الإسلام في إيران: من بعد الثورة إلى طوفان الأقصى

المقال الأول: الإسلام في إيران: من العصور الساسانية إلى الفتوحات الإسلامية

المقال الثاني: الإسلام في إيران: من الفتوحات الإسلامية إلى الدولة الصفوية

المقال الثالث: الإسلام في إيران: منذ سقوط الدولة الصفوية إلى تمكّن الدعوة الخمينية

المحتوى أخفي

ما إن وضعت الثورة الإيرانية أوزارها عام 1399هـ (1979م) حتى وجدت نفسها أمام تحديات ضخمة: ترسيخ النظام الجديد في الداخل، وتصدير الفكر الخميني إلى الخارج، ومواجهة العالم السني المحيط بها بريبة. لكن الحدث الذي طبع هذا العقد كله كان الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988م) التي التهمت قرابة مليون إنسان، وأعادت إلى الواجهة الصراع التاريخي بين المشروعين العربي والإيراني.

تثبيت الحكم وقمع المعارضة الداخلية

في الأشهر الأولى بعد الثورة، لم يكن النظام الخميني موحدًا، إذ شارك فيه قوميون، وليبراليون، وإسلاميون من مختلف الاتجاهات. لكن الخميني سرعان ما تخلّص من الجميع، فحلّ الأحزاب، وأغلق الصحف، وأعدم آلاف المعارضين تحت تهم “العمالة لأمريكا أو البعث أو الكفر بالولي الفقيه”.

أُنشئ الحرس الثوري الإيراني (الباسدران) عام 1340هـ (1980م) ليكون الجيش العقائدي الموالي للثورة، فصار دولة داخل الدولة، يراقب الجيش الرسمي ويهيمن على الاقتصاد والإعلام.
أما جهاز المخابرات (السافاك) الذي كان أداة الشاه، فقد أُعيد هيكلته باسم “سافاما”، واستمر في أداء الدور نفسه ولكن تحت راية دينية.

وخلال عامي 1340 – 1343هـ (1980–1983م) أُعدم أكثر من 12 ألف شخص من أهل السنة والعرب والبلوش والأكراد، بحسب تقارير منظمات حقوقية غربية.

الحرب العراقية الإيرانية: نار العقود الثمانية

image 13

في 2 ربيع الأول 1401هـ (22 سبتمبر/ أيلول 1980م) اندلعت الحرب بين العراق وإيران بعد توترات متصاعدة على الحدود وفي شط العرب. وقدّم الخميني الحرب على أنها “حرب مقدسة للدفاع عن الإسلام”، بينما رآها العالم الإسلامي صراعًا قوميًا ومذهبيًا.

كانت أهداف إيران من الحرب تتلخص في:
• إسقاط نظام صدام حسين الذي كان يشكل سداً عربياً سنياً أمام التمدد الشيعي.
• تصدير الثورة إلى العراق والخليج، كما صرح الخميني بقوله: “طريق القدس يمرّ عبر كربلاء.”
• فرض الهيمنة على منطقة الخليج الغنية بالنفط.

دامت الحرب ثماني سنوات، استخدمت فيها إيران الشبان الصغار في “سرايا الاستشهاد”، وارتكبت مجازر بحق الأسرى والمدنيين. وعندما وافق الخميني على وقف إطلاق النار عام 1407هـ (1988م) وصف القرار بقوله: “إنني أتجرع السم.”

كانت إيران قد خسرت أكثر من 500 ألف قتيل وجريح، وتكبّدت خسائر اقتصادية فادحة، لكن الحرب منحت النظام مبررًا لتشديد قبضته الأمنية وشيطنة كل معارض.

القمع الطائفي واستمرار الاضطهاد

image 18

تنفذ السلطات الإيرانية الإعدامات علنا بشكل وحشي بالشنق.

خلال الحرب، استغل النظام انشغال العالم بمعارك الجبهات ليصفي خصومه الداخليين، وخصوصًا أهل السنة في المناطق الحدودية. ففي بلوشستان والأهواز وكردستان، وقعت إعدامات جماعية ومداهمات للمساجد والمدارس الدينية. ووثقت منظمات مثل العفو الدولية أن آلاف السنة أُعدموا بتهمة “موالاة البعث” أو “الانفصال”.
لم يُسمح ببناء مسجد واحد لأهل السنة في طهران، رغم وجود أكثر من مليون مسلم سني فيها، بينما أُنشئت آلاف الحسينيات الشيعية بتمويل حكومي.

العلاقات الدولية: العزلة ثم الانفتاح الحذر

بعد الحرب، كانت إيران منهكة سياسيًا واقتصاديًا. ورغم شعار “الموت لأمريكا”، بدأت اتصالات سرية مع واشنطن فيما عرف لاحقًا بفضيحة إيران–كونترا عام 1405هـ (1986م)، حيث زودتها أمريكا والاحتلال الإسرائيلي بالسلاح مقابل الإفراج عن رهائن غربيين في لبنان. كما بدأ الاتحاد السوفييتي يفتح خطوط تعاون اقتصادي مع طهران رغم اختلاف الأيديولوجيا، لأن كليهما يشتركان في العداء للحركات الإسلامية السنية.

وفاة الخميني ونهاية عقد الدم

في عام 1410هـ (1989م) توفي الخميني عن عمر ناهز 87 عامًا بعد أن حكم البلاد بعقيدة “الولي الفقيه” المطلقة. وخلفه تلميذه علي خامنئي بدعم من مجلس الخبراء، رغم اعتراض بعض كبار المراجع الذين رأوا أنه لا تتوفر فيه شروط المرجعية العليا.

برحيل الخميني، دخلت إيران مرحلة جديدة: مرحلة ترسيخ الدولة الأمنية وتوسيع النفوذ الإقليمي بدل الانغلاق الداخلي، وبدأت سياسة “تصدير الثورة” تتخذ طابعًا مؤسسيًا منظمًا عبر الحرس الثوري وفيلق القدس.

خرجت إيران من الثمانينيات وهي أكثر عداءً لأهل السنة من أي وقت مضى. فقد تم إغلاق معظم مدارسهم الدينية، وحرمانهم من المناصب الإدارية والعسكرية، وملاحقة مشايخهم بتهمة “الوهابية”.
وأصبح المذهب السني يُعامل داخل إيران على أنه تهديد للأمن القومي لا مكوّن وطني.

تمثل فترة 1400- 1410هـ (1980–1989م) عقدًا دمويًا في تاريخ إيران الحديث، إذ جرى خلالها تثبيت أركان “الثورة الخمينية” بالسيف والنار، وبُنيت الدولة على أسس مذهبية لا تمت للإسلام بصلة. فقد خاض النظام حربًا ضد العراق، وحربًا داخلية ضد الشعب الإيراني نفسه، ليفرض سلطة “الولي الفقيه” المطلقة، ويحوّل البلاد إلى قلعة مغلقة تحكمها العقيدة الرافضية والحديد والنار. كما يقول بعض المحللين: “الثورة الإيرانية لم تكن ثورة شعب، بل ثورة فقيه يريد أن يصنع من نفسه إمامًا على العالم الإسلامي.”

إيران بعد الخميني: بناء الدولة العميقة وتوسيع النفوذ (1989–1997)

رحيل الخميني عام 1410هـ (1989م) لم يُنهِ الثورة، بل نقلها من مرحلة “الهيجان العقائدي” إلى مرحلة “المؤسسة السياسية والاقتصادية”. فقد ورث علي خامنئي السلطة العليا، بينما تولى هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية، ليشكلا معاً ثنائية الحاكم والمهندس:
الأول يُمسك بزمام الدين والجيش، والثاني يدير الاقتصاد والعلاقات الخارجية.

كانت إيران آنذاك خارجة من حرب مدمّرة، مديونة، محاصرة، ومجتمعها منهك. لذلك كان الهدف المعلن هو إعادة الإعمار، أما الهدف الخفي فهو بناء دولة أمنية ذات مشروع تمددي شيعي عالمي.

image

علي أكبر هاشمي رفسنجاني

علي خامنئي: من “ظلّ الإمام” إلى “الولي المطلق”

لم يكن علي خامنئي من كبار المراجع الدينية، ولم يكن يملك الوزن “العلمي” الذي كان للخميني، لذلك واجه اعتراضًا من مراجع قم على توليه منصب الولي الفقيه. لكن مجلس الخبراء –المسيطر عليه من المقربين للخميني– عدّل الدستور بحيث لا يشترط في الولي الفقيه أن يكون “مرجع تقليد”، بل “عالمًا مجتهدًا”، فصارت الولاية على المقاس السياسي. وبذلك تحولت الدولة إلى نظام ثنائي الرأس:
• خامنئي يملك السلطة الدينية والعسكرية والإعلامية.
• رفسنجاني يدير الاقتصاد والدبلوماسية.

لكن خامنئي سرعان ما أحكم قبضته على مفاصل الدولة، مستعينًا بالحرس الثوري الذي ظلّ ذراعه الأقوى.

رفسنجاني ومشروع “إعمار ما بعد الحرب”

بعد دمار الحرب مع العراق، رفع رفسنجاني شعار “البناء والإعمار”، وبدأ سياسة انفتاح اقتصادي حذر فبدأ بإدخال الاستثمارات الأجنبية المحدودة وتطوير الصناعات العسكرية. وإعادة تأهيل البنية التحتية (كالطرق، والكهرباء، والمصانع). لكن هذه السياسة كانت محكومة بعقيدة “الاستقلال عن الغرب”، ما جعل الاقتصاد الإيراني يدار بعقلية مركزية شبه عسكرية. أما الثروة الكبرى، أي النفط والغاز، فقد ظلت تحت سيطرة الحرس الثوري وشركاته التي تمدّدت في كل قطاع.

وهكذا تحوّل الحرس من ذراع عسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية تدير الموانئ والمناجم والبنوك.

الاضطهاد المستمر لأهل السنة

رغم الخطاب الإصلاحي لرفسنجاني، استمر القمع الطائفي بحق أهل السنة، بل ازداد تنظيمًا. ففي التسعينيات، أُنشئت وحدات أمنية خاصة لمراقبة النشاط الديني السني، وفرضت قيود شديدة على التعليم الشرعي. ومن أبرز المظاهر التي عرفها أهل السنة:
• منع بناء مسجد سني في طهران حتى اليوم.
• إغلاق عشرات المدارس الدينية السنية في بلوشستان وكردستان.
• إعدام دعاة بارزين بتهم “نشر الفكر الوهابي”.
• تهميش كامل لأهل السنة في مؤسسات الدولة والجيش والجامعات.

