاحتماء بالمسجد لمنع أن يعتقل.

وتطورت الأحداث إلى أن اعتقلت السلطات في 19 مايو/أيار من العام نفسه عشرة من أنصار المسجد، لكن الطلاب اختطفوا أربعة من عناصر الشرطة وانتهت الأزمة بإفراج متبادل. وأعقب هذا الحادث اختطاف تسعة أشخاص بينهم ستة صينيين يعملون في عيادة اعتبرها مسؤولو المسجد بيت دعارة.

لكن التوتر تصاعد فجأة وحاصرت السلطات المسجد وخيَّر الرئيس برويز مشرف المتحصنين بين الاستسلام أو الموت.

وهو ما رفضه غازي أيضا، مشيرا إلى أنه يفضل “الشهادة” على الاستسلام، وتوعد بالقتال مع رجاله حتى النهاية، وأكد أنه يستطيع الصمود أمام أي هجوم شهرا.

وقد فشلت جهود الوساطة بالساعات الأخيرة في احتواء الأزمة، حيث أعلن الجيش الباكستاني شنَّ عملية لاقتحام المسجد الأحمر فجر الثلاثاء 25 جمادى الآخرة 1428هـ ( 10 يوليو/تموز 2007م)

وقد اعترفت السلطات بمقتل حوالي مائة شخص عندما اقتحمت القوات الخاصة الباكستانية المسجد الواقع في العاصمة إسلام آباد بعد حصار دام أسبوعا كاملا، رفض خلاله عدد من المسلحين المعتصمين الاستسلام لقوات الأمن.

وفي المقابل، قال زعيم مجلس العمل المتحد القاضي حسين أحمد إن عدد القتلى أعلى بكثير مما أعلنته السلطات، ويتراوح بين أربعمائة وألف قتيل.

ويعتبر المسجد الأحمر رمزا للساعين لتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، لذا كانت السلطات الباكستانية تراقب نشاط المسجد بشكل دقيق، لا سيما أن له أنصارا كثرا في شمال غرب وجنوب باكستان. ومنه أعلن الشيخ عبد العزيز وأخوه غازي مطالبهم الإسلامية، ومما جاء في خطبة إعلان تطبيق الشريعة على لسان الشيخ عبد العزيز: “نحن نعلن اليوم أننا نطبق الشرع في المنطقة التي تخضع لسيطرتنا، سيُفصل في كل القضايا هنا بعد اليوم، حسب شريعة الله سبحانه وتعالى”. “إن الحكومة وأعداء الدين قرروا استخدام الحيل المختلفة لإخفات صوت الطلاب والطالبات، ولإزالة تأثير دعوتهم، وتستخدم ضدنا المؤسسات غير الحكومية (NGOs)  ووسائل الإعلام المختلفة، وتنشر الأراجيف المختلفة لتنفير عامة الناس عنهم، ومن هنا نريد أن نعلن لجميع سكان البلد أن لا يصدقوا هذه الأراجيف، وليتأكدوا عن صحة الخبر عن طريق الاتصال بنا قبل التعليق على الخبر وتصديقه، إن الطلاب والطالبات يقصدون إلى تطبيق شرع الله واستتباب الأمن، نحن نقوم بتبليغ دعوتنا إلى إخواننا المسلمين بالحب، ومن هنا لا تصدقوا الأخبار التي تذاع وتصلكم عن حوادث التخريب والتدمير والمحاصرة والإحراق من قبل الطلاب والطالبات، وإذا كانت هناك شكوى حول شيء من هذا القبيل فاتصلوا بنا. إن تطبيق الشريعة أمنية كل مسلم، فليشارك المسلمون جميعًا في هذا الجهد، وليجعلوه مطلبًا جماهيريًّا لكل البلد، ولتشارك الأخوات المسلمات بصورة مؤثرة في هذه الحركة؛ لأن الحفاظ على أعراض الأخوات والبنات من الأهداف الأساسية لهذه الحركة، عمموا هذه الدعوة عن طريق نشر كتبنا وأشرطتنا. نطلب من الحكومة أن تسمع مطالبنا بدقة وأن تنفذها:

1 – نطالب الحكومة أن توقف الحملة الإعلامية المشتملة على الدعاية الكاذبة ضد حركة الطلاب والطالبات.