لقد كانت هذه الفترة مرحلة “التطويق الثقافي والعقائدي” لأهل السنة داخل إيران.

بداية التمدد الخارجي: البعد الطائفي والسياسي

بعد الحرب، أعادت إيران ترتيب أولوياتها الخارجية وفق عقيدة تصدير الثورة بوسائل ناعمة.
فبدأت بتأسيس أذرع سياسية وعسكرية في العالم العربي، فظهرت:
• حزب الله اللبناني بوصفه الذراع العسكرية في المشرق العربي.
• دعم نظام الأسد في سوريا سياسيًا واقتصاديًا.
• محاولات اختراق في الخليج واليمن والسودان.

وفي الوقت ذاته، فتحت قنوات تواصل مع الغرب، خصوصًا فرنسا وألمانيا، لتجنب العزلة التي واجهتها في الثمانينيات.

كان رفسنجاني يرى أن تصدير الثورة يجب أن يتم “بالعقل لا بالسيف”، لكن خامنئي أراد أن يكون “بالعقيدة والسلاح”، فظلت الدولة تعيش ازدواجية بين البراغماتية السياسية والتطرف المذهبي.

بناء القوة العسكرية الذاتية

استفادت إيران من خبرتها الطويلة في الحرب مع العراق، فبدأت في التسعينيات مشروع الاكتفاء العسكري الذاتي. أنشأت مصانع للسلاح محليًا، وبدأت برنامجًا صاروخيًا بمساعدة كوريا الشمالية، وأطلقت مشاريع سرية لتخصيب اليورانيوم. وفي المقابل، كان النظام يربط هذا التسليح بعقيدة “الاستعداد لظهور المهدي المنتظر”، ما جعل الجيش والحرس الثوري يربطان بين السلاح واللاهوت، في ظاهرة فريدة في العالم.

سياسة “التقية” الخارجية

في عهد رفسنجاني، استخدمت إيران سياسة مزدوجة مع العالم الإسلامي تتضمن خطابا وحدويا موجه للعرب والسنة، يدعو إلى “التقريب بين المذاهب”. وخطابا داخليا طائفيا يغذي كراهية أهل السنة، ويرسخ أسطورة “المظلومية الشيعية”.

في هذه المرحلة، أُنشئت “منظمة التقريب بين المذاهب الإسلامية”، لكنها كانت عمليًا أداة لتسويق الفكر الخميني لا لنشر الوحدة الإسلامية. وقد قال بعض الدعاة آنذاك: “إن الدعوة إلى التقريب التي تنادي بها إيران ليست لتقريب المذاهب، بل لتقريب الناس من التشيع.”

نهاية عهد رفسنجاني وبداية التحول السياسي

مع نهاية التسعينيات، بدأت تظهر معارضة داخلية من الجيل الجديد الذي طالب بحرية أكبر، وبدأ الحديث عن “إصلاح النظام من الداخل”. لكن خامنئي كان قد أحكم قبضته تمامًا، وبنى ما عُرف لاحقًا بالدولة العميقة، أي شبكة من رجال الدين والأمن والاقتصاد الموالين له شخصيًا.

في عام 1418ه (1997م)، جرت انتخابات رئاسية فاز فيها محمد خاتمي، معلنًا بداية مرحلة جديدة من “الانفتاح والإصلاح”، لكن دون المساس بسلطة الولي الفقيه.

يُعدّ عقد التسعينيات بشكل عام، مرحلة ترسيخ النظام الخميني وتحوله إلى مؤسسة شمولية. فبعد أن أسس الخميني العقيدة، جاء خامنئي ورفسنجاني ليؤسسا الدولة العميقة التي تجمع بين المذهبية والأمن والاقتصاد. وظل أهل السنة في هذه المرحلة ضحية تهم “الوهابية” و”التبعية للعرب”، يعيشون في وطنهم غرباء لا يُسمح لهم بمسجد في العاصمة، ولا بتمثيل في البرلمان إلا بقدر شكلي.

في عهد رفسنجاني، لم تعد إيران ثورة، بل مشروع دولة طائفية لها أدواتها المالية والإعلامية، وتتحرك بثقة نحو عمق العالم العربي. كما خلص لذلك بعض المراقبين.

image 1

محمد خاتمي

إيران في عهد محمد خاتمي (1997–2005): الإصلاح الزائف والانفتاح المغشوش

حين فاز محمد خاتمي برئاسة الجمهورية الإيرانية سنة 1417هـ (1997م)، انطلقت موجة من التفاؤل داخل إيران وخارجها. وروّجت وسائل الإعلام الغربية لما سُمّي بـ«إصلاحات خاتمي» و«ربيع الحرية الإيراني»، واعتبره البعض بداية تحول ديمقراطي داخل نظام ولاية الفقيه. لكن الواقع كشف أن ما جرى لم يكن أكثر من تجميل لوجه الدولة الرافضية الأمنية التي أحكم خامنئي سيطرتها على كل مفاصلها.

صعود محمد خاتمي: رجل “الثقافة” في دولة الأمن

خاتمي لم يكن رجل ثورة ولا عسكرياً، بل رجل فكر وثقافة، تولّى سابقاً وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، واشتهر بدعوته إلى “حوار الحضارات”. إلا أن صعوده لم يكن نابعاً من رغبة خامنئي في الإصلاح، بل كان خطوة تكتيكية لامتصاص الغضب الشعبي، خاصة بعد أزمة البطالة، وغلاء المعيشة، وتزايد الاضطرابات الطلابية. فقد أُريد لخاتمي أن يلعب دور “الواجهة الليّنة” للنظام، بينما بقيت السلطة الحقيقية بيد الولي الفقيه والحرس الثوري.

الانفتاح الإعلامي ثم الاغتيالات السياسية

خلال السنوات الأولى من حكمه، سمح خاتمي بقدر محدود من حرية التعبير، فظهرت صحف إصلاحية تتحدث عن الفساد والظلم، وبدأ بعض المثقفين يطالبون بتحديد صلاحيات الولي الفقيه.
لكن الردّ كان قاسياً، حيث أُغلقت أكثر من 90 صحيفة إصلاحية في عام واحد. وبدأت حملة اغتيالات سُمّيت لاحقاً بـ “سلسلة الاغتيالات”، استهدفت كتّاباً ومفكرين معارضين للنظام. ولم يكن أحد يجرؤ على اتهام الحرس الثوري أو وزارة الاستخبارات مباشرة، لكنّ الجميع كان يعلم أن الدولة العميقة هي من تدير هذه العمليات. وهكذا تحوّل “ربيع الإصلاح” إلى خريف دموي.

الإصلاحات المزعومة: لا إصلاح في ظل ولاية الفقيه

كانت أهم مطالب التيار الإصلاحي: الحد من سلطة الولي الفقيه. وإطلاق حرية الصحافة والأحزاب. وإنهاء هيمنة “رجال الدين” على القضاء والتعليم. لكن خامنئي استخدم مجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام لإجهاض كل مشروع إصلاحي. فبموجب الدستور، لا يمكن لأي قانون أن يُقرّ دون موافقة هذين المجلسين، وكلاهما تابع مباشرة للمرشد. ومن ثم بقيت “الإصلاحات” مجرد شعارات انتخابية تُستخدم لإيهام الداخل والخارج بوجود تنوع سياسي.

موقف النظام من أهل السنة

رغم الوعود الكثيرة بالمساواة الدينية، فإن عهد خاتمي شهد استمرار القمع المنهجي ضد أهل السنة، بل وتصاعده في مناطق محددة بإغلاق مدارس العلماء السنة في بلوشستان وكردستان وتركمان الصحراء. واعتقال الدعاة وأئمة المساجد بتهم “التحريض على الانقسام المذهبي”. واستمرار منع بناء مسجد لأهل السنة في طهران، رغم مطالباتهم منذ عقود. ومنع السنة من المناصب العليا في الجيش والوزارات والجامعات. وكان علماء السنة يصرحون بأن “عهد خاتمي لم يختلف عن عهد الشاه ولا الخميني في تهميش السنة”.

التمدد الخارجي: “الثورة الثقافية الشيعية”

في هذه المرحلة، ركّزت إيران على الاختراق الثقافي والإعلامي أكثر من العسكري. فأُنشئت مراكز ثقافية في لبنان والعراق وسوريا والخليج تحت شعارات “التقريب بين المذاهب”، بينما كانت تمارس عملياً نشر التشيّع السياسي بطرق ناعمة. كما توسعت إيران في دعم الإعلام الموجّه، فأسست قنوات فضائية وصحفًا ناطقة بالعربية والفارسية، تتحدث عن الوحدة الإسلامية، وتهاجم في الوقت نفسه الصحابة وأئمة أهل السنة بأساليب ملتوية. وكانت هذه الفترة هي البداية الحقيقية لما سُمّي لاحقاً بالمشروع الشيعي العالمي الناعم.

image 2

الحرس الثوري

العلاقة مع الغرب: “ابتسامة” دبلوماسية خلفها الحرس الثوري

رفع خاتمي شعار “حوار الحضارات” في الأمم المتحدة سنة 1422هـ (2001م)، ونال إعجاباً واسعاً في الأوساط الغربية. لكن خلف الكواليس كانت إيران تُسرّع من تطوير برنامجها النووي بسرّية تامة، بتمويل مباشر من الحرس الثوري، وبتعاون تقني مع كوريا الشمالية وروسيا. أي أن “الابتسامة الدبلوماسية” كانت غطاءً لتثبيت القوة العسكرية التي بدأها خامنئي منذ التسعينيات.

نهاية عهد خاتمي: فشل الإصلاح وعودة القبضة الحديدية

مع نهاية ولايته الثانية سنة 1425هـ (2005م)، كان واضحاً أن مشروعه فشل تماماً. فلم تتحقق أي إصلاحات دستورية. ولم تتحسن أوضاع الحقوق والحريات. بل ازدادت سلطة الولي الفقيه والحرس الثوري أكثر من أي وقت مضى. بل إن التيار المحافظ استغل ضعف خاتمي ليعيد السيطرة الكاملة على الدولة، وبدأ يُعدّ لمرحلة جديدة أكثر تشدداً، فصعد محمود أحمدي نجاد –ابن الحرس الثوري– إلى سدة الحكم.

كانت سنوات خاتمي مرحلة إعادة تلميع للنظام الخميني بعد عقدين من الحرب والعزلة.
قدّم نفسه للعالم كإصلاحي مثقف، لكنه لم يستطع، أو لم يُسمح له، أن يغيّر شيئاً من بنية النظام. وظل أهل السنة في تلك الفترة يعانون من التضييق والتمييز، فيما استمر المشروع الشيعي في التوسع خارج الحدود.

خاتمي لم يكن إصلاحياً بقدر ما كان صمام أمان للنظام حتى يستعيد أنفاسه ويستعد لجولة جديدة من التمدد. كما خلص إلى ذلك بعض المراقبين.

image 9

إيران وكوريا الشمالية

حقبة أحمدي نجاد (2005–2013): تصدير الثورة بالسلاح والنار

تعد فترة حكم محمود أحمدي نجاد واحدة من أكثر الفترات تشدداً في تاريخ الجمهورية الإيرانية، إذ تميزت بالعسكرة الأيديولوجية وعودة الخطاب الثوري الحاد الذي كان سمة ولاية الخميني. واستغل النظام الإيراني هذه المرحلة لتعزيز نفوذه الإقليمي وإعادة صياغة هويته كدولة ثورية تواجه خصومها بالخطاب المتشدد والأسلحة.

مع تولي أحمدي نجاد الرئاسة في 1425هـ (2005م)، عاد الخطاب الخميني إلى الواجهة، مسلطاً الضوء على “مواجهة الاستكبار العالمي” ودعم حركات المقاومة في المنطقة. وكان تصاعد النزاعات الإقليمية، خصوصاً الحرب على لبنان في 1426هـ (2006م)، فرصة لاستعراض قدرة إيران على تصدير الثورة عبر أدوات القوة العسكرية والسياسية. وقد شكلت هذه الفترة امتداداً لتوجهات الحرس الثوري في إدارة السياسة الخارجية باستخدام أيديولوجيا الثورة كغطاء للنفوذ.

المشروع النووي: ستار للنفوذ الإقليمي

image 6

استُخدم المشروع النووي الإيراني، الذي بدأ منذ التسعينيات، كأداة استراتيجية لتعزيز النفوذ في المنطقة. فقد سمح هذا المشروع للنظام بالضغط على الدول الغربية وصنع مسار تفاوضي مع خصومه، بينما كان الهدف الفعلي من وراء هذا البرنامج هو توسيع حضور إيران في سوريا واليمن والبحرين ودعم الجماعات المسلحة الموالية للولي الفقيه. وهكذا، أصبح البرنامج النووي ليس مجرد مسعى علمي، بل أداة ضغط سياسي وعسكري.

تشديد القبضة على الأقليات السنية


على الصعيد الداخلي، شهدت هذه الحقبة تصعيداً في القمع ضد السنة والأقليات القومية، خصوصاً في بلوشستان وكردستان. اعتُقل عشرات العلماء والدعاة السنة بزعم محاربة التطرّف أو التآمر ضد الدولة، لكن الواقع أظهر أن الهدف كان تقليص أي صوت معارض للنظام. وقد وثقت تقارير هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية استمرار الانتهاكات ضد المجتمعات السنية، بما في ذلك الإعدامات التعسفية والملاحقات الأمنية المكثفة.

آثار سياسات أحمدي نجاد

image 4

الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ونظيره السوري المخلوع، بشار الأسد، خلال قمة جمعتهما في طهران 

سياسات أحمدي نجاد عززت صورة إيران كدولة تصدّر الثورة بالسلاح والنار، لكنها في الوقت نفسه أدّت إلى عزلة دبلوماسية متزايدة وإلى توتّر داخلي متصاعد. إذ أن التشدّد الأيديولوجي والقمع الممنهج للأقليات صنع بيئة متوترة داخل المجتمع الإيراني، وكان تمهيداً لاحقاً لموجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد بعد حقبة نجاد.

فترة حكم أحمدي نجاد رسّخت منطق العسكرة الأيديولوجية للنظام الإيراني، وحوّلت المشروع النووي إلى غطاء للنفوذ الإقليمي، مع تصعيد واضح للقمع ضد السنة والأقليات القومية. هذه المرحلة كانت اختباراً لقدرة الجمهورية على الاستمرار في مشروعها الثوري، لكنها في الوقت نفسه أظهرت هشاشة الداخل واستعداد المجتمع للتمرد على الظلم السياسي والديني.

عهد روحاني (2013–2021): دبلوماسية الهدوء وخداع مستمر

جاءت فترة حكم حسن روحاني بعد حقبة أحمدي نجاد والعسكرة الحادة، حاملاً شعار “الإصلاحي المعتدل” الذي وعد بتخفيف التوترات الداخلية والخارجية. ورغم هذا الخطاب المعتدل، بقي الحرس الثوري الإيراني يدير الملفات الأمنية والعسكرية، ما جعل الإصلاحات محدودة وتأثيرها الحقيقي على القوى المؤثرة في الدولة ضعيفاً.

قدم روحاني نفسه كوسيط دبلوماسي قادر على التفاوض مع الغرب وتحسين صورة إيران على الساحة الدولية. لكنه في الواقع لم يملك القدرة على السيطرة الكاملة على الأجهزة الأمنية أو على سياسة النظام في الداخل والخارج. وقد بقيت ملفات الحساسية مثل البرنامج النووي والسيطرة على الأقليات والسنة تحت إدارة الحرس الثوري، ما يوضح أن أي إصلاح كان سطحياً ومراقباً بعناية.

image 7

حسن روحاني

الاتفاق النووي وتداعياته

أهم إنجاز دبلوماسي أعلن عنه روحاني كان توقيع الاتفاق النووي مع الغرب عام 1436هـ (2015م)، والذي رُوج له كفرصة لرفع العقوبات وتحسين الاقتصاد الإيراني. إلا أن الاتفاق لم يخفف معاناة الشعب الإيراني، إذ استمرت الأزمة الاقتصادية وازدادت البطالة والفقر، خاصة في الأقاليم السنية مثل بلوشستان وكردستان. كما أظهر النظام أن هذه الاتفاقيات لا تؤثر على سياسته القمعية تجاه أهل السنة.

استمرار القمع والتمييز ضد السنة تزامنا مع التوسع الإقليمي

رغم الصورة المعتدلة التي حاول روحاني تسويقها، استمر التمييز ضد السنة في الداخل الإيراني. حيث شهدت هذه الفترة اعتقالات متفرقة للعلماء والدعاة السنة، وملاحقات أمنية متزايدة، كما تواصل التضييق على الحريات الدينية والاجتماعية. وقد وثّقت تقارير حقوقية أن الأوضاع لم تتغير، بل تمارس السلطات سياسات ممنهجة لإبقاء الأقليات خارج دائرة النفوذ السياسي.

وعلى المستوى الإقليمي، واصل النظام الإيراني دعم حلفائه في سوريا واليمن ولبنان، مستفيداً من انشغال الغرب ببنود الاتفاق النووي. ورغم الحديث عن “الانفتاح الدبلوماسي”، لم تتوقف سياسات تصدير الثورة بالسلاح والتدخل في شؤون الدول المجاورة، ما أبرز ازدواجية خطاب روحاني بين الداخل والخارج.

يمكن وصف عهد روحاني بأنه “هدوء مخادع”، إذ اعتمد النظام على الدبلوماسية لكسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي، بينما بقيت الآليات القمعية والمشاريع الإقليمية تعمل بكامل قوتها تحت إدارة الحرس الثوري. هذه الحقبة أظهرت أن الإصلاحات داخل إيران كانت محكومة بقيود الأجهزة الأمنية، وأن التمييز ضد السنة والأقليات لم يتوقف، مما مهد الطريق لاحقاً لاحتجاجات واسعة ضد النظام في السنوات التالية.

إيران بعد سليماني (2020–2022): اهتزاز صورة الثورة

شكل مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد يناير 2020 نقطة تحول فاصلة في المشروع الإقليمي للجمهورية الإيرانية. فقد أثرت هذه الحادثة على صورة “المقاومة” التي كان النظام يروّج لها، وكشفت هشاشة بعض أدوات القوة الإقليمية التي اعتمد عليها النظام منذ الثورة.

كان سليماني رمز القوة الإيرانية في الخارج، ومسؤولًا عن إدارة شبكة واسعة من الجماعات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. بعد مقتله على يد الأمريكيين، فقدت إيران جزءًا كبيرًا من نفوذها المباشر، وظهر أن معظم إنجازات “تصدير الثورة” كانت قائمة على الشخصية الفردية لسليماني ودعم الحرس الثوري، أكثر من كونها استراتيجيات مؤسساتية متينة. هذا الحدث ألحق صدمة رمزية وعملية بالنظام، وكشف ضعف قدرته على الحفاظ على توازن قوته في المنطقة.

احتجاجات 2019 و2022: الغضب الشعبي

خلال هذه الفترة، شهدت إيران موجات احتجاجية واسعة:
• احتجاجات 2019: اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة ضد الفساد والقمع الممنهج للنظام.
• انتفاضة الحجاب 2022: اندلعت بعد وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى “شرطة الأخلاق” لعدم امتثالها لقواعد الحجاب الإلزامي. أشعلت هذه الحادثة احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد شاركت فيها النساء، ومنها إحراق بعضهنّ لأغطية رؤوسهن كرمز للاحتجاج.
• انتفاضة زاهدان الدامية: أبرزت عمق الغضب في الأقاليم السنية، وخاصة بلوشستان، حيث تعرض السكان لقمع دموي على يد الحرس الثوري والشرطة الإيرانية.


أظهرت هذه الاحتجاجات تزايد التصدع بين النظام والشعب، وكشفت عن هشاشة سلطة “الولي الفقيه” التي كانت تبدو متماسكة من الخارج. استخدمت فيها السلطات القوة المميتة ضد المتظاهرين، مما أدى إلى مقتل المئات وإصابة الآلاف الآخرين بجروح. كما اعتقلت السلطات عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال.

تراجع الرؤية الثورية

مقتل سليماني واحتجاجات الداخل سلطتا الضوء على تناقض واضح: بينما استمرت إيران في الترويج لنفسها كداعم للثورات والمقاومة في الخارج، بدأت شعبيتها تتآكل داخليًا، خاصة بين السنة والأقليات القومية التي شعرت بالتهميش والقمع. أصبح من الواضح أن مشروع تصدير الثورة لم يعد قادرًا على تقديم أي شرعية حقيقية للنظام في الداخل، وأن قوة إيران الإقليمية تعتمد على تكلفة بشرية وسياسية عالية.