2 – أن تزيل جميع لوحات الدعاية التي تشتمل على صور منافية للأخلاق السوية التي تلعب دورًا مؤثرًا في توجيه المجتمع نحو وجهة خاطئة.

3 – إغلاق جميع مراكز المخدرات.

4 – أن تمنع بيع الخمر في إسلام آباد.

5 – نحن نريد الأمن والاستقرار فلتتعاون معنا الشرطة، نحن نعلن من قبلنا أننا نريد الأمن، لكن إن كانت الحكومة تصر على أن خيارها الأخير هو استخدام القوة ضدنا، في هذه الحالة يمكن أن يكون خيارنا الأخير الهجوم الاستشهادي، لا نريد الصدام، لكننا لن نتحمل أية عراقيل أمام تطبيق شرع الله تعالى”.

وجلبت هذه المطالب الحرب على مشايخ وطلاب المسجد الأحمر وانتهى بمجزرة كانت لها تداعيات أمنية خطيرة، حيث تلته تفجيرات وعمليات اغتيال مما وضع البلاد في حالة من الفوضى أقلقت الدول الغربية، وزادت السخط الشعبي على رئيس البلاد الجنرال برويز مشرف.

وساهمت باكستان في الحرب على ما يسمى الإرهاب في التحالف الغربي مع توالي رؤسائها، وقد كلفها ذلك التكلفة الهائلة وآلاف القتلى والنازحين.

آصف علي زرداري

سطع نجمه بعد اغتيال زوجته بينظير بوتو، إذ انتخبته الجمعية العامة لاحقا رئيسا للبلاد. تعهد بالإصلاح ومحاربة ما يسمى الإرهاب، وهو يملك ثروة مالية كبيرة لكنه توبع أكثر من مرة داخليا وخارجيا بتهم الفساد المالي. وله سجل قضائي نشط في هذا الشأن.

انتخب زرداري رئيسا لباكستان في 6 رمضان 1429هـ (6 سبتمبر/أيلول 2008م) خلفا للرئيس برويز مشرف الذي أجبر على الاستقالة، وتعهد عقب انتخابه بمحاربة “الإرهاب” ومقاتلي حركة طالبان في منطقة القبائل.

وقع على الاتفاق مع حركة تطبيق الشريعة المحمدية في وادي سوات بعد تصويت البرلمان عليه ربيع الثاني 1430هـ (منتصف أبريل/نيسان 2009م) لكنه ما لبث أن أمر الجيش بالقضاء على مقاتلي طالبان وشنِّ هجوم واسع على الحركة، بعد زيارته للولايات المتحدة في وقت لاحق من الشهر نفسه ولقائه الرئيس باراك أوباما.

خلفه ممنون حسين الذي جرى انتخابه لمنصب الرئاسة يوم 22 رمضان 1434هـ ( 30 يوليو/تموز 2013م) وأدى اليمين الدستورية رئيسا جديدا لباكستان أمام رئيس المحكمة العليا افتخار أحمد شودري، في أول انتقال للسلطة بين حكومتين مدنيتين في تاريخ البلاد.

ثم حكم باكستان نواز شريف حتى عام 1438هـ (2017م) وبها يكون قد حكم البلاد في ثلاث فترات منفصلة حيث عاد بعد نفيه من مشرف، ثم استقال بعد ذلك على إثر إدانة المحكمة العليا إياه بتهم فساد متعلقة بتسريبات أوراق بنما والتهرب الضريبي والحكم بعدم أهليته للبقاء في منصبه، كما حُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بتهم الفساد. وصعد للحكم بعده شهيد خاقان عباسي بين 9 ذو القعدة 1438 و 15 رمضان 1439هـ (1 أغسطس 2017 و31 مايو (أيار) 2018م)، ثم اعتقلته هيئة «المساءلة الوطنية»، بتهمة «الفساد»، قبل أن يُطلق سراحه بكفالة في 1441هـ ( 2020م).