فترة إيران بعد سليماني كانت مرحلة اهتزاز صورة الثورة الإيرانية داخليًا وخارجيًا. وأظهر مقتل سليماني ضعف المشروع الإقليمي للنظام، في حين كشفت الاحتجاجات الشعبية عن عمق الغضب السني والقومي تجاه سياسات القمع والتمييز. هذه المرحلة مهدت الطريق لصعود تحديات أكبر أمام النظام في عهد إبراهيم رئيسي، حيث تزداد الضغوط الداخلية والخارجية بشكل متزامن.

من هو قاسم سليماني؟

وُلد قاسم سليماني عام 1376هـ (1957م) في محافظة كرمان بإيران. وقبل الثورة الإيرانية لم يكن له دور بارز، لكن بعد قيامها انضمّ إلى الحرس الثوري الإيراني وبدأ مسارًا تصاعديًا انتهى بتعيينه قائدًا لـ«فيلق القدس»، الجهاز المسؤول عن العمليات الخارجية وتنفيذ سياسات التمدد الإيراني خارج الحدود.

برز سليماني لاحقًا كأحد أهم مهندسي النفوذ الإقليمي الإيراني، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان، حيث تولّى الإشراف على دعم الميليشيات الموالية لطهران وتوجيهها لخدمة مشروع ولاية الفقيه. وفي سياق الثورة السورية عام 1432هـ (2011م)، ارتبط اسمه بإحدى أحلك الصفحات؛ إذ أسهم في دعم النظام السوري عسكريًا، وساهم عبر فيلق القدس والميليشيات التابعة له في قمع الاحتجاجات السلمية وتوجيهها نحو صراع دموي واسع. وشمل ذلك قصف الأحياء المدنية وعمليات تهجير جماعي، ما جعله في نظر قطاع واسع من المسلمين «مجرم حرب» يتحمل مسؤولية مباشرة عن جرائم كبرى بحق الشعب السوري.

Cz0kPvEWgAAVZvW

قاسم سليماني في حلب أيام النظام السوري برئاسة بشار الأسد المخلوع

وفي العراق، خصوصًا بعد الغزو الأمريكي عام 1424هـ (2003م)، توسّع نفوذ سليماني عبر دعم وتشكيل وتدريب ميليشيات طائفية متشددة. هذه الميليشيات نفّذت عمليات قتل واعتقال واغتيال واختطاف بحق آلاف من أهل السنة، وأسهمت في موجات تهجير ضخمة وتمزيق النسيج الاجتماعي. كما ارتبط اسمه بتحقيقات دولية حول عمليات اغتيال وتصفية لمعارضين سياسيين في دول مثل تركيا.

وفي المقابل، كانت وسائل الإعلام الإيرانية وبعض الأنظمة والميليشيات الحليفة تسوّق سليماني باعتباره «بطلاً قوميًا» و«رجل المهمات الصعبة»، وتُلمّع دوره في معارك خارجية لتثبيت النفوذ الإيراني، بينما تغضّ الطرف عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.

وفي 8 جمادى الأولى 1441هـ (3 يناير 2020م)، قُتل سليماني بغارة جوية أمريكية قرب مطار بغداد الدولي، في عملية عسكرية خاطفة أسفرت عن مقتله مع عدد من قادة الميليشيات الموالية لإيران. وقد بررت الإدارة الأمريكية العملية بأنها «دفاع عن النفس»، زاعمةً أن سليماني كان يخطط لهجوم وشيك يستهدف جنودًا أو دبلوماسيين أمريكيين. واتهمته واشنطن بقيادة هجمات صاروخية وعبوات ناسفة ضد قواعدها في العراق، أبرزها الهجوم على قاعدة «كي-1» في ديالى عام 1441هـ (2019م)، الذي أدى إلى مقتل متعاقد أمريكي وإصابة جنود آخرين. كما حمّلت الولايات المتحدة «فيلق القدس» مسؤوليّة الهجمات على سفارتها وقنصلياتها في بغداد.

ومع أن بعض رموز المقاومة الفلسطينية – ارتباطًا بمحور ولاية الفقيه – رفعت صورًا لسليماني ولقّبته بـ«شهيد القدس»، فإن انتماءه لهذا المحور لا يغيّر حقيقة سيرته بالنسبة للمسلمين: رجلٌ تسبّب في قتل وتشريد الملايين، ولا يُنتظر له إلا القصاص العادل عند الله تعالى على جرائمه.

لقد جاء اغتيال سليماني في سياق صراع طويل بين طهران وواشنطن حول النفوذ في المنطقة، ومع تصاعد الاستهداف المتبادل تحوّل الاغتيال إلى ضربة سياسية وعسكرية كبرى وجهتها الولايات المتحدة ضد أحد أعمدة المشروع الإيراني وأبرز قادته الفعليين خارج الحدود.

إيران في عهد إبراهيم رئيسي (2021–2025): انكشاف الداخل وتراجع الهيمنة

image 10

جاءت رئاسة إبراهيم رئيسي في فترة دقيقة جداً للنظام الإيراني، إذ واجهت إيران تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة منذ الثورة. وتجمعت هذه الأزمات لتكشف هشاشة النظام داخليًا وضعف هيمنته الإقليمية.

يعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات من ضغوط مستمرة بسبب العقوبات الغربية، وإدارة اقتصادية فاشلة، وفساد مستشري في مؤسسات الدولة. في عهد رئيسي، تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل ملحوظ، مع ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، مما أدى إلى تزايد الاحتقان الشعبي. وكانت المناطق السنية والأقليات القومية مثل بلوشستان والأهواز وكردستان الأكثر تأثرًا بهذه الأزمة، حيث زادت الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية.

التمرد الشعبي في الأقاليم السنية

شهدت هذه الحقبة موجات تمرد واحتجاجات شعبية واسعة، تعكس عمق الغضب الشعبي تجاه سلطة الولي الفقيه. تركزت الاحتجاجات في الأقاليم السنية، مع تصاعد العنف في مواجهة القمع الأمني. كما أظهرت هذه الأحداث أن سياسات القمع والإقصاء لم تعد كافية لإبقاء هذه المناطق تحت السيطرة، وأن الشرعية الاجتماعية للنظام بدأت تتآكل بشكل ملموس.

على المستوى الإقليمي، واجه النظام الإيراني تحديات كبيرة في الحفاظ على نفوذه التقليدي في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد ساهمت الضربات الإسرائيلية المتكررة في سوريا والعراق في تقليص القدرات العسكرية للنظام، بينما أظهرت الهزائم العسكرية والدبلوماسية أن إيران لم تعد قادرة على فرض سياستها التوسعية بنفس القوة التي كانت عليها في حقبة سليماني وأحمدي نجاد.


مع تلازم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يمكن القول إن النظام الإيراني يعيش أعمق أزمة منذ 1399هـ (1979م). فقد انكشفت هشاشة الداخل، وتراجع النفوذ الإقليمي، وتزايد الغضب الشعبي بين الأقليات السنية والقومية، في وقت ما تزال الدولة تعتمد على آليات القمع للحفاظ على السلطة.

كيف ساعدت إيران الولايات المتحدة خلال حرب العراق (2003 وما بعدها؟)

image 11

على الرغم من العداء المُعلن بين واشنطن وطهران، فإن سقوط نظام صدّام حسين كان مصلحةً مشتركة للطرفين. ولهذا قدّمت إيران شكلًا من أشكال التعاون السياسي والاستخباراتي ساعد على تهيئة الظروف للغزو الأمريكي، وسهّل إدارة مرحلة ما بعد الاحتلال.

ففي الفترة الممتدة بين 1422هـ و1424هـ (2001–2003م)، جرت لقاءات سرّية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين في جنيف، وقد اعترف عدد من المسؤولين الأمريكيين لاحقًا بوجود هذه الاجتماعات. بدأت هذه اللقاءات بعد أحداث 11 سبتمبر، وفيها قدّمت إيران خرائط ومعلومات استخباراتية مفصّلة حول مواقع النظام العراقي، وتركيبة الجيش، بل وعرضت عدم معارضة إسقاط صدام، كما استندت واشنطن إلى التعاون الإيراني في أفغانستان الذي منحها ثقة إضافية في إمكانية تفاهمٍ مشابه داخل العراق.

لقد لعبت إيران دورًا حاسمًا في دعم الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 1422هـ (2001م)، إذ كشف وزير الخارجية الإيراني الأسبق، كمال خرازي، أن طهران زوّدت الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية واسعة، وأسهمت في تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة. وقد شجّع هذا الدور إدارة بوش على الاعتقاد بأن العراق سيكون ساحة تعاون ثانية.

أما في العراق، فقد دعمت إيران المعارضة الشيعية الموالية للغزو، وفي مقدمتها “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” بقيادة محمد باقر الحكيم، وفيلق بدر الذي كان ذراعًا عسكريًا درّبه الحرس الثوري الإيراني. وعند بدء الغزو، سمحت إيران لهذه الفصائل بالعبور من أراضيها إلى العراق، ودخل بعضها بالتزامن مع القوات الأمريكية للمشاركة في السيطرة على جنوب البلاد.

كذلك مارست طهران ضغوطًا مكثفة لتمكين الأحزاب الشيعية، ونسّقت مع واشنطن لإدخال “حزب الدعوة” والمجلس الأعلى وبدر والأحزاب الكردية في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّلته الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من الخطاب العدائي، لم تعارض إيران الحشد العسكري الأمريكي على حدود العراق في 1423–1424هـ (2002–2003م)، بل سمحت – وفق اعترافات أمريكية – لطائرات دون طيار أمريكية بعبور أجوائها لمراقبة الحدود العراقية، وأعلنت أنها لن تتدخل لمنع إسقاط صدام.

التعاون الاستخباراتي داخل العراق بعد الغزو

خلال المرحلة الأولى من الاحتلال (1424–1425هـ / 2003–2004م)، فتحت إيران قنوات خلفية مع الأمريكيين لتنسيق عدم استهداف القوات الأمريكية. وعرضت طهران ضبط الحدود ومنع تسلّل مقاتلي “القاعدة” الذين كانوا يهاجمون القوات الأمريكية آنذاك، إضافة إلى تقديم معلومات استخباراتية عن جماعات مسلحة مختلفة. واستمر هذا التعاون لاحقًا خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصًا في تكريت وديالى وجرف الصخر، حيث كانت القوات الأمريكية تدير الحرب جوًا، بينما تعمل الميليشيات الموالية لإيران على الأرض.

وفي سياق الحديث عن هزيمة تنظيم الدولة، صرّح رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي بأن النصر تحقق بجهود القوات العراقية، وأن إيران قدّمت دعمًا لوجستيًا واستشاريًا، في حين تجاهل كثيرون دور طهران في صناعة ودعم الميليشيات الطائفية التي شكّلت جزءًا من المشهد الأمني المعقّد في البلاد.

الفصائل العراقية الموالية لإيران

يصل عدد المليشيات الشيعية العراقية المسلحة، إلى أكثر من 60 ميليشيا، وهي مرتبطة بإيران في التمويل والتسليح والتدريب، وتُعد الذراع التنفيذية لها لإنجاز ما يعتبر “مشروعها التوسعي المذهبي وتثبيت هيمنتها في العراق”، وقد أسهم في تحقيق ذلك تمتع تلك الفصائل بنفوذ عسكري وسياسي واقتصادي وإعلامي واسع في البلاد.

وتتبع هذه الفصائل إيران في توجهاتها السياسية والعسكرية والدينية، بناء على إيمان قادتها وعناصرها بعقيدة “ولاية الفقيه”، التي تتضمن الانصياع لسلطة الفقيه، المتمثلة عندهم بالقيادة الإيرانية، كما يؤمنون بالمبادئ الثورية الإيرانية العابرة للحدود؛ مما يجعلهم في صدام مع التيار الصدري وفي علاقة حرجة مع مرجعية النجف.

في عام 1437هـ (2016م) صدّق مجلس النواب العراقي على قانون هيئة “الحشد الشعبي” رقم 40، وبمقتضاه أصبحت الفصائل المنضوية تحت الحشد الشعبي المدعوم من إيران كيانات قانونية، باعتبارها قوة رديفة ومساندة للقوات الأمنية العراقية، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وبناء عليه حظيت الفصائل بالتمويل والتدريب من قبل السلطات العراقية، وفي الوقت نفسه، تمتعت باستقلالية وخصوصية، من حيث امتلاك كل منها هيكلا تنظيميا وقيادة منفصلة، وبقيت على صلة وثيقة بإيران.

أبرز الميليشيات التابعة لإيران في العراق ونفوذها

1. فيلق بدر

  • التأسيس: إيران – 1981 على يد الحرس الثوري.
  • القوام: نحو 12 ألف مقاتل، أغلبهم اندمجوا في وزارتي الداخلية والدفاع.
  • الزعيم: هادي العامري، الذي لعب دوراً مركزياً في العمليات الأمنية بعد 2003.
  • النفوذ: أكبر فصيل مرتبط بإيران داخل الدولة العراقية.

2. جيش المهدي / سرايا السلام

  • التأسيس: 2003 كجناح مسلح للتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر.
  • الدور: معارك ضد الأمريكان في النجف؛ واتُّهم بالتورط في مذابح طائفية عام 2006.
  • التحول: جُمِّد ثم أعيد تشكيله باسم سرايا السلام عام 2014، وظهر بتسليح متطور يُعتقد مصدره إيران.

3. عصائب أهل الحق

  • الأصل: انشقاق عن جيش المهدي بقيادة قيس الخزعلي (2006–2007).
  • القوام: نحو 10 آلاف مقاتل بين العراق وسوريا.
  • الدعم: تُعد من أقوى الميليشيات تمويلاً وتسليحاً، وتتلقى دعماً مباشراً من الحرس الثوري (سليماني).
  • السمعة: من أكثر الفصائل تشدداً وقسوة، ونشطة في بغداد وديالى.

4. لواء أبو الفضل العباس

  • التأسيس: 2011 للدفاع عن النظام السوري ومرقد السيدة زينب.
  • التركيبة: يضم مقاتلين من العراق وإيران وسوريا ولبنان.
  • الانتشار: عاد جزء كبير من مقاتليه للعراق بعد 2014.

5. حزب الله العراقي

  • التأسيس: 2005–2007 بدعم مباشر من فيلق القدس، على خطى حزب الله اللبناني.
  • القوة: يُقدر عناصره بـ 40 ألف مقاتل.
  • النشاط: مهاجمة معسكر ليبرتي، عمليات قرب الخليج، مشاركته الواسعة في الحرب السورية.

6. الحشد الشعبي

  • التأسيس: 2014 بعد فتوى السيستاني ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
  • الحقيقة: الإطار الجامع للميليشيات الشيعية، خصوصاً المرتبطة بإيران (بدر–كتائب حزب الله–العصائب–سيد الشهداء).
  • القوام: بين 350 – 400 ألف مقاتل.
  • النفوذ: يعمل ظاهرياً تحت سلطة الدولة، لكنه فعلياً يخضع لقادة الميليشيات المرتبطين بإيران.
  • العمليات: اتُّهم قادة كهادي العامري وأبو مهدي المهندس (قُتل مع سليماني) بممارسة التهجير الطائفي خصوصاً في ديالى.

استفادة إيران الكبرى من الاحتلال الأمريكي

أسقطت الولايات المتحدة أعنف خصوم إيران في المنطقة، صدام حسين، ذلك الذي خاض ضدها حربًا استمرت ثماني سنوات، وأقام نظامًا بعثيًّا كان من أشد الأنظمة عداءً لطهران. ومع قرار الاحتلال الأميركي بحلّ الجيش العراقي، تخلّصت إيران نهائيًا من القوة الأكبر التي كانت تهددها لعقود، وبقرار أميركي مباشر.

ولم يتوقف “الكرم” الأميركي تجاه إيران عند هذا الحد؛ فقد سلّم واشنطن السلطة السياسية في العراق لأحزاب شيعية مرتبطة بطهران، مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى وبدر، ثم تتابع وصول الموالين لإيران إلى رئاسة الحكومة كـنوري المالكي وحيدر العبادي. وهكذا أعاد الاحتلال الأميركي تشكيل ميزان القوى في المنطقة لصالح إيران، ليصبح العراق بعد 1424هـ (2003م) ساحة نفوذ إيراني أولى.

وقد تحدث بذلك مسؤولون أميركيون كبار بصراحة لافتة. فمنهم السفير الأميركي في العراق رايان كروكر الذي قال:
“إيران ساعدتنا في إسقاط طالبان، وشاركت معنا في إعداد الوضع في العراق قبل الغزو.”

وكذلك تصريح زلماي خليل زاد، الدبلوماسي الأميركي المعروف:
“لولا المعلومات الإيرانية لكان تغيير النظام في بغداد أصعب بكثير.”
وخليل زاد شخصية محورية تولّت مناصب حساسة، منها سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ومستشار في مراكز أبحاث أميركية كبرى.

ولم تُخفِ هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هذا الواقع حين قالت:
“إيران استفادت من غزو العراق أكثر من أي طرف آخر.”

وهكذا، وعلى الرغم من العداء الإعلامي بين واشنطن وطهران، فإن الوقائع التاريخية تؤكد أن إيران ساعدت الولايات المتحدة قبل الغزو وأثناءه وبعده، سياسيًا واستخباراتيًا، وعبر أذرعها العسكرية على الأرض، وكانت المستفيد الأكبر من إسقاط صدام ومن صعود الأحزاب الموالية لها إلى السلطة. بل شاركت إيران لاحقًا في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، والجماعات الجهادية السنية في العراق وسوريا، وهو ما قدّم خدمة إضافية لمشروعها الإقليمي.

لقد شكّل هذا التلاقي الأميركي–الإيراني أحد أهم أسباب توسّع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط بعد 1424هـ (2003م)، إذ توافقت مصالح الغرب مع مصالح طهران في منع أي صعود سنّي مستقل، خارج هيمنة الغرب ونفوذ إيران.

طوفان الأقصى: مرحلة تغيير لم تكن في الحسبان

image 12

بعد أن أحكمت إيران حضورها الإقليمي عبر أذرعها المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان، بدا أن المرحلة التالية ستكون ربط المقاومة الفلسطينية بعجلة مشروع «ولاية الفقيه» وتوظيفها ضمن معادلاته السياسية. غير أن ما جرى لاحقًا قلب الحسابات رأسًا على عقب، وصنع معطيات صادمة لهذا المشروع.

فمع اندلاع مرحلة «طوفان الأقصى» عقب الهجوم الكاسح والمنظم الذي نفّذته المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023، دخلت المنطقة منعطفًا حادًا. ذلك اليوم لم يكن مجرد عملية عسكرية نوعية؛ بل كان نقطة تحوّل هائلة أعقبتها تغيرات سياسية وإقليمية عميقة، جعلت هذا الحدث خطًّا فاصلًا في سياسات الشرق الأوسط.

أبرز هذه التحولات كان تصدع ركائز النفوذ الإيراني في الإقليم:

  • تراجع نظام الأسد النصيري في سوريا وتزايد الضغوط عليه.
  • انكماش نفوذ حزب الله في لبنان واضطراره لإعادة حساباته.
  • اهتزاز الداخل الإيراني نفسه على وقع الأحداث وتداعياتها.
  • بروز الذراع الحوثية ضمن محور المقاومة في اليمن بطريقة أربكت التوازنات.

فقد وجدت إيران نفسها فجأة أمام واقع جديد: المقاومة الفلسطينية جرّت محور المقاومة إلى حرب لم يكن مستعدًّا لها، ولم تدخل ضمن حسابات قياداته، خاصة مع حجم الردّ الإسرائيلي وما تلاه من تفكك في شبكات النفوذ الإقليمي.

وتشير التقارير الموثوقة إلى أنّ إيران لم تكن على علم مسبق بتفاصيل الهجوم أو حجمه، الأمر الذي كشف هشاشة التنسيق داخل محور المقاومة. كما يبدو أن قيادة المقاومة الفلسطينية – التي تُعلن تقديرها لقادة المحور وتضع نفسها ضمنه – لم تُطلع حلفاءها على تفاصيل العملية الكبرى لأسباب أمنية واضحة، لكنها في الوقت نفسه كانت تتوقع دعمًا وإسنادًا يتناسب مع ضخامة الحدث من أذرع المحور، الذين طالما ملأوا المشهد بعبارات الوعيد والتهديد للاحتلال.

إلا أن الحسابات الواقعية على الأرض أثبتت أن الشعارات شيء، والالتزام بالحرب والانخراط فيها شيء آخر تمامًا.