عمران خان والصراع مع السلطة

يعد عمران إكرام الله خان رئيس الوزراء الـ22 لباكستان بعد فوز حزب “حركة الإنصاف” في الانتخابات العامة عام 1439هـ ( 2018م)

ورغم عدم إكمال أي رئيس حكومة في تاريخ باكستان لولايته منذ استقلال البلاد عام 1366هـ (1947م)، إلا أنه يعد أول رئيس وزراء يعزل من منصبه بحجب الثقة في 8 رمضان 1443هـ (التاسع من أبريل/نيسان 2022م).

متأثرا بالشاعر والفيلسوف محمد إقبال والكاتب الإيراني علي شريعتي الذي صادفه في شبابه، يوصف عمران خان عموما بأنه قومي وشعبوي.

دخل معترك السياسة من باب رياضة الكريكيت التي حقق فيها شهرة عالمية، ثم اعتزل وخاض غمار تجربة سياسية لا تقل إثارة عن تجربته الرياضية، حيث أسس حزبا ووصل إلى رئاسة الوزراء، قبل أن يتم عزله.

بعد نتيجة الانتخابات العامة الباكستانية 1439هـ ( 2018م) قال عمران خان إنه سيحاول إعادة تشكيل باكستان على أساس أيديولوجية محمد علي جناح. وفي عام 1443هـ ( 2022م) تم احتجازه بسبب عدد كبير من الاتهامات الموجهة له.

في عام 1441هـ ( 2020م) واجه عمران خان احتجاجات بعد وصفه لأمير تنظيم القاعدة السابق، الشيخ أسامة بن لادن بالشهيد، وتعرض لانتقادات لتعاطفه مع طالبان، مما جعل معارضيه يصفونه بـ”طالبان خان”. ولدى عمران تصريحات مثيرة للجدل وانتهج الهجوم على مؤسسات الدولة في معاركه الداخلية مما أكسبه شعبية كبيرة.

وصوت 174 نائبا في البرلمان الباكستاني من أصل 342 نائبا لصالح حجب الثقة عن حكومة عمران خان، في جلسة استمرت حوالي 14 ساعة، واستقال خلالها رئيس البرلمان ونائبه.

وفي جمادى الآخرة 1445هـ (يناير 2024م) أصدرت محكمة باكستانية حكماً بتجريد حزب عمران خان من رمزه الانتخابي. ووجهت له عدة تهم أدت لاعتقاله، وقد بث عمران خان مقطعا مصورا قبل اعتقاله، نشره على منصة “إكس” (تويتر سابقا) دعا أنصاره ومؤيديه إلى الاحتجاج السلمي في جميع أنحاء البلاد وعدم السكوت على اعتقاله والتظاهر حتى إجراء انتخابات نزيهة.

وقد قال عمران خان، في خطاباته قبل إلقاء القبض عليه وإبعاده، أنه أُُطيح به بناء على طلب من الولايات المتحدة لاتباعه سياسة خارجية مستقلة.

ولا يزال عمران يحظى بشعبية في باكستان ويؤثر في المشهد الباكستاني من زنزانته باعتباره السجين رقم 804، الأكثر شهرة في البلاد . وبينه وبين الحكومة صراع لم ينته كشف الكثير من الاضطراب وسوء القيادة وتأثير الأطراف الأجنبية في واقع البلاد.

وانتخب بعد تنحية عمران خان، آصف علي زرداري، زوج رئيسة الوزراء السابقة بناظير بوتو، رئيسا لباكستان، وذلك للمرة الثانية. بينما تولى شهباز شريف رئاسة الوزراء للمرة الثانية أيضا.

التحديات التي تواجه باكستان

تمر باكستان حاليا بأزمة اقتصادية طاحنة إثر ارتفاع معدل التضخم وتراجع سعر صرف العملة المحلية؛ هذا فضلاً عن أزماتها الأمنية الممثلة في مواجهة الجماعات المسلحة والانفصالية، وتحدياتها الخارجية؛ حيث تشهد علاقاتها بدول الجوار، الهند، وأفغانستان، وإيران توتراً ملحوظاً في وقت يمر فيه العالم بتحولات كبيرة، ستحدد سياسات حكومة “شهباز شريف” مستقبل البلاد، وسيؤثر ذلك على مجمل التفاعلات الإقليمية بجنوب آسيا في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الحالية.

ومنذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في رمضان 1439هـ (أغسطس 2021م) تشهد الحدود الباكستانية الأفغانية والمناطق القبلية بينهما نشاطاً ملحوظاً للتنظيمات الجهادية، وهي تنظيم الدولة وطالبان الباكستانية، فضلاً عن “الجماعات السنية المسلحة”. وهناك تداخل وتشابك بين هذه التنظيمات المقاتلة؛ حيث تدعم حركة “طالبان” الأفغانية المسيطرة على الحكم بكابول، حركة “طالبان باكستان” التي تخوض صراعا مع تنظيم الدولة، وفشلت وساطة طالبان في أفغانستان بين إسلام أباد و”طالبان الباكستانية” في التوصل إلى هدنة بينهما. ما يجعل مستقبل المنطقة مرهونا بنتائج الصراعات فيها.

هذا فضلاً عن وجود الحركات الانفصالية في بلوشستان التي تنشط في إقليم بلوشستان.

ولعل أبرز تحديات باكستان هو التعاامل مع نفوذ المؤسسة العسكرية الكبير حيث لا تسمح لرئيس الوزراء بالتدخل في السياسة الدفاعية والخارجية أو النووية للبلاد. وقد تدخل الجيش في إقالة رئيس الوزراء في ثلاثة انقلابات عسكرية.

إضافة إلى هذه التحديات الداخلية تتميز باكستان بموقع استراتيجي متميز بجنوب آسيا، وتتمتع بجيش قوي يملك أسلحة النووية، ونفوذ استخباراتي ممتد، وعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لكن توترت العلاقات الباكستانية الأفغانية بسبب ملفات النشاط المسلح واللاجئين، وترسيم الحدود؛ والذي تنعكس بعض تداعياته في تنفيذ إسلام أباد برنامجا لترحيل اللاجئين الأفغان الموجودين على أرضها، ومنذ ذلك التاريخ عاد أكثر من نصف مليون أفغاني إلى بلدهم، وهم يشكلون نحو 4.4 مليون لاجئ بينهم (1.7) مليون شخص يملكون وثائق رسمية، وقد اعترضت حركة “طالبان” الأفغانية على سياسة ترحيل اللاجئين، وهددت بالرد عليها.

وكذلك تستمر مخاوف باكستان من إثارة إيران الاضطرابات الداخلية بها عبر دعم الشيعة بباكستان (الذين يمثلون 15% من السكان).

وتتهم إسلام أباد طهران “بتجنيد” مواطنين شيعة للقتال ضمن “التنظيمات الرافضية المسلحة التابعة لها في سوريا”، ومنها “لواء زينبيون”.

ويبقى ملف العداء مع الهند، الخصم التقليدي لباكستان، قابلا للاشتعال في كل حين. مع تغير قوانين الاستقطاب الدولي، والمتغيرات الإقليمية الجديدة، وسيحدد ميول حكومة باكستان اتجاه ثقلها، وقد تراجعت العلاقات الأمريكية الباكستانية بعد انسحاب واشنطن من أفغانستان وتقلصت المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لإسلام أباد، لكن رئيس الوزراء الجديد معروف بميولاته الأمريكية، مع حاجة البلاد للاستثمار الاقتصادي الاستراتيجي مع الصين، في وقت تعمل واشنطن على إنشاء تحالفات لاحتواء الصعود الصيني دولياً وإقليمياً.

ولاشك أن نتائج تعاطي الحكومة الباكستانية مع هذه التحديات والتناقضات، يحدد ما إذا كانت ستنزلق باكستان في موجة من الإفلاس والعنف السياسي؛ الذي يلقي بظلاله على واقع الأمن والاستقرار بجنوب شرق آسيا ككل، أم ستستمر في صراع داخلي لا ينفك تحت سيطرة العكسر يمنع باكستان من الازدهار بقوة.