حادثة مقتل الرئيس: كسر خطّ الاستقرار

في ذي القعدة 1445هـ (مايو/أيار 2024)، سقطت المروحية التي كانت تقلّ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي وعدداً من كبار مسؤولي حكومته، في حادث مفصلي هزّ أركان النظام وفتح فراغًا رئاسيًا دفع النخب السياسية إلى التحرّك السريع لاحتوائه. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحادث وقع في ظروف جوية صعبة وأدى إلى مقتل قيادات بارزة، وسط تكهّنات بوجود عملية تصفية مباشرة لم تتضح معالمها، بينما التزمت المؤسسات الدستورية بمسار انتقال السلطة المؤقت وفق الدستور.

لم يكن وقع الحادث مقتصرًا على خسارة رئيس دولة وحسب؛ فقد كان رئيسي يشغل موقعًا محوريًا داخل بنية النظام والمرجعية الثورية، ما جعل غيابه كاشفًا لهشاشة آليات الخلافة، ومغيّرًا لموازين النفوذ بين الأجنحة الفاعلة داخل الدولة.

وكل ذلك جرى بينما لا تزال الحرب دائرة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، الذي يرى في تحجيم الدور الإيراني هدفًا استراتيجيًا لحماية وجوده.

صعود الرئيس الجديد: مسعود بيزشكيان ومحاولات ضبط البوصلة

جرت انتخابات رئاسية نقلت سدة الحكم إلى شخصية اعتُبرت أكثر ميلاً لإصلاحات داخلية محدودة مقارنة بالخلف، وانتُخب مسعود بيزشكيان الذي أدّى اليمين رسميًا في 1445هـ (صيف 2024م). وصوله حمل آمالًا داخل قطاعات من المجتمع والمجتمع الدولي لتهدئة بعض التوترات الاقتصادية والسياسية، لكن حدود تحرّكه تُقَيّدها سلطات المرشد ومراكز القوى الأخرى داخل النظام.

من الواضح أن الرئيس الجديد واجه منذ البداية توازنات معقدة: خفض الفقر والبطالة والتعامل مع شبكة سلطات تموضعها في «البونياد» وهي مؤسسات شبه رسمية تسيطر على ثروة واسعة، تجارياً وصناعياً، وتُستخدم كأدوات نفوذ للقيادة أو للنظام، وغالبًا ما تُنتقد لغياب الشفافية والمساءلة. إضافة إلى المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالمرجعية، وفي الوقت نفسه تعامُل مع ملف خارجي متفجّر يضم التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، وحركة المقاومة، والملف النووي المتعثّر.

تحوّلات السياسات الإقليمية

دفعت انطلاقة عمليات «طوفان الأقصى» عدّة قوى إقليمية إلى إعادة صياغة مواقفها، وكانت إيران في مقدّمتها. فعلى الرغم من دعمها الطويل لفصائل فلسطينية ولأذرع ضمن «محور المقاومة»، وجدت طهران نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: فمساندة الفعل المقاوم قد توسّع دائرة المواجهة إلى صراع إقليمي ودولي، بينما تعرّض أي ضربة إسرائيلية مباشرة لمواقع إيرانية البلادَ لخطر كبير داخليًا وخارجيًا. لذلك جاءت ردودها بين التنديد والدعم المعنوي والتصريحات الملوِّحة بالرد، مع بروز تباينات داخلية واضحة بين تيارٍ يدفع نحو ردٍّ عسكري مباشر، خاصة داخل الحرس الثوري، وتيارٍ آخر يخشى تداعيات «مواجهة مفتوحة».

وفي نهاية المطاف، وبعد تردّد ومماطلة، انجرت إيران إلى توجيه ضربات ضد الاحتلال الإسرائيلي عقب تلقيها ضربات موجعة كشفت عمق الاختراق الإسرائيلي لأجهزتها ومعرفته الدقيقة ببِنَى «محور المقاومة». فقد نفّذ الاحتلال عمليات نوعية، أبرزها تفجيرات البيْجر في لبنان التي أدّت إلى تصفية مئات من قادة وجنود حزب الله خلال لحظات، في ضربة غير مسبوقة.

كما هزّت المنطقة عملية الاغتيال التي نفذها الاحتلال يوم 25 محرّم 1446هـ (31 تموز/يوليو 2024)، حين قتل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في قلب العاصمة طهران، أثناء مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان. وقد قُتل معه حارسه الشخصي والقيادي في كتائب القسام وسيم أبو شعبان. وقع الاغتيال داخل ما يُعدّ «عرين» الحرس الثوري، الذي لطالما ادّعى حصانة أمنية مطلقة، فكان الحدث صفعة كبيرة لصورته الاستخباراتية.

أما الغرب -وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا- فاتخذ مواقف مركّبة: دعمٌ سياسي وعسكري للاحتلال في إطار «حق الدفاع عن النفس»، يقابله تحذير من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة. وبعد دخول إيران في المواجهة، اتجهت السياسة الغربية إلى ممارسة ضغوط إضافية عليها و«قصقصة أجنحتها»، خاصة في ظلّ اعتبار طهران جزءًا توليديًا في مشهد التصعيد المرتبط بالمقاومة الفلسطينية. وقد ساعد الاحتلالَ الإسرائيلي في هذه المرحلة التحوّل الكبير الذي قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين قلب كثيرًا من سياسات الإدارة الديمقراطية السابقة لصالح رؤية أكثر تصادمية تجاه إيران.

وشهدت المنطقة خلال عامي 1445–1446هـ (2024–2025م) موجات متلاحقة من التصعيد، إذ تضاعفت الضربات والهجمات التي طالت منشآت إيرانية، إضافة إلى تحركات عسكرية وعمليات استباقية استهدفت بُنى نووية وعسكرية حساسة. وتحوّل منتصف عام 2025 إلى مسرح «حرب قصيرة» نسبيًا، صُوّرت في الإعلام الغربي على أنها مواجهة مباشرة بين «إسرائيل» والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتشير تقارير دولية إلى تنفيذ ضربات جوية في يونيو 2025 استهدفت مواقع نووية وعسكرية إيرانية، ما أسهم في إعادة رسم قواعد الاشتباك وترسيخ واقع إقليمي جديد.

الملف النووي: من سياسة تراكم إلى ضربة ومنع

قبل هذه المرحلة كان برنامج إيران النووي يتطوّر بوتيرة متسارعة: تقارير الوكالة الدولية أظهرت تسارعا في تخصيب اليورانيوم إلى نسبٍ عالية (60% وما فوق في بعض الفترات) وتوسيع قدرات الطرد المركزي في مواقع متعددة، ما أثار مخاوف الغرب من تقليل «زمن التصدّع» إلى أيام أو أسابيع في حالة قرار سياسي لتسريع صنع سلاح.

في أعقاب الضربات الإسرائيلية/الأمريكية منتصف 2025م ترافقت خسائر في بعض المنشآت، وهي ضربات اعتُبرت محاولة لشلّ البُنى التي يمكن أن تمكّن التحول السريع إلى سلاح نووي. تقرير الوكالة وبيانات تحليلية لاحقة قادت إلى زيادة عزلة طهران ودفع بعض الدول إلى «تشدّد» دبلوماسي وقائمات عقوبات متجددة.

التحولات الداخلية: صراع أجنحة وشرعية متهاوية

واجهت المؤسسة الإيرانية الحاكمة تحديًا في التوازن بين منطق الردّ العسكري ومنطق الحذر الذي يدعو لحماية الاقتصاد. وظهر التوتر بين الرئاسة الجديدة من جهة ومؤسسات «المرشد» من جهة أخرى، إذ راح البعض يحذّر من مغامرات قد تُغرق البلاد في حرب تُقوّض الاقتصاد والاستقرار السياسي. وفي الأثناء فإن الشارع الإيراني شهد موجات من الغضب والقلق في أنحاء متفرقة، وارتفاع نبرة الاستياء من تبعات العسكرة والضربات والقيود على الحياة اليومية.

تداعيات طوفان الأقصى على إيران

لم يقتصر تأثير عملية طوفان الأقصى وما تبعها من حرب بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، على استهداف قيادات المقاومة داخل إيران فحسب، بل امتدّ ليطال بنية الأمن الإيراني نفسها، وصولًا إلى ضرب أبرز الشخصيات الموجودة تحت حماية الحرس الثوري. ومع استمرار الحرب دون حسم نهائي، يمكن تلخيص وضع إيران ضمن عدد من المحاور المتشابكة:

  • أولًا: الأمن والعسكر: خسائر واضحة

خرجت إيران من هذه الجولة بخسائر كبيرة في منشآت عسكرية وقدرات استراتيجية، إلى جانب اختراق أمني مكشوف أثار انتقادات داخلية واسعة. ورغم احتفاظها بقدرتها على الردّ عبر وكلائها الإقليميين، فقد أظهرت المواجهة حدود الردّ المباشر دون انزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا ترغب طهران في خوضها.

  • ثانيًا: البرنامج النووي: تسارع في التخصيب مقابل قيود عنيفة

تسارع البرنامج النووي من حيث نسب التخصيب وحجم المادة الانشطارية، إلا أنّ الضربات الإسرائيلية والإجراءات الدولية أعادت فرض قيود غير مباشرة على بعض المراحل التقنية. ورغم الأضرار، فإن ما يُعرف بـ«زمن التصدّع النووي» تقلّص، ما عزز المخاوف الدولية وزاد الضغوط السياسية والدبلوماسية على طهران.

  • ثالثًا: الداخل الإيراني: صراعات الأجنحة تطفو على السطح
  1. تفجّرت خلافات بين أجنحة النظام:
  2. الرئاسة الجديدة بدت محدودة التأثير أمام هيمنة المرشد والحرس الثوري.
  3. الأزمة منحت شرعية متجددة لأصوات تدعو للعودة إلى أولويات اقتصادية واجتماعية بعد سنوات من الاستنزاف الخارجي.
  4. الضربات كشفت ضعفًا في منظومة الحماية، وأشعلت موجة انتقاد داخلية للأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
  • رابعًا: العزلة الدولية

عاد شبح العقوبات بقوة، مع تهديدات بإجراءات اقتصادية جديدة. ومع ذلك احتفظت إيران بقنوات تعامل محدودة مع روسيا والصين وبعض دول الإقليم، لكن ضمن مسافات حذرة لا تسمح باندماج اقتصادي واسع أو تغطية كاملة لخسائر الحرب.

خيارا النظام في المرحلة القادمة

لا تزال إيران بعيدة عن الهزيمة الكاملة، لكنها تلقت صدمات استراتيجية أجبرتها على إعادة حساب تكاليف سياساتها. وباتت أمام خيارين رئيسيين:

المضي في التصعيد والحرب:
مخاطرة بتدمير اقتصادي واسع وتآكل الجبهة الداخلية.

ضبط النفس وتركيز الأولويات داخليًا:
وهو الخيار الأرجح، لكنه لا يخلو من تكاليف سياسية ووجودية للنظام.

حصيلة الخسائر الإيرانية في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي

التقديرات تتراوح بين مئات القتلى إلى أكثر من ألف قتيل في الضربات الإسرائيلية خلال يونيو 2025. وتشير تقارير إلى مقتل: قيادات رفيعة في الحرس الثوري. ضباط ومسؤولين كبار في الوحدات الصاروخية. باحثين وعلماء نوويين، وهي خسارة ذات أثر طويل المدى على البرنامج النووي.

على الجانب الإسرائيلي، تحدثت تقارير عن قتلى معدودين من المدنيين، مع آلاف الإصابات الناتجة عن الارتباك وحالات الذعر خلال الهجمات الصاروخية الإيرانية.

استهدف الاحتلال – بدعم استخباراتي خارجي – مواقع بالغة الحساسية، منها: نطنز أصفهان فوردو. هذه الضربات ألحقت أضرارًا جوهرية في تجهيزات أساسية للبرنامج النووي. كما دمّرت هجمات أخرى قواعد صاروخية ومنشآت ذخيرة، وأضعفت عددًا من منصّات إطلاق الصواريخ الإيرانية.

شهدت مدن إيرانية عديدة ضربات طالت: أحياء سكنية ومستشفيات وبنى كهربائية وخدمية ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى مدنيين، وزاد من شعبية الانتقادات الموجهة للنظام.

رغم إمكانية تعويض المعدات والمنشآت، تبقى خسارة العلماء والقيادات المتخصصة الأكثر خطورة، إذ قد تؤثر لسنوات على المسار التقني والعسكري للبلاد.

بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في غزة، بدأت تظهر تداعيات الحرب داخليًا في إيران، خصوصًا مع إعلان الرئيس الإيراني عن نقل العاصمة لأسباب اضطرارية، وهو مؤشر على عمق الأزمة السياسية والأمنية.

لماذا تضطر إيران لنقل عاصمتها من طهران؟

image 14


لم يكن طرح نقل العاصمة الإيرانية أمرًا مستجدًّا؛ فقد بدأ النقاش حوله قبل أكثر من عشرين عامًا بسبب الازدحام الهائل، التلوث، ومخاطر الزلازل التي تهدد المدينة. لكن الملف عاد هذه المرة بقوة في الإعلام الإيراني والدولي، مدفوعًا بعامل جديد أشد خطورة: جفاف غير مسبوق يضرب طهران ومحافظات الوسط.

تزامن هذا الجفاف مع أزمة سياسية–اقتصادية–أمنية أدت إليها الحرب الأخيرة والضربات الجوية التي استهدفت مواقع حيوية، ما جعل كثيرين يرون أن الحديث عن نقل العاصمة لم يعد نقاشًا إداريًا، بل مؤشرًا على تحولات اضطرارية داخل بنية الدولة الإيرانية.

تقدّر التقارير الإيرانية حجم سكان طهران بنحو 9.7 ملايين نسمة داخل المدينة، وما يصل إلى 15 مليونًا في المنطقة الحضرية الكبرى، مما يجعلها واحدة من أكثر المدن ازدحامًا في الشرق الأوسط.

لكن الأخطر هو ما كشفته التقارير المحلية:

  • انخفاض مخزون المياه الجوفية إلى أدنى مستوياته منذ نصف قرن.
  • جفاف عدد من السدود المحيطة بطهران.
  • انقطاع المياه خلال الصيف عن أحياء واسعة.
  • تحذيرات من انهيارات أرضية بسبب هبوط التربة الناتج عن فراغات المياه الجوفية.

هذه المؤشرات لا تعني فقط أزمة خدمات، بل تهديدًا وجوديًا يحول ببطء العاصمة إلى مدينة غير قابلة للاستدامة.

تُظهر التقديرات أن الضربات التي طالت منشآت حساسة في طهران خلال الحرب الأخيرة قد:

  • أضعفت شبكات الخدمات والبنى التحتية.
  • قلّصت قدرة الحكومة على صيانة أنظمة متهالكة أصلًا.
  • تسببت بهجرة داخلية من مناطق ريفية جفّت مواردها، ما ضاعف الضغط على العاصمة.

وهذا كلّه ساهم في تفاقم الظروف التي تدفع نحو البحث الجدي عن بديل للعاصمة الحالية.

تقع طهران على شبكة من الصدوع الزلزالية الخطيرة. ويُحذّر خبراء الزلازل من أن هزة بقوة 7 درجات قد تؤدي إلى:

  • انهيار عشرات الآلاف من المباني.
  • تعطّل مؤسسات الدولة والوزارات.
  • كارثة إنسانية تتجاوز قدرة الحكومة على الاستجابة.

هذا الخطر ظل معروفًا لسنوات، لكن الحرب الأخيرة أعادت وضعه ضمن أولويات الأمن القومي الإيراني.

نقل العاصمة كان موضوعا متداولا في إيران لكنه تسارع بسبب الحرب.

هل إعلان نقل العاصمة قرار سهل؟

رغم توافق الخبراء على الحاجة الملحّة لحل جذري، فإن تنفيذ قرار نقل العاصمة يواجه عقبات هائلة، أبرزها:

  • تكلفة اقتصادية ضخمة تشمل نقل الوزارات، المقار السيادية، والبنية الحكومية، وهو عبء ثقيل على اقتصاد يرزح تحت العقوبات.
  • مقاومة أصحاب النفوذ الذين ترتبط مصالحهم الاقتصادية والسياسية بطهران.
  • غياب البديل المثالي رغم طرح مدن مثل: قم، أصفهان، سمنان، كرج، لكن كل مدينة من هذه تواجه تحدياتها البيئية أو السياسية أو العمرانية، مما يجعل القرار معقدًا.

تكشف أزمة طهران عن عقود من سوء الإدارة والفساد وضعف التخطيط، وعن قدرة الدولة المحدودة على إدارة أزمات متزامنة، في وقت تُفضّل فيه توسيع نفوذها الإقليمي على معالجة أزماتها الداخلية.

وبغضّ النظر عن موقع العاصمة مستقبلًا، يبقى الملف النووي وإعادة بناء اقتصاد مستقر هما العاملان الحاسمان لأي إمكانية لعودة إيران إلى حالة توازن مع الداخل ومع محيطها الإقليمي والدولي.

صعود العلمانية واللادينية في إيران

بعد عقود من التشدد الذي طبع منظومة ولاية الفقيه، بدأت تظهر بوضوح تداعيات هذا النهج على البنية الدينية والاجتماعية في إيران. فقد أظهرت دراسات واستطلاعات متعددة تصاعدًا ملموسًا في الابتعاد عن التدين الرسمي، وازديادًا في التوجهات العلمانية أو اللادينية، خصوصًا بين فئات الشباب وسكان المدن.

كشف مسح GAMAAN — أحد أهم الدراسات غير الرسمية حول المعتقد الديني في إيران — عن نسب لافتة: نحو 22% يعرّفون أنفسهم بلا دين، وقرابة 9% يعرّفون أنفسهم كملحدين (وفق جولة 2020). ورغم أن طبيعة العيّنة قد لا تعكس صورة دقيقة لكامل المجتمع الإيراني، فإن الاتجاه العام يجسّد حالة من التململ الشعبي تجاه المؤسسة الدينية الحاكمة وهيمنتها على مختلف مفاصل الدولة.

كما أظهرت دراسات أكاديمية ومقالات تحليلية حديثة نموًا في النزعات العلمانية، تغذّيه عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، مثل العولمة، التحوّل الحضري، وتفاعل الإيرانيين مع الشتات والفضاء الرقمي الواسع. وبالمقابل، تُظهر مسوحات مؤسساتية دولية أقدم صورًا أعلى للتديّن، لكنها أيضًا توثق انخفاضًا تدريجيًا في الممارسات الدينية بين فئات شبابية محددة. وهذا يعكس صورة معقدة ومتغيرة وليست ذات منحى واحد.

ما الذي يدفع بعض الإيرانيين نحو العلمانية أو الإلحاد؟

تسلّط الأبحاث الميدانية والتحليلات الحديثة الضوء على مجموعة من المحفزات المتشابكة:

  1. الإخفاق السياسي والاقتصادي:
    عقود من سوء الإدارة، الحرب الطويلة مع العراق، العقوبات، والانهيارات الاقتصادية المتكررة أدت إلى تآكل ثقة قطاعات واسعة بالنخبة الدينية الحاكمة، ودفع البعض للبحث عن منظومات فكرية بديلة.
  2. القمع السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان:
    من أبرزها موجات الإعدامات، بما فيها مجزرة 1988، والانتهاكات اللاحقة التي وثقتها منظمات حقوقية. هذه الخبرات العنيفة عمّقت الشرخ بين شرائح من الجمهور وبين المؤسسة الدينية الرسمية.
  3. التوسع الحضري والتعليم العالي:
    ازدياد نسبة التعليم والعيش في بيئات حضرية يجعل المجتمع أكثر انفتاحًا على مصادر معرفية متنوعة، ويضعف قبضة البنى الدينية التقليدية.
  4. الانفتاح الإعلامي وتأثير الشتات:
    لعب المجتمع الإيراني في الخارج دورًا في نقل سرديات علمانية ومعارضة إلى الداخل، عبر الإعلام والاتصال الرقمي.

ما دلالة هذا التحول؟

التنامي الملحوظ في عدم الرضا الديني يشكّل أحد أهم التحديات المقبلة لشرعية المؤسسات ذات الطابع الديني، خاصة إذا اقترن بمطالب إصلاحية سياسية أو اقتصادية. ومع ذلك، فإن الحديث عن “انهيار شامل للتديّن” لا يعكس الواقع بدقة؛ فالتديّن لا يزال حاضرًا وبنسب معتبرة بحسب مصادر مختلفة، فيما يظلّ مستوى التحول مرتبطًا بطريقة القياس والفئات المدروسة.

الأكيد أن التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية، مقرونة بتشدد السلطة الدينية، أسهمت في دفع شريحة متزايدة نحو إعادة تقييم علاقتها بالدين الرسمي، والبحث عن بدائل فكرية مختلفة: علمانية أو لادينية أو فردانية.