موقع الجماعة الإسلامية

أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان

كان حزب الرابطة الإسلامية هو الحزب السياسي الوحيد، وهو الذي قام بدور رئيسي في سبيل قيام باكستان وهو الحزب الذي استلم السلطة، ومع أن الدولة قامت على أساس الإسلام إلا أن قادة هذا الحزب لم يكونوا ملتزمين بأحكام الإسلام وتعاليمه، وانحرف عن مساره الذي بدأ به أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية، فكان منهم المسلم، والقـاديـاني. والإسماعيلي، والمتزوج بهـندوسية، والمقترن بمجوسية، ومن هنا جاء دعمهم والسكوت عنهم من قبل الدول الكبرى خوفا من أن يأتي مسلمون ملتزمون يطبقون الإسلام، ويحولون دون تدخل المحتلين الصليبيين، ويقفون في وجههم أمام استغلال المسلمين وبلادهم، وأمـام تنفيذ المخططات الأجنبية ومن هنا فلم تطبق أحكام الإسلام، وبقيت هذه الدولة التي قامت على الإسلام كأي دولة علمانية أخرى، بل برز فيها القاديانيون، والإسماعيليون، وأكثر الفرق الضالة نتيجة لتنظيمهم ومخططاتهم کاقليات.


ثم ضعف حزب الرابطة الإسلامية أمام ظهور النزعة الإقليمية وظهرت مجموعة منه في الإقليم الشرقي برئاسة الخوجا نظام الدين، وجماعة تعارضه في الجناح نفسه برئاسة محمد علي بوغرا، وظهر حزب الرابطة في الإقليم الغربي معارضاً للأفكار التي يحملها أتباعه في الجناح الشرقي ومع ذلك فقد بقي الحزب قوياً لأن السلطة بيده، والانتهازيون ، وأصحاب المصالح، والذين يريدون العمل، والمتزلفون للحاكم كثيرون في كل مجتمع، وهم بجانب الحاكم، لذا بقي الحزب تبـدو له شعبية ومؤيدون، وإن كانت شعبية ظاهرية فالمنتفعون والمتزلفون ينفضون عنه مجرد تركه السلطة، ويلتفون حول الحاكم الجديد.


ومع استمرار النشاط الإسلامي. ونتيجة الفكرة التي قامت عليها باكستان وبسبب الكره للأعمال الوحشية والإجرامية التي قام بها الهندوس بقيت الأحزاب تحمل العنوان الإسلامي، وإن كانت فارغة المضمون.

بعدما ساءت حالة المودودي الصحية جراء معاناته مع أمراض الكلى والقلب، اضطر للسفر للعلاج بالولايات المتحدة حيث كان يعمل ابنه الثاني طبيبا، وتوفي في نيويورك يوم 1 ذو القعدة 1399هـ ( 22 سبتمبر/أيلول 1979م) عن عمر ناهز 75 عاما. وصُلِّيَ على جثمانه في المحطات التي مرَّ عليها من الولايات المتحدة إلى باكستان.

ترك المودودي أثرا في الحركة الإسلامية بالعالم الإسلامي وعدد من رموزها من خلال مسيرته السياسية ومؤلفاته الكثيرة، وعدَّه عدد من المستشرقين من أكبر المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث ومُنَظِّرا لما يصطلحون عليه “الإسلام السياسي”.

ووصفته الصحيفة الأميركية “نيويورك هيرالد تربيون” بأنه “رجل سياسة من صميم القلب وعدو لدود للشيوعية” واتهمه خصومه من الشيوعيين واليساريين والعلمانيين بأنه “مرجع الفكر التكفيري والفكر الشمولي”.

وفي الواقع تاريخ باكستان كان صراعا ممتدا بين شعب مسلم وهيمنة غربية لا تريد له الاستقلال والسيادة بدينه فكانت فصولا محتدمة، كشفت الكثير من خبث أساليب الغرب ومكره بالبلاد المسلمة.

المساجد في باكستان معالم إسلامية


تتميز باكستان بمعالم إسلامية شهيرة، وأبرزها المساجد، ويعد مسجد الملك فيصل أحد أكبر المساجد في باكستان وجنوب آسيا عموما وواحداً من أكبر المساجد في العالم أيضاً، وهو يقع في العاصمة الباكستانية إسلام أباد. وقد بدأت عملية بنائه في عام 1396هـ (1976م) وتم الانتهاء من عملية بنائه في عام 1407هـ ( 1986م) وكان يضم الجامعة الإسلامية الدولية.

ويعد المسجد الملكي (بادشاهي مسجد) من المساجد التأريخية القديمة في باكستان حيث يقع في لاهور وقد شيده الإمبراطور المغولي “أورنكزيب عالمكير” العام 1084هـ (1673م) ويعد ثاني أكبر مسجد في باكستان بعد مسجد الملك فيصل. وكان أكبر مسجد في العالم بعد البناء. وهو ثاني أكبر مسجد في باكستان وخامس أكبر مسجد في العالم. ومن معالم لاهور الأكثر شهرة والشهير ونقطة جذب سياحية رئيسية.

ويقع مسجد “شاه جهان” في منطقة “تهتهه” بولاية السند الباكستانية وبدأت عملية بنائه علي يد الحاكم “شاه جهان” عام 1054هـ (1644م) وانتهي في عام 1057هـ (1647م)

ويتمتع مسجد طوبي بأكبر منارة في العالم ويقع في مدينة “كراتشي” الباكستانية وشيد عام 1389هـ (1969م).

وأما مسجد “بهونج” فتمت عملية بنائه الذي يقع في منطقة “رحيم خان” جنوب ولاية “البنجاب” الباكستانية خلال الفترة من عام 1351 لغاية 1402هـ( 1932 لغاية 1982م)، أي إستمرت لمدة 50 عاماً وعمل على بنائه أكثر من ألف عامل ومهندس.

ثم مسجد “محبت خان” وهو يحمل اسم المسئول المفوض من قبل الحكومة المغولية آنذاك والذي قد أمر ببناء هذا المسجد في القرن السابع عشر للميلاد، ويقع هذا المسجد في مدينة “بيشاور” الباكستانية.

ويرجع تاريخ مسجد “شاهي عيدكاه” أوائل القرن الثامن عشر للميلاد ويقع في مدينة “مُلتان” جنوب ولاية “البنجاب” الباكستانية ويتمتع بساحة كبيرة ولديه 7 قبب مزينة بأنواع الزخارف الملونة.

ويقع مسجد “وزير خان” في مدينة “لاهور” بولاية “البنجاب” الباكستانية بني عام 1044هـ (1634م) على يد الحاكم آنذاك الشاه جهان.
وكان يعد هذا المسجد أجمل مسجد في العصر المغولي من حيث الزخارف والزينة.

وكذلك من المساجد اللافتة، مسجد موتي وهو مسجد كبير يقع في لاهور بالباكستان.

حلقات المشاعرة هوية باكستانية

يقول صاحب كتاب “تعال معي إلى باكستان”، فرج جبران:” من الأمثلة الرائعة لليقظة العلمية والأدبية في باكستان حلقات «المشاعرة» التي يمكن اعتبارها امتدادًا لأسواق العرب الأدبية، وهي حلقات لا تجدها في غير باكستان. وقد بدأت حلقات المشاعرة بالجلسات الخاصة التي كانت تنعقد في قصور الأمراء والعظماء والأدباء، ثم انتقلت إلى المجالس العامة والندوات الشعبية.

وقد اشتُهرت مجالس المشاعرة في الهند في عهد السلطان أكبر المغولي الذي وطَّد دعائم الحضارة الإسلامية في شبه القارة، وقد أنشأ هذا الملك حلقة خاصة للشعراء، متشبهًا في ذلك بالخلفاء وأمراء المسلمين، وكان يُجْزل العطاء لأصحاب القصائد التي تنال استحسانه.

وقد ظلت مجالس المشاعرة في الهند قاصرة على الجماعات الإسلامية مما جعلها من مميزات المسلمين، ولذلك كان من الطبيعي أن تنتقل إلى باكستان بعد تأليفها مع ما انتقل إليها من التراث الإسلامي.

وتعقد اليوم في كراتشي، عاصمة باكستان، وغيرها من المدن الكبرى مثل لاهور وداكا وغيرها، حلقات «المشاعرة» تحت رعاية الدولة أما قبل التقسيم فقد كانت الرابطة الإسلامية هي التي تتولى تنظيم المشاعرة، وكان محمد علي جناح من أكبر مشجعي حلقات المشاعرة، ولم ينقطع عن الاشتراك فيها حتى بعد أن تولى مقاليد الحكم.