مساجد السنة في إيران

تضم منطقة سيستان وبلوشستان (أكبر تجمع سنّي في إيران) وتتوفر لديها عدة مساجد منها:

  • مسجد مَكّي – زاهدان
  • مسجد الجامعة القديم – زاهدان
  • مسجد طلحة بن عبيد الله – زاهدان
  • مسجد أنصار – زاهدان

كما تضم مدن كردستان الإيرانية عشرات المساجد السنية، وأبرزها:

  • مسجد دار الإحسان – سنندج
  • مسجد الجامع في مهاباد
  • مسجد الجامع في بانه
  • مسجد الجامع في بوكان
  • مسجد سردشت المركزي


وتضم الأحواز (الأهواز) عدة مساجد تاريخية:

    • مسجد النور
    • مسجد أبو بكر الصديق
    • مسجد الإمام الشافعي – الفلاحية


      وفي تركمان صَحرا في شمال شرق إيران، تضم مساجد كبرى:

        • مسجد الجامع – كركان
        • مركز مهم للتعليم السنّي التركماني.
        • مسجد آق قلعة المركزي
        • مسجد بندر تركمان الكبير
        • وفي هرمزغان (جنوب إيران على الساحل)
        • يوجد: مسجد الجامع – بندر عباس
        • مسجد نور – قشم
        • مسجد الشافعي – ميناب

        وفي فارس وكرمان أقليات سنية أصغر، لكن توجد لها مساجد مهمة:

          • مسجد المهاجرين – شيراز
          • مسجد إمام الشافعي – كرمان


            وفي العاصمة طهران لا يوجد مسجد سُنّي رسمي معترف به، وقد أغلق مصلى أهل السنة في طهران، صادقيه (سابقًا)، ويقيم السنّة حاليًا صلواتهم في مصليات غير رسمية بلا ترخيص.

                رغم التضييق الكبير على أهل السنة في إيران، خصوصًا في طهران وأصفهان وكرج، فإن المناطق ذات الأغلبية السنية: البلوش، الأكراد، التركمان، العرب، أهل الساحل الجنوبي لا تزال تحافظ على مساجد كبيرة وفاعلة، أبرزها:

                • مسجد مكّي – زاهدان
                • مسجد دار الإحسان – سنندج
                • مسجد النور – الأحواز
                • مسجد الجامع – بندر عباس
                • مساجد التركمان في كركان وآق قلعة

                مسجد مَكّي – زاهدان

                مسجد دار الإحسان – سنندج

                مسجد جامع مرند

                المساجد السنية في إيران تتنوّع: من مساجد ضخمة كمسجد مكي في زاهدان، إلى مساجد تاريخية متواضعة في مدن الأكراد والأذربيجانيين. هذا التنوع يعكس التوزع الجغرافي للسنة في إيران.

                رغم الصعوبات والتضييقات في بعض المناطق، تبقى هذه المساجد مراكز دينية وثقافية للسنة تؤدّي دورًا مهمًا في التعليم، والعبادة، والحفاظ على الهوية، والتواصل المجتمعي. وتبقى هذه المعالم توثّق عمق رسالة الإسلام في المنطقة، فرغم كمّ التضليل والعدوان الذي يستهدف منهج السنة، لا تزال هذه الأقلية هنا حاضرة كل هذه القرون، لتكسر سرديات الرافضة الحاقدة، وتحبط مكرهم وإفكهم وبهتانهم، وتؤكد أن التاريخ خير دليل على انحراف الرافضة وظلمهم وافتراقهم عن سبيل المؤمنين، وأن الاضطهاد مهما بلغ من وحشية فلا يقتل الدعوات بل يزيدها اشتدادا.

                أهل السنة في إيران

                image 8

                رغم أن الدستور الإيراني ينصّ على ضمان حقوق الأقليات، فإن أهل السنة يواجهون واقعًا مختلفًا على الأرض، يتمثل في قيود واضحة على مؤسساتهم الدينية والتعليمية ومساجدهم. ففي المدن ذات الأغلبية الشيعية يُمنع غالبًا بناء مساجد سنية كبيرة، كما تُقيد الأنشطة الدينية الرسمية، مما يدفع المجتمعات السنية إلى الاكتفاء بمصليات متواضعة أو أماكن عبادة غير معلنة.

                وتشمل القيود أيضًا تقلّص فرص شغل المناصب الحكومية العليا والتمثيل السياسي، الأمر الذي يحد من مشاركة السنة في صناعة القرار على المستوى الوطني.

                وتتعرّض بعض المجتمعات السنية لصور متعددة من التمييز؛ منها صعوبات في التوظيف، وقيود على التعليم الديني، وتهميش في الإعلام الرسمي. وتؤدي الضغوط الاجتماعية والأمنية إلى إحجام كثيرين عن التعبير العلني عن هويتهم.

                وتشهد بعض المناطق السنية، مثل بلوشستان، نشاطات مسلحة محدودة، وهو ما يدفع السلطات إلى تشديد الرقابة الأمنية، وينعكس على الحياة اليومية للسكان السنة، ويزيد من تعقيد أوضاعهم.

                توصيات لأهل السنة للثبات والحفاظ على هويتهم

                1. تعزيز التعليم الديني والثقافي
                  عبر حلقات تعليم الفقه والعقيدة والتاريخ الإسلامي، وتمكين الشباب من فهم شبهات المخالفين والرد عليها بعلم وحكمة.
                2. الاستفادة من المنصات الرقمية
                  من خلال إنشاء مدارس إلكترونية، ومنصات تعليمية قادرة على تجاوز قيود الدولة على بناء المؤسسات الدينية.
                3. تقوية الروابط المجتمعية
                  عبر توثيق علاقات التعاون مع المكوّنات المحلية والأقليات الأخرى، لبناء بيئة أكثر توازنًا وتفاهمًا.
                4. دعم المبادرات الثقافية والمجتمعية والاقتصادية
                  التي تهدف إلى خدمة قضايا السنة في إيران، سواء داخل البلاد أو عبر الجاليات في الخارج. مع السعي على تحقيق القوة الاقتصادية لأهل السنة ودعم مشاريعهم الخاصة.
                5. توثيق الانتهاكات
                  وتفعيل التواصل مع المنظمات الحقوقية والوسائل الإعلامية الدولية لنقل معاناة المجتمعات السنية بطريقة مهنية ومؤثرة.
                6. ترسيخ الهوية لدى الشباب
                  بالتربية على الانتماء، وتعليم السيرة والتاريخ الإسلامي، وتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على الصمود الفكري بإدامة الوصال بالسابقين الأولين وجيل الفاتحين الأوائل.
                7. تشجيع القراءة والبحث العلمي
                  والاطلاع على مصادر سنية متنوعة، لبناء وعي ديني مستنير ومستقل. وتربية الأجيال على الاستعلاء بالإيمان.
                8. تفعيل الحضور عبر وسائل التواصل
                  لنشر الثقافة السنية، وتعزيز الروابط مع أهل السنة في العالم الإسلامي، وتطوير شبكات دعم متبادلة والتصدي للرواية الرافضية والفتاوى الشاذة التي يعتنقون.
                • أهل السنة في إيران يمثلون أقلية تواجه تحديات كبرى، وجهاد الطغاة عبادة تغير موازين القوى، فدعم الحركات الجهادية السنية في هذه المنطقة يعد من أسباب تحرير إيران من قبضة الولي الفقيه المتشددة. كما أن التصدي لتمدد أذرع إيران في خريطة العالم الإسلامي من أسباب نصرة أهل السنة في إيران ومن أسباب كسر حدة الهيمنة الإيرانية المتشددة. وكل جهد في الجهاد يصل لأي ميدان من ميادين المراغمة، هو من النصرة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم.

                إلى هنا انتهت رحلتنا في محور إيران الزمني إلى محور ولاية الفقيه الطائفي الذي تلقى ضربات قوية، فتحت أمامه جميع السيناريوهات لحرب أو سلم، لانهيار أو تجاوز ولو مرحلي.

                لقد أظهر تاريخ إيران الحديث أن البلاد تدفع ثمنًا باهظًا للانفعالات الأيديولوجية والاصطفافات المذهبية التي انحرفت عن نهج المؤمنين الأوائل منذ زمن الدولة الصفوية الضالة، وأن الشعارات الثورية مهما ارتفعت، فإن الواقع يكشف هشاشتها وخبث مقاصدها، حين يغيب العدل ويعم الظلم والاضطراب والفساد في الأرض.

                إن التجربة الإيرانية تقدم درسًا واضحًا على أن الثورات ذات النزعة الطائفية، مهما ادعت رفع راية الدين، تنتهي إلى دول مأزومة منقسمة، تتخبط في تناقضاتها الداخلية، ومستنقع أحقادها الوحشية، ويُنهكها الاستبداد والاحتقان، فلا تنعم بالاستقرار ولا تستقيم بها شؤون الناس. وكم من طموح جشع متعجل جرّ على أصحابه الهلاك!

                اللهم كن لأهل السنة في إيران عونًا ونصيرًا، وأصلح حالهم، ومكّن فيهم الأقوياء الأمناء، واهدِ البلاد إلى ما فيه العدل والصلاح كما أصلحته أيدي السابقين الأولين من الصحابة والفاتحين.

                المصادر:

                عبد الله النفيسي، إيران والخليج العربي.
                إحسان إلهي ظهير، الشيعة والسنة.
                محمد سرور زين العابدين، وجاء دور المجوس.
                دراسات مركز البيان للبحوث والدراسات، إيران بعد الحرب العراقية الإيرانية.
                وثائق وكالة المخابرات الأمريكية المنشورة حول فضيحة إيران–كونترا.
                GAMAAN – “Iranians’ Attitudes Toward Religion: A 2020 Survey Report” (تقرير كامل ومنهجية.
                Religions (MDPI), 2025. تحليل علمي حديث للعوامل الاجتماعية-الثقافية.
                بيانات مقارنة عن ممارسة الدين وأهميته في إيران ومناطق أخرى.
                Pew Research Center
                تقارير البنك الدولي عن تأثير الحرب والعقوبات على اقتصاد إيران
                أهل السنة والجماعة في إيران قبل ثورة الخميني وبعدها – المركز الإسلامي في بلوشستان، باكستان.
                تقارير توثيقية من العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بشأن أهل السنة في إيران
                تقارير صحفية وإعلامية كثيرة لتتبع أحداث إيران وتصريحات مسؤوليها.

                النشرة البريدية

                بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

                Subscription Form

                شارك
                الاشتراك
                نبّهني عن
                guest

                0 تعليقات
                الأقدم
                الأحدث الأكثر تصويت
                Inline Feedbacks
                عرض جميع التعليقات
                0
                Would love your thoughts, please comment.x
                ()
                x