وكذلك شاعر الباكستان الشهير «محمد إقبال» كان أول ظهوره في حلقات المشاعرة بلاهور، وكانت هذه الحلقات سببًا من أسباب شهرته الكبيرة، إذ سهَّلت اتصاله بالناس.

ويهتم الباكستانيون اهتمامًا كبيرًا بحلقات المشاعرة، وتعلن الصحف عن مواعيدها كما تنشر وصفًا كاملًا لهذه الحلقات، وتُعقَد مجالس المشاعرة عادة في مكان فسيح يتسع للجماهير وقد يكون صحن أحد المساجد الكبرى في المدينة أو مكانًا عامًّا آخر، وتقام منصة عالية للشعراء أما الجمهور فيجلس على الأرض التي تُفْرَش بالأبسطة، ويتعاقب الشعراء بعد ذلك أمام الجمهور الذي يتذوق ما يقدم له من شعر أو شعر منثور”.

باكستان جزء من العالم الإسلامي

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في باكستان سنة 1372هـ (1952م)

ويربط باكستان جسور قوية مع العالم الإسلامي وقد زارها العديد من أعلام المسلمين من دول مختلفة، منهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي كتب خلاصة رحلته لباكستان من خلال احتكاكه بالمسلمين.

وكان مما شاهده في كراتشي عادّة تعظيم العلماء بشكل مبالغ فيه، وهي عادّة قديمة جدا عندهم فكلّما خطب الإبراهيمي في جمعة وهم بالانصراف بعد الصلاة اعترض المصلون طريقه ويأخذون في تقبيل يديه ووضعها على جباههم ومنهم من يتمسح بثيابه فيلعق الإبراهيمي على ذلك: “… ولقد صحت في الناس في أول مرّة وقلت يا قوم: هذا منكر فلما لم يكفوا قلت هذا حرام:  فلم يزدهم ذلك  إلاّ تهافتا علي، ولو بقيت في المسجد لبقي المصلون كلّهم مرابطين ينتظرونني وكان الأمر في الجمعة الثانية أشد وكان في الثالثة أشنع لكثرة المصلين في جامع الميمن وكان صوتي في كلّ مرّة أعلى ولكنّه كان أضيع…”.

كما رصد الإبراهيمي ضعف الخطب في باكستان، ووصف استياءه من ذلك فقال معلقا على خطبة سمعها: “فلم أملك إلاّ الحوقلة والاسترجاع وحمدت الله على خفوت صوت الخطيب، وجهل السامعين بالعربية وإنّ هذا لمن المواطن التي يستحب فيها الجهل والصمم وكان حضرة الخطيب جاء بتلك الخطبة شاهدا لما وصمت به علماء الدين من إلهائهم للعامّة بالقشور…”.

ولعل أبرز خلاصة عن واقع المسلمين في باكستان وحقيقته عبر التاريخ، ما خلص له الإبراهيمي بقوله:

“إنّ مسلمي باكستان والهند لينفردون بخاصية سميتها بعد التأمل والدراسة (القابلية) وأعتقد أنّ هذا هو اسمها الحقيقي فقابلية  الخير والصلاح والإصلاح فيهم ظاهرة السمات فلو رزقوا  الموجه المسدد والمشير الحكيم لسبقوا طوائف المسلمين كلّها إلى غاية الخير التي نرجوها للمسلمين”.

مراجع

موسوعة محمود شاكر، باكستان.

مساجد باكستان؛ بناء فريد وتصاميم منوعة

أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان

أنتررجيونال للتحليلات الإستراتيجية: ما أهم التحديات التي تواجه الحكومة الباكستانية الجديدة؟

كتاب “تعال معي إلى باكستان”، فرج جبران

الجيش الباكستاني .. تاريخ من الانقلابات والهيمنة على الحكم (فيديو)

أزمة المسجد الأحمر (الجزيرة)

برويز مشرف.. من السطوة العسكرية إلى الإهمال السياسي (الجزيرة)

آصف علي زرداري (الجزيرة)

تقارير صحفية مختلفة.

آثار الإبراهيمي

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